قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرهما بغائط ولا ببول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهي عن الروث والرمة.
قال الشافعي: وذلك في الصحارى، لأن النبي ﷺ قد جلس على لبنتين مستقبل بيت المقدس، فدل أن البناء مخالف للصحاري.
قال القاضي حسين الاستطابة والاستجمار والاستنجاء واحد، لأن الاستطابة طلب الطيب.
والاستجمار: طلب الجمار والأحجار.
والاستنجاء: إزالة النجاسة، النجو، وهو العذرة.
فالكل عبارة عن إزالة النجو عن محل مخصوص، والأصل فيه ما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار.، ونهي عن الروث والرمة.
[ ١ / ٣٠٧ ]
قوله: إنما أنا لكم مثل الوالد.
له تفسيران.
أحدهما: أن شفقتي عليكم كشفة الوالد على ولده، وأقيكم من عذاب النار كما يقي الوالد ولده من النار.
والثاني: أنه قصد أن يذكر أمرًا يحتشم فبدأه بأن قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، يعني: لا تحتشموا مني في تعلم آداب الطهارة وأمورها، كما لا يحتشم الولد من الوالد، ثم قال: (إذ جاء أحدكم الغائط): اسم للمكان المطمئن من الأرض، إلا أنه سمى النجو باسمه، ويعبر به عنه مجازًا، لكثرة خروج الناس إليه عند الحاجات.
ثم قال: (ولا يستقبل القبلة): لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى للغائط والبول، ويجوز كلاهما في البنيان.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستقبال فيهما، وعنه روايتان في الاستدبار:
[ ١ / ٣٠٨ ]
إحداهما: يجوز فيهما.
والثانية: لا يجوز فيهما.
والحديث محمول على أن النهي ورد في الصحاري بدليل ما روي عن النبي ﷺ أنه جلس في بيت حفصة على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته، ومن كان مستقبلا بيت المقدس بالمدينة كان مستدبر الكعبة، فدل على أن البناء مخالف للصحاري فيه، والبنيان ما كان مستقفا، أو كان محوطا، ويمكن تسقيفه فليس حكمها حكم البنيان إلا إذا كان بين يديه سترة من جدار وغيره، بحيث يستر أسفل بدنه، فإن حكمه حكم البنيان لما روى عن ابن عمر أنه حفزه البول، فأناخ راحلته، فتوجه للقبلة وبال قائمًا.
ولأي معنى يكره الاستقبال والاستدبار في الصحارى؟
فيه معنيان:
أحدهما: أن الصحارى لا يخلو عن مصلى يصلي فيه من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع على فرجه فيتأذى به، فأما الحشوش في البنيانات، فإنها موضع الشياطين، فيخلو عن المصلين فيه.
[ ١ / ٣٠٩ ]
والثاني: أن الصحارى المكان فيها واصع، فلا تلحقه المشقة في ترك الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان، فإن المكان فيه ضيق، فربما تلحقه المشقة في ترك استقبال القبلة واستدبارها واتخاذ المستجمر والخلاء بجانب آخر، فلا يكون منهيا في البنيان، ثم قال ﵇، (وليستنج بثلاثة أحجار).
العدد شرط في الاستنجاء.
وأصل الاستنجاء واجب بدليل هذا الخبر، وإنما يكون الاستنجاء بالأحجار إذا لم يعدو المخرج، على ما سنبين بعده إن شاء الله تعالى.
ثم نهي عن الروث والرمة.
لا يجوز الاستنجاء بالأشياء من: (الروث والبعر والعذرة والسرجين، وأراد بالرمة العظم).
ونبه في خبر آخر على المعنى، وقال: (أما الرمة فإنها زاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فعلف دوابهم).
قال الشافعي: وإن جاء من الغائط، أو خرج من ذكره، أو من دبره شيء، فليستنج بالماء، وليستطب بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع، ولا عظم.
[ ١ / ٣١٠ ]
قال القاضي حسين: الاستنجاء واجب في الجملة، إما بالماء أو بالأحجار، ولا يجب الجمع بينهما، بل يستحب ذلك، ويجوز الاقتصار على كل واحد منهما، إلا أن الأولى أنه إذا أراد الاقتصار على أحدهما أن يقتصر على الماء، لأنه أقوى في الإزالة، حيث يزيل العين، والأثر بخلاف الحجر.
وقال أبو حنيفة، إن كان النجاسة، قدر الدرهم أو أقل فهو عفو، وهكذا قال في النجاسة في سائر البدن، وإن زاد على ذلك، فيجب إزالتها بالماء، ولا يجوز الاقتصار على الأحجار.
والدليل عليه قوله ﵇: (وليستنج بثلاثة أحجار) أمر، والأمر على الوجوب، وروى أنه قال: (لا يجزيء أحدكم في الاستنجاء أقل من ثلاث مسحات).
دل على أن الثلاثة تجزيء.
إذا ثبت هذا؛ فالخارج قسمان: ريح، وعين.
فأما الريح لا توجب الاستنجاء، لأن الاستنجاء كاسمه شرع لإزالة النجو، فإذا خرجت ريح فلم يوجد النجو حتى يزال.
فأما العين فعلى قسمين: رطب، ويابس.
[ ١ / ٣١١ ]
فأما الرطب فعلى قسمين: معتاد مثل البول والغائط، أو نادر مثل القيح، والدم والصديد، وغيره.
فإن كان معتادًا؛ لا خلاف في أنه يجوز الاستنجاء فيه بالأحجار كما يجوز بالماء.
فأما غير المعتاد، ظاهر ما نص ها هنا أنه يجوز الاستجاء فيه بالأحجار، لأنه قال: شيء، ولم يفصل.
وقال في رواية الربيع: لو تخلي دما أو قيحًا، فليس له أن يستنجي بالأحجار. وقال في القديم، لو كان في جوف مقعدته بواسير، بالباء والنون، والصاد والسين، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، فجعل بعض أصحابنا في المسألة قولين:
أحدهما: يجوز الاقتصار فيه على الأحجار، كما في المعتاد.
والثاني: لا؛ لأنه نادر، والرخصة وردت في المعتاد.
ومنهم من قال: قول واحد إنه يجوز.
وما قال في القديم أراد به إذا كان على بشرته قروح وبثور، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، لأنها نجاسة خرجت من الظاهر.
ومنهم من قال: في النقل تصحيف، لأنه قال: ولو كان في جوف معدته بواسير.
فعلى هذا لو انثقبت ثقبة في بدنه، فخرج منه المعتاد، فإن كان تحت المعدة، فلا يخلو إما أن أنسد موضع المعتاد، أو لم ينسد موضع المعتاد، فإن انسد ذلك وخرج المعتاد من هذه الثقبة، لا خلاف أنه تنتقض طهارته.
وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟
فيه وجهان بناء على ما لو خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا هناك: يجوز اعتبارًا بالمخرج، فها هنا لا يجوز.
[ ١ / ٣١٢ ]
وإن قلنا هناك: لا يجوز اعتبارًا بالخارج، فها هنا يجوز.
فعلى هذا تنتقض الطهارة بمس تلك الثقبة.
وهل يجوز الحد بإيلاج الفرج فيها أم لا؟
فيه وجهان، والصحيح أنه لا يجب.
فأما إذا خرج منه غير المعتاد تنتقض طهارته.
وهل يقتصر على الأحجار؟
هل ينبني أيضًا على ما إذا خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا: لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك المخرج معتاد، وها هنا المخرج والخارج كل واحد منهما غير المعتاد.
فأما إذا لم ينسد موضع المعتاد وخرج المعتاد من هذه الثقبة، هل ينتقض به الطهارة أم لا، فيه قولان:
أحدهما: ينتقض لوجود غير المعتاد.
والثاني: لا.
إن قلنا: ينتقض، فهل يجوز فيه الاقتصار على الأحجار؟
فعلى ما ذكرنا من الاختلاف، فأما إذا كانت الثقبة فوق المعدة، فإن لم ينسد موضع المعتاد، فلا ينتقض طاهرته، وإن انسد موضع المعتاد، فهذا ينبني على ما إذا كانت الثقبة تحت المعدة، وخرج منها المعتاد، ولم ينسد موضع المعتاد.
إن قلنا هناك: لا ينتقض وضوءه، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض وضوءه، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك صار الخارج مستحيلا متغيرا لخروجه من المعدة، وها هنا لم يتسحل، ولم يتغير لأنه لم يخرج من المعدة، فأشبه القيء.
[ ١ / ٣١٣ ]
فأما إذا كان جامدًا؟
قال المزني في الجامع الكبير، إن عليه الاستنجاء، ثم قال بعده بأسطر: ولو زجر فيلقي مثل البعرة، فبماذا يستنجي؟
فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجب إذ لا بلل فيه.
والثاني: يجب لأنه لا ينفك عن البلل.
وكذا القولان في المرأة إذا ولدت ولدا ولم تر الدم، هل يجب الاغتسال عليها أم لا؟
فيه قولان: وسيأتي بعد هذا.
قال الشافعي: ولا يمسح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهره بالماء.
قال القاضي حسين: فلو استنجى بحجر، ثم غسله وجففه، لا خلاف أنه يجوز الاستنجاء به ثانيًا، وإن كان قبل التجفيف لا يجوز.
فأما إذا رماه في المضحي حتى شرقت عليه الشمس أو هبت عليه الرياح حتى اندرست نجاسته، ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يجوز به الاستنجاء.
وقال في الإملاء: لو استنجي بحجر، فألقاه في المضحاة حتى شرقت عليه الشمس جاز أن يستنجي به.
وقال في القديم: إذا بيل على الأرض جاز الصلاة عليها.
ولا يجوز التيمم بترابها، فحصل في وقوع التطهير بغير الماء قولان، لما ذكرنا من اختلاف النصين.
إن قلنا: غير الماء يطهر، فقولان آخران:
أحدهما: يطهر الظاهر والباطن.
والثاني: يطهر الظاهر دون الباطن؛ لما قال في القديم.
[ ١ / ٣١٤ ]
وخرج الخضري على هذا وقال: إن قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى، لأنها تحلل النجاسة لقوتها، فعلى هذا لو طبخ آجر من طين نجس يصير طاهرًا وهذا مذهب أبي حنيفة.
قال الشافعي: والاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء.
قال القاضي حسين: فنذكر أولا حكم الاستنجاء من الخلاء، وقد ورد فيه خبر عن النبي ﷺ أنه قال: (حجران للصفحتين وحجر للمسربة).
وقال الشافعي في الكبير: يمسح صفحته اليمني بحجر، وصفحته اليسرى بحجر، ويحلق بالثالث.
ولكن قال أصحابنا: لو فعل هكذا فلا يحصل إلا مرتين.
قال الشيخ أبو زيد: يأخذ حجرًا بيده اليسرى، ويبدأ بمقدم صفحته اليمني، ويضعه في مكان طاهر، ثم يدير الحجر قليلا قليلا، حتى ترفع بكل جزء من الحجر الطاهر جزءا من النجاسة، ولا يجره جرا إلى أن ينتهي إلى مؤخر صفحته اليمني، ثم يمره على الصفحة اليسرى إلى أن ينتهي من الموضع الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا آخر، ويضعه في مكان طاهر من مقدم صفحته اليسرى، ويفعل ذلك مثل ما في الأول، ويديره إلى أن ينتهي إلى المكان الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا ثالثًا، ويحلق به المسربة.
[ ١ / ٣١٥ ]
فإن فعل هكذا صار مستوعبًا جميع المحل بالأحجار الثلاثة.
وكلام الشافعي متأول على هذا المعنى، وإنما قلنا: لا يجره كي لا تتحول النجاسة من محل إلى محل، فحينئذ لا يجزئه إلا الماء، وإنما قلنا: يضعه على مكان طاهر، حتى يحصل له استيعاب المحل بالاستنجاء بالأحجار، كما قلنا في الطهارة: إنه يغسل جزءا من الرأس لاستيعاب الوجه بالغسل، هذا كله إذا كانت النجاسة على المحل الذي لاقاه عند الخروج من الباطن، حتى لو مشي خطوات حتى التصق إحدى الإلتين بالأخرى، وتنتقل النجاسة من محل إلى محل، فإنه لا يجزيء إلا الماء.
فاما إذا لم يكن بجنبه ما يستنجي به، فلو زحف قليلا على رجليه ليأخذ الحجر، ولم تسطك إحدي الأليتين بالأخرى فلا بأس به.
إذا ثبت هذا فقوله: الاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء يعني في الوجوب والعدد.
فأما كيفيته أن يمسح العضو على جدار طاهر، أو أرض طاهرة إذا كانت صلبًا في ثلاثة أماكن.
فلو فعل ذلك في ثلاث مرات في موضع واحد لا يجوز، ولا يجزئه بعده إلا الماء، وكذا لو وضع رأس الإحليل على الجدار ومسحه من أسفل إلى الأعلى لا يجوز، ولو مسح عليها من الأعلى إلى أسفل جاز.
قال الشافعي: ويستنجي بشماله.
قال القاضي حسين: السنة أن يستنجي بشماله، لأن النبي ﷺ نهي عن الاستنجاء باليمين، لأن اليمين معدة للكرامات، فتستعمل في الطاعات، وفيما يعلو من البدن.
والشمال للإهانة فتستعمل في القاذورات.
[ ١ / ٣١٦ ]
قال الشافعي: وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة، من الخزف والآجر، وقطع الخشب، وما أشبه فأنقى ما هنالك أجزأه، ما لم يعد المخرج فإن عدا المخرج فلا يجزئه فيه إلا الماء.
وقال في القديم: يستطيب بالأحجار- إذا لم يتنتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله، والفرق بين أن يستطيب بمينه، فيجزئ وبالعظم، فلا يجزيء أن اليمين أداة، والنهي عنها أدب، والاستطابة طهارة، والعظم ليس بطاهر فإن مسح بثلاثة أحجار، فلم ينق أعاد، حتى يعلم أنه لم يبق أثرا إلا أثيرا لا صفا، لا يخرجه إلا الماء، ولا بأس بالجلد المدبوغ أن يستطاب به، وإن استطاب بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار، إذا أنقي، ولا يجزيء أن يستطيب بعظم، ولا نجس.
قال القاضي حسين: النص ورد في الأحجار، إلا أن عندنا لا يختص جواز الاستنجاء بالأحجار.
وقال داود: أنه يختص به، وقاسه على رمي الجمار.
والفرق بينهما أنه غير معقول المعنى، فإنه لا يدري أنه يعني به الكرامة أو
[ ١ / ٣١٧ ]
الإهانة أو غيرهما، وها هنا المقصود منه الإزالة، فكل ما يحصل به الإزالة يجعل في معناه كالماء وحده.
قال أصحابنا: كل عين جامدة طاهرة قالعة للنجاسات، غير محترمة ولا مخلفة يجوز الاستنجاء به.
وعبر عنه الشيخ سهل الصعلوكي، بأن قال: كل ما نظف ونظف وانصرف فردا ولم يخلف بالاستعمال لهم يتلف يجوز الاستنجاء به، فعلى هذا ما كان لينا مثل الخرقة اللينة، والقطن اللين، والبيضة والزجاجة الملساء لا يجوز الاستنجاء به.
وكذلك ما كان نجسًا أو كان رطبًا لا يجوز الاستنجاء به.
ولو استنجي بشيء من هذه الأشياء، فلا يجزئه إلا الماء بعده.
فأما إذا كان محترمًا لا يجوز الاستنجاء به.
أما الخبر اللين، كما ذكروا الخبز اليابس لا يجوز الاستنجاء به، ولكن لو فعل بجهل فهل يسقط به الفرض؟ وجهان.
وأما العظم، إن كان فيه رطوبة أو دسومة لا يجوز، وإن كان يابسًا خشنًا في سقوط الفرض، به وجهان.
فأما أوراق المصحف لا يجوز الاستنجاء به، ولو اعتقد جوازه يكفر.
ولكن لو فعله تهاونًا ففي سقوط الفرض به وجهان، ولا خلاف في جواز
[ ١ / ٣١٨ ]
الاستنجاء بالأوراق التي يكتب عليها التوراة، وفي هذه المواضع الثلاث إذا لم يحكم بسقوط الفرض عنه، فيجوز بعده الاستنجاء بالحجر، لأن هذه الأشياء في نفسها قالعة للنجاسة، بخلاف الرطب والأملس، لأنها تنقل النجاسة، ولا تقلعها، فأما الحممة.
نص في «البويطي» على أنه لا يجوز الاستنجاء بالحممة، ونص في رواية الربيع على أنه يجوز بالمقابس أو المقانس، من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من قال: بل على حالين:
حيث قال: يجوز؛ أراد به إذا كان صلبًا لا يتناثر، وحيث قال: لا يجوز، أراد به إذا كان رخوًا يتناثر.
فأما التراب نصَّ على جواز الاستنجاء به في القديم.
وقال في موضع آخر: لا يجوز، فحصل فيه قولان.
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
ومنهم من قال: لا يجوز قولا واحدًا، وما ذكره في القديم أراد به إذا كان منعقدًا مثل المدر.
[ ١ / ٣١٩ ]
إن قلنا: يجوز، فيحتاج إلى أن يستنجي أربع مرات، لأنه إذا استنجى به مرة يلتصق التراب بالمحل.
وفي الثانية يتناثر عن المحل.
وفي الثالثة يلتصق بالمحل، فيحتاج إلى المرة الرابعة، كي يتناثر عن المحل، ويستحب له الخامسة لأجل الانتثار، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ما لم يعد المخرج ).
قال القاضي حسين: نقل المزني عن الجديد: إنما يجوز ما لم يعد الخارج المخرج، ونقل عن القديم، يستطيب بالأحجار، إذا لم ينتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله.
ونقل الربيع: ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين.
من أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال إتباعًا للنص.
والأصح أنها على قول واحد كما ذكره في القديم.
والمزني أخلَّ بالنقل في الجديد، حيت ترك قوله وحوله.
ما نقله الربيع موافق له، فإنه إذا لم يخرج إلى ظاهر الأليتين فلم ينتشر إلا ما ينتشر من العامة.
فأما إذا خرجت النجاسة إلى ظاهر الأليتين لا خلاف أنه يغسل بالماء ما ظهر على الأليتين، فأما ما حوالي المخرج، فإن كان متصلا بما على ظاهر الأليتين لا يجزئه إلا الماء أيضا دون الأحجار، لأنه لا يتصور غسل البعض بالماء، لأن رطوبة المغسول تتعدى إلى الباقي.
فأما إذا كان منفصلا عنه وبينهما فرجة، يجوز أن يقتصر فيه على الأحجار.
قوله: (والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزيء، وبالعظم لا يجزيء).
قال القاضي حسين: لأن اليمين آلة صالحة للإزالة، إلا أن الاستعمال منهي، فحصلت به الإزالة معه، فأما العظم ليس بصالح للإزالة، فالقصور في الآلة،
[ ١ / ٣٢٠ ]
فلا تحصل الإزالة، وصار هذا كالتوضؤ بالماء الطاهر في أواني الذهب والفضة يجوز، والتوضؤ بماء الورد في الأواني الخزفية لا يجوز.
قوله: (وإن مسح بثلاثة أحجار فلم ينو أعاد).
قال القاضي حسين: عندنا المعتبر في الاستنجاء بالأحجار أغلظ الأمرين من الإنقاء والعدد حتى لو لم ينق بالثلاث وجب عليه الزيادة حتى ينقي، ولو أنقى بالرابعة استحب له أن يأتي بخامس للإيتار.
ولو أنقي بدون الثلاث لزمه إلى تمام الثالثة تعبدًا، وإن كان المقصود منه معقول المعنى كما قلنا في العدة: إنها شرعت لبراءة الرحم، وذلك يحصل بقرء واحد، ويجب قرءان آخران تعبدا كذا هذا مثله، فلو أنقى بواحدة، ثم ستنقي بعده مرتين، فهل يجوز استعمال تلك الحجرين في وقت آخر أم لا؟
[ ١ / ٣٢١ ]
فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز كما في رمي الجمار.
والثاني لا: لأنه صار مستعملا، وأدي به الفرض، فصار كالماء المؤدي به الفرض مرة.
وقال مالك: لا اعتبار فيه بالعدد، وقاسه على الاستنجاء بالماء، والدليل عليه قوله ﵇: (وليستنج بثلاثة أحجار.).
[ ١ / ٣٢٢ ]
وظاهر الأمر على الوجوب، ولأنها عبادة ورد الشرع فيها بالأحجار، فتستوي فيها الثيب والأبكار، وللعدد فيه اعتبار دليله رمي الجمار.
وليس كالماء؛ لأنه يفيد يقين الطهارة، والحجر يفيد من حيث الظاهر، فصار كالعدة بوضع الحمل مع العدة بالأقراء.
قوله: (ولا بأس بجلد المدبوغ أن يستطاب به).
قال القاضي حسين: وقال في رواية حرملة: لا يجوز الاستنجاء بشيء من الجلود، فحصل في جواز الاستنجاء بالجلد المدبوغ قولان، فأما المذكي.
قال الشافعي: ولا أعرف شيئا أشبه باللحم من الجلد؛ لأن الشاة تسمط ويؤكل جلدها.
فعلى هذا إن كان بعد الدباغ فعلى ما ذكرنا، وإن كان قبل الدباغ لا يجوز، لأنه في معنى الطعام، ولكن لو استنجى بالجانب الذي يلي الشعر جاز أيضًا؛ لأن الشعر يمنع وصول البلل إلى ما هو المأكول، وإن كان إلى جانب اللحم لا يجوز الاستنجاء به.
قوله: (لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار إذا أنقى).
قال القاضي حسين: لأن المقصود منه الإنقاء، والمعتبر فيه المسحات، وقد وجد.
وقال داود: هو بمنزلة حجر واحد، وهذا لا يصح، لأن المقصود منه لما كان ما ذكرنا، فهذا الحجر ينزل منزلة ثلاثة أحجار في حصول المقصود به.
فرع
الخنثى المشكل له أن يقتصر على الأحجار في الدبر، ولا يجوز في المبالين إلا الماء لأجل الإشكال، فإذا ارتفع الإشكال يجوز له استعمال الحجر فيما هو دون الفرج.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فرع
المرأة إذا كانت بكرًا لها الاقتصار على الأحجار في الفرجين، فأما الثيب لا يجوز لها الاقتصار على الأحجار في القبل إذا انتشر منها البول انتشارًا.
قال القاضي: إن لم ينتشر فجازلها الاقتصار على الأحجار.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فرع
ذكر أبو بكر الفارسي في عيون المسائل عن الشافعي أنه قال: لو تيمم، ثم استنجي لا يجوز، ولو توضأ بالماء ثم استنجي يجوز.
من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من أقر النصين قرارهما، وفرق بينهما بأن في التيمم طلب الماء شرط وواجب عليه الاستنجاء وذلك يبطل التيمم، فصار كما لو تيمم ثم رأي سوادا أو رفقة أو غيره يبطل تيممه حين يجب عليه طلب الماء بخلاف الوضوء، لأن طلب الماء هناك لا يبطل الوضوء.
فإن قيل: لو كان على بدنه نجاسة فتيمم، وجب أن يبطل تيممه أيضا؛ لأن طلب الماء واجب عليه أيضا ها هنا.
قلنا: إن كان عالمًا في ابتداء التيمم لا يبطل تيممه بعد ذلك، لأنه إذا طلب الماء في الابتداء فذاك الطلب يقع عنهما، لأن طلب الماء متعين عليه، لأنه لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فعلى هذا لو لم يعلم بالنجاسة حتى تيمم، أو طرأ النجاسة على بدنه بعد التيمم بطل تيممه بذلك؛ لأنه تجدد عليه الطلب لذلك.
[ ١ / ٣٢٥ ]