قال المزني: قال الشافعي: والاختيار في السنة لكل من أراد صلاة الجمعة الاغتسال لها، لأن رسول الله ﷺ قال: الغسل واجب على كل محتلم، يريد وجوب الاختيار لأنه روي عنه ﷺ: من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل.
وقال عمر لعثمان ﵄ حين راح/ والوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل، ولو علما وجوبه لرجع عثمان، وما تركه عمر.
قال: ويجزيه غسله لها، إذا كان بعد الفجر، وإن كان جنبًا، فاغتسل لهما جميعًا أجزأه.
قال: وأحب الغسل من غسل الميت.
قال: وكذلك الغسل للاعياد سنة اختيارًا، وإن ترك الغسل للجمعة والعيد أجزأته الصلاة، وإن نوي الغسل للجمعة والعيد، لم يجزه من الجنابة، حتى ينوي الجنابة.
قال القاضي حسين: غسل الجمعة سنة مؤكدة، وليس بواجب.
وقال داود: إنه واجب ويأثم بتركه غير أنه لو تركه تصح الصلاة دونه.
واستدل بقوله ﵇، غسل الجمعة واجب على كل محتلم.
[ ١ / ٥٣١ ]
ولأن العرب من عادتهم أنهم إذا بالغوا في شتم رجل يقولون: أنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة.
قلنا: أراد بالمحتلم من وقع له الحلم، فصار بالغا، كما قال ﵇ لا تصلي الحائض إلا بخمار.
وأراد به البالغة التي هي من أهل الحيض، وأراد بالوجوب وجوب الندب، والاستحباب والاختيار لا التحتم، كما يقال: حق فلان واجب على فلان، يعني على طريق الاختيار، بدليل ما روى عن النبي ﷺ، أنه قال: من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل، أي بالسنة أخذ ونعمت أي نعم الخصلة الأخذ بالسنة.
وعن عائشة أنها قالت: كان الناس في أول الإسلام عمال أنفسهم، وكان عامة لبوسهم الصوف، وكانوا يروحون إلى المسجد في ثياب مهنهم، تعرق أبدانهم، وتفوح منهم رائحة الصنان، فقال النبي ﷺ للناس: لو اغتسلتم.
دل على أنه يكون على طريق الاختيار، ويدل عليه ما روى أن عمر رضي
[ ١ / ٥٣٢ ]
الله عنه كان يخطب فدخل عثمان وتخطي رقاب الناس، فقال له عمر، أي وقت هذا.
فقال عثمان ﵁ كنت في السوق سمعت النداء فوالله ما زدت على الوضوء، فقال والوضوء أيضا أما سمعت أن النبي ﷺ يأمرنا بالغسل يوم الجمعة. قال الشافعي ولو كان واجبًا لرجع عثمان ولما تركه عمر.
قال القاضي ﵁: استنبطت من هذا الحديث معنى، وذلك أن الرجل المحتشم الذي يحترم، ويكرم في المجالس يجوز أن يتخطي رقاب الناس، ويخرق الصفوف حتى يأخذ مكانه إذا كان محتشمًا في الدين، فأما إذا كان من أبناء الدنيا، فلا.
وروى أيضا أن النبي ﷺ لما مرض فاستخلف أبا بكر ﵁ ليصلي بالناس، فلما وجد من نفسه خفة خرج من بيته، ودخل المسجد، وهو يهادي بين رجلين، ورجلاه يخطان الأرض، ويخرق الصفوف حتى وقف على يسار أبي بكر، والمستحب أن يغتسل عند الخروج إلى المسجد، فلو اغتسل قبله، وبعد طلوع الفجر جاز، ولو أحدث بعده لا يضره خلافًا للمالك.
فأما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر لا يجوز، ولو اغتسل للعيد قبل طلوع الفجر، فوجهان، والفرق بينهما وجهان:
أحدهما: أن غسل الجمعة إنما سن لإزالة الرائحة الكريهة، وإذا طال الفصل تعود الرائحة ثانيًا، وغسل العيد للزينة، وأثر الزينة يبقى.
الثاني: أن الغالب أن أهل الرساتيق والقرى إنما يقصدون صلاة العيدين من مواضع بعيدة فلو قلنا: لا يحتسب الغسل له، إلا بعد الفجر شق، وتعذر عليهم ذلك في الطريق خلاف الجمعة، وغسل يوم العيد سنة في حق النساء والرجال والصغار والكبار، ومن حضر المصلي ومن لم يحضر
[ ١ / ٥٣٣ ]
وفي الجمعة وجهان:
أحدهما: هكذا.
والثاني: أنه سنة في حق من أراد حضور المسجد، والفرق بينهما ما ذكرنا قبله.
فأما الجنب إذا اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة بنية غسل الجمعة والجنابة أجزأه، وارتفعت الجنابة، وحاز فضيلة غسل الجمعة، لأنه لو اغتسل بنية الجنابة وحدها يحصل له ذلك، فإذا نوى فقد أتي بما يتضمنه غسله، فصار كما إذا دخل المسجد، وأدي الفريضة بنية الفريضة، وتحية المسجد يجوز، لأنه لو لم ينو تحية المسجد، فإنه يدخل في ضمنها تحية المسجد، وكذا لو طاف طواف القدوم، ونوى طواف الزيارة والقدوم جاز عنهما، وهذا مطرد إلا في مسألة واحدة: وهي أنه إذا أدرك الإمام في الركوع، فلو كبر بنية افتتاح الصلاة والركوع لا يجوز، لأن محل تكبرة الافتتاح غير محل تكبرة الركع، فإن محل تكبيرة الافتتاح حالة القيام، ومحل تكبيرة الركوع عند الهوى منه، فلما اختلف محلاهما لا يمكنه الجمع بينهما في النية بخلاف ما نحن فيه.
فأما إذا اغتسل بنية غسل الجمعة، وكان جنبًا، هل ترتفع الجنابة عنه أم لا؟
[ ١ / ٥٣٤ ]
فعلى ما ذكرنا من الأوجه الثلاث، إن قلنا: ترتفع، فتحصل له فضيلة غسل الجمعة.
وإن قلنا: لا ترتفع الجنابة، فهل تحصل له فضيلة غسل الجمعة؟
فوجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه نوى له.
والثاني: لا لبقاء الجنابة فيه.
قال المزني: وأولى الغسل أن يجب عندي بعد غسل الجنابة الغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه مفضيًا إليه، ولو ثبت الحديث بذلك عن النبي ﷺ قلت به ثم غسل الجمعة، ولا نرخص في تركه، ولا نوجبه إيجابًا لا يجزيء غيره.
قال المزني: إذا لم يثبت، فقد ثبت تأكيد غسل الجمعة، فهو أولى، وأجمعوا أنه من مس خنزيرًا، أو مس ميتة: أنه لا غسل، ولا وضوء عليه إلا غسل ما أصابه، فكيف يجب عليه ذلك في أخيه المؤمن؟
قال القاضي حسين: الغسل من غسل الميت سنة مؤكدة.
وفيه قول آخر: أنه واجب، لأنه علق القول فيه بقوله: لو ثبت الحديث في ذلك لقلت بوجوبه.
روى عنه ﵇ أنه قال: من غسل ميتا فليغتسل ومن مس ميتًا فليتوضأ. وروى: ومن حمل ميتًا فليتوضأ.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وروي أنه لما مات أبو طالب جاء علي كرم الله وجهه، إلى النبي ﷺ [قال] إن أبي عمك الشيخ الضال قد توفي، فقال النبي ﷺ غسله وكفنه وادفنه ولا تحدث بعد ذلك أمرًا حتى آمرك بذلك.
فهذب وغسله وكفنه ودفنه، ثم عاد إلى النبي ﷺ فقال له ﷺ: اذهب واغتسل.
إن قلنا: إنه ليس بواجب، فهل كان آكد من غسل الجمعة، أو غسل الجمعة آكد منه فوجهان:
أحدهما: غسل الميت آكد، لأنه اختلف قوله في الوجوب.
والثاني: غسل الجمعة آكد، لاختلاف العلماء في وجوبه، ولورود الأخبار الصحيحة فيه، والوجهان يقربان من أن ركعتي الفجر آكد أم الوتر؟
فيه وجهان: أحدهما: ركعتا الفجر، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وقال في الوتر: إن الله تعالى زادكم صلاة خيرًا من حمر النعم، ألا وهي الوتر.
وما كان في مقابلة الدنيا وما فيها، فإنه يكون آكد وأقوى مما يكون في مقابلة حمر الغنم.
والثاني: أن الوتر أقوي لاختلاف العلماء في وجوبه، ولورود الأخبار الصحيحة فيه.
اختلف المزني أنه لا يجب الوضوء بمس الميت، حيث قال: لو مس ميتًا أو حنزيرًا فإنه لا غسل ولا وضوء عليه، فكيف يجب عليه ذلك في أخيه المؤمن.؟
قلنا له: على القول الذي يقول: إنه يجب، إنما ذلك لحرمته، لا لنجاسته، لأنه لو مس خنزيرا، أو شيئا من النجاسات لا تلزمه الطهارة، ومثله لو مس امرأة، وجبت عليه الطهارة، وإنما افترقا في ذلك بعلة الاحترام والحرمة، لا بعلة النجاسة كذا هذا مثله، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٣٧ ]