قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال تغير فيه الفم، عند الاستيقاظ من النوم، والأزم، وكل ما يغير الفم، لأن رسول الله صلى الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
قال ﵁: السواك والمسواك اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى يقلع الوضر.
والسواك يكون سنة مستحبة، والفعل يكون من هذا: الاستياك ويقوي في السواك الإتيان بالسنة، والمقصود يحصل من ضمنه، وهو تطهير الفم، كما أن الرجل يقصد بالجماع النسب، قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم).
أراد به: الولد.
والمقصود يحصل في ضمنه، وهو اقتضاء الشهوة.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ومضاجعة الرجل مع امرأته سنة.
ولهذا أمر الله تعالى في النشوز بالمفارقة فقال تعالى (واهجروهن في المضاجع) الآية.
والأصل في السواك ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب.
وروى أن النبي ﷺ قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.
[ ١ / ٢٤١ ]
وروي أن النبي ﷺ، قال: طهروا أفواهكم لقراءة القرآن.
وروى العباس بن عبد المطلب، أنه دخل على رسول الله ﷺ قوم قلح، فقال لهم النبي ﷺ، مالي أراكم تدخلون على قلحا؟ استاكوا؟
وروى عن عائشة، ﵂، أن النبي ﷺ، كان إذا كان قام من الليل يشوص فاه.
يعني: يستاك.
وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان السواك من رسول الله ﷺ بمنزلة القلم من أذن الكاتب، ثم روت ان النبي ﷺ قال: ما يزال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه سيحرم طلاقها، وما يزال يوصيني بالعبد حتى ظننت أنه يضرب له مدة فإن بلغها عتق، وما يزال يوصيني بالسواك حتى حسبت أن تدردر أسناني.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وروي: حتى يدردر أسناني.
ويستحب السواك عند القيام إلى الصلاة، وعند كل حال تغير فيه الفم.
مثل: الاستيقاظ من النوم، والأزم، وأكل ما يغير ما يغير الفم من الثوم والبصل والكراث، وكذلك لو سكت ساعة طويلة فيستحب له السواك، لأنه إذا انضمت شفتاه، وانطبقت فيتغير الفم بذلك.
قال المزني: وأحب السواك للصلوات عند كل حال تغير فيه الفم، وهذا النص يدل على أنه إنما يستحب السواك إذا اجتمع شيئان: الصلاة، وتغير الفم.
وليس كذلك، لأنه إذا وجد أحدهما يستحب له السواك، فلو أنه نقل: وعند كل حال، لما وقع الإشكال.
قال وكل ما يغير الفم، قال القاضي حسين: وقريء وكلما تغير الفم. والأصح أن يقال: وأكل ما يغير الفم، لأنه نقل أولًا: وعند كل حال تغير
[ ١ / ٢٤٣ ]
فيه الفم، ثم قال: لأن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا.
ونقل هذا الخبر على وجه الاحتجاج، وهذا الخبر دليل على نفي الوجوب، ونفي الوجوب لا يدل على أنه يكون مستحبًا.
قال الشافعي: ولو كان واجبًا لأمرهم به، شق أو لم يشق.
وعندنا يكون سنة مستحبة، وليس بواجب
وقال أصحاب الظاهر، يكون واجبًا.
دليلنا هذا الخبر.
والسواك يكون عبادة بدليل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.
[ ١ / ٢٤٤ ]
والسنة أن يستاك عرضًا، ولا يستاك طولا.
وروى أن النبي ﷺ قال: استاكوا عرضا ولا تستاكوا طولا.
والسنة أن يستاك بخشب وسط، لا يكون حديدًا بحيث إنه يقرح اللثة، ولا يكون لينا بحيث إنه لا يقلع الوضر.
قال الشافعي: ويستاك بخشب حريف.
معناه: فيها حدة ولسع، حتى يقلع النكهة.
كما يقال: خلف ثقيف، وبقل حريف، وخبز نظيف، ولحم مشوي، ما عابه أحد.
ولو استاك بخرفة خشنة أو بالأصبع يحصل الاستياك بهذا.
والسواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟
فيه وجهان.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وإنما يستحب السواك في جميع الأوقات، إلا أن يكون صائمًا، يكره له السواك بالعشي، ولا يكره له ذلك بالغداة.
وقال أبو حنيفة: لا يكره له السواك في زمن ما.
واستدل بما روي عن النبي ﷺ، أنه قال: خير خصال الصائم السواك.
وقال مالك: إن كان صوم فرض، فهو كما ذكرنا، وإن كان نفلًا يستحب السواك في جميع الأحوال، حتى لا يتهم بأنه كان صائمًا، ليكون أبعد عن الرياء والسمعة، وإن كان فرضًا فيستحب إظهاره.
قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم).
دليلنا أن نقول: إن هذا أثر العبادة إذا كان بعد العشي.
فأما إذا كان قبل الزوال تغير الفم، إنما يكون من امتلاء المعدة، فيستحب إزالته، وأما إذا كان بعد الزوال، فإن ذلك يكون من الخواء، ويكون ذلك أثر العبادة. وأثر العبادة تكره إزالته، كما نقول في دم الشهيد.
[ ١ / ٢٤٦ ]
والدليل على هذا، ما روى أن النبي ﷺ قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
ولأن هذا أثر عبادة مستحبة ورد الشرع بها على لسان صاحب الشرع، فكره إزالته، وما روى أن النبي ﷺ قال في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
فدل على أنه يكره إزالة دم الشهيد، كذلك الخلوف يكون أثر العبادة، فتكره إزالته.
قال ﵁: قد ذكرنا أن المزني، صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا، ثم نقل خبرًا يدل على على نفي الوجوب، وقال: (وعندي أن هذا إنما يعلم ذلك زيادة وتأكيدًا في الاستحبا، إلا أن الشافعي قال بعد هذا: ولو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشعق).
وهذا دليل على نفي الوجوب - والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٢٤٧ ]