قال الشافعي - ﵀ - ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت، واحتج بقوله ﷺ: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
قال ﵁: الأواني على قسمين:
قسم يتخذ من الجلود، وقسم يتخذ من غير الجلود.
فأما ما يتخذ من الجلود، ينظر، فإن كان من مأكول اللحم، وكان زكيا فيكون طاهرا، إلا أن يكون متضمخا بالدم، فإن ذلك يكون نجسًا، فيجب غسله، وإن كان ميتًا فإن الجلد ينجس بالموت على مذهب عامة العلماء،
وقال الزهري: الجلد لا ينجس بالموت.
[ ١ / ٢١٢ ]
لنا ما روي أنه ﵇ مر بشاة ميتة لميمونة، ملقاة على مزبلة، فقال هلا أخذتم إهابها فنتفعتم بها؟
فقالوا يا رسول الله، إنها ميتة، فقال ﵇: دباغها طهورها، وروي أنه قال: إنما يحرم من الميتة أكلها.
ويدل عليه قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة.
قالوا: لو كان ينجس بالموت لما يطهر بالدباغ كاللحم.
قلنا: إنما يطهر بالدباغ ما كان يؤثر فيه الدباغ.
والدباغ إنما يؤثر في الجلد دون اللحم.
وقال أحمد بن حنبل: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.
[ ١ / ٢١٣ ]
دليلنا ما روينا من حديث شاة ميمونة، وبقوله ﵇: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى لا يختص بمأكول اللحم لا غير، وقال أبو ثور والأوزاعي: إن كان جلد حيوان مأكول اللح يطهر بالدباغ إذا مات، وإن كان غير مأكول اللحم، فلا يطهر جلده بالدباغ إذا مات.
دليلنا: الخبر الذي روينا، ولأنه جلد ميتة يكون طاهرًا في حالة الحياة، فوجب أن يطهر بالدباغ.
دليلة: جلد ما يؤكل لحمه.
وهذا؛ لأن الدباغ يرد الجلد إلى حاله الأولى، وفي الابتداء الجلد يكون طاهرًا كيف ما كان، كذا بعد الدباغ وجب أن يكون مثله.
فالواحد مطهري الجلد، فوجب أن يؤثر في مأكول اللحم لا غير، كالزكاة.
[ ١ / ٢١٤ ]
قلنا: الدباغ أقوي في التطهير من الزكاة، لأن الزكاة تمنع حلول النجاسة، والدباغ يرفع النجاسة اللازمة فيه، والرافع يكون أقوى من المانع، كالعدة مع الردة والرضاع، فإن الردة والرضاع أقوي من العدة.
وقال مالك يطهر الجلد ظاهرًا، ولا يطهر باطنًا، لأن العفص الذي ينثر عليه إنما يؤثر في الظاهر دون الباطن.
وهذا لا يصح، لأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، بدليل أنه يستخرج منه الفضول التي في باطنه، ويصيره إلى حالة لو أصابه الماء لا يفسده.