قال الشافعي: والذي يوجب الوضوء الغائط والبول والنوم مضطجعًا وقائمًا وراكعًا، وساجدًا وزائلًا عن مستوى الجلوس، قليلًا كان النوم أو كثيرًا، والغلبة على العقل بجنون أو مرض، مضطجعًا كان أو غير مضطجع، والريح يخرج من الدبر، وملامسة الرجل المرأة، والملامسة: أن يفضي بشيء منه إلى جسدها، أو تفضي إليه، لا حائل بينهما، أو يقبلها، ومس الفرج ببطن الكف من نفس (ومن) غيره، من الصغير والكبير، والحي والميت، والذكر والأنثى، وسواء كان الفرج قبلا أو دبرا، أو مس الحلقة نفسها من الدبر، ولا وضوء على من مس ذلك من بهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا تعبد عليها، وكل ما خرج من دبر، أو قبل، من دود أو دم، أو مذي، او ودي، أو بلل، أو غيره، فذلك كله يوجب الوضوء، كما وصفت ولا استنجاء على من نام، أو خرجت منه ريح.
قال القاضي حسين: ما يوجب الوضوء أربعة أشياء: اثنان متفق عليهما، وهو الخارج من السبيلين، والغلبة على العقل بأي سبب كان.
واثنان مختلف فيها منها ما يوجب نقض الطهارة عندنا، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهو الملامسة، ومس الذكر ببطن الكف، ومنها ما يوجب نقض الطهارة عنده، ولا يوجب عندنا وهو الخارج من الباطن، إلى الظاهر، من غير السبيلين إذا كان متفاحشًا، والقهقهة في صلاة ذات ركوع وسجود.
ثم رجعنا القهقهرى إلى الأول فنقول: ما يخرج من السبيلين يوجب الوضوء عندنا على أي صفة كان، سواء كان ريحًا أو عينًا، نادرًا أو معتادًا، وإذا خرج من الدبر أو من القبل ريح.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقال أبو حنيفة، خروج الريح من القبل لا يوجب نقض الطهارة، لأنه لا يتصور خروج الريح منه، وعندنا يوجب ذلك؛ لأن الرجل إذا كان أدر قد قيل بأنه يتصور خروج الريح من قبله.
فعلى هذا إن تحقق ذلك منه يوجب نقض الطهارة، وإن وجد قلقلة في خصيته، او في بطنه، ولم يخرج منه شيء، فا تنتقض طهارته.
وقال مالك: ما خرج منه نادرًا، مثل الدود والحصى والدم ونحوه، لا يوجب نقض الطهارة، واعتبر الخارج بالمخرج.
وعلى هذا: الودي والمذي، لا يوجبان عند مالك، نقض الطهارة، ويدل عليه ما روى عن علي كرم الله وجه، أنه قال: كنت امرءا مذاء، واستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني، فسألت المقداد بن الأسود حتى سأل لي رسول الله ﷺ فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فعلم النبي ﵇، أنه سأل لأجلي، فقال: كل فحل مذاء مرة فلينضح ذكره بالماء وليتوضأ.
[ ١ / ٣٣١ ]
فرع
لو أدخل مردودا في أحليله لا ينتقض طهارته بالإدخال فيه، سواء غيب الكل فيه، أو غيب البعض، ولكن هل يفسد صومه أم لا؟ فيه وجهان.
وإن غيب الكل تجوز الصلاة معه، وإن غيب البعض دون البعض لا يجوز؛ لأن طرف الظاهر معه متصل بالباطن، وذلك نجس، فإذا أخرج المرود منه تنتقض طهارته بالإخراج.
وكذا لو أدخل قطنة في رأس إحليله، هكذا لا تبطل طهارته، وفي فساد الصوم وجهان.
وفي صحة الصلاة على ما بينا.
ثم إذا نزع تبطل طهارته، كالمرود سواء.
فأما إذا ابتلع خيطًا في نهار الصوم يفسد صومه، ولو ابتلعه في الليل، ثم أصبح صائمًا، وكان أحد طرفيه خارجا منه لو نزع الباقي يبطل صومه، ولو ابتلع الباقي يبطل صومه، وكذا لو أمر غيره بالقلع أو النزع، هكذا يبطل صومه اللهم إلا أن يجيء إنسان ويقلعه منه من غير إشارة منه، فإنه لا يضره ذلك، ولوتركه على حاله لا تصح صلاته، ويصح صومه، وأيهما يقدم تراعي صحة الصلاة بأن يبتلع الباقي، أو ينزع ما ابتلع أو صحة الصوم بأن يتركه على حاله.
قال القاضي ﵁: يقدم الصوم على الصلاة؛ لأنه شرع فيه
[ ١ / ٣٣٢ ]
ابتداء، فإذا تقدم الشروع فيه على الصلاة فيلزمه إتمامه، كما لو افتتح الصلاة بنية القضاء ثم تبين له إنه لم يبق من الوقت إلا قدر لو اشتغل بإتمام ما شرع فيه فاتته صلاة الوقت، لا يلزمه الخروج منه، بل عليه إتمام تلك الصلاة، لأنه شرع فيها أولا، كذا ها هنا.
ومن أصحابنا من قال: تقدم الصلاة على الصوم، لأن حكم الصلاة أغلظ وآكد من حكم الصوم، بدليل أن تارك الصلاة يقتل، وتارك الصوم لا يقتل.
فأما إذا كان بقرب من عرفات، ولم يبق من وقت الوقوف بعرفة إلا قدر يسير بحيث إنه لو اشتغل بصلاة العشاء الآخرة فاته الوقوف بعرفة، ماذا يفعل؟
الصحيح: أنه يترك الصلاة كيلا يفوته الوقوف، لأنه لو فاته الوقوف لما أمكنه إدراكه، إلا بعد سنة، بخلاف الصلاة.
وفيه وجه آخر، أنه يقدم الصلاة عليه، لأن حكم الصلاة أقوى، وآكد من حكم الحج، بدليل ما ذكرنا.
فأما إذا صبغ رجل رجلا ينتقض طهارة المصبغ، لأنه مس فرجه، ولا ينتقض طهارته، وهكذا لو جلس على خشبة، حتى دخل فيه هكذا لا تبطل طهارته، ولكن يفسد صومه، ولو قام منه تنتقض طهارته.
قوله: (والنوم مضطجعًا، إلى أن قال: والغلبة على العقل).
قال القاضي حسين: زوال العقل يوجب نقض الطهارة، سواء كان بالنوم، أو بالإغماء، أو بالجنون، أو بالسكر، كيف ما كان.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقد قيل: إن من أغمي عليه يمني في الغالب، فعلى هذا إن تحقق خروج المني منه يلزمه الاغتسال، وإلا فيلزمه الوضوء، فأما النعاس، وهو ما يعرو الأجفان والقلب يقظان لا ينقض الطهارة.
وحد النوم ما يزيل الاستشعار من القلب مع استرخاء المفاصل، وكذا الإغماء مثله.
فأما الجنون: ما يزيل الاستشعار من القلب، مع بقاء الحركة في المفاصل، فإذا زال العقل بشيء من هذه الأشياء، سوى النوم تنتقض طهارته على أي حالة كان.
فأما النوم: إن نام قاعدًا، ممكنا مقدته من الأرض، مفضيًا بها إليها، ظاهر المذهب أنه لا تنتقض طهارته.
وحكي أبو عيسى الترمذي الحافظ، عن الشافعي قولا آخر: أنه تنتقض طهارته، فعلى هذا القول جعل نفس النوم حدثًا، وهو اختيار المزني.
فإن قلنا: لا تنتقض طهارته على ظاهر المذهب، فلا فرق عندنا بين ان يستند بسناد، لو رفع ذلك السناد يسقط منه، ويبين ألا يسقط.
وقال أبو حنيفة: إن استند بسناد لو رفع ذلك السناد يسقط تنتقض طهارته،
[ ١ / ٣٣٤ ]
وإن كان لا يسقط لا تنتقض طهارته، فأما إذا نام ممكنًا مقعدته من الأرض، ثم كاد أن يسقط؛ فانتبه.
ينظر: فإن انتبه قبل أن تزول مقعدته من الأرض، فلا بأس، وإن انتبه بعد أن زالت مقدته من الأرض تبطل طهارته.
وقال أبو حنيفة: إن سقطت يده على الأرض ثم انتبه تبطل طهارته، وإن انتبه قبل أن تسقط يده على الأرض، فلا تنتقض فأما إذا نام زائلا عن مستوي الجلوس.
قال في الجديد: تنتقض طهارته.
وقال في القديم: لو نام في الصلاة لا تنتقض طهارته، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا نام العبد في الصلاة باهي الله تعالى، به ملائكته، ويقول ملائكتي، انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في عبادتي).
جعله مصليًا، ومن قال بالجديد أول هذا الخبر بأن قال: أراد به أنه في الصلاة حكما يثاب ثواب المصلين، إذا أراد الصلاة، فأخذه النوم.
ونص في البويطي أنه إذا نام قائمًا، ولم تزل قدماه من الوسن لا تنتقض طهارته، فحصل فيه ثلاثة أقوال باعتبار النصوص.
في الجديد: يبطل، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة.
وفي القديم إن كان في الصلاة لا تبطل، وإن كان خارج الصلاة يبطل.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وفي البويطي: إن لم تزل قدماه لا تبطل في الصلاة وخارج الصلاة، لأنه ذكر مطلقا، وإن زالت قدماه يبطل، فحاصل المذهب فيه أنه إذا نام خارج الصلاة، وزالت قدماه تنتقض طهارته، وإن لم تزل قدماه، ففيه قولان، فأما إذا كان في الصلاة، إن زالت قدماه تنتقض طهارته في الجديد.
وفي القديم: لا تنتقض.
وإن لم تزل قدماه، إن قلنا: خارج الصلاة لا تنتقض طهارته، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تنتقض، فها هنا قولان.
والفرق: أن حرمة الصلاة تمنع من انتقاض الطهارة ها هنا، بخلاف ذلك.
فأما إذا نام في حال الركوع والسجود، أو صلى مضطجعا ونام، فيه قولان، وقال أبو حنيفة: إذا نام في الصلاة، أو خارج الصلاة على هيئة من هيئات الصلاة في حالة الاختيار لا يوجب نقض الطهارة، قوله: (وملامسة الرجل المرأة).
قال القاضي حسين: إذا لمس الرجل امرأة أجنبية، أو زوجته، أو مدبرته، أو مكاتبته، أو أم ولده، أو أمته، منكوحة كانت أو غير منكوحة، ولا حائل بنهما تنتقض طهارته، بشهوة كانت أو بغير شهوة.
فأما إذا لمس شعرها، نقل صاحب (التلخيص): أنه لا تنتقض طهارته.
وقال هو في الظفر تخريجًا.
وقال أصحابنا: في السن تفريعًا، فحصل في الكل وجهان:
[ ١ / ٣٣٦ ]
أحدهما تنتقض طهارته، لأنه قال: الملامسة أن يفضي بشئ منه، وهذه الأشياء تسمى شيئا.
والوجه الثاني: لا تنتقض؛ لأنه قال: إلى جسدها، وهذه الأشياء لا تسمى جسدًا.
فعلى هذا، لو مش شعرها بشعره، أو ظفرها بظفره، إن قلنا هناك: لا تنتقض ها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض فها هنا وجهان.
ولفرق أن اسم الجسد لا ينطلق على الشعر والظفر، وقد وجد الشعر من الجانبين ها هنا، بخلاف ذلك وفي الملموس قولان.
وبناء القولين فيه من اختلاف القراءتين في قوله تعالى: (أو لامستم النساء).
فمن قال: (أو لامستم): تنتقض طهارة الملموسة، لأن الملامسة من المفاعلة وقد وجد منهما.
ومن قرأ: (لمستم)، قال: لا ينتقض؛ لأن اللمس إنما وجد من اللامس لامن الملموس.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فأما المرأة إذا لمست رجلا حكمها حكم الرجل إذا لمس امرأة، وقيل: فيه قولان.
لأنها ملومسة في الحالتين، لأن الغالب أن الرجال يحطون على النساء، فأما النساء فلا يحططن على الرجال، ولا يقصدنهم.
فأما إذا لمس امرأة ميتة، هل تنتقض طهارته أم لا؟
فيه وجهان، بناء على أنه لو جمعها، هل يجب الحد عليه، وهل تغتسل لعله تغسل هي؟
فيه وجهان.
فأما إذا مس ذوات المحارم.
قال في الجديد: إنه تنتتقض طهارته.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقال في القديم: لا تنتقض طهارته، لسلب الشهوة عن قلوب ذوي المحارم، ولو وجد فيهم شهوة، فلا بأس به، كما لو لمس غلامًا، وضي الوجه بالشهوة لا تنتقض طهارته.
فأما الصغيرة إن كانت تشتهي، حكمها حكم البالغة، وإن لم تشته فيه وجهان.
وفي العجوز الكبيرة وجهان، والصحيح أنه تنتقض طهارته، لأنها مما تشتهي لمن هو في مثل حالها.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا تنتقض طهارته بالملامسة، إلا أن يتجردًا ويتعانقا، وينتشر منه.
يدل عليه ما روى عن ابن عمر أنه قالأ: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة.
وقال مالك: الاعتبار بالشهوة، حتى لو لمس بالشهوة تنتقض طهارته، وإن كان بينهما حائل، ولو لمس بغير شهوة لا تنتقض طهارته، وإن لم يكن بينهما حائل.
والدليل عليه الخبر.
قوله: (مس الفرج ببطن الكف).
قال القاضي حسين: إذا مس ذكر إنسان ببطن الكف تنتقض طهارته، سواء مس فرج نفسه، أو فرج غيره، وسواء كان من حي أو ميت، صغيرًا أو كبيرًا.
فإذا مسه برءوس الأصابع أو بخلال الأصابع: فيه وجهان
[ ١ / ٣٤٠ ]
ولو مسه بظهر الكف لا ينتقض وجهًا واحدًا، وكذا لو مس الخصيتين أو الأليتين، أو ما بين القبل والدبر، لا ينتقض طهارته.
فأما إذا جب ذكره من الأصل، ومس تلك الثقبة، حكمه حكم ما إذا مس حلقة الدبر، تنتقض طهارته في الجديد، لأن بيان أحد النظيرين بيان للآخر، كقوله ﵇: (من أعتاق شركًا له من عبد) قال: والأمة في معناه.
وقال في القديم: إنه لا تنتقض طهارته، وفي الممسوس قول واحد، إنه لا تنتقض طهارته، لأنه لم يتحقق المس.
ولو مس فرج ميت؛ نص ها هنا على أنه تنتقض طهارته.
ولو مس ميتة نص على أنه لا تنتقض طهارته.
من أصحابنا من جعل فيهما قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من قال بينهما، وقال: إنما تنتقض الطهارة باللمس لما فيه من التلذذ والشهوة، وقد عدم هذا المعنى بالموت، وإنما تنتقض الطهارة بالمس لهتك حرمة الفرج، وهذا المعنى موجود بعد الموت.
وهكذا قال: لا فرق بين أن يمس ذكر الصغير، أو الكبير، ونص في لمس الصغيرة على أنه لا تنتقض الطهارة، منهم من جعل فيها قولين.
ومنهم من فرق بينهما بما ذكرنا.
فأما لو مس ذكرًا مقطوعًا نص على أنه تنتقض طهارته، ولو لمس يدًا مبانة، نص على أنه لا تنتقض طهارته.
[ ١ / ٣٤١ ]
منهم من جعل فيها قولين.
ومنهم من فرق بما ذكرنا من المعنى.
وهل يجوز النظر إلى فرج الصغيرة: إن كانت تشتهي لا يجوز، وإن لم تكن صغيرة تشتهي فجائز، بخلاف اللمس، لأن حكم النظر أخف من حكم اللمس، ألا ترى أن الصائم لو نظر فأنزل لا يفسد صومه، ولو قبل أو لمس فأنزل يفسد صومه، والله أعلم بالصواب.
قوله: (ولا وضوء على من مس ذلك من بهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا تعبد عليها).
قال القاضي حسين: وعني بعدم الحرمة جواز النظر إليه، وبعدم التعبد عدم وجوب الستر.
وقال في القديم: إنه يوجب نقض الطهارة.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فأما إذا أدخل يده إلى فرجها، إن قلنا: باللمس تنتقض الطهارة، فها هنا أولى.
وإن قلنا لا تنتقض، فها هنا وجهان.
والفرق أن حكم الإيلاج أغلظ من حكم اللمس.
بدليل وجوب الحد به في حال بخلاف اللمس.
فإن قيل في الصغير: لا تعبد عليه، فوجب ألا تنتقض الطهارة بمس ذكره.
قلنا: هو محل التعبد في الحال.
وفي ثاني الحال بخلاف البهيمة.
وقال أبو حنيفة: مس الفرج لا يوجب نقض الطهارة، دليلنا عليه ما روت بسرة بنت صفوان، عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال الشافعي: ونحب للنائم قاعدًا أن يتوضأ، ولا يبين لي أن أوجبه عليه، لما روى أنس بن مالك، ﵁، أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودا وعن ابن عمر ﵄، أنه كان ينام قاعدا، ويصلي فلا يتوضأ.
قال المزني: قد قال الشافعي، لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم، توضأ بأي حالاته كان.
قال المزني: قلت [أنا] وروى عن صفوان بن عسال أنه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا، إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
قال المزني فلما جعلهن النبي ﷺ بأبي هو وأمي في معنى الحدث واحدًا، استوي الحدث في جميعهن، مضطجعا كان أو قاعدًا، ولو اختلف حدث النوم لاختلاف حال النائم، لاختلاف كذلك حدث الغائط والبول، ولأبانه ﵇، كما أبان أن الأكل في الصوم عامدًا مفطر، وناسيًا غير مفطر.
وروى عن النبي ﷺ: أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء) مع ما روى عن عائشة ﵂: (من استجمع نومًا مضطجعًا أو قاعدًا) وعن أبي هريرة، (من استجمع نومًا فعليه الوضوء، عن الحسن/ إذا نام قاعدًا أو قائمًا توضأ.
قال المزني: فهذا اختلاف يوجب النظر، وقد جعله الشافعي في النظر في معنى من أغمى عليه كيف كان توضأ، فكذلك النائم، في معناه، كيف كان توضأ، واحتج الشافعي في الملامسة، بقول الله جلا وعز (أو لامستم النساء) وبقول ابن عمر، قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، وعن ابن
[ ١ / ٣٤٤ ]
مسعود قريب من معنى قول ابن عمر، واحتج في مس الذكر، بحديث بسرة، عن رسول الله ﷺ: (إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ).
قال القاضي حسين: قد ذكرنا ذلك، وعلق القول به، لأنه قال: ولا يبين لي أن أوجبه عليه.
والمزني جعل نفس النوم حدثًا، وقاسه على البول والغائط، واستدل بما روى عن صفوان بن عسال المرادي، أنه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
ثم قال: (لما جعله النبي ﷺ في معنى الحدث، ثم الحدث يوجب نقض الوضوء في أي حالة كانت، كذا النوم مثله.
[ ١ / ٣٤٥ ]
واستدل أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء).
وعن عائشة: من استجمع نوما توضأ مضطجعًا أو قاعدًا.
فلما ستقل بأخبار رواها الشافعي، ﵀ ورجع إلى الترجيح بقول الشافعي.
ولو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ بأي حالاته كان.
أجاب أصحابنا بأن قالوا: ما رواه من الأخبار لا تعارض أخبار الشافعي، لأنه روى عن أنس بن مالك أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودًا.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وروي عن ابن عمر أنه كان ينام قاعدًا، فيصلي ولا يتوضأ.
وحديث حذيفة أنه قال: كانت نمت في مسجد رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قاعدًا فوضع رجل يده على كتفي، فالتفت، فإذا مر هو رسول الله ﷺ فقلت: أمن هذا وضوء؟
فقال ﵇: لا، حتى تضع جنبك على الأرض.
وهذه الأخبار خاصة في محل النزاع.
وما رواه عام، والخاص يقدم على العام، على أن حديث صفوان ورد لبيان أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولا يجب عليه نزع الخف قبل مضيها.
والخطاب إذا سيق لبيان ومقصود لا يستدل بعمومه في حكم آخر، بل يعرض عنه في غير المقصود.
وهذا كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم). الاية.
فسيق الخطاب لبيان إباحة الأكل والشرب للصائم إلى طلوع الفجر، ثم لا يستدل به في إباحة المأكولات والمشروبات لو وقع الاختلاف فيها.
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون الشيئان عديلين في اللفظ، قريبين في النطق، مختلفين في الحكم، كقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
وقوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده).
وقوله ﵇: إنه نهي عن كسب الحجاج ومهر البغي وحلوان الكاهن
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقوله ﵇: (إذا نامت العينان استطلق الوكاء).
قلنا: إذا نام قاعدًا لا يستطلق وكاؤه إذا كان متمكنًا، فهذا لا حجة لك فيه، وقول الشافعي: لو صرنا إلى النظر، يعني لولا الأخبار الواردة فيه لجوزنا ذلك.
قال الشافعي: وقاس الدبر بالفرج، مع ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها، توضأت، واحتج الشافعي بأن النبي ﷺ لما قالت: من اعتق شركًا له في عبد، قوم عليه، فكان الأمة في معنى العبد فكذلك الدبر في معنى الذكر، قال: وما كان من سوى ذلك في قيء، أو رعاف، أو دم خرج من غير مخرج الحدث، فلا وضوء في ذلك، كما أنه لا وضوء في الجشاء المتغير، ولا البصاق لخروجها من غير مخرج الحدث، وعليه أن يغسل فاه، وما أصاب القيء من جسده، واحتج بأن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم فدلكه بين أصبعية، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل يده، وعن ابن عباس قال: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك) وعن ابن المسيب أنه رعف، فمسح أنفه بصوفه، ثم صلى، وعن القاسم، ليس على المحتجم وضوء.
قال القاضي حسين: قيل: أخل المزني في نقل هذا الكلام من وجهين:
أحدهما: أنه قال: قاس الدبر بالفرج، ولا يقال: قست الشيء بالشيء، وإنما يقال: قست الشيء على الشيء.
والثاني: قاس الدبر بالفرج، وكان من حقه أن يقول: بالذكر، لأن النص ورد فيه.
[ ١ / ٣٤٩ ]
قلنا: النص أيضًا ورد في الفرج، وهو ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها توضأت.
أو إنما قاس بالفرج الذي هو مقيس على الذكر.
فالشافعي ألحق قبل المرأة بالذكر؛ لأنه أشبه به من الدبر، ثم ألحق الدبر بقبل المرأة.
وهذا داب القائسين، أن يلحق الشيء بالأشبه، فالأشبه والأقرب.
أو قاس الدبر باسم الفرجية، أي ألحقه بالذكر لعلة كونه فرجًا.
أو نقول: أراد بالفرج الذكر، لأن اسم الفرج ينطلق على الذكر، يدل عليه قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون).
وأراد بالفرج الذكر.
بين الشافعي ﵀ أن بيان حكم أحد النظيرين في الشريعة، يجعل بيانًا لهما.
كما قال ﵇: من أعتق شركا له من عبد، الخبر.
نص علي العبد، ثم ألحقنا الأمة به، لأنها في معناه، كذلك فيما نحن فيه، وإذا وقع النص على الذكر، فالدبر في معناه، فقسناه عليه.
[ ١ / ٣٥٠ ]