قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ﵄، عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو قال: خبثًا.
وروى الشافعي أن ابن جريج رواه عن النبي ﷺ بإسناد لا يحضر الشافعي [ذكره]: أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو خبثًا، وقال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئا، قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الماء القليل، وهو ما يتقاصر عن قلتين، والكلام في هذا الباب في حكم الماء الكثير، والماء الكثير هو أن يبلغ قلتين.
واختلف أصحابنا في قدر القلتين.
منهم من قال: القلتان خمسمائة من؛ لأن القلة اسم لما يستقل به البعير، والبعير إنما يستقل بمائتين وخمسين منا.
ومنهم من قال: القلتان ثلاثمائة من، لأن بعران العرب كانت صغارا لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعًا، فيكون مائة وستين منا، والقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبال عشرين منا، ويبقى الماء الخالص ثلاثمائة من.
ومنهم من قال: وهو الصحيح إن القلتين مائتان وخمسون منا لما روي
[ ١ / ٤٨٣ ]
عنه ﵇، أنه قال: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا أو نجسًا.
قال ابن جريج: رأيت قلال (هجر) فكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجعل الشيء نصفا، لأن العرب إذا ذكروا عددا أو شيئا، أرادوا بالشيء النصف، أو ما دونه، فتكون القلتان خمس قرب، كل قربة تكون خمسين منا، فجملتها مائتان وخمسون منا، وحده في الماء الكثير ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضًا وعمقًا.
واختلف أصحابنا في أن هذا القدر تحديد أم تقريب.
فإن قلنا: إنه تحديد لو انتقص منه شيء، حكمه حكم القليل، وإن كان ما انتقض منه نصف من أو أقل منه، كما قلنا في نصاب الذهب والفضة، في باب الزكاة، لما كان ذلك القدر تحديدًا إذا انتقص منه شيء، قل أم كثر سقط الزكاة، وإن قلنا: أنه تقريب، فعلى هذا لو انتقص منه من أو منان أو ثلاثة لا يدخل في حد القلتين.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد الماء الكثير فسئل محمد بن الحسن عن ذلك، فقال: هو أن يبلغ مسجدي هذا، فذرع مسجده، فقيل: إنه ثمان في ثمان.
وقيل: إنه عشر في عشر.
وقيل: إنه خمس عشرة في خمس عشرة.
وقيل: إنه عشرون في عشرين.
ومنهم من قال: حد الماء الكثير هو أنه إذا حرك أحد جوانبه لا يتحرك الآخر.
[ ١ / ٤٨٤ ]
ومنهم من قال: حده إذا وقعت النجاسة في الماء، فكل موضع تيقن وصول النجاسة فيه فيحكم بنجاسته، وإلا فلا، حتى إن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، تنجس ما يلى موضع النجاسة ما يحتمل وصولها إليها، فأما ما لا يحتمل لا يحكم بنجاسته.
دليلنا عليه قوله ﵇: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا).
يعني: يدفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، يعني يدفع الضيم والظلم عن نفسه.
فإن قيل: هذا مجمل لا يمكن الاستدلال به، لأن القلة اسم لأشياء كثيرة، فإنه يقال لرأس الحبل، قلة، ولقامة الإنسان قلة، وللكيزان الصغار قلة، ولما يستقله البعير قلة.
فإذا كان هذا الاسم متشركا بين أشياء، فلا يجوز تخصيصه بشيء دون شيء، إلا بدليل.
قلنا: القلة وإن كانت لأشياء، إلا أنه إذا ذكرت مقرونة باسم الماء، فإنه يعرف منه ويفهم ما ذكرنا.
وكلام صاحب الشرع إذا أطلق، فإنه يحمل على ما والمعهود والمتعارف بين الناس، هذا كما قال ﵇: في العينين الدية.
فإنه يحمل على عين الإنسان أعني الجارحة المخصوصة، حين ذكرها مقرونة باسم الدية، وإن كان اسم العين ينطلق على أشياء من عين الشمس، وعين الماء وغيرها.
[ ١ / ٤٨٥ ]
كذا هذا مثله على أن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون حدًا، لأن الحد ما يكون معلومًا، ويكون جامعًا مانعًا.
وقولكم: بأن حده أن يكون عشرًا في عشر، فقد وجد منكم اضطراب متفاحش على ما حكيناه، ولئن قلتم: حده ما إذا حرك أحد جوانبه تحرك الجانب الآخر.
هذا لا يكون جامعًا مانعًا، لأنه قد يختلف باختلاف حال المحرك، فإن المحرك لو كان قليلا، ربما يتحرك به الجانب الآخر، ولو كان عصفورا لا يتحرك به الجانب الآخر.
ولئن قلتم: بأن ما يلي النجاسة من الماء يكون نجسًا، وما سواه طاهرًا، وهذا يؤدي إلى أن نحكم بأن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة أن يكون جميع مائة نجسًا بأن يصب نجاسة في كوز ماء، ثم يصيب الكوز في الحوض، فيصير الكل نجسًا، ثم يصب الحوض في الغدير، فيصير نجسًا، ثم يصب الغدير في الوادي، فيصير نجسًا، ثم يصب الوادي في البحر العظيم حتى لو وصل ماؤه إلى جميع البحر، فيصير الكل نجسًا فهذا فاسد جدًا.
واحتج الشافعي: ﵀ أيضا بما روى أن النبي ﷺ سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها المحائض، ولحوم الكلام، وما ينجي الناس.
فقال ﵇: خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته.
واختلفوا في إلقاء هذه النجاسات في بئر بضاعة.
منهم من قال: كان أهل الجاهلية يلقونها فيها.
وقيل: كان في الإسلام يفعلون ذلك مغايظة النبي ﷺ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقيل: إن البئر كانت في وهدة من الأرض، وكان على فوهه مزلة تطرح فيها هذه النجاسات، فكانت تهب الريح وتلقيها فيها.
واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه نزح زمزم من زنجي مات فيه.
أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة في سطرين:
أحدهما: قال: إنا لا نعرفه، وزمزم عندنا، يعني مكة، ونحن أهل مكة فكيف بلغكم ذلك؟
فأشار إلى ضعف هذا الأثر.
وقد روى عن سفيان أنه لم ينزح زمزم في الجاهلية، ولا في الإسلام.
والثاني: قال: روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: أربع لا يجنبن الماء والأرض والثوب والبدن، يعني: لا يضربك بحيث يجتنب عنهن، ثم قال: وهو لا يخالف النبي ﵇ يعني الحديث المعروف.
والثالث: قال: يحتمل أنه إنما نزح؛ لأن الدم قد ظهر عليه وغير لونه، أو جعله تظيفا لا واجبا، لأنه معد للشرب.
وقيل: إنه ماء جار، فلا يتصور نزحه بوجه ما.
قال المزني: قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
قال: وقرب الحجاز كبار، واحتج بأنه قيل: يا رسول الله، إنما تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض ولحوم الكلام، وما ينجي الناس، فقال: الماء لا ينجسه شيء، قال ومعنى لا ينجسه شيء، إذا كان كثيرًا لم يغيره النجس.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: خلق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه.
وقال فيما روى عن ابن عباس: أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها: إنا لا
[ ١ / ٤٨٧ ]
نعرفه، وزمزم عندنا، وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يخبثن فذكر الماء منها، وهو لا يخالف النبي ﷺ وقد يكون الدم ظهر فيها، فنزحها، إن كان فعل أو تنظيفا، لا واجبًا.
قال: وإذا كان الماء خمس قرب كبار من قرب الحجاز، فوقع فيه دم أي نجاسة كانت، فلم [تغير] طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، لم ينجس، وهو بحاله طاهر، لأن فيه خمس قرب، فصاعدًا، وهذا فرق ما بين الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره وبين القليل الذي ينجسه ما لم يغيره، فإن وقعت ميتة في بئر، فغيرت طعمها، أو ريحها أو لونها، أخرجت الميتة ونزحت البئر، حتى يذهب تغيرها، فتطهر بذلك.
قال: وإذا كان الماء أقل من خمس قرب، فخالطته نجاسة، ليست بفائحة نجسته، فإن صب عليه ماء، أو صب على ماء آخر، حتى يكون الماءان جميعًا، خمس قرب فصاعدًا، لم ينجس واحدٌ منهما صاحبه.
[قال]: فإن فرقا بعد ذلك، لم ينجسا بعد ما طهرا إلا بنجاسة، تحدث فيهما.
قال القاضي حسين: وهذا ركاكة في اللفظ، حيث قال: الماء إذا كان خمس قرب فلم ينجس بوقوع النجاسة فيه، إذا لم يغير طعمه أو لونه أو رائحته، لأنه خمس قرب، جعل صورة المسألة دليلا في المسألة، والشافعي لم يقل هكذا، وإنما قال: لأنه كثير، فجعل الكثرة حدا، أو علة ذلك.
إذا ثبت هذا جملة المياة قسمان: راكد وجار.
فالراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يخلو إما أن يكون دون القلتين، أو قلتين فصاعدًا.
فإن كان دون القلتين، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة ذائبة أو جامدة.
فإن كانت ذائبة تنجس الماء، سواء تغير الماء به، أو لم يتغير، وإنما يصير طاهرًا بأمرين:
[ ١ / ٤٨٨ ]
أحدهما: زوال التغير.
والثاني: بلوغ القلتين، حتى لو صب فيه ماء أو نبع فيه ماء، ولم يبلغ قلتين لم يطهر، وإن زال تغيره، وكذا لو بلغ قلتين، ولم يزل التغير.
فإما إذا بلغ قلتين، وزال التغير حينئذ يصير طاهرًا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، فوقعت فيه نجاسة، فلا ينجس ما لم يغير أحد أوصافه الثلاث، فإذا غير أحد هذه الأوصاف يحكم بنجاسته، ثم إنما يظهر ذلك بأن زال تغيره، وهذا إنما يحصل بأن يصب فيه ماء آخر، أو نزح منه الماء، أو نبع فيه الماء، أو هبت عليه الرياح أو مرت عليه الايام، أو أشرقت عليه الشمس، أو نبت فيه العشب، أو الطحلب، فإذا زال تغيره بأحد هذه الأشياء يحكم بطهارته فأما إذا ألقي فيه شيء من الزعفران، أو الكافور، أو شيء له رائحة طيبة، فزال التغير به لا يعود طاهرًا، لأن هذه الأشياء تخفي اللون وتفشي الرائحة، ولا تزيل التغير، ولو ألقي فيه التراب حتى تغير لونه، فيه قولان:
أحدهما: أنه كالزعفران، فإنه يغطيه ولا يزيل.
والثاني: أنه كالماء؛ لأنه طهور كالماء، بخلاف الزعفران.
فأما إذا كانت النجاسة مستجدة، ووقعت فيما دون القلتين ينجس الماء بها، سواء، تغير أحد أوصافه الثلاث، أو لم يتغير وقد ذكرناه.
فأما إذا كان الماء قلتين فحسب.
قال في الجديد: يكون نجسًا، ولا يسعه استعماله، ولا الاغتراف منه، لأنه يلزمه أن يتباعد عن النجاسة بقدر قلتين، وهذا لا يتصور في القلتين، حتى لو صب فيه الماء، بحيث إنه بلغ مبلغا يمكنه أن يرفع الماء، وبينه وبين النجاسة قلتان، جاز.
وقال في القديم: إنها كالنجاسة الذائبة، حتى أنه يجوز أن يغرف منه، ويستعمله إذا لم يكن متغيرا من أي موضع شاء، وهذا القول أصح في هذه
[ ١ / ٤٨٩ ]
المسألة؛ لأنا لو أخذنا بقوله الجديد، فنوجب أن البحر إذا وقعت فيه نجاسة جامدة أن يكم بنجاسة جميع ماء البحر، لأن الماء الذي يجنب النجاسة نجس، وذاك متصل بما يليه، وكل جزء منه يتصل بالآخر إلى آخر البحر، وهذا لا يقول به أحد.
فرع:
إذا وقعت نجاسة في بئر فيه ماء قدر قلتين، ثم استقى منها الماء بالدلو على قوله القديم، فلا يخلو إما أن دخلت النجاسة أولا في الدلو، أو دخل الماء أولا فيه.
فإن دخل الماء فيه أولا، فلا يخلو الماء إما أن يدخل فيه الماء دفعة واحدة، أو دفعات، فإن دخل فيه الماء دفعة واحدة أولا، دون النجاسة فباطن الدلو والماء الذي فيه طاهر، وظاهره وما في البئر نجس، وإن دخل فيه الماء بدفعات فالكل نجس نعني ظاهر الدلو وباطنه وما في البئر.
فأما إذا دخلت النجاسة أولا في الدلو، فلا يخلو، إما أن دخلت النجاسة اولا، ثم الماء أو دخلا معا، أو دخل الماء أولا، ثم النجاسة، فإن دخلت النجاسة أولا، ثم الماء، او دخلا معا، فما في الدلو نجس، وظاهر الدلو وما في البئر طاهر، فإن تقاطر منه شيء في البئر يصير الكل نجسًا.
فأما إذا دخل الماء أولا في الدلو، ثم النجاسة فظاهر الدلو وباطنه، وما في البئر نجس.
فلو ابتل الحبل، حتى سقط الدلو في هذه المسائل عاد الكل طاهرًا، لأن المائين صارا ماء واحدا، ودخلا في حد الكثرة وفي كل موضع حكمنا بنجاسة ماء البئر، فإنما يطهر إذا زال عنه التغيير، إذا كان الماء أكثر من قلتين.
وإن كان دون قلتين فأمره بين على ما ذكرنا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، ولم يزل تغييره حتى نزح الماء، أي ماء البئر
[ ١ / ٤٩٠ ]
كله يجب غسل البئر، وإنما يمكن غسلها بأن يصب فيها الماء، حتى بلغ قلتين، أو ينبع فيها الماء، ويبلغ قلتين، ويرش على جوانبه الماء، ويغسل منه ما أصابه من الماء النجس إن تصور ذلك.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فنزح بعضه، وزال التغير، فلا يخلو إما أن بقي قلتان، أو أقل من ذلك، فإن بقي قلتان صار طاهرًا، وإن كان دونه، فلا يعود طاهرًا ما لم يصب فيه الماء حتى يبلغ قلتين، أو ينبغ فيه ماء حتى يبلغ ذلك.
وقال أبو حنيفة / لو وقع ذنب فأرة في بئر ينزح ماء البئر كله، ولو وقعت فيها فأرة، أو ما في جرم الفأرة ينزح منها عشرون دلوًا، ولو وقعت فيها حمامة، أو ما في جرمها نزحت منها أربعون دلوًا مع الميتة.
ولو وقعت فيها شاة، وما في جرمها ينزح منها ستون دلوًا.
ولو وقعت فيها بقرة، أو حمارة، أو آدمي ينزح ماء البئر كله.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فعلى قوله القديم: إذا وقعت فيها، ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، يكون الكل طاهرًا، وله أن يغترف منه من أي موضع شاء.
وعلى قوله الجديد: ينبغي أن يكون بينه وبين موضع النجاسة قدر قلتين من الماء، فلو كان دون ذلك لا يجوز له الاغتراف منه.
قال القفال: أصحابنا لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا: لو كان في بحر عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر واغترف منه يجوز، لأنه في العمق قد بلغ قلالًا كثيرة.
وعندي: يجب أن يكون موضع النجاسة والاغترف منه قدر قلتين على استواء الأضلاع الطول والعرض والعمق، إن كان مساوي الأضلاع، فأما إذا كان متفاوت الأضلاع فلا يجوز، وينبغي أن يكون على أصله بينه وبين الماء قلتان،
[ ١ / ٤٩١ ]
طولا وعرضًا وعمقًا، وهو أن يكون ذراعًا وربعًا عرضًا، في عمق ذراع وربع، إن كان له عرض، وإن لم يكن فيعتبر الطول والعمق.
فأما إذا تباعد عنه بقدر قلتين من جهة من الجهات الثلاثة، دون الباقي فلا، إذ لو جاز ذلك لجاز في البحر العظيم، إذا تباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر أن يغترف منه، لأنه في العمق قد بلغ قلالا لا يعلمها إلا الله تعالى وعلى هذا القول الماء الممتد على وجه الأرض في الصحراء إذا كان ما تحته كله نجسًا من مرابض الغنم ونحوه، فأخذ منه الماء بالكوز، فلا يجوز أخذه ما لم يبلغ من جرم الكوز إلى النجاسة قدر قلتين عمقًا وطولًا.
فأما إذا كان أقل من ذلك، فإنه لا يجوز هذا كله، إذا كان الماء راكدًا، فأما إذا كان الماء جاريًا، فلا يخلو إما أن كانت النجاسة ذائبة، أو لم تكن فإن كانت ذائبة، فهي تجري مع الماء لا محالة، فالجرية التي فيها النجاسة نجسة، وما قبلها، وما بعدها، وما حواليها طاهر.
فإن كانت النجاسة بولا يعلو زبدها الماء، فحكمها حكم النجاسة الجامدة، وذلك لا يخلو، إما أن يجري مجرى الماء، أم لا؟
فإن كان يجري مع الماء فما قبلها، وما بعدها طاهر، وما حواليها على قوله القديم: طاهر.
وعلى قوله الجديد: إن بلغ قلتين، طاهر، وإن كان دونه نجس.
فأما إذا كانت واقفة والماء يجري عليها، فإن لم يتراد الماء عنها، فما فوقها طاهر، وما دونها إن اجتمع في موضع قدر قلتين، فهو طاهر يجوز أن يأخذ منه، وإن لم يجتمع في موضع قدر قلتين، وكان تجري على سمت النهر ممتدًا، فإن لم يتباعد الماء عنه بقدر قلتين، فهو نجس، وإن تباعد منه بقدر قلتين، فوجهان:
أحدهما: هو نجس أيضًا، لأن لكل جرية حكمًا على حدة، وبأن انتقل من موضع إلى موضع لا تنعدم النجاسة.
[ ١ / ٤٩٢ ]
والثاني: هو طاهر، لأنه تباعد عن النجاسة، وبلغ قلتين فصار كما لو اجتمع في موضع هذا المقدار، ونظيره ما لو نقب جدار إنسان في شارع الطريق فانثالت الحنطة منه قدرًا يبلغ قيمتها نصابًا، فهل يجب عليه القطع؟
فعلى وجهين:
فأما إذا كان يتراد الماء عنه، فحكم ما فوقها حكم ما تحتها، وقد ذكرنا حكمه، والله أعلم بالصواب.
فرع:
لو اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى ساقية يجري الماء فيها، ويخرج من جانب آخر، فحكم الخليلج والساقية حكم ماء النهر، وحكم الكل حكم الماء الجاري فأما إذا اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى حوض، أو إلى غدير، وكان الماء ينصب فيه، ويستقر فيه، فحكم الخليلج حكم الماء الجاري، وحكم الحوض حكم الماء الراكد.
فلو أنه امتلأ الحوض واستوى ماؤه بماء النهر، حكم ماء الخليج والحوض حكم الماء الراكد.
وكذا لو اتخذ على شط البحر غديرًا يدخل فيه بعض ماء البحر، ويصفو فيه، حكمه الحكم الماء الراكد، وإن كان متصلا بالبحر.
فأما إذا اتخذ حوض، على سمت نهر كبير يدخل الماء فيه، ويخرج من جانب آخر وكان على سمت النهر، فحكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان على غير سمت النهر، بأن اتخذ ساقية من النهر إليه، ويدخل فيه الماء، ويخرج من موضع آخر، ينظر فإن كان الماء يخرج منه سريعًا، ولا يقف فيه، ثم يخرج بأن كان المخرج على الجانب الذي فيه المدخل، وكان الماء يدخل فيه، ويضرب على الجانب الذي بحذائه، ثم ترتد عنه إلى المخرج، ويخرج فإن حكم الحوض حكم الماء الراكد، وحكم الساقية حكم النهر.
[ ١ / ٤٩٣ ]
فأما إذا كان المخرج بحذاء المدخل، الظاهر أن حكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان في موضع ماء بلغ قلتين، إلا رطلا، وكان طاهرًا فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء نجس، وفيه وجهان:
أحدهما: يطهر ماء القرقاوى، ولا ينجس ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، ثم فرقا في إناءين.
والثاني: لا يطهر ماء القرقارة، لأنه لم تختلط بماء الحوض، بدليل أنه لو كان الماء الذي فيه حارًا يبقى حارًا، ولو كان باردًا يبقى كذلك، فعلى هذا ينجس ماء الحوض، وعلى عكسه لو كان ماء الحوض بلغ قلتين، وإلا رطلا، وكان نجسًا، فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء طاهر، فيه وجهان:
أحدهما: يطهر ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، وإن لم يكن متغيرًا، ثم فرقا في موضعين.
والثاني: لا يطهر ماء الحوض، ولا ينجس ماء الكوز لعدم الاختلاط بينهما على ما ذكرنا.
وفي هذه الصورة لو صب فيه رطل بول لا يعود طاهرًا، لأنه لم يبلغ الماء قلتين لأن البول ليس بماء.
فعلى هذا إذا لم يكن متغيرًا، ولو صب فيه رطل من ماء الورد، وأيضا لا يعود طاهرًا كالبول، لأن ماء الورد لا يصير طهورا بالكثرة، فإنه لو بلغ قلالا لا يعود طهورا، كالبول سواء، ولو صب فيه رطل من الماء المستعمل، هل يعود الكل طاهرًا أم لا؟
هذا ينبني على أن الماء المستعمل إذا اجتمع حتى بلغ قلتين، هل يصير طهورًا أم لا؟
إن قلنا: يصير طهورًا، فيطهر جميع الماء، كما لو صب فيه رطل ماء نجس، أو طاهر، وإلا فحكمه حكم ماء الورد.
[ ١ / ٤٩٤ ]
فأما إذا كان الماء أقل من قلتين، ووقعت فيه نجاسة، وصب عليه ماء طاهر أو نجس حتى يصير الماءان معا قلتين، ولم يكونا متغيرين يعود الكل طاهرا، حتى لو فرق في إنائين لم ينجسا، إلا بنجاسة تحدث فيهما، هذا إذا كانت النجاسة ذائبة.
فأما إذا كانت جامدة، فإذا خرجا من موضع، وبلغا قلتين، على المذهب القديم، عاد طاهرا.
وعلى المذهب الجديد، لم يعد طاهرًا، فلو فرقا في إناءين دفعة واحدة، فما بقي فيه الناجسة صار نجسًا على القولين، وما لم تكن فيه نجاسة بقي طاهرا على قوله، القديم.
وعلى قوله الجديد: عاد نجسًا، وإن فرقا في إناءين بدفعات عاد الكل نجسا، قال المزني: وإن وقع في الماء القليل ما لا يختلط به، مثل العنبر، أو العود، أو الدهن الطيب، فلا بأس به، لأنه ليس [مخلوطًا] به.
قال القاضي حسين: فإنه لا يمنع جواز التوضؤ، وإن غلب على أحد أوصافه، لأن ذلك بالمجاورة، وجعل كما لو تريح الماء بالجيفة الملقاة على شط البحر، وإن كان مما يختلط به مثل الزعفران وغيره يفترق فيه الحكم بين القلة والكثرة، وقد استقصينا القول فيه في أول الكتاب فلا نعد، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا كان معه في السفر إناءان يستيقن أن أحدهما قد نجس، والآخر [ليس] ينجس تأخي، وأراق النجس على الأغلب عنده، وتوضأ بالطاهر لأن الطهارة تمكن والماء على أصله طاهر.
قال القاضي حسين: إذا كان معه أواني بعضها طاهر، وبعضها نجس، واشتبه عليه ذلك، فإنه يتحرى ويستعمل أحدها بالتحرى، لأن هذا شرط من شرائط
[ ١ / ٤٩٥ ]
الصلاة، فيجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، كالقبلة، وسواء عندنا أن يكون عدد الطاهر أقل، أو أكثر، أو هما سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر، ووافقنا في الثياب فنقول: ما جاز التحرى فيه عند الاشتباه إذا كان عدد الطاهر أكثر جاز، وإن كان عدد الطاهر أقل، دليله الثياب، وهل يحتاج في التحرى إلى ضرب من الدليل أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكفيه غلبة الظن؛ لأن الأصل أن الماء على الطهارة، وعليه يدل النص، لأنه قال: أراق النجس على الأغلب عنده.
والثاني: لابد في التحرى من ضرب من الدليل، كما في سائر المتجهدات من القبلة، واجتهاد، واجتهاد القاضي في القضاء وغيره.
والدليل مثل: إن رأي أحدهما قد انكشف عن الغطاء، أو رأي بللا على شفة أحدهما، ورأي أحدهما يتحرك فيه الماء، أو رأي رجل الكلب أقرب إلى أحدهما: وأبعد من الآخر، ويشم من أحدهما رائحة كريهة.
فإن قيل: أليس أن في باب القبلة لا يجوز الاجتهاد بغلبة الظن، وها هنا قلتم، بأنه يجوز في وجه، فما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينها أن جهة القبلة مشاهدة معاينة يمكن معرفتها حقيقة ويقينا، إذا أنعم النظر والاجتهاد فيها، فلهذا لا نكتفي فيه بمجرد غلبة الظن، حين لم يتعذر عليه معرفتها بالدليل، أما طهارة الماء ليس بشيء مشاهد يمكن معرفته قطعًا ويقينا.
وقلنا: بأنه يكتفي فيه بلغبة الظن، تيسيرا عليه.
[ ١ / ٤٩٦ ]
إذا ثبت هذا ينظر، فإن لم يتبين له الطاهر من النجس بالاجتهاد، والتحرى، وغلبة الظن، فله أن يتيمم، ويصلي ولكن تلزمه الإعادة، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، ولكن الحيلة فيه أن يصب أحدهما، أو يريق أحدهما في الآخر، حتى لا تلزمه الإعادة، بخلاف ما إذا كان معه ماء طاهر متين الطهارة بيقين، فأراقه بعد دخول وقت الصلاة، حيث يلزمه إعادة الصلاة في وجه، لأن هناك هو غير محتاج إلى إراقته، وها هنا يحتاج إلى إراقته، تحرزًا عن استعمال الماء النجس.
فأما إذا ظهر له الطاهر من النجس بالتحرى يلزمه استعماله، ولا يجوز له التيمم، ولو توضأ وصلي، ثم أحدث، ودخل عليه وقت صلاة أخرى، يلزمه التحرى فيه ثانيًا، كما في وجه القبلة، ثم ينظر فإن بقي من الماء الأول شيء وأدي اجتهاده إليه توضأ به، ويصلي كما فعل في الابتداء، وإن تيقن نجاسته بأن وجد في أسفل الإناء بعرة، أو أخبر به عدل أو ما أشبه ذلك، يلزمه ان يتوضأ بالثاني، ويغسل من بدنه وثوبه ما يصل إليه من الماء الأول، ويعيد ما صلى بذلك الوضوء، وإن أدي اجتهاده إلى الماء الذي في الإناء الآخر، ولم يعلم قط ما طهارته، فإنه لا يستعمله، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، بل يريق أحدهما، أو يصب أحدهما في الآخر، ويتيمم، ولا يعيد الصلاة.
فأما إذا ترك الإناءين على حالهما، وتيمم، وصلي، فإن كان في الأول من الماء قدر ما يتمكن ان يتوضأ به يلزمه إعادة الصلوات ما دام ذلك معه، وإن كان بقي فيه قدر ما لا يكفي لأعضاء طهارته، فهذا ينبني على أنه لو وجد ذلك القدر من الماء المتيقن طهارته، هل يلزمه استعماله أم لا.
إن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا ما دام ذلك القدر معه تلزمه إعادة الصلوات.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، جعل كما لو صبه، ولا يلزمه إعادة الصلوات. فإن قيل: أليس إنه إذا اجتهد في القبلة، فأدى اجتهاده إلى جهة، فصلى لها، ثم أدي اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى، فإنه يصلي إلى الجهة الثانية، وفيه نقض الاجتهاد.
قلنا: ليس هذا كالقبلة، لأن الصلوات تجوز من غير جهة القبلة في الجملة، أما لعذر المسابقة أو السفر وغيره فيجوز أن يؤمر له بالصلاة إلى تلك الجهة.
أما الصلاة بالماء النجس قط لا تجوز في حال من الأحوال، فلهذا لم يؤمر بذلك ثانيًا.
وأما إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والآخر نجس، واشتبه عليه ذلك. ومعه إناء آخر طاهر بيقين هل يجوز له التحري في الإناءين، أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز للقاضي أن يقضي في الحادثة بالاجتهاد مع وجود النص.
والثاني: يجوز، والفرق بينهما أن هناك وجد النص في محل الاجتهاد، وهي الحادثة، فقلنا: بأنه لا يجوز الحكم به، وها هنا لم يوجد النص في محل الاجتهاد، ولأن أحدهما ممتاز عن الآخر صورة ومحلا، فقلنا: بأنه جائز.
فإما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر بول، واشتبه عليه ذلك، هل يجوز له التحرى فيه أم لا؟
إن قلنا: بأنه يستعمل بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز.
وإن قلنا: انه يستعمل بالدليل، ها هنا وجهان:
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، لأن البول ليس له أصل في الطهارة يمكنه رده إليه بالتحري بخلاف الماء، لأن أصله على الطهارة، فيمكنه رده إليه بالتحري، إذا شك في طهارته، ويتسمك فيه بالأصل.
[ ١ / ٤٩٨ ]
فأما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر ماء الورد، هذا ينبني على أنه إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والاخر نجس، وشك فيهما، ومعه إناء متيقن الطهارة، فهل له التحرى فيه أم لا؟
إن قلنا: إن هناك لا يجوز له التحري فيهما، فها هنا مثله، ويستعمل أحدهما، ثم الثاني على الترتيب.
وإن قلنا: يجوز له التحري فيه، ها هنا ينظر، إن قلنا: إنه يستعمل الماء بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز له التحري فيه، بل يستعمل كليهما.
فإن قيل: إذا قلتم، فيستعمل كليهما، فإنه لا يدري أن طهارته من الماءين بماذا تحصل يقينا، ويقين الطهارة شرط لصحة الصلاة، إذ النية شرط شرط في الطهارة، فما لم يتيقن طهارة الماء لا يمكنه أن يجزم النية فيه.
قلنا: مثله يجوز عند الاشتباه والضرورة، كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، فإنه يصلي خمس صلوات، ويحتاج في كل واحدة منها إلى نية الفرض، وإن لم يمكنه جزم النية في الكل، فجوزناه هكذا هذا.
فأما إذا كان معه إناءان من ألبان النعم، أحدهما طاهر، والاخر نجس، أو إناءان من خل ودهن وغيره من المائعات، واشتبه عليه ذلك لا يجوز له التحري فيه، كما قلنا في الإناءين من الماء.
فأما إذا كان أحدهما لبن النعم، والآخر لبن ما لا يؤكل لحمه، أو كان أحدهما خلا، والآخر خمرا حكمه حكم الإنائين، أحدهما ماء، والآخر بول واشتبه عليه ذلك.
فأما إذا كان له دنان من خل وخمر في بيت، فدخل البيت في ليلة ظلماء، وكان معه إناء صغير يغمسه في أحدها، ويأخذ منه قدرا، ويصبه في موضع آخر، ثم يغمس ذلك الإناء في الاخر، ويأخذ منه قدرًا، ويصبه في ذلك الموضع، ثم اشتبه عليه الدنان، واجتهد فيهما، فإن أدى اجتهاده إلى أن ما أخذ منه أولا طاهر، والآخر نجس، وإن أدى اجتهاده إلى أن الطاهر الذي أخذ
[ ١ / ٤٩٩ ]
منه ثانيًا، فالأول والثاني نجسان، لأنه إذا دخل الإناء في الدن الأول صار نجسًا بزعمه، فإذا أدخله في الثاني تنجس به، فيصير الكل نجسًا.
فأما إذا كان معه شاتان مسلوختان، اشتبه عليه المذكاة منهما في الميتةـ، الصحيح: أنه لا يجوز له التحري فيهما، لأن الأصل في الميتات الحرمة، وبالشك لا يجوز استباحتها، بخلاف الماء، فإن الأصل في المياه الإباحية، فإذا وقع فيه الشك تمسك بما هو الأصل فيه بالاجتهاد، وزانه أن لو تحقق أن كل واحدة منهما مذكاة، إلا أن إحداهما مسمومة، والأخرى غير مسمومة، واشتبه عليه المسموم منهما، فإنه يجوز له التحري فيه كالماء سوى.
فأما إذا اشتبه عليه غنيمة بين أغنام الناس، أو رحله بين رحال الناس، أو برج حمامه بين حمامات الناس، فإنه يجوز له التحري في هذه المواضع كلها.
فأما إذا وجد فلذة لحم ملقاة في الطريق، ولم يكن ملفوفًا بخرقة، ولا بشيء، فالظاهر أنها تكون ميتة، وإنما وقعت في فم طائر، أو غيره ويكون حرامًا، فأما إذا وجده في مكتحل أو خرقة، وما أشبه ذلك فالظاهر أنها مذكاة، ويكون مباحًا، إلا إذا كان في تلك البلدة مجوس ومسلمون، فاختلط البعض بالبعض، فحينئذ الظاهر أنه لا يباح له تناوله.
فأما إذا اشتبه امرأته فيما بين جماعة من النسوة لا يجوز له التحرى فيه، لأن الأصل في الفروج التحريم، ولا يجوز استباحتها بالاجتهاد، وعند الشك، ولأنه لا ضرورة له إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يعقد على واحدة منهن عقد النكاح، فأما إذا اشتبه عليه واحدة من محارمه بين جماعة من النساء، أو اختلط محارمه بنساء بلدة بعينها ينظر فإن كان نساء تلك البلدة محصورات معدودات لا يجوز له التزوج بواحدة منهن بالاجتهاد، لأن ذلك قد وقع نادرًا، ويمكنه الانتقال إلى غيرهن، فأما إذا كان نساء تلك البلدة غير محصورات، فيجوز له التزوج بواحدة بامرأة غريبة منهم، فيجوز ذلك لأجل الضرورة، والله أعلم.
[ ١ / ٥٠٠ ]