قال الشافعي: قال الله ﷿: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا). وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال في البحر: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
قال ﵁: فإن قيل: فلم قال: باب الطهارة، ثم اشتغل بذكر أحكام المياه؟
قلنا: قال الشافعي: ﵀ في جامع الكبير، باب الماء الذي يتطهر به أو نقول معناه أن الشافعي ذكر الكتاب على ترتيب حسن، فإنه اشتغل بذكر الطهارة، ثم بالصلاة وبالزكاة، كما قال ﵇: بني الإسلام على خمس، الحديث.
[ ١ / ١٨٧ ]
ولأنه لما افترض على المسلم الصلاة أولًا، فالصلاة لا تصح إلا بالطهارة، والطهارة لا تصح إلا بالماء، فلهذا اشتغل بذكر أحكام المياه.
وكما قال الرسول ﵇: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
فإن قيل: فلم أسند المزني كتاب الله تعالى إلى الشافعي فقال: قال الشافعي: قال الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورًا. الاية.
وكتاب الله تعالى، أشهر من أن يسند إلى أحد؟
قلنا إنما فعل ذلك، لأن الشافعي ﵀ كانت عادته أنه إذا اراد أن يصدر بابًا، فإن كان في ذلك الباب آية تلاها، وإن كان هناك سنة رواها، وإن كان أثر حكاه، ثم رتب عليه مسائل الباب.
فلهذا المعنى فعل ذلك حتى يعلم أن الشافعي هو المحتج بالآية لا هو.
فإن قيل: فلم قال وأنزلنا، وهذا لفظ الجمع، والله تعالى واحد لا شريك له.
قلنا إنما ذكر ذلك، لأن عادة الملوك والجبابرة أنهم يقولون، فعلنا كذا وصنعنا كذا والله تعالى أجبر الجبابرة والجبروت، والعظمة لا تكون على الحقيقة إلا لله تعالى.
[ ١ / ١٨٨ ]
قال: (من السماء)، والسماء: اسم لواحد من السموات السبع.
قال الله تعالى: (سبع سموات طباقًا) وقال: (خلق السموات).
وقيل: غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والسماء اسم للسحاب، والسماء: اسم للمطر، واحدها سماء، كما قال الشاعر:
فلو سقط السماء بأرض قوم رعيناها وإن كانوا غضابا
والسماء: اسم للسقف.
﴿ماء طهورًا﴾، اختلفوا فيه:
قال (مالك) الطهور: الماء الذي يتكرر منه التطهير، كما يقال: صبور وشكور، وقبول للذي يقبل كثيرًا، ويصبر كثيرًا، ويشكر كثيرًا.
ولهذا قال: الماء المستعمل يكون طهورا، وهذا قول قديم للشافعي.
وعلى أصل أبي حنيفة الطهور، اسم للطاهر، وعدي هذا إلى جميع الطاهرات فقال كل مائع طاهر يجوز إزالة النجاسة به.
وقال: إنه سمي طهورًا، لأنه اسم للمبالغة في الطهارة، كما قال الله تعالى: (وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا) الآية.
وعلى أصل (الشافعي) ﵀: الطهور، ماء هو طاهر في نفسه، مطهر لغيره،
ومنهم من قال: الطهور: اسم لما يتطهر به، كما يقال: سحور، وفطور،
[ ١ / ١٨٩ ]
فإن هذا اسم لما يتسحر به، ويفطر به، ويدل على صحة قولنا: قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
فالله تعالى سمي الماء مطهرًا.
وروى أنه قال ﵇: (جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لي طهورًا) يعني: مطهرًا.
فصل
روى أن النبي ﷺ قال في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) الحديث.
قال: ماء البحر يكون مطهرًا عند عامة العلماء.
[ ١ / ١٩٠ ]
وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال [في] البحر نار ثم نار بحر ثم نار حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنور.
وروى عن ابن عمر أنه قال: التيمم أعجب إلى من التوضؤ بماء البحر.
والدليل على أن ماء البحر يكون طهورًا قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
وقال سبحانه: (فأسكناه في الأرض) الآية.
وقال تعالى: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) الآية، وقال في قصة نوح عليه ﵇: (يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي).
وقيل: إن الأرض بلعت ماءها، وبقي ماء السماء.
فقيل: بقية ماء البحر هو الماء الذي أنزل من السماء، والدليل عليه ما روى أن جماعة من الصحابة جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر، فقال ﵇، (البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
[ ١ / ١٩١ ]
الأرماث: جمع الرمث، وهو خشبات يربط بعضها ببعض، فيركب عليها في البحر، والرمث: الخشب الذي توقد به النار.
وأما حديث عبد الله بن عمرو، إنما قال ذلك لهوله ولصعوبته.
والدليل عليه أنه قال ﵇: (من ركب البحر فقد برئت منه الذمة).
وقال الله تعالى في قصة المشركين: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) الآية.
فأما ركوب البحر، إن كان الغالب منه السلامة والأمن فيجوز ركوب البحر، وإن كان الغالب منه الغرق والهلاك، فلا يجوز ذلك.
وأما حديث عبد الله بن عمر معناه، لأن أسافر برًا، وأعوزني الماء وأتيمم أحب إلي من أن أسافر بحرًا، وأتوضأ بماء البحر لصعوبته.
فإن قيل: لماذا قال: هو الطهور ماؤه، وما هذا التطويل؟ ويمكنه أن يقول: نعم؟
قلنا: إنما قال ذلك، لأنه صاحب الشرع له أن يبين الأشياء، لقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس) الآية.
ولأنه إنما قال ذلك حتى لا يظن ظان أنه إذا كان معه ماء البئر لا يجوز التوضؤ بماء البحر.
[ ١ / ١٩٢ ]
فإن قيل: لماذا أجاب عنه وعن غير؟
قلنا: لأنه بعث مبينا للخلق ما يحتاجون إليه، لا يجوز له تأخير البيان، عن وقت الحاجة، ولأنه لما علم جهلهم بأن ماء البحر يكون طهورًا مع ما قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا).
فعلم أن جهلهم عن حيوانات البحر، مع قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتتة) يكون أكثر، فلهذا بين حكم ذلك، أو نقول: هذا بيان حكم البحر.
أيضًا، فإن النبي ﷺ، بين أن حيوانات البحر تكون حلالا، ولو ماتت في الماء، لا يفسد الماء بذلك.