كانت القبلة في ابتداء الإسلام بيت المقدس، ثم نسخت وحولت إلى الكعبة بدليل ما روى ان النبي ﷺ مكث بـ مكة ثلاث عشرة سنة بعد أو اوحي إليه، وقبلته بيت المقدس، وكا يقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل القبلتين فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه استقبال الكعبة، لأن المدينة على يسار الكعبة، ومن استقبل بيت المقدس بـ (المدينة) يكون مستدبر الكعبة، وكان يشق ذلك عليه، وكان يتمني أن تكو قبلته الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵇، وأيضا فإن اليهود كانوا يعيرونه بذلك، ويقولون: هذا لو كان نبيا حقا لكان له قبله دون قبلتا، فشاور في ذلك، جبريل ﵇ يوما، فقال جبريل: إنك لعبد عند الله تعالى بمكان وإنا لا نؤمر بالسؤال فسل الله تعالى تعطه، وفي رواية تجب، فخرج النبي ﷺ ذات يوم بعد ما صلى الظهر إلى الصحراء ودعا الله تعالى، وكا يقلب عينيه إلى السماء انتظارًا للوحي، فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، الآية فسر به النبي ﷺ سرورًا شديدًا، ثم رجع وصلى العصر نحو الكعبة، وفي القوم رجل من أهل قباء فخرج في الحال إلى قباء وكان القوم في صلاة العصر، فأخبرهم بأن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا على صلاتهم، فلما سمع اليهود ذلك، قالوا للمسلمين، إذا قد ضاعت صلواتكم التي صليتموها نحو: (بيت المقدس) فأنزل الله تعالى، قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، أي: صلواتكم.
[ ٢ / ٦٧١ ]
قال المزني: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد صلاة فريضة، ولا نافلة، ولا سجود قرآن، ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام ما كا يقدر على رؤيته إلا في حالتين:
إحداهما: النافلة في السفر راكبًا وطويل السفر وقصيره سواءٌ.
وروى عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر، أينما توجهت به، وأنه ﷺ كان يوتر على البعير، وأن عليًا، ﵁، كان يوتر على الراحلة.
قال الشافعي: وفي هذين دلالة على أن الوتر ليس بفرض، ولا فرض إلا الخمس، لقول النبي ﷺ للاعرابي حين قال: هل علي غيرها؟ فقال النبي ﷺ لا إلا أن تطوع.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: استقبال القبلة في جميع الصلوات شرط إلا في حالتين:
إحداهما: في النافلة في السفر.
والثانية: في حال المسابقة.
أما النافلة في السفر على الراحلة يجوز إذا كات المواضع التي يلاقيها بدنه
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وثوبه طاهرة من السرج، والإكاف والقربوس وغيره، فأما إذا كان آخذا باللجام وكانت الحكمة نجسة، فيه وجهان بناء على ما إذا صلى وبيده حبل، وأحد طرفيه مشدود في عنق كلب، هل تصح صلاته أم لا؟
فيه وجهان كذا وكذا، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويوميء فيهما إيماء، ولو سجد على ظهر الدابة، ووضع جبهته على السرج، وكانت الشكيمة بيده يجوز أيضًا، ولكن لا تجب عليه ذلك، فأما إذا وطئت الدابة نجاسة لا تبطل صلاته، كما لو صلى على سرير وقوائمه في النجاسة، وهل يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة أم لا؟
ينظر فيه، فإن كان سفره نحو القبلة لا خلاف أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة، فأما إذا لم يكن سفره نحو القبلة، ووجه دابته لا إلى القبلة، ولا إلى الطريق الذي يريده، فإنه يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم يحول وجه دابته نحو الطريق.
فأما إذا كان وجه دابته نحو الطريق الذي يريده، نص في موضع على أنه يلزمه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة، ونص في موضع آخر على أنه لا يلزمه ذلك.
اختلف أصحابنا فيه، ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه أن يستقبل القبلة في سائر أركان الصلاة.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
والثاني: أنه يلزمه ذلك، لأنه لا يشق عليه استقبال القبلة عند الشروع في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل المسألة على حالين، حيث قال: يلزمه ذلك أراد به إذا لم تكن الإبل، وكان يتعذر عليه تحويل وجهها إلى القبلة، فأما إذا شرع في الصلاة، ثم حول وجه الدابة عن القبلة، وكان طريقه نحو القبلة، إن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا، فإن كان يسيرًا لا تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا.
قال الشافعي: ولو تمادى وكان مخطئًا، أو ساهيًا تبطل صلاته.
هذا النص يدل على أن العمل الكثير مع السهو يبطل الصلاة، والأكل الكثير مع النسيان يبطل الصوم، وفي الكل وجه آخر انه يعذر فيه؛ لوجود النسيان، كما لو كان يسيرًا، فأما إذا تحولت الدابة بنفسها، وعدلت عن جهة القبلة، فإن ردها إلى جهة القبلة فلا كلام، وإن تركها كذلك، وكان عالمًا بذلك بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا فعلى ما ذكرنا، فأما إذا أعداها، وأجراها جريًا شديدًا فإن كان له فيه غرض بأن فعل ذلك لخوفه من عدو ونحوه لا تبطل صلاته، وإلا فوجهان.
فأما إذا كان ماشيًا فإنه يلزمه استقبال القبلة في ثلاثة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود، وينبغي أن يسجد على وجه الأرض، ولا يلزمه الجلوس في التشهد والسلام، ولا استقبال القبلة فيما بينهما.
فأما إذا كان سفره نحو القبلة فيلزمه استقبال القبلة في جميع الصلاة، ولو تخطي على النجاسة بطلت صلاته، فأما إذا كانت النجاسة بين خطوتيه على الأرض، ولم يصبها رجلاه، فيه وجها بناء على ما إذا سجد على الأرض، وكان عليها نجاسة بحذاء صدره ولم تلاقها ثوبه، هل تبطل صلاته أم لا؟
فيه وجهان، فأما إذا عدا عدوًا شديدًا إن كان الغرض له في ذلك لا تبطل صلاته.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
فيه وجهان وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: تجوز النافلة في السفر راكبًا، ولا تجوز ماشيًا.
قلنا: إحدي حالتي السفر فتجوز الصلاة فيها دليله الحالة الأخرى.
قال القفال: سألت الشيخ أبا زيد فقلت له: لماذا جوز الشافعي، ﵁، صلاة النفل في السفر راكبًا وماشيًا غير مستقبل القبلة؟
قال: لأن للناس أورادًا كثيرة، وربما تحتاج إلى الخروج في السفر في معاشه ومكاسبه، فلو قلنا: إنه لا يجوز له النافلة في السفر، لأدى ذلك إلى أن يشتغل بالأوراد وينقطع عليه معاشه.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله الخضري عن هذا.
فقال: ربما كان للإنسان أوراد كثيرة، وخرج إلى السفر في بعض حوائجه، لأمر معاشه ومعاده، فلو قلنا: لا يجوز له النافلة في السفر لأدى ذلك إلى أن يشتغل بأمر معاشه، وتنقطع أوراده.
قال القفال ﵀، انظروا إلى فضل ما بين العقيدتين، فإن أبا زيد كان رجلا زاهدًا عالمًا، وكان مشتغلا بعبادة الله تعالى، فلهذا قدم أمر الدين على أمر الدنيا في الجواب عنه.
فأما أبو عبد الله فإنه كان مشغولا بأمر الدنيا، وكان يصلي مثل ما يصلي الفقهاء في العادة، فلهذا قدم أمر الدنيا على أمر الدين، فأما إذا كان في الحضر عامة أصحابنا على أنه لا تجوز النافلة في الحضر راكبًا.
وحكم عن أبي سعيد الإصطخري أنه كان يقول بأنه يجوز، ووروى أنه كان محتسبًا بـ (بغداد)، وكان يطوف في السكك، ويصلي راكبًأ، فأما إذا صلى ماشيًا في الحضر، فهل يجوز أم لا؟
[ ٢ / ٦٧٥ ]
يترتب على ما إذا صلى راكبًا، إن قلنا ذاك لا يجوز فهذا أولى به، وإن قلنا بأن ذاك يجوز فها هنا وجهان، والفرقُ أنه إذا كان ماشيًا في الحضر لا ضرورة به إلى ذلك لأنه يمكنه أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ما شاء، بخلاف ما إذا كان راكبًا.
فرع
إذا كان على الراحلة في السفر، وكان يمكنه أن يصلي النافلة نحو القبلة، فهل يلزمه ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، ولا يجوز له ترك استقبال القبلة بالاختيار من غير ضرورة، كما إذا كان طريقه نحو القبلة.
والوجه الثاني: أنه يجوز له ترك استقبال القبلة، لأن ذلك وقع نادرًا، فصار كما إذا لم يمكنه ذلك، فأما إذا أمكنه أن يصلي على ظهر الفيل قائمًا مستقبل القبلة إن كان الفيل مشدودًا جاز، كما لو كان على سرير وإن كان يسير في الأرض ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما إذا كان في سفينة، وهي تجري في البحر.
والثاني: لا يجوز؛ والفرق بينهما أن العادة جارية بأن الإنسان يبقي في السفينة شهرًا ودهرًان فتجعل السفينة في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البرى وها هنا ما جرت العادة بأن يبقى الإنسا على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم، وقد قيل بالفرق بينهما أن فعل الدابة مضاف إلى صاحبها بدليل أنه لو طاف راكبًا يجوز وبدليل أنه لو دخل دار إنسانن وهتك حرزه، وأخذ المتاع، ووضعه على ظهر الدابة وأخرج الدابة من الحرز يلزمه القطع، كما لو أخرجه بنفسه بخلاف السفينة إلا أن هذا لا يصح وذلك أن الدابة كما
[ ٢ / ٦٧٦ ]
احتاجت إلى مسير يسيرها، فالسفينة احتاجت إلى مجرى يجريها فلا فرق بينهما، فأما إذا كان في السفينة فلا يجوز له أن يصلى الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، خلافا لأبي حنيفة، واستدل بما روى أنس بن سيرين أن أنس بن مالك كان يصلي في السفينة الفريضة قاعدًا.
قلنا: نحمله على ما إذا كان لعذر من دورا الرأس وغيره، وعندنا إذا كان بهذه الصفة يجوز أيضا، فأما إذا هبت الريح، وحولت السفينة من جانب إلى جانب حتى حولت وجهه عن القبلة، فإنه لا تبطل صلاته، بخلاف ما إذا كان في الصلاة في البر، وجاء إنسان وحول وجهه عن القبلة فإنه تبطل صلاته، والفرق بينهما أن هذا نادر، فلهذا تبطل به الصلاة، وفي البحر عذر عام، لأن الغالب أن الرياح تهب وتحول السفينة من جانب إلى جانب في ساعة واحدة مرارًا كثيرة.
فرع:
إذا كان على الدابة في السفر، ودخل عليه وقت الصلاة، وكان يخاف من أنه لو نزل وصلى الفريضة على وجه الأرض ربما ينقطع عن الرفقة، أو يخاف على نفسه، أو على ماله، فإنه يصلي على ظهر الدابة لحرمة الوقت.
وهل يلزمه إعادة تلك الصلاة؟
قال القاضي ﵀: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لو كان في حالة المسابقة، ويخاف على نفسه، فإنه يصلى على حسب حاله ولا يعيدها.
والثاني: أنه يلزمه ذلك؛ لأن هذه عذر نادر لا يدوم بخلاف حالة المسابقة، والله أعلم بالصواب، فأما إذا شرع في صلاة النافلة راكبًا، ثم وصل بلد إقامته،، أو بلغ المنزل فإنه ينزل من البداية، ويبني على صلاته.
إذا قلنا: إنه لا تجوز النافلة على الراحلة في الحضر.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وإن قلنا: بأنها تجوز، فإنه لا يلزمه النزول من البداية، بل له أن يتمها على ظهر الدابة، فأما إذا اجتاز ببلدة في وسط الطريق، ولم ينو الإقامة فيها، بل دخلها مجتازًا ينظر فيه، فإن لم يكن له فيها أهل ومال، فإنه لا يلزمه النزول، بل يصلي راكبًا، وحكمه حكم المسافرين.
فأما إذا كانت بلدة له فيها أهل، ومال وغيرهما مثل أن كان في (مرو الروز) مسافر من بلخ إلى نيسابور، فاجتاز في وسط الطريق بـ (مرو الروز) أم لا؟
فيه جوابا بناء على انه إذا دخل فيها، هل يجوز له الترخص برخص المسافرين من القصر والإفطار ونحوه؟
وفيه قولان بناء على ما لو كان في لجة البحر في سفينة، أو كان في وسط المفازة ونوى الإقامة هل يصير مقيمًا أو لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يصير مقيمًا اعتبارا بالنية
والثاني: لا لعدم الأهل والمال وصلاحية المحل.
إن قلنا: هناك يصير مقيمًا لوجود النية، فها هنا لا يصير مقيمًا لعدم النية منه، وإن قلنا: لا يصير مقيمًا لعدم الأهل والمحل، فها هنا يصير مقيمًا فيه لوجودهما.
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ، كان يصلي على راحلته، في السفر أينما توجهت به، وأنه ﵇ كان يوتر على البعير، وأن عليا كان يوتر على الراحلة.
قال: وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وأراد به ردًا على أبي حنيفة: حيث قال: إنه واجب، لأنه لو كان واجبًا لما فعله النبي ﷺ، على البعير كسائر الواجبات.
والدليل على أنه ليس بواجب ما روى أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، كم علي من الصلوات في كل يوم وليلة؟ فقال عليه
[ ٢ / ٦٧٨ ]
السلام: خمس صلوات، فقال الأعرابي: هل علي غيرها يا رسول الله؟ فقال ﵇: لا إلا أن تطوع.
وجه الدليل منه من خمسة أوجه:
أحدهما: أنه سئل عن الصلوات الفرض، فقال: خمس صلوات، فلو قلنا: إن الوتر فرض لأدى ذلك إلى أن الفرض ست صلوات، وهذا يخالف قوله ﵇ فلا يجوز.
والثاني: أنه قال: هل علي غيرها؟ فقال: لا يعني بدون الخمس.
والثالث: قال: إلا أن تطوع سمى ما زاد على الصلوات الخمس تطوعًا.
والرابع: في آخر الحديث الأعرابي، قال، والله لا أزيد ولا أنقص، فقال له النبي ﷺ: أفلح الأعرابي إن صدق.
وفي رواية: دخل الأعرابي الجنة إن صدق.
وفي رواية من أراد أن ينظر إلى وجه رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى وجه الأعرابي، فلما حلف أنه لا يزيد عليه لم ينكر عليه النبي ﷺ.
والخامس: أن النبي ﷺ مدحه، وأثني عليه إذا سمع منه هذا القول، ولو كان الوتر واجبًا عليه لما استحق به المدح والثناء، وإنما استحق اللوم والتوبيخ والعقاب، لأن حد الواجب ما يستحق اللوم على تركه لا ما يستحق البناء على تركه.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
قال المزني: والحالة الثانية: شدة الخوف/ لقول الله ﷿، فإن خفتم، فرجالا أو ركبانًا.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال القاضي حسين: إنما اشتغل ببيان الوتر في خلال الحالتين، ويكون ذلك اعتراضًا في الكلام، وهذا سائغ في لغة العرب، وقد تقدم ذكره إذا كان في حال المسابقة يجوز له أن يصلي الفريضة ماشيًا وراكبًا، ومستقبل القبلة أو غير مستقبلها، كيف ما أمكنه ذلك، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يصلي فيه راكبًا ولا يصلي ماشيًا، والدليل عليه قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا، الآية.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبلها.
قال نافع: لا أرى أنه يذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ
قال المزني: فلا يصلي في غير هاتين الحالتين، إلا إلى البيت، إن كان معاينًا، فبالصواب، وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد بالدلائل على صواب جهة القبلة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه في غير هاتين الحالتين لا تجوز الصلاة إلا مستقبل القبلة، ثم يظر فإن كان بـ: (مكة) لا يجوز له أن يؤدي الفريضة بالاجتهاد لأن الاجتهاد في محل النص محال، سواء كان يصلي مشاهد الكعبة او كان في دار من دور مكة وجب عليه إصابة عين الكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة، ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيا للكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيًا للكعبة دون البعض ففيه قولا يقربان مما إذا طاف بالبيت فإنه يبتديء الطواف من الحجر الأسود، وينبغي أن يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه فلو أنه يحاذي الحجر ببعض بدنهن هل يحسب له ذلك الشوط من الطواف أم لا؟
فيه قولان كذا هذا مثله، فأما إذا صلى بالجماعة عند الكعبة فإن الإمام يقف عند مقام إبراهيم ﵇ ويستقبل الكعبة.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
فأما المأمومون فينبغي لهم أن يقوموا حوالي الكعبة حتى يكون الكل محاذين للكعبة.
فأما إذا سووا الصفوف من وراء الإمام، فكل من كان محاذيًا بالجهة الكعبة بجميع بدنه لا تصح صلاته، وكل من كان محاذيًا للكعبة ببعض بده دون البعض ففيه قولان، وهكذا حكم الصف الثاني والثالث.
وقال أبو حنيفة: تصح صلاة الكل، لأن عنده إصابة عين الكعبة ليست بشرط بل إصابة جهة الكعبة شرط، وهكذا عندنا من كان غائبًا عن الكعبة الصحيح أنه ينوي ويعتقد إصابة عين الكعبة، وفيه قول آخر ينوي إصابة جهة الكعبة، والنص يدل عليه، لأنه قال: وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد وبالدلائل على صواب جهة الكعبة، وقال بعده: ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى المغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، فإن قيل: كيف يعتقد من كان غائبًا عنها إصابة عين الكعبة، ولا يمكن لكل من كان غائبًا أن يقف محاذيًا لها؛ لأن عين الكعبة صغير.
قلنا: الشيء إذا وقع في محاذاة الشيء فكل ما كان أبعد منه كان أقرب منه محاذاة، ألا ترى أن قرص الشمس مثل رغيف في أعيننا، ومع ذلك يمكن لكل واحد من المشرق إلى المغرب محاذاتها مع ما بينهما من البعد، وكذلك لو كان جماعة في صحراء، فظهر لهم ميل، وكل واحد منهم يقول: إنه يحاذي الميل، وإن كان إذا دنا منهم في الحقيقة واحد منهم كان محاذيًا له لا غير كذا هذا مثله.
فأما إذا صلوا خلف الإمام حلقة حول الكعبة، فإن كان بعض المأمومين أقرب إلى البيت من الإمام ينظر فيه، فإن كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها لا يضر، وإن كان في الجهة التي توجه الإمام إليها لا تصح صلاته، والحد منه أنه
[ ٢ / ٦٨١ ]
إذا تقدم المأموم في الجهة التي يتوجه الإمام إلى تلك الجهة لا تصح صلاته، لأنه لا يتحقق منه الاقتداء به لتقدمه على الإمام في تلك الجهة.
وقال مالك: تصح صلاته كما لو تقدم عليه، وكان في غير الجهة التي توجه إليها الإمام، وهكذا قال في سائر الأماكن قياسًا على هذا الموضع.
وقيل: إن هذا قول قديم للشافعي، والفرق بينهما ما ذكرنا أن في سائر الأماكن فيما إذا كان في الجهة التي توجه الإمام إليها كان مستدبرا للإمام، فلا تصح صلاته بخلاف ما إذا كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها.
فأما إذا كان الإمام والقوم في البيت فإنه لو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه، أو استدبرهم وهم يستدبرونه، أو وقف الإمام بجنب المأموم على يمينه، أو على يساره، فإنه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم الإمام وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم، لأنهم تقدموا على الإمام في الجهة التي توجه الإمام إليها، فلا تصح صلاتهم كما لو كان خارج البيت فلو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح، ولو استدبرهم الإمام وهم يستقبلونه تصح، ولو استدبرهم وهم يستدبرونه أيضًا لا تصح، لأنهم لم يتوجهوا نحو القبلة.
فأما إذا كان الإمام خارج البيت والقوم في البيت، فلو استقبلهم الإمام، وهم يستقبلونه تصح، وإن استدبرهم أو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم ولو وقفوا بحذاء الباب، وكان الباب مجافًا أو كان مفتوحًا، وكانت العتبة قدر مؤخرة الرحل حكمه حكم سائر الجوانب، وإن كانت لاطئة بالأرض، ولم يبلغ طولها ذلك القدر، وكان يحاذي للباب، فإنه لا تصح صلاته لأنه لم يتوجه إلى غير الكعبة.
وقال مالك: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وقال أبو حنيفة: المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق، والجنوب قبلة لأهل الشمال، والشمال قبلة لأهل الجنوب.
فأما إذا كان نائيًا عن (مكة) نظر فيه، فإن كان بـ (المدينة) فلا يجوز له أن يجتهد في القبلة أيضا يصلي نحو قبلة مسجد النبي ﷺ لأنه كالنص أيضا، فأما إذا كان في غير المدينة من سائر البلاد، فإذا دخل مسجدًا، وفيه محاريب لا يجوز له أن يجتهد في القبلة، بل يصلي مستقبل القبلة باعتبار تلك المحاريب، ولو استدبر تلك المحاريب لا يجوز.
فأما إذا انحرف عنها قليلا بالاجتهاد يجوز، فأما إذا دخل مسجدا منها في ليلة ظلماء فإن وجد فيه محرابًا يصلي إلى جهته، وإن لم يجد شيئًا من المحاريب يصلي على البحث ويقضي، وإن وجد فيها كوة واحدة فإنها كالمحراب، فأما إذا كان فيه ثقب كثيرة على جوانب المسجد، وكان الكل على نمط واحد، فإنه يصلي ويعيد، فلو كان على واحدة منها علامة المحراب بأن كان بجنبه وتد السراج ونحوه، فإنه يصلي نحوه ولا يعيد.
فأما إذا كان في الصحراء وهناك محراب متخذ من حجر وغيره، فإن كان ذلك الطريق مما يمد به الخلق كثيرًا والجم الغفير، وكان المحراب قديمًا فإنه يصلي نحوه ولا يجتهد في القبلة، فإن كان المحراب محدثًا أو لم يمر به الخلق الكثير فإنه لا يصلي به، بل يجتهد في عين القبلة، فأما إذا كان في الصحراء، ولم يجد المحراب فإنه يجتهد في القبلة، ويصلي حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه يعيد الصلاة وإن أصاب عين الكعبة كما لو حكم الحاكم من غير الاجتهاد جزافًا فإنه لا يصح، وإن أصاب حكمه موافقًا للنص والقياس.
فأما معرفة دلائل القبلة، هل تكون فرضًا على الكافة، أو فرضًا على الكفاية؟
[ ٢ / ٦٨٣ ]
فعلى قولين: أحدهما: أنه يكون فرضًا على الكافة، لأنه لا يتعذر على كل أحد معرفتها، بخلاف دقائق المسائل.
والثاني: يجب على الكفاية، فعلى هذا إذا كان في الصحراء فإن أدى اجتهاده إلى جهة أو لم يكن م أهل الاجتهاد إن قلنا: إن المعرفة دلائل القبلة تكون فرضًا على الكافة، فليس له أن يقلد أحدًا في ذلك، بل يصلي على التبخيت ويعيد.
وإن قلنا: يكون فرضًا على الكفاية، فعلى هذا يقلد من كان عارفًا بها، ويصلي ولا يعيد، وحكم الأعمي إذا دخل مسجدا في البلدة كحكم البصير إذا دخل ذلك المسجد في ليلة ظلماء وقد ذكرنا.
وأما معرفة القبلة إنما يكون بدلائل كثيرة أقواها القطب، وأضعفها ريح الشمال، فأما القطب فإنه كوكب صغير في بنات نعش الصغرى، فينبغي أنه إذا وقف الإنسان في الصلاة أن يكون ذلك الكوكب خلف أذنه اليمني بحيث إنه لو سلم أول تسليمة يقع بصر عينه اليمني عليه، وقد يستدل أيضًا عليها بالشمس والقمر والنجوم وكذلك إذا هبت ريح الشمال في بعض البلاد، فإنه يمكن أن يستدل بها على جهة القبلة، لأنها تهب على يسار القبلة، فيجعلها الإنسان على يمينه ويصلي إلى تلك الجهة، وتصح صلاته وهو أضعف الدلائل عليه، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٦٨٤ ]