قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب، والعباس ﵄.
قال المزني: ﵁ كما لا يجزيء عني فعل إمامي، فكذلك لا يفسد على فساد إمامي، ولو كان معناي في إفساده معناه، لما جاز أن يحدث، فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته، واتباعي له ولم تبطل صلاتي، ولا طهارتي بانتقاض طهره.
قوله: فإذا صلى الجنب بقوم، أعاد، فلو صلى وعلى ثوبه نجاسة، أو كان محدثًا، لم تصح صلاته، ولو اقتدى بإمام محدث، أو جنب، إن كان عالما به، لم تصح صلاته إذ لا صلاة للإمام وقد وقف أفعاله على أفعاله، وإن كان جاهلا بحاله، صحت صلاته، وهو في الحكم كالمصلى منفردًا، لا تحصل له فضيلة الجماعة، ولا يلزمه سجود السهو بسهو إمامه، ويلزمه السجود بسهو نفسه، فلو كان أدركه في الركوع، بان أنه لم يصر مدركًا للركعة بإدراكه فيه.
وعند أبي حنيفة يلزمه إعادة الصلاة.
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ افتتح بالناس صلاة الصبح، فخرج من الصلاة وأشار، فقال: كما أنتم، فدخل البيت واغتسل، واغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء، وأتم الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة التحريمة.
[ ٢ / ٩١٨ ]
فلو كانت الصلاة لا تنعقد خلف الجنب لأمرهم بإعادة التحريمة.
وروى ان عمر ﵁، صلى بالناس بـ (المدينة)، ثم خرج إلى قرية، فرأي في الطريق أثر الاحتلام على ثوبه، فقال: يصنع اللحم بنا هكذا إذا أكلناه، ما أراني إلا وقد احتلمت البارحة، وصليت بالناس وأنا جنب.
فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بالإعادة، ولأنا أجمعنا على أن الإمام إذا سبقه الحدث في خلال صلاته، لا تبطل صلاته من خلفه، فإذا كان الامام لا يقطع صلاة المأمومين مع علمهم بذلك، فلأن لا ينعقد بمنع انعقاد صلاتهم مع جهلهم به أولى، ولأن الحدث والجنابة يخفي، فلا يطلع الانسان عليه غالبا فيعذر فيه، لأنه لم ينسب فيه إلى التفريط، والتقصير بخلاف ما لو كان الامام كافرًا، أو امرأة، أو خنثى، يلزمه الإعادة، لأن الكفر والأنوثة مما يطلع عليه في الغالب، لأن الكفار والإناث علامة يمتازون بها من الذكور والمسلمين، وانتسب إلى التفريط بترك التعرف عنهما.
نظير مسألتنا أنه لو كان كافرًا يستسر الكفر، فلا يوجب الإعادة.
وقال مالك: إن علم الامام بحديث نفسه، تبط صلاة المأمومين، وإلا فلا تبطل.
وقال أبو حنيفة: إن صلى الرجل، وهو جنب أو محدث، فإن تعمده، يكفر.
وعندنا لا يكفر، ولكن يعصي ويأثم، وحكي في كره هذا القول عن بعض العلماء دون أبي حنيفة، وإذا بأن أنه كان على ثوب الامام نجاسة، فالذي في حفظي عن غيره، أنها إن كانت على ظاهر ثوبه، بحيث يقع بصره علىها، أن لو يعرف لزمه الإعادة، وإن كان على باطن ثوبه غائبًا عن بصره، فلا إعادة عليه في ظاهر المذهب.
[ ٢ / ٩١٩ ]
وإذا اقتدى بإمام طاهر، ثم سبقه الحدث، وكان قد سها لزمه سجود السهو، لأنه اقتدى به، وصح الاقتداء فسهوه أوقع خللا في صلاته، وإن كان قد سها بنفسه، ثم سبقه الحدث، لم يلزمه السجود، لأنه وقع في حالة لا يؤاخذ فيها بالسهو، ولو أدرك إماما في الركوع، فسبقه الحدث في السجود، صار مدركًا للركعة، لأنه أدركه في ركوع محسوب عن الصلاة، وفي الجمعة لو بان الامام جنبا، المذهب أن صلاة القوم لم تنعقد، وعليهم الاعادة لأن الجماعة في الجمعة فرض.
وحكي صاحب التلخيص: قولا آخر عن الشافعي ﵀، أنه لا إعادة عليهم، وفي صلاة الجنازة، لو بان الإمام محدثا أو واحدًا من المأمومين صحت صلاة الباقين، فلا قضاء عليه، لأن صلاة الجنازة لا تقضي.
فأما إذا أحدث إمامه عامدًا، إن تابعه بعد ذلك مع علمه بحال الامام، تبطل صلاته، وإن أخرج نفسه عن صلاته، له ذلك.
وقال أبو حنيفة: إن استخلف الامام أحدا في الصلاة، لا تبطل صلاة القوم وإلا فتبطل صلاة القوم.
قال المزني: قال الشافعي ﵀ ولو صلى رجل، وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح، وكان قليلا، مثل دم البراغيث، وما يتعافاه الناس، لم يعد، وإن كان كثيرًا، أو قليلا، بولا أو عذرة أو خمرا وما كان في معنى ذلك، أعاد في الوقت، وغير الوقت.
قال المزني، ولا يعدو من صلى بنجاسة من أن يكون مؤديا فرضه أو غير مؤد، وليس ذهاب الوقت بمزيل عنه فرضًا، لم يؤده، ولا إمكان الوقت بموجب عليه إعادة فرض، قد أداه.
قال القاضي حسين: الكلام فيما يعفي عنه من النجاسات، وما لا يعفى عنه، أما القيل من دم البراغيث والقمل أو البعوض، وما يخرج من بدنه من القيح والدم والصديد معفو، ولأي معنى عفي عنه؟
[ ٢ / ٩٢٠ ]
فيه معنيان:
أحدهما: القلة.
والثاني: تعذر الاحتراز.
ولا خلاف في نجاستهما مع العفو، حتى لو عرق، فسال العرق إلى موضع آخر، أو ليس ثوبًا رطبًا أصاب المكان الرطب النجس من بدنه، أو كان على ثوبه، فاغتسل، ولبسه، حكم بنجاسة الثوب والبدن، حتى لا تصح صلاته، لأنها تفاحشت، وحدثت النجاسة الأجنبية التي لا عفو فها بالانتشار، بخلاف دم البراغيث، إذا كثر فإن في وجه، يعفي عنه، لتعذر الاحتراز، والفرق أنه علم هذا بإصابة ثوبه وبدنه، ثم طرأ العرق عليه، بخلاف دم البراغيث في الأصل.
فأما الكثير من دم البراغيث، وما يخرج من بدنه، هل يعفى عنه؟ فوجهان: بناء على المعنيين:
إن جعلنا المعنى في القليل القلة، لم يعف لفقد المعنى.
وإن جعلنا المعنى فيه تعذر الاحتراز، عفي عنه، إذ الاحتراز، كما يتعذر عن القليل يتعذر عن الكثير.
فأما الدم الذي يخرج من غيره، إذا أصاب بدنه أو ثوبه، ما لا يعفي عنه من دم البراغيث، لم يعف عنه، لأنه إذا لم يعف عنه، والخارج من بدنه لئلا يعف من الخارج أولى، وما يعفي من دم البراغيث، والخارج من بدنه، إذا خرج من بدن غيره وأصابه، هل يعفى عنه؟
فوجهان:
والفرق أن الاحتراز لا يتعذر عن الدم الذي يخرج من الغير، بخلاف ما يخرج من نفسه.
وقد قال الشافعي في القديم: ويعفي عن قدر كف من الدم
[ ٢ / ٩٢١ ]
وقال في موضع آخر، يعفى عن قدر دينار من الدم.
فأما ما عدا الدم من النجاسات من الدبر كالبول، والعذرة، والخمر، إذا أصاب بدنه، فلا يعفى عنه، أدركه الطرف، أو لم يدركها، وإذا أصاب ثوبه، فما يدركه الطرف منها غير معفو عنه، وفيما لا يدركه الطرف قولان:
أظهرهما: أنه غير معفو، كما لو أصاب البدن.
والثاني: مفعو، ذكره في القديم.
وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان:
مغلظة، ومخففة.
فالمغلظة: كالعذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، وغيرها فيعفى عما هو بقدر الدرهم، وما دونه، فإن زاد على قدر الدرهم، لم يكن معفوا.
والمخففة مثل: بول ما يؤكل كل لحمه، يعفى عن ربع الثوب عنه، وما دون الربع فإن زاد على الربع فلا يعفى، وإذا صلى وعلى ثوبه ما لا يعفى عنه من النجاسات، إن كان عالما بالحال، لم تنعقد صلاته، وإن جهلها حتى فرغ من الصلاة، أعاد في الجديد.
وبه قال ابو حنيفة، كما لو بان محدثا أو جنبا، لأن الطهارة، كما تشترط من الحدث، تشترط من النجاسة.
وفي القديم: لا إعادة عليه بخلاف الحدث، لأنه في ذاته يخصه، فانتسب في الجهل به إلى التفريط، لأن الإنسان يحيط علمًا بما يقع في ذاته ويخصه، حسب ما لا يحيط بما هو أجنبي منه.
ولما روى عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أنه قال: صليت خلف النبي ﷺ فخلع نعليه، فخلعنا نعالنا، فلما سلم، فقال ﵇: ما لكم خلعتم نعالكم، فقلنا: لأنك خلعتها يا رسول الله، فقال ﵇: أتاني جبريل وأخبرني أن منهما قذى، أو قال: أذى، فخلعتهما، ثم قال: إذا أتى
[ ٢ / ٩٢٢ ]
أحدكم المسجد، فليقلب نعليه، فإن كان عليهما أذى، فليمسحهما بالأرض، أو قال: فليدلكهما بالأرض، أو قال: فليفركهما بالأرض، فإنه طهور.
كذلك ومن قال بالأول، أجب لأنه أراد بالقذى، أو الأذى، ما يستقذر من الطاهرات، مثل النخامة والمخاط، وإنما خلعهما لتنزيه المسجد عنهما، لأن المسجد ينزه عن المستقذرات، وإن كان طاهرًا، ويحتمل أنه كان قبل استقرار حكم النجاسات، وتحريم فعل الصلاة معها، ثم نسخ، ولعل النسخ ورد في خلال تلك الصلاة فخلعهما ﵇.
ومثل هذين القولين: القولان فيا لو نسي المسافر الماء في رحله، فصلى بالتيمم، والقولان فيما لو ترك الترتيب ناسيًا في الوضوء، وإن علم النجاسة ثم نسيها.
فالمذهب: أن عليه الإعادة، وخرج عليه من قول آخر من نسيان الماء في الرحل: أن لا إعادة عليه، ثم عندنا تلزمه إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع النجاسة، فأما ما شك في كون النجاسة معه فيها، لا يلزمه إعادتها، لأن الأصل: الطهارة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة، أعاد الصلاة واحدة، وإن كانت يابسة، إن كانت في الصيف أعاد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء، أعاد صلوات يوم وليلة، ولا يفصل على القولين بين أن يعلم بالنجاسة والوقت باق أو فائت.
وقال مالك: إن كان الوقت باقيًا أعاد الصلاة، وإن خرج الوقت، ثم علم
[ ٢ / ٩٢٣ ]
بالنجاسة، لم تلزمه الإعادة، وإياه عني الشافعي ﵀ عليه بقوله:: في الوقت وغير الوقتن واحتج المزني عليه بأن الصلاة المؤداة مع النجاسة، لا تخلو إما أن تكون صحيحة، أو فاسدة.
فإن كانت صحيحة فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه لبقاء الوقت، وإن كانت فاسدة، فلا معنى لسقوط الإعادة بخروج الوقت، لأن خروج الوت لا يصحح الفاسد، ولو صلي في ثوب، فلما فرغ من الصلاة، ظهر أنه كان على ثوبه ثقبة، تظهر عورته، إن لم يكن يعلم ذلك، فيخرج على وجهين بناء على هذين القولين.
وإن علم فنسي، فالمذهب أن عليه الإعادة.
فرع
إذا شرع في الصلاة فجاء واحد، ووقف بجنبه مع ثوب نجس، فإن مس هو بثوبه ثوبه، بطلت صلاته، ولو أن صاحب الثوب النجس ماس بثوبه النجس بدن المصلي أو ثوبه، إن نحاه في الحال، لم تبطل صلاته، وإن صبر ساعة، بطلت صلاته، لأنه إذا نحاه في الحال فقد أدى ما عليه، ولم ينسب إلى التقصير، فيعذر عليه، وإذا صبر ساعة، لم يعذر فيه، ولو وقعت نجاسته على مصلاه، فنحاها، قال القاضي ﵁: يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه قصد النجاسة ومسها، ولو وقعت بالهواء على ثوبه، فنفضها، لا تبطل صلاته، لأنه قصد هجران النجاسة، وهو معذور فيه، وإن كانت النجاسة رطبة فوقعت على بدنه وثوبه، تبطل صلاته، اللهم إلا أن تكون وقعت على منديله فرماه في الحال، لم تبطل صلاته، ولو كان ناسيًا، قد ذكرنا أنه لو رماه بيديه أو بكمه، تبطل صلاته، لو رماها برأس الخشبة، فيه وجهان كما لو صلى وبيده طرف حبل، والطرف الآخر مشدود في عنق كلب، ولو وقعت على طرف مسجده أو ثوبه إن رفع طرفه ليرميه، فإنه يصير حاملًا للنجاسة،
[ ٢ / ٩٢٤ ]
تبطل صلاته، وإن وقع ثوبه على النجاسة، إن علم به في الحال ورفعه، فيه وجهان، وإن لم يرفع في الحال، بطلت صلاته، فأما إذا وقعت نجاسة على مسجده بحذا صدره، وسجد عليه، فيه وجهان.
ولو حمل مستنجيًا بالحجارة في الصلاة، فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل صلاته، لأنه لو صلى بنفسه تصح صلاته.
والثاي: لا تصح.
والفرق بينهما: أن هناك هو معذور فيه، وها هنا لا حاجة إلى ذلك، فافترقا.
فأما إذا حمل قارورة، فيها نجاسة مضمومة الرأس.
المذهب انه تبطل صلاته، لأنه تحقق أنه حامل للنجاسة، بدليل أنه يمكنه إخراج النجاسة منها متى شاء، بخلاف ما لو حمل صغيرا في الصلاة، تصح صلاته، لأنه لا يمكنه إخراج النجاسة عنه باختياره متي شاء.
قال المزني: قال الشافعي ﵀ وإن كان معه ثوبان، أحدهما طاهر، والآخر نجس، ولا يعرفه فإنه يتحرى أحد الثوبين، فيصلي فيه، ويجزئه وكذلك إناءان من ماء، أحدهما طاهر، والاخر نجس، فإنه يتوضأ بأحدهما على التحري، ويجزئه.
قال القاضي حسين: إذا اشتبه الطاهر والنجس يتحرى كما في الأواني، ويستعمل ما أدى اجتهاده إلى طهارته، سواء كان في عدد الطاهر والنجس سواء، أو لم يكن سواء.
ووافقنا أبو حنيفة فيه.
وقال المزني: يصلي في كل واحد من الثوبين، ليكون مؤديا للفرض في ثوب طاهر بيقين كما لو نسي صلاة من صلاتين تكلف الإتيان بهما، وعندنا يتحرى، كما بينا، ولو فعله كما قاله المزني، لا تصح واحدة من صلاتيه، لأنه
[ ٢ / ٩٢٥ ]
شرع في كل واحدة منهما، وهو [متردد] في نيته، وشرط صحة الصلاة أن يجزم النية فيها، ويكفينا أن ما أمر فيه بالصلاة من شرائط الصلاة يتحرى فيه عند الاشتباه، ولا يستعمل الصواب، والخطأ على التبخيت كما في القبلة.
وفي الصلاة الثانية يجتهد ثانيا، فإن أدى اجتهاده إلى ما أدى إليه في الصلاة الأولى، فذاك، وإن أدى اجتهاده إلى الثاني، فحكمه حكم ما لو وجد ثوبًا نجسًا، وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه استعماله؟
فعلى وجهين: ذكرناهما:
أحدهما: يلزمه، فعلى هذا يستعمل أي الثوبين شاء، وأعاد الصلاة.
والثاني: لا يلزمه، فعلى هذا، لا يصلي على واحد منهما، بل يصلي عاريًا، وقد بينا حكم العاري، وإن كانت الثياب التي اشتبه النجس منها عشرة، فليجتهد في كل صلاة، فيؤدي اجتهاده إلى ثوب آخر، ويصلي فيه، وتصح صلاته، فإذا انتهي إلى العاشر، فالحكم ما بيناه في الثاي، إذا كانا ثوبين وإن كان معه ثوب طاهر بيقين، وثوبان بهذه الصفة فوجهان:
أحدهما: لا يتحراه، كالحاكم إذا وجد النص، لا يجتهد في الحادثة.
والثاني: يتحرى، والفرق، أن النص هناك في محل الاجتهاد، وهو الحادثة، وها هنا في غير محله، لأن الاجتهاد في الثوبين والنص في الماء، وإذا اجتهد فأدى اجتهاده إلى أحدهما، ثم غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته هل له استعمال آخر؟
فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل أحد الثوبين قبل الاجتهاد، ثم أدى اجتهاده إلى أنه غسل النجس، هل له استعمال غير المغسول؟
فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته، ثم ظاهر بينهما، فجعل أحدهما ظهارة، والآخر بطانة، هل يجوز له أن يصلي فهما؟ فعلى هذين الوجهين، لأن في المسائل كلها، أمكنه استعمال طاهر بيقين، ولو أصاب موضعا من البساط نجاسة، واشتبه عليه تحرى لكل صلاة، وصلى
[ ٢ / ٩٢٦ ]
على موضع منه، أدى اجتهاده إلى طهارته، إلا أن يبقى من البساط قدر مكان النجاسة، والله أعلم الصواب.
قال المزني: وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسله كله، لا يجزئه غيره. قال القاضي حسين: صورة المسألة ثوب أصاب موضعًا منه نجاسة، واشتبه محل النجاسة، فعليه أن يغسل الثوب، وامتناع صحة الصلاة معه، وإذا غسل الثوب، وهو شاك في ارتفاع النجاسة، وصحة الصلاة معه، ولا يترك، اليقين بالشك، كما لو نسي صلاة من صلاتين، يعيدهما للخروج من الفرض باليقين، وإذا أصاب أحد الكمين نجاسة واشتبه عين النجس، فوجهان:
أحدها: يلزمه غسل الكمين، لأنهما في حكم واحد للمعنى الذي ذكرناه.
والثاني: يغسل أحدهما بالاجتهاد، لأنهما مفصلين كالثوب، والعمامة، إذا أصاب أحد طرفيها نجاسة، فاشتبه النجس، فعلى هذين الوجهين:
أحدهما: يغسل أحد الطرفين بالاجتهاد.
والثاني: يغسلهما بناء على اليقين.
فرع
الثوب المتضمخ بالنجاسة، إذا بعضه في الغسل، فغسل أحد نصفيه مرة، ثم النصف الآخرة مرة أخرى.
قال صاحب الإفصاح: صح الغسل، وحكم بالطهارة؛ لأن النجاسة جامدة، والثوب جامدة، ولا يتعدى الجامد إلى الجامد.
واحتج فيه بقوله ﵇: في الفأرة، تقع في السمن، إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه، فأمر بإلقاء ما حولها، فدل أن النجاسة لا تتعدي في الجامدان، من محل إلى محل.
وقال صاحب التلخيص، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا
[ ٢ / ٩٢٧ ]
يحكم بطهارة الثوب النجس، إذا غسل في دفعتين، لأن النصف الأول مبتل، وينتشر البلل من النصف الثاني إليه إذا غسله، فيتنجس النصف الأول، لأن البلل مبناه على الانتشار، بخلاف الجامد.
ومن أصحابنا من قال: يتصور غسله في دفعتين، بأن يصب الماء على أعلى الثوب إلى النصف ثم يصب الماء على النصف الثاني، لأن البلة لا تتراد إلى الاعلى، ولا ينتشر إليها الماء، لأن طبع كل مائع الانحدار، وهذا غير صحيح
فرع
إذا وضع الثوب النجس في الإناء، وصب الماء عليه حتى غسله، فإنه يعود طاهرًا، فلو صب الماء أولًا في الإناء ثم مس فيه الثوب النجس، فإنه لا يطهر أصلا.
قال المزني: وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها قرصته بالماء؛ حتى تنقيه ثم تصلي فيه.
قوله: فإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها.
قال القاضي حسين: دم الحيض إذا أصاب الثوب، تغسلها بالماء، فإن بقي اللون، والأثر حتته، ثم قرضته، ثم غسلته بالماء لأمر النبي ﷺ لأسماء بنت أبي بكر في دم الحيض: حتيه، ثم اقرضيه، ثم اغسليه بالماء.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
فلو أنعمت الحت والقرض بالماء، وبقي اللون، فيستعمل الأشنان والصابون، ولو بقي اللون بعده فهو معفو عنه.
روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نغسل الثوب من دم الحيض على عهد رسول الله ﷺ، فيبقى فيه بقعة، فنلطخه بالزعفران، ثم نصلي فيه.
والمراد بالبقعة، العلامة، ومنه سميت البقعة لامتيازها عن غيرها، وسئل فقيل: هل يحكم بطهارة الثوب، إذا بقي لون دم الحيض فيه، مع العفو عنه؟
فقال ﵁: إذا بقي يجب أن يرتب على أن بقاء الرائحة، هل يدل على بقاء العين فيما لها رائحة ذكية من النجاسات كالخمر وبول المبرسم؟ وفيه قولان:
أحدهما: يدل على بقاء العين، فعلى هذا، بقاء اللون لا يدل على بقاء العين أولى.
والثاني: لا يدل على بقاء العين، فعلى هذا، في اللون يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يدل على بقاء العين كالريح
والثاني: يدل.
والفرق أن اللون أقوى من الريح، لأنه في الحقيقة جزء لطيف من العين، فلا يتصور انفكاك اللون من العين، والريح قد ينفك عنها، فإن البيت إذا
[ ٢ / ٩٢٩ ]
وضعت فيه الخمر مدة، ثم اخرجت منه تبقي رائحتها فيه زمانا ولا عين، فلو صبغ الثوب بصبغ نجس فغسله بالماء وأنعم الغسل وبقي اللون.
قالوا: يحكم بطهارته: لأن الماء يقدر على إزالة النجاسة، ورفعهما، ولا يقدر على قطع الألوان، ورفعها من المحال، فإذا أورد الماء عليه، فعلمنا أن ما يمر عليه من النجاسة قد زالت، وإنما بقي اللون، لأن الماء لا يقوى على إزالته يدل عليه أن الصبغ النجس عند الانفراد إذا غمر بالماء، يحكم بطهارته، واللون دائم كان قبل الغسل.
وإذا اختصبت المرأة بالحناء النجس، ثم غسلته يحكم بطهارة المحل، وإن بقي اللون لما ذكرنا من المعنى، وهو أن الماء مزيل للنجاسة، وإن كان يضعف عن قلع الألوان.
والصحيح في ثوب الحائض إذا غسل، وبقي الأثر أن ذلك يكون طاهرًا، لأنه لو كان نجسًا، معفوًا لكان إذا أصابه بلل تنجس كمحل الاستنجاء، وها هنا لا يصير نجسًا بإصابة البلل، لما روى عن عائشة، فنلطخه بالزعفران ونصلي فيه.
قال المزني: ويجوز أن يصلي بثوب الحائض، والثوب الذي جامع فيه الرجل أهله وإن صلى في ثوب نصراني، أجزأه، ما لم يعلم فيه قذرًا، وغيره أحب إلي منه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال لأن الأصل طهارة الثوبين، والطاهر أيضا في حق المسلمين.
روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت، كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي، فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وأما ثياب المشركين: إن كان ثوب مشرك يتوقي النجاسات، كاليهود والنصارى يجوز أن يصلي فيه، لأن الأصل والظاهر طهارته، كما في حق
[ ٢ / ٩٣٠ ]
المسلمين، وإن كان ثوب مشرك يتدين باستعمال النجاسات، كالمجوس، ففيه قولان:
أحدهما: هو طاهر، لأن الأصل طاهرة الثوب.
والثاني: هو نجس، لأن الظاهر نجاسته.
وهكذا كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر كالمقبرة القديمة التي شك في نبشها، ووحل الطريق. فعلى هذين القولين.
قال المزني: وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه.
قال القاضي حسين: الحيوانات قسمان:
حيوان له نفس سائلة.
وحيوان ليس له نفس سائلة.
فأما ماله نفس سائلة، فعلى قسمين:
قسم يؤكل ميته كالسمك، ففيما يخرج منه من دمه وبوله وروثه، وجهان: وكذلك فيما يخرج من الجراد من هذه الأشياء:
أحدهما: هو طاهر كالرطوبات المتحللة من اللحوم الطرية.
والثاني: نجس قياسًا على غيرهما.
وقسم لا يؤكل ميتة.
فعندنا: ما يخرج منه من البول والروث نجس، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، وسواء كان ذرق طائر، او غير طائر.
وقال أبو حنيفة: ذرق الطير طاهر.
ويحتجون فيه بإجماع أهل الحرمين على إمساك الحمامات في المسجد الحرام مع علمهم بوجوب تنزيه المساجد عن النجاسات
[ ٢ / ٩٣١ ]
وقال محمد وأحمد: ما يؤكل لحمه طاهر بوله، وزاد أحمد أن عذرته أيضا طاهرة، دليلنا ما روى أن النبي ﷺ قال: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه.
ولم يفصل أو يقول: حيوان محرم الدم، فكان نجس البول قياسًا على غير مأكول اللحم.
واحتجوا بما روى أن قومًا من العرنيين أتوا النبي ﷺ، فاستوخموا المدينة فاصفرت ألوانهم، ونحلت أجسامهم، وانتفخت بطونهم، فقال لهم النبي ﷺ، لو خرجتم إلى إبل الصدقة وشربتم، من أبوالها وألبانها، فإنها لشفاء لذربة بطونكم، فخرجوا إلى إبل الصدقة وشربوا من أبوالها وألبانها.
فثابت إليهم نفوسهم، وصحت أجسامهم، فقتلوا راعي النبي ﷺ، واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ، في أثرهم حتى ردوا، وأمر حتى قطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الرمضاء، فكانوا يرمضون
[ ٢ / ٩٣٢ ]
الحجارة، ويستسقون، فلا يسقون إلى أن ماتوا عطشًا، فنزل قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ).
ونهي عن المثلة.
قال عمران بن حصين: ما قام فينا النبي ﷺ خطيبًا إلا كان يبحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والجواب هو إنما شربوا في وقت الحاجة والضرورة للتداوي، ونحن نبيح شرب البول للضرورة.
ويحتجون بما روى عن النبي ﷺ أنه ﵇ قال: إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب، وهو فساد المعدة، ويروى: فساد للذربة بطونهم فجعل فيها.
وقد قال ﵇: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. فلو كانت حرامًا ما وقع بها الشفاء.
والجواب هو أنه أباح شربها عند الحاجة، ولا يصفها بالتحريم في وقت
[ ٢ / ٩٣٣ ]
الحاجة، بل يبيحها كالميتة تباح للمضطر، فلم يكن الشفاء، في المحرم، بل كان في المباح.
فأما ما ليس له نفس سائلة مثل النمل والخنفساء ففي دمها وذرتها وجهان، بناء، على أن ميتة ما ليس له نفس سائلة نجسة أو طاهرة.
وفيه قولان:
فأما البيض المنفصل عن الطائر، إن كان غير مأكول اللحم، فنجس، ولا يطهر بالماء.
ولو كان مأكولا، فهو طاهر في الأصل، ثم ينظر، إن سقط منها في مكان نجس، يجب غسله بملاقاته النجاسة، وإن سقط منها في مكان طاهر، فهل يجب غسله أم لا؟
فوجهان بناء على أن بلل باطن الفرج طاهر أم نجس؟
وفيه وجهان، كما في بلل باطن فرج النساء.
فأما الأنفحة، إذا ذكيت السخلة، وأخرجت منها طاهر، وإن ماتت، ثم أخرجت منها فهي نجسة، فإن قيل: لم أطلق الشافعي القول بنجاسة ما خرج عن مخرج حي؟ فإن العسل خارج من حي، وهو محكوم بطهارته.
قلنا: النحل لعابة يخرج من فيه.
حكى: أن واحدًا كان يعيب الحلواء عند الحسن البصري، فقال: لعاب النحل بلباب البر، وخالص السمن ما عابه أحد.
وقد ذكرنا في تأويل الأخبار أنه إنما جوز لهم شرب البول عند الحاجة، وهكذا عندنا يجوز شرب ما سوى الخمر، إذا أخبره طبيب حاذق بأن فيه شفاءه.
فأما إذا قال له: شفاؤك أعجل فيه، هل يجوز له شربه أم لا؟
فوجهان: كما قلنا في المتيمم، إذا خاف من استعمال الماء لشدة الضنى
[ ٢ / ٩٣٤ ]
فأما شرب الخمر لا خلاف في أنه لا يجوز ذلك لأجل العطش، لأنه يزيد في العطش لحرارته ولا يسكنه.
فأما إذا غص بلقمة في حلقه، فيجوز له أن يشيعها بالخمر، وهل يجوز شربها للاستسقاء
فوجهان:
أحدهما: لا؛ لقوله ﵇: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
والثاني بلى؛ كما في البول سواء.
قال الشافعي: وإذا أكره على شرب الخمر كرهتها له، وإذا أكره على أكل الخنزير لم أكرهه له.
وإنما فرق بينهما، لن الخمر أم الخبائث، فربما يتولد منها الفساد الكثير، إذا ذهب عقله، ويقع في الفحشاء، بخلاف لحم الخنزير.
فأما لبن ما يؤكل لحمه فطاهر كلحمه، ولبن ما لا يؤكل لحمه، فنجس إلا لبن الآدمي، فإنه طاهر لحرمته، وهكذا لبن الأتان طاهر لقول الإصطخري
قال المزني: فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية، ولو غسل كان أحب إلى.
قال القاضي حسين: أخل المزني، ﵀، في نقل هذا الكلام، لأن ظاهره يوهم الأستثناء من النجاسة، وأن بول الصبي طاهر.
وإنما قال الشافعي: وكل نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة فاستثى بول الصبي من الغسل.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
فعندنا: الصبي إذا لم يأكل الطعام يرش على بوله الماء، ولا يجب غسله، وإن غسل، قال الشافعي، ﵀: كان أحب إلي.
وقال أبو حنيفة: يغسل كبول الصبي الذي يأكل الطعام.
والقياس يوجب التسوية بين بول الصبي وغيره من النجاسات، إلا أنا اتبعنا فيه السنة، وهو ما روى عن لبابة بنت الحارث، أنها قالت أتي النبي ﷺ بالحسن أو الحسين، فوضع في حجره ليحنكه بال في حجره، فقلت، أعطني إزارك يا رسول الله لأغسله، فقال: إنما يغسل من بول الصبية، فدعا بماء ورش عليه.
فأما بول الصبية، فقد مثل الشافعي ﵀ القول فيه، فقال: ولا يبين لي فرق بين بول الصبي والصبية.
وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين:
أقيسهما: أنه كبول الصبي.
والثاني: أنه يغسل، وعليه يدل ظاهر الحديث، وأيضا إن بول الصبية ألصق بالمحل، لأنه قيل في بول الصبية: إنه يكون أحد من بول الصبي، وان له رائحة ذكية، وعني بالرش أن يصيب الماء عليه، حتى يغلبه، وإن لم يعصره، وفي غيره من النجاسات، إذا صب الماء عليها، ولم يعصره.
فيه وجهان.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
قال المزني: ويفرك المني، فإن صلى به، ولم يفركه، فلا بأس، لأن عائشة ﵂ قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه، وروى عن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبصاق أو مخاط.
قال القاضي حسين: أما مني الرجل، فالمذهب أنه طاهر، وهو قوله الجديد.
وخرج فيه صاحب التلخيص، قولا آخر: أنه نجس، وبه قال مالك، وإنما يحكم بطهارة المني، إذا كان المحل طاهرًا، بأن كان قد بال، واستنجي بالماء، فأما إذا كان المحل نجسًا بأن بال، واستنجي بالجامد، أو كان قد أمذى يحكم بنجاسته لا محالة لمروره على المحل النجس.
ومنى المرأة طاهر أيضًا، على ظاهر المذهب.
وأما حكمه بعد الانفصال، فوجهان:
أحدهما: هو طاهر.
والآخر: نجس بناء على أن بلل باطن فرج المرأة طاهر أو نجس.
وفيه وجهان، وهكذا في مني الرجل، إذا انفصل عنها بناء على هذا الأصل، وهكذا إذا جامعها، وعزل عنها، ثم خرج منه المنى.
فيه وجهان.
فأما مني سائر الحيوانات.
فيه أوجه:
أحدها: الكل نجس، وإنما خص ابن آدم بطهارة منيه، كرامة له لقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم).
والثاني: كل حيوان لبنه طاهر، فمنيه طاهر، وما لا فلا.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
والثالث: كل حيوان عرقه ولعابه طاهر، فمنيه طاهر، وكل حيوان عرقه ولعابه نجس، فمنيه نجس، فعل هذا مني الحيوانات كلها طاهر عدا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة، المني نجس، إلا أنه كان رطبًا يغسل، وإن كان يايسًا جاز أن يقتصر فيه على الدلك.
وقال مالك: إنه نجس، ويغسل رطبًا كان أو يابسًا
دليلنا على مالك ما روى عن عائشة ﵂ انها قالت: كنت أفرك المني من ثوب النبي ﷺ، ثم يصلي فيه.
وعن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبزاق أو مخاط.
ونقول مع أبي حنيفة: ما جاز فركه في محله، جاز تركه كالبزاق ونحوه.
فرع
إذا ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة، إن لم تكن متصلبة تكون نجسة، وإن كانت متصلبة، فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي: ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي، وفي صوفه وشعره وريشه، إذا أخذ منه وهو حي.
قال القاضي حسين: قد استقصينا القول في كتاب الطهارة.
قال المزني: ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، فإن رقعه بعظم ميتة، أجبره السلطان على قلعه، فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
قال القاضي حسين: هو كما قال، فإن رقعه بعظم ما لا يؤكل لحمه، أو بعظم المأكولات إذا مات.
نظر، فإن كان لا يجد عظم المأكول ذكيًا، وخاف التلف، جاز، ولا يجبر على قلعه، ولو وجد عظم المأكول ذكيًا، أو كان لا يخاف التلف، فرقعه بعظم غير المأكول.
نظر، فإن كان لا يخاف التلف بالقلع، أجبر على القلع، ولو لم يخف التلف، لكن خيف شدة الضنى، هل يجبر على القلع؟
يحتمل وجهين بناء على القولين في جواز التيمم، إذا خاف إن مسه الماء شدة الضنى، وإن خيف التلف وجهان:
أظهرهما: لا يجبر على القلع، لأن خوف التلف والضرورات تبيح استعمال، النجاسات والمحظورات.
يدل عليه إبحاة الميتة للمضطر لخوف التلف، بخلاف الخيط، لا ينزع وجهًا واحدًا، إذا خيف التلف، لأن ذاك حق الآدمي، فيمكن تداركه بالقيمة.
والثاني: يجبر على القلع، لأجل الصلاة، وإن كان يقضي إلى زهوق الروح، لأن إزهاق الروح، يستحق بسبب الصلاة، كما يقتل تارك الصلاة، فلو مات قبل القلع، فوجهان:
أحدهما: يقلع، كما في حالة الحياة.
والثاني: لا؛ لسقوط التكلف، بخلاف الخيط المغصوب، ينزع منه بعد الموت.
وقول الشافعي ﵀: فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.
قيل: معناه صار نجسًا كله، فلا يقلع، والله حسيبه.
قيل: معناه، صار نجسًا، على ما ارتكب من المعصية.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
قيل: أراد به سقط التكليف عنه.
وهكذا حكم الخيط النجس، إذا خاط به جرحه، حكم العظم النجس.
فأما الخيط المغصوب، إذا خاط به جراحه، إن لم يخف من نزعه التلف، فإنه ينزعه، وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا وقع المنكسر بالعظم النجس مع وجود الطاهر، إن لم يكن قد اكتسى باللحم يقلع، وإن اكتسي باللحم لا يقلع.
وفرق بأنه قبل الاكتساء اللحم في حكم الطاهر، وحكم النجاسة الظاهرة يمنع صحة الصلاة، ووجوب رفضها، وإذا اكتسى باللحم، صارت مستبطنة لا حكم لها، كما لو شرب نجسًا، لا يكلف الاستقاء لإخراجه [].
والفرق بيهما ظاهر، وذاك لأن النجس إذا شربه، لا يمكن إخراجه بالكلية، فلم يكلف الإخراج، بخلاف العظم فإن إخراجه ممكن.
والخلاف مع أبي حنيفة لا يتصور إلا في عظم الخنزير، فإن عنده العظام، لا تحلها الحياة، ولا تنجس بالموت في الحيوانات الطاهرة، والكلب عنده طاهر العين.
ووافقنا في الخنزير أنه نجس العين.
قال المزني: ولا تصل المرأة المرأة شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه بحال.
قال القاضي حسين: وصل الشعر في الجملة، حرام.
والأصل فيه ما روى عن النبي ﷺ، انه قال: لعن الله الواصلة، والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
فـ (الواصلة): هي التي تصل الشعر بالشعر، و(المستوصلة)، هي التي تستدعي، وتلتمس وصل شعرها بالشعر، والواشمة، هي التي تغرز إبرة أو غيرها في يدها أو وجهها، وتحشى فيها شيئا من العظم، وهو النيل.
والمستوشمة: هي التي تلتمس الوشم.
والواشرة: هي التي تحد أسنانها إذا أكلت لهرم أو غيره.
والمستوشرة: هي التي تلتمس الوشر، وتحديد الأسنان.
وعن ابن مسعود أنه كان يخطب، فقال في خطبته: ألا ألعن من لعنه الله، لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة المستوشرة.
وكان في القوم امرأة معنية بأمر دينها، فرجعت إلى البيت، وقرأت جميع القرآن، تطلب ما قاله ابن مسعود فلم تعثر عليه، فرجعت من الغداة إلى مجلس عبد الله بن مسعود، قالت، قد تصفحت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال لها: لو طلبتيه لوجدتيه، قال الله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه). الاية.
وإن ما أتانا الرسول ﵇ أنه قال: لعن الله الواصلة. الخبر، فلو وصلت شعرها.
نظر، فإن وصلتها بشعر ما لا يؤكل لحمه، لم تصح صلاتها، وكلفت قطعها، وإن وصلت بشعر آدمي فحرام أيضا، لأن من كرامة الآدمي الا يستعمل حرمته، بل تدفن وتوارى، غير أنها إن صلت معها، فصلاتها، صحيحة، لأن شعر الآدمي طاهر، ولو وصلت شعرها بشعر ما يؤكل لحمه، إن لم يكن لها زوج، فحرام، وإن كانت ذات زوج، ولم يأذن لها زوج، فكذلك هو حرام وإن أذن لها فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يجوز تزيينا للزوج، واستمالة لقلبه.
[ ٢ / ٩٤١ ]
والثاني: لا يجوز لظاهر الأخبار، لقوله ﵇: لعن الله الكاسيات العاريات المغيرات لخلق الله.
والمراد بـ (الكاسيات) (العاريات)، اللاتي يلبسن الشف من الثياب، ومهلهل النسج منها، بحيث تبدو العورة من تحتها، فمن لبسها كان عاريًا، لما أن عورته ظاهرة فكاسيًا للبسه إياه، وروى عنه ﵇، أنه قال: المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور.
يعني المتشبع بما ليس فيه لشهود الزور، والذين يلبسون الثياب ليشهدوا بالزور، وإذا غمزت وجهها بالغمزة إذا لم تكن ذات زوج أو كانت، ولم يأذن لها فيه، عصت الله تعالى.
وإن أذن لها الزوج في التغمير، فوجهان، لما ذكرنا من المعنى، وظاهر الخبر وهكذا التطريق، وهو أن تختضب بالحناء، وتسود رءوس البنات، فعلى ما ذكرنا من التفصيل فيها قيل: ولها أن تختضب بالحناء من غير أن تسود رءوس الأصابع، ولا يجوز للرجل الاختضاب بالحناء.
قال النبي ﷺ: طيب الرجال ما خفي لونه وظهرت رائحته، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفيت رائحته.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
وقال القاضي ﵀: هي عادة المخنثين وسنتهم.
ويجوز للرجل أن يخضب لحيته بالحناء.
فرع
لو تنفط بدنه وفيه قليل ماء، فإنه لا يحكم بنجاسته، لأنه في حكم الباطن، فإذا تشق وخرج منه الماء، حينئذ يجب غسله، واتصال الماء إلى باطنه، لأنه، صار في حكم الظاهر.
قال المزني: وإن بال رجل في مسجد، أو أرض يطهر بأن يصب عليه ذنوب من ماء، لقول النبي ﷺ في بول الاعرابي (حين بال في المسجد)، صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
قال الشافعي: ﵀: وهو الدلو العظيم، وإن بال اثنان، لم يطهره إلا دلوان، والخمر في الأرض كالبول، وإن لم تذهب ريحه.
قال القاضي حسين: الذنوب، اسم للدلو الذي يشد فيه رشاء، يسمى ذنوبًا، لأنه كالذنب المدلو.
فعندنا إذا بال في أرض طهر، بأن يصب عليه الماء حتى يغمره، ولا يحتاج إلى حفرها.
وحكي عن الشافعي، ﵀ أنه قال: يصب عليها سبعة أضعاف البول، وليس هذا بتقدير، لأن الشرط أن يصب عليه من الماء حتى يغمره ويغلبه، وبدونه لا يحصل هذا الشرط.
وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض إذا بيل عليها، حتى تحفر ويرتفع ترابها دليلنا ما روى أبو هريرة، ﵁ أن أعرابيا دخل مسجد النبي ﷺ فسلم فرد ﵇، فصلى مع النبي ﷺ، فلما فرغ من الصلاة قال الاعرابي، اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
وفي رواية أدخلني الجنة ومحمدًا، ولا تدخل معنا أحدًا، فقال ﵇: لقد تحجرت واسعًا يا أعرابي.
أي: استوليت على مكان واسع قصدت أن تفوز به.
ومنه قولهم: تحجر فلان أرض كذا، إذا أعلم عليها ليحييها فقام الأعرابي ورفع ذيله في ناحية من المسجد ليبول.
قال أبو هريرة: فهممنا به، فنهانا النبي ﵇، فقال: لا ترووا به.
أي: لا تقطعوا عليه بوله، قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، حتى بال، ثم قال ﵇: صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
ولم يأمر بالحفر، ثم إنما تحكم بطهارتها، إذا انصب الماء وتنشف فيها.
وبمثله: لو غسل ثوبًا، ولم يعصره حتى جف الماء عليه، أو غسل آنية، وخضخض الماء، فيها، ولم يصبها حتى جف، فوجهان:
أحدهما: يحكم بطهارتها.
والثاني: لا يحكم ما لم يعصر الثوب، ولم يصب الماء الذي في الإناء الذي في العصر، والصب ممكن فيهما، بخلاف الأرض، لأن العصر لا يتأتي فيها فالتنشيف فيها بمنزلة العصر في الثوب.
فأما إذا كات الأرض صلبة، بحيث إذا صب فيها الماء يجري إلى موضع آخر، ويجتمع، فإن الأرض صارت طاهرة، وحكم الماء المجتمع حكم غسالة النجاسة.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
ولو بال اثنان في أرض، فزاد في الماء ليحصل التطهير، ولا يختلف الحكم ببول الاثنين، والواحد في وجوب الزيادة في الماء.
وإنما يختلف الحكم بقلة البول وكثرته، لأن الواحد لو بال كثيرًا، بحيث يبلغ بول اثنين في الغالب، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الاثنين.
وإذا بال اثنان، كل واحد منها قليلا، بحيث لا يزيد مجموعهما على بول واحد، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الواحد.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو بال اثنان في أرض.؟
قلتم: لا يقتصر فيما يصب عليه من الماء على ما يصب على بول الواحد، وبين ما إذا ولغ في الإناء كلبان.
قلتم: يقتصر في الغسل والتعفير على ما يقتصر عليه من ولوغ الواحد.
وأما الفرق، أن نجاسة الولوغ بعد المرة حكمية، والنجاسات الحكمية يتفق مزيلها، قلت أم كثرت، لأن الحكم يجري فيه التداخل.
يدل عليه أن الأحداث إذا اجتمعت، يكتفي لها بوصف واحد، ولا يكلف بوضوء آخر لكل حدث بخلاف البول، فإنها نجاسة عينية، فكلما كثرت العين افتقرت إلى زيادة المزيل، هذا لأن العين أقوى، وإذا ازداد القوى، وجبت الزيادة في رافعه، لأن غير القوى، لا يقدر على رفع القوى ودفعه له.
والخمر في الأرض كالبول، وإن لم يذهب ريحه.
أما النجاسة التي ليست لها رائحة ذكية، بقاء رائحتها يدل على بقاء العين، ويمنع الحكم بالطهارة، وما لها رائحة ذكية كالخمر، وبول المبرسم هل يدل بقاء رائحتها على بقاء العين.
فقولان:
أحدهما: وهو المنصوص، لا يدل على بقاء العين؛ لأن الرائحة تبقي بعد زوال العين يدل عليه أن الخمر إذا كانت في بيت مدة، فأخرجت عنه تبقى
[ ٢ / ٩٤٥ ]
رائحتها فيه، وقد زالت العين حتى لو كان فيه ثوب تعلق رائحتها فيه، وكذا الميتة، تلقى على شط البحر، فيتروح الماء برائحتها، ولم يلاق الماء عين النجاسة.
والقول الثاني: يدل على بقاء النجاسة، لأن الرائحة صفة للعين والصفات لا تنفك عن الموصوفات، كما لم تكن ذكية.
وحكم الخمر إذا أصابت الأرض، حكم البول سواء.
وإن صب الماء عليها وزالت عينها وأثرها، فذاك، وإن بقيت الرائحة، فقولان على ما بينا، وفي سائر النجاسات، إن بقي اللون دون الرائحة فمعفو، بدليل أثر عائشة.
وإن بقي الرائحة دون اللون، الصحيح انه يعفي، وفيه وجه آخر، أنه لا يعفى، وإن بقي اللون والرائحة، فيه وجهان:
الصحيح: أنه يكون نجسًا.
فروع
إذا تحرق السرقين، فالرماد منه يكون نجسًا، وكذا الدخان حتى لو أصاب الدخان ثوبًا، فإن كان الثوب رطبًا، فإنه يتجس به، وإن كان يابسًا فيه وجها وكذا لو شجر التنور بالسرقين، فإنه يكنس التنور بالمكنسة اليابسة، حتى لم يبق هناك من دخانه شيء، حتى لو ألصق العجيبن هناك به قبل الكنس، أو كنسة بمكنسة رطبة، فإنه ينجس العجيبن، ولا يطهر الطبخ بعده، وكذا لو سقط العجين في الرماد تنجس إلا أن يكون بعد ما طبخ، سقط فيه، فإنه لا ينجس، وكذا لو دخل الإصطبل، وراثت الدواب، وخروج منه دخان ودخل المستحم، وبال وتغوط، وخرج منه دخان في الحال، فإنه لو أصاب ثوبه، وكان رطبًا، تنجس وإن كان يابسًا، فيه وجهان.
[ ٢ / ٩٤٦ ]
وأصل هذا ما حكينا عن الحليمي في كتاب الطهارة، أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكان ثيابه رطبًا، قال: ينجس، وإن كان يابسًا، لا ينجس.
فأما إذا أغلى اللحم بالماء النجس، فإنه ينجس، فلو صب الماء عليه فإنه يطهر ظاهره، ولا يطهر باطنه، إلا أن يغلي ثانيًا بالماء الطاهر، حتى يتخلل الماء في أجزائه، وكذا لو سقى السكين بالماء النجس، ثم غسله بالماء الطاهر، فإنه يطهر ظاهره، دون باطنه، إلا أن يسقي ثانيًا بالماء الطاهر، حينئذ يطهر ظاهره، وباطنه.
فأما الدابة، إذا راثت الشعير، ينظر فيه، فإن كان الشعير يصلح للزراعة، وينبت لو زرع، فإنه يطهر إذا غسل بالماء، وإن كان بحيث لا ينبت لو زرع، فإنه لا يطهر بالغسل.
فأما إذا أديس الكدس، وراثت فيه البقرة.
قال القاضي ﵁: فإنه يعفي عنه؛ لأجل الضرورة والحاجة مع كونه نجسًا.
والمستحب أن يغسل الفم إذا أكل منه تنظفا لا وجوبًا، فإذا انبت الحب من السرقين أو الكرات نبت عنه، فإنه يكون نجسًا، فإن تسنبل منه أو تشقق وخرج منه الحبات، حينئذ يكون طاهرًا، لأن النجاسة لا يلاقيها الآن، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن صلى فوق قبر، أو إلى جنبه، ولم ينبش، أجزأه.
قال القاضي حسين: الصلاة في المقابر في الجملة مكروهة.
روى عن عائشة، ﵂ أنها قالت، كان النبي ﷺ في مرضه الذي توفي في يغشى عليه ويفيق، فكلما أفاق كان يقول: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
[ ٢ / ٩٤٧ ]
وإنما كان يقصد به تحذير أمته من اتخاذ قبره مسجدًا.
وروى: أن النبي ﷺ، قال: اجعلوا شيئًا من صلاتكم في بيوتكم، لا تتخذوها مقابر.
فدل أن المقابر لا يصلى فيها.
وروى أنه ﵇: نهى عن الصلاة في سبعة مواضع: المجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، ومعاطين الإبل، والحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام.
أما المجزرة والمقبرة، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فلو بسط هناك ثوبًا طاهرًا، وصلى عليه أجزأه.
وأما المقبرة هكذا، وإن صلى في المقبرة من غير أن يبسط فيها شيئًا، فإن كانت جديدة، لم تنبش، فالصلاة تنعقد فيها، وإن كانت قديمة منبوشة، لا تنعقد الصلاة فيها.
وإن شك هل نبشت أم لا؟
فعلى قولين:
الأصل: والظاهر، كالقولين في وحل الطريق.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
أما قارعة الطريق، فالنهي عن الصلاة فيها لمعنيين:
أحدهما: أنها لا تنفك عن النجاسات غالبًا، لأنها ممر الدواب والبهائم، والثاني: أن المارة تكثر فيها، فلا يكمل الخشوع ويتعلق قلبه بما يتوهمه من المارة بين يديه، فلو بسط فيها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية، وإن ارتفع معنى النجاسة، لأن المعنى الثاني يمنع الخشوع في الصلاة، ويوجب اشتغال القلب، وهو قبل بسط الثوب الطاهر عليها موجود بعده، وتنعقد الصلاة.
ولو صلى فيها في جوف الليل، فمكروه، لأنه لا يأمن مرور المارة بين يديه بالليل كهو بالنهار.
وأما معاطن الإبل، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، وأنه لا يكمل الخشوع في الصلاة فيها لما في الإبل من النفار، وعدم السكون، فلو بسط عليها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية لبقاء المعنى الثاني المانع من الخشوع، وإن ارتفعت النجاسة، تنعقد الصلاة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل لا تجوز، وفي مرابض الغنم جائز، سئل النبي ﷺ، فقيل له: أنصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا، فقال: أنصلي في مرابض الغنم، فقال: نعم.
وعندنا هذا محمول على الاستحباب.
قال المزني: وما خالط التراب من نجس، لا تنشفه الأرض، إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم النجاسة المائعة إذا أصابت الأرض، فإن كانت الأرض صلبة، يصب عليها الماء، وإن كانت رخوة، فإذا أورد عليها الماء كثيرًا، فإنه يطهرها.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
فأما الجامد من النجاسات إذا أصابت الأرض، لا تقبل التطهير، يصب الماء عليها بل تزداد إذا صب الماء عليها، ولو مضت عليها دهور، وشهور حتى صارت النجاسة بطبع التراب هل يحكم بطهارتها؟
فوجهان:
أحدهما: بلى، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا؛ لأن عين النجاسة قائم، وإنما بدلت صفاتها، وعلى هذين الوجهين: السماد إذا جعل في الأرض، فمضت عليها مدة صار بطبع التراب فهل يحكم بطهارته؟
فعلي وجهين، وهكذا الكلب، إذا صار ملحًا، وعلى أصل أبي حنيفة، يتصور أن يكون خنزيرًا نصفه طاهر، ونصفه نجس، بأن وقع نصفه في الماء، ونصفه في المملحة فيصير ملحًا.
قال المزني: وإن ضرب لبن فيه بول الطين المعجون بالبول وغيره من النجاسات، لم يطهر، إلا بما تطهر به الأرض من البول، والنار لا تطهر شيئًا.
قال القاضي حسين: إذا ضرب منه لبن فتطهيره، بأن يصب الماء، بحيث يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه، ويصل الماء من كل جانب إلى جانب الآخر، كالأرض إذا أصابها نجاسة، تطهيرها بأن يصب الماء عليها حتى ينشف فيها، ولو طبخ اللبن المضروب من الطين النجس.
فالمذهب أنه نجس؛ لأن النار لا تطهر شيئا على حسب ما نبين، فلو صب الماء عليه، فلا يتصور أن يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه لصلابته، لكن ظاهره يطهر، لأن إصابته الماء يقينًا، فيجوز أن يصلي عليه، وهل يصلي معه.
الصحيح أنه لا يصلي معه: لبقاء النجاسة في باطنه.
وفي وجه آخر: أنه يجوز؛ لأن النجاسة المستنبطة، لا يمنع الصلاة معها،
[ ٢ / ٩٥٠ ]
كما لو حمل طائرا أو صبيا صغيرًا في الصلاة، تصح صلاته، وهو حامل للنجاسة يقينًا.
والفرق بين المسألتين ظاهر، وذاك أن النجاسة في جوف الطائر والصبي الصغير خلقة طبيعية حصلت باستحماله، بخلاف نجاسة الآخر، فإنها مودعة فيه.
قال: والنار لا تطهر شيئًا، هكذا نص ها هنا.
ونص في الجديد والاستنجاء، فقال: لا يسمح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهر بالماء.
وقال في القديم: ولو بيل في أرض، فشرقت عليها الشمس، ومضى عليها أزمان، جاز أن يصلي عليها، ولا يتيمم بترابها.
وقال في الإملاء/ ولو استنجى بحجر وألقاه في مضحاة حتى جف، وتناثرت منه النجاسة، جاز أن يستنجي به ثانيًا، فحصل في غير الماء، هل يطهر؟
قولان:
فإن قلنا: يطهر، هل يطهر ظاهره، أو ظاهره، وباطنه؟
فعلى قولين:
والنار مرتبة على غيرها إن قلنا: ما عدا النار يطهر، فالنار به أولى، وإلا فوجهان؛ لأن النار أقوى، وعلى هذين الوجهين السماد وعظام الموتى، هل يحكم بطهارة رمادها، فقولان:
أحدهما: يحكم، وهو مذهب أبي حنيفة.
والصحيح: أنه لا يحكم، لأن عين النجاسة قائمة، وإنما تفرقت أجزاؤها، فأما لو تصور أن يتخلخل الماء في باطن الأجزاء المطبوخ، ويصل إلى جميع أجزائه، فإنه يطهر ظاهره وباطنه كغير المطبوخ.
[ ٢ / ٩٥١ ]
قال المزني: والبساط كالأرض إن صلى في موضع منه طاهر، والباقي نجس، ولم تسقط عليه ثيابه - أجزأه.
قال القاضي حسين: وهو كمال قال؛ لأن البساط العريض إذا كان على طرف منه نجاسة، فصلى على الطرف الآخر أجزأه، تحرك المكان أو لم يتحرك، كالأرض إذا صلى على موضع طاهر منها، وبجنبه نجاسة صحت صلاته، سواء كانت النجاسة تتحرك بحركته، أو لا تتحرك.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بحركة النجاسة وثباتها، إن كانت تتحرك بحركة المصلى لم تصح صلاته، لأنه مصل عليها، وإن كانت لا تتحرك بحركته صحت صلاته، وإذا صلى على سرير، قوائمه على النجاسة صحت الصلاة عندنا.
وإذا تعمم بطرف عمامه، وطرفها الآخر نجس، ملقاة على الأرض لا تصيب جزءا من بدنه وثيابه، لم تصح صلاته.
ومذهب أبي حنيفة على ما بينا إن تحركت بحركة المصلى لا تصح صلاته وإلا فتصح صلاته، ولو كان طرف العمامة بيده فوجهان.
وإذا صلى على ثوب شف تحته، نجاسة تظهر من تحته، ولا يلاقيها بدنه وثوبه، ففي صحة الصلاة وجهان.
وإذا كان على مصلاه نجاسة لا تلاقي جزءا من بدنه وثيابه، لكنها تحاذيه مثل أن تكون حذاء صدره عند السجود أو بطنه، ففي صحة الصلاة وجهان:
أحدهما: هي صحيحة؛ لأنه غير ماس للنجاسة.
والثاني: لا؛ لأن النجاسة ظاهرة على المصلى بحذاء المصلي.
[ ٢ / ٩٥٢ ]
فرع
إذا أخذ في الصلاة بطرف حبل، وطرفه الآخر متصل بنجاسة، أو عنق كلب فأوجه:
أحدها: أن صلاته باطلة، لأنه حامل للنجاسة.
والثاني: هي صحيحة لأنها ليست تلاقيه ولا ثيابه، بل هي بائنة عنه.
والثالث: إن كان الطرف الآخر متصلا بعين النجاسة، لم تصح صلاته مثل أن يكون في عنق كلب أو خنزير، من غير حائل بين الحبل والعنق.
أو كان متصلا بحمل نجس على حمار، وإن كان الطرف الآخر متصلا بطاهر، وذلك الطاهر متصل بنجس، مثل أن يكون في عنق الكلب، وبين الحبل وعنقه حائل من ساجور أو غيره، أو كان متصلا بحمار، وعلى الحمار حمل نجس من سرقين، أو غيره صحت صلاته، فلو جعل طرف حبل تحت قدمه، وطرفه الاخر متصل بنجاسة صحت صلاته مذهبًا واحدًا؛ لأنه غير حامل للنجاسة، كالبساط يصلي على موضع طاهر منه لا تضره نجاسة باقي البساط بعد أن كان لا يصيبه جزء من بدنه أو ثيابه.
وعند أبي حنيفة: إنما يعتبر في طهارة المكان طهارة موضع القدمين دون باقيه، بناء على أنه لا يجب وضع الجبهة على الأرض، وإنما يجب وضع الأنف إذا سجد وساحة الأنف أقل من قدر درهم، والدرهم من النجاسة معفو في الصلاة، فلا تضر نجاسة المسجد، ولا يجب عنده، وضع اليدين في السجود على الأرض، وربما يقولون، إنما يعتبر طهارة إحدى القدمين دون الأخرى، لأن القيام على قدم واحد في الصلاة جائز.
فرع
إذا صلى على الجنازة، وجعل مداسه تحت قدميه، جاز، ولو نزع أصابع
[ ٢ / ٩٥٣ ]
الرحلين عنها ينظر فيه، فإن كان شيء من رجله بحذاء، ظهر المداس، فإنه لا يجوز إذا كان المداس نجسًا؛ لأنه يصير حاملًا له، وإلا فيجوز.
قال المزني: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد مارًا، ولا يقيم فيه، وتأول قول الله جل ذكره، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
قال: وذلك عندي موضع الصلاة.
قال: وأكره ممر الحائض فيه.
قال: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد، إلا المسجد الحرام لقول الله جل وعز، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
قال المزني: فإذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى أن يجلس فيه ويبيت، وأحب إعظام المسجد عن أن يبيت فيه المشرك، أو يقعد فيه.
قال القاضي حسين: للجنب العبور في المسجد عندنا لغرض صحيح، مثل أن يكون الماء في المسجد يريد أن يدخله، ويأخذ منه.
فأما إذا أراد أن يغتسل في المسجد بأن كان فيه نهر جار ليس له ذلك، لأنه يحتاج إلى المكث فيه، ولو كان فيه رجل يريد أن يناديه او كان طريقه إلى الدار في المسجد، فإنه يجوز له المرور فيه.
وقال أبو حنيفة: العبور فيه معصية كالمكث.
ودليلنا ظاهر الاية، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
منع الجنب من قربان المسجد، لأن المراد في الصلاة في صدر الاية مكان الصلاة.
قال الله تعالى: لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بها مكانها، واستثنى العبور.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
فأما إذا لم يكن له في العبور غرض ما فيكره، وإن فعل فآثم لظاهر القرآن ثم النص من الشافعي ﵁ ولو كان له طريقان: أحدهما أقرب، والآخر أبعد، وهو جنب في المسجد فاختار الأبعد من غير غرض فعل يكره، يحتمل وجهين بناء على أنه إذا سلك الطريق الأبعد هل يبلغ مسافة القصر؟
وترك الأقرب الناقص عنها من غير غرض، هل يترخض برخص المسافرين؟ وفيه قولان:
وأما الحائض لا يجوز لها العبور في المسجد إن لم تعصب فرجها، وإن عصبت فوجهان:
أحدهما: يجوز كما للجنب.
والثاني: لا؛ لأنها لا تأمن من انحلال عصابتها، وسيلان الدم منها، فتلوث المسجد، ولأن حكم الحيض أغلظ من حكم الجنابة، يدل على أنه يؤثر في تحريم الوطء، واسقاط الصلاة، وفعل الصوم بخلاف الجناية، فأما بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال حكمها حكم الجنب.
ولو وقعت لها خصومة، أو أرادت أن تشهد، فليس لها الدخول في المسجد، إذا كان الحاكم يقعد في المسجد في مجلس الحكم في المسجد، بل الحاكم يخرج من المسجد إليها، ويسمع منها شهادتها، وكذا الجنب إذا أراد أن يشهد عند الحاكم في المسجد، ما حكمه؟
لو أمكنه ان يشهد عنده في العبور، بحيث لا يمكث فيه شيئا له ذلك، وإلا فلا يجوز له المكث فيه على ما بينا.
ولو كان رجل في المسجد، فاحتلم، وكان ذلك ليلا مظلمًا يخاف على نفسه وماله، جاز له المكث فيه، لكنه يتيمم إن وجد في المسجد ترابًا غير ترابه، بأن كانت الرياح هبت، فأتت به في المسجد.
وإن لم يجد إلا تراب المسجد فيها وجهان.
[ ٢ / ٩٥٥ ]
وأما المشرك لا يجوز له البيتوتة، والمكث، والعبور في المسجد الحرام لظاهر قوله: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام، وله فيما عدا المسجد الحرام أن يمكث، ويبيت بإذن مسلم، ودون إذن مسلم فيه وجهان.
وإذا تصدر حاكم في المسجد للحكم، وفصل القضايا، جاز للمشرك الدخول فيه، لأن جلوسه في المسجد إذن منه للمشركين في دخوله، لأنه يفصل الخصومات بينهم، كما بين المسلمين وجوبا في قول، وجوازًا في آخر.
وقال المزني: إذا جاز للمشرك أن يبيت في المسجد فالمسلم الجنب به أولى. وقال بعض أصحابنا، إذا صورة المسألة المشرك إذا لم يكن جنبًا، فإن علمت جنابته منع من البيتوتة فيه كالمسلم.
ومن أصحابنا من قال: للمشرك البيتوتة في المسجد جنبًا كان أو لم يكن، والفرق بينه وبين المسلم، أن المسلم يعتقد إعظام المسجد، ووجوب احترامه، فيمنع من أن يقدم على فعل يتضمن ترك الاحترام، وخلاف التعظيم بخلاف المشرك.
فَرْعٌ
لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضع فيه اللبنات ويضعها في زواية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه، لأن هذه الأشياء مما تشغل موضع الصلاة.
وقيل: إن حكم اتخاذ المنارة أخف، لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة، بخلاف حفر البئر ونحوه، وهكذا لا يجوز الاستطراق في المساجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد يتنفس فيه من حر الشمس، جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه.
[ ٢ / ٩٥٦ ]
قال المزني: قال الشافعي: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار؛ لقول النبي ﷺ: فإنها جن من جن خلقت.
وكما قال: حين ناموا عن الصلاة: اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإن به شيطانا.
فكره قربه، لا لنجاسة الإبل، ولا موضعًا فيه شيطان، وقد مر بالنبي ﷺ شيطان فخنقه، ولم تفسد عليه صلاته، ومراح الغنم الذي تجوز فيه الصلاة الذي لا بول فيه، ولا بعر، والعطن موضع قرب البئر الذي يتنحى إليه الإبل؛ ليرد غيرها الماء، لا المراح الذي تبيت فيه.
قوله: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار.
قال القاضي حسين: هو كما قال، وليس بنهي تحريم، حتى لو بسط ثوبًا عليها إن كانت نجسة، وصلى صحت صلاته ويكره.
وفي مرايض الغنم: لا يكره فيها الصلاة، بعد أن بسط ثوبًا فيها إن كات نجسة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل غير جائزة، ولو بسط ثوبًا فيها، وتجوز في مرابض الغنم، وإن لم يبسط ثوبًا فيها، سواء كان فيها بولها أو بعرها، أو لم يكن.
وروى أنه ﵇ قال: لا تصلوا في معاط الإبل، وصلوا في مرابض الغنم.
وعندنا: هو محمول على نهي التنزيه دون التحريم، وإنما منع من الصلاة فيها، لأن لها نفارًا، فيمنع الصلاة من الخشوع والخضوع، يدل عليه أنه - عليه
[ ٢ / ٩٥٧ ]
السلام - علل فقال: إنها جن من جن خلقت، ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها.
وقال في الغنم: إنها من دواب الجنة خلقت من السكينة والوقار.
والصلاة في مكان الجن تنعقد، وعلى هذا وادي المعرس.
قال ﵇ لما ايقظهم حر الشمس، أخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا، ولم يصل فيه لا لنجاسته، ولو صحت فيه صحت صلاته، لأن الجن والشياطين طاهرة.
وروى أن النبي ﷺ قال: انفلت لي البارحة عفريت فهم أن يفسد على صلاتي فمكنني الله منه؟ فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أنامله، فأردت أن أربطه بسارية المسجد، لتلعب به صبيان المدينة، فتذكرت قول أخي سليمان: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسلته.
ولم يستأنف الصلاة بملاقاته الشيطان، ثم فسر الشافعي ﵀ العطن، فقال: في موضع قرب البئر تنحي الإبل إليه ليرد غيرها الماء، وليس بالمراح الذي تبيت فيه.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
وقال في الكبير: المراح، ما استعلت أرضه، وطابت تربته، واستدار عن مهب الشمال موضعه.