قال الشافعي: أخبرنا الثقفي، يعني عبد الوهاب، عن المهاجر أبي مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، وإذا تطهر، ولبس خفيه فله أن يمسح عليهما، قال: وإذا تطهر الرجل المقيم؛ بغسل، أو وضوء، ثم أدخل رجليه الخفين، وهما طاهرتان، ثم أحدث، فإنه يمسح عليهما من وقت ما أحدث يومًا وليلة، وذلك إلى الوقت الذي أحدث فيه، فإن كان مسافرًا، مسح ثلاثة أيام ولياليهن إلى الوقت الذي أحدث فيه.
المسح على الخفين جائز عندنا، وعندنا عامة العلماء، إلا ما حكي عن الشيعة
[ ١ / ٥٠١ ]
أنهم قالوا: لا يجوز، وهو مذهب علي كرم الله وجهه. واستدلوا عليه بما روي عن علي أنه قال: لا أبالي أأمسح على خفي أو على ظهر بعيري؟!
[ ١ / ٥٠٢ ]
[ ١ / ٥٠٣ ]
قلنا: هذا محمول على ما إذا مسح عليه بعد انقضاء المدة، أو على غير كمال الطهارة بدليل ما روى أن النبي ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما.
وحديث صفوان بن عسال دليل عليه أيضًا.
والمعنى فيه أن الناس يضطرون إلى لبس الخف حضرًا، وسفرًا، وقد جرت
[ ١ / ٥٠٦ ]
عادتهم باستدامته، وتلحقهم المشقة العظيمة في نزعه، فرخص لهم المسح عليه، كما رخص لهم الفطر والقصر وسائر أنواع الرخص، فإذا ثبت هذا نقول: إنما يجوز المسح على الخفين إذا تطهر، ثم لبس الخفين على كمال الطهارة، ثم إن كان مقيمًا له أن يمسح عليهما يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا ثلاثة أيام ولياليهن، ويحتسب ابتداء المدة عندنا من وقت الحدث، حتى لو
[ ١ / ٥٠٧ ]
توضأ، ولبس الخفين، وصلي بذلك يومًا أو أكثر منه، ثم أحدث يجوز له أن يمسح عليه، وبيتدئ مدة المسح من هذا الوقت، وعلى عكسه لو أحدث، ولم يتوضأ حتى مضى يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر، فقد تم مدة المسح، وليس له المس عليه، بل يجب عليه نزع الخف.
وقال أحمد: الاعتبار بفعل المسح حتى لو أحدث ولم يمسح ولم يصل، ومضت أيام كثيرة، ثم مسح عليهما يحتسب ابتداء المدة من وقت المسح.
دليلنا عليه أنه إذا أحدث فقد دخل وقت جواز الرخصة، وهو المسح، فإذا انقضت من ذلك الوقت مدة المقيم، أو المسافر وجب أن يرفع حكمه، لأن العبادات يدخل وقتها بدخول الزمان، ويفوت بفوات الزمان، وإن لم يوجد فعل العبادة، كما في الصوم والصلاة وكذا عبادة المسح مثله.
وعندنا: أقصى ما يجوز الصلاة بالمسح على حكم لبس واحد في الحضر ست صلوات، ويصور كأنه أحدث في آخر وقت الظهر، ويتوضأ، ويمسح عليهما، فيصلي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب والعشاء والصبح لمواقيتها، ثم الظهر في أول وقتها في اليوم الثاني، فإن جمع الصلاتين لعذر المطر، فيكون سبع صلوات.
وفي السفر أقصى ما تتأدى به ست عشرة صلاة، وإذا جمع سبع عشرة على هذا القياس.
قال المزني: وإذا جاوز المقدار، فقد انقطع المسح، فإن توضأ، ومسح وصلى بعد ذهاب وقت المسح، أعاد غسل رجليه والصلاة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا مدة المسح والوقت الذي تنعقد فيه مدة المسح، فإذا مضت المدة التي ذكرناها، فقد انقطع حكم المسح، ولا يجوز له أن يصلي بما مسح في المدة، ولا بمسح جديد ينشئه، كما لو نزع الخفين في المدة، أو بعد انقضائها، ويلزمه غسل الرجلين، وفي وجوب استئناف الوضوء، قولان، وسيأتي ذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٥١١ ]
قال المزني: ولو مسح في الحضر، ثم سافر مسح مسح مقيم، ولو مسح مسافرًا، ثم أقام، مسح مسح مقيم.
قال القاضي حسين: إذا اشترك الحضر والسفر في لبس الخف، ففيه مسائل: إحداها: أنه يتوضأ في الحضر، ولبس الخف، ثم سافر، وأحدث، له أن يمسح مسح المسافرين، بلا خلاف.
فأما إذا أحدث في الحضر وسافر قبل المسح فإنه يمسح مسح المسافرين.
وقال المزني: يمسح مسح المقيمين، وجعل دخول وقت العبادة كوجودها حقيقة.
قلنا: الزمان لا يراد لعينه، فلم يتعلق به حكم اشتراك الحضر والسفر، وإنما المقصود فعل العبادة، ولم يشترك فيه الحضر والسفر.
وعند المزني: لو أنشأ السفر بعد دخول الوقت، وقبل فعل الصلاة لا يجوز له القصر، وما ذكرناه دليل عليه في المسألتين.
فأما إذا أحدث في الحضر، وتوضأ، ثم سافر، أو مسح على أحد الخفين، ثم سافر، ومسح على الخف الآخر، له أن يمسح مسح المسافر، والحد فيه أنه مهما سافر قبل أن أكمل مسحًا في الحضر بعد لبس الخفين على الطهارة، ثم توضأ، ومسح عليه، ثم سافر، فإنه يمسح مسح المقيمين عندنا.
وقال أبو حنيفة: يمسح مسح المسافرين، وقاسه على ما إذا سافر، ومسح في السفر، ثم أقام، فإنه يمسح مسح المقيمين اعتبارًا بالانتهاء كذا هذا مثله.
دليلنا عليه عبادة منعقدة اجتمع فيها حكم الحضر والسفر، فغلب الحضر فيها على السفر.
دليله الصلاة، فإنه لو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر بأن كان في سفينة سارت السفينة، أو افتتح الصلاة في السفينة، فصار مقيمًا بأن اتصلت السفينة بالبلد، وكذا إذا أصبح في يوم من رمضان صائمًا، ثم سافر لا يباح له الإفطار
[ ١ / ٥١٢ ]
تغليبًا للحضر على السفر، كذا ها هنا مثله، بخلاف ما ذكرنا من المسائل قبلها، لأن هناك لا تنعقد قربة المسح مسحًا في الحضر، وزانه أنه لو نوى الصوم، ثم سافر قبل طلوع الفجر، وها هنا بعكسه على ما بنا.
فأما إذا كان مسافرًا، أو أحدث، ومسح عليهما، ثم أقام فإنه يمسح مسح المقيمين، لما ذكرنا من المقيمين ثم ينظر فإن لم تمض مدة مسح المقيم، له أن يمسح عليهما إلى انقضاء تلك المدة، وإن مضت تلك وزادت على يوم وليلة من وقت الحدث، أو لم تزد ثم أقام ليس له المسح عليهما، وعليه نزعهما، وغسل الرجلين، وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم في الحضر، فعلى هذا إن مضى يوم وليلة في السفر بعد الحدث، فله أن يمسح عليها بعد الإقامة ثلثي يوم وليلة، وإن كان قد مضت يومان وليلتان في السفر، مسح في الإقامة ثلث يوم وليلة، وهذا لا يصح، لأنه لو ابتدأ المسح في الحضر لا تستعمل هذه المقابلة، ولا نقول: مضى في الحضر ثلث يوم، يجوز له إذا سافر أن يمسح يومين، وإن مضى في الحضر ثلاثة أيام يجوز له إذا سافر أن يمسح يومًا، فكذلك فيما نحن فيه، وجب أن يكون مثله.
فأما إذا شك في أنه، هل ابتدأ المسح في الحضر، أو في السفر، وهو مسافر فإنه يمسح مسح المقيمين أخذا باليقين، كما لو شك في انقضاء مدة المسح يلزمه نزع الخف احتياطًا، وإن كان الظاهر أن المدة لم تنقض، وأنه مسح وهو مسافر، وقال صاحب التلخيص، الأصل أن كل ما تمهد، وتقرر في الشريعة، فالأصل بقاؤه، ولا يجوز تركه، والنزول عنه بالشك، إلا في مسائل وذكر هاتين المسألتين من جملتها.
وأيضا قال في المستحاضة: إذا شكت في خلال الصلاة في انقطاع دمها لا يجوز لها إتماما الصلاة، والأصل سيلان الدم بها، وكذا إذا صلى في ليلة ظلماء في السفر، فدخل بلدة لم يدر أنها بلدة الإقامة ام لا، لا يباح له القصر، وإن
[ ١ / ٥١٣ ]
كان الأصل أنه مسافر، وكذا لو دخل بلدة، ثم شك في أنه، هل نوي الإقامة فيها أم لا، فلا يباح له الترخص برخص المسافرين، وإن كان الأصل أنه لم ينو الإقامة، وكذا لو شك في يوم الجمعة، انه هل انقضي وقت الظهر أم لا؟
فلا يجوز له أن يتم الصلاة جمعة، بل يلزمه إتمامها ظهرًا، والأصل بقاء الوقت، فيترك الأصل بالشك في هذه المسائل.
قلنا: نحن ما تركنا الأصل بالشك ألبتة في هذه المسائل ولكن قلنا في باب المسح: الأصل غسل الرجلين عليه، وفي باب الصلاة الأصل اشتغال ذمته بها، ووجوب الظهر عليه أربعًا، إلا أنه جوز له، ورخص له في تركها عند استجماع شرائط، ووجود أسباب، فإذا وجد الشك منه في وجود سبب الرخصة، فالأصل أنه لم يوجد ذلك، فتركنا الرخصة بالأصل، وتمسكنا بالقين، لا أن نترك الأصل بالشك.
إذا ثبت هذا نقول: لو انه شك في الحضر، أو في السفر قد ذكرنا أنه يأخذ باليقين، ويقتصر على مسح المقيمين، فإن لم يفعل، وصلي في اليوم الثاني بحكم هذا المسح، ثم ظهر له في اليوم الثالث حقيقة الحال بأنه مسح على الخفين في السفر، أعاد ما مضى في اليوم الثاني على الشك، وله أن يمسح في اليوم الثالث إلى تمام مدة مسح المسافرين، من اليوم الأول، ثم ينظر، فإن كان قد مسح في زمان الشك أعاد المسح، وإن كان على مسحه في اليوم الأول لو تصور ذلك اكتفي به كما لو شك في خلال الصلاة أنه هل نوى القصر أم لا؟ ثم ذكر أنه نواه يلزمه الإتمام، وجعل كما لو بقي على الشك، لأن الصلاة عبادة واحدة مرتب بعضها بالعبض، فإذا ألزمه الإتمام في البعض لزمه في الجميع، بخلاف المسحات، فإنها عبادات لا يترتب بعضها بالبعض بدليل أن فساد البعض لا يوجب فساد الباقي فجاز أن يختلف فيه الحكمان.
فأما إذا شك في أنه هل صلى بالمسح أربعا أو خمسًا، فيجعل في حق الصلاة بالأقل، وهو الأربع، وفي حق المسح بالأكثر اعتبارًا باليقين، وكانت النكتة في الموضعين واحدًا والحكم مختلف.
[ ١ / ٥١٤ ]
قال المزني: وإذا توضأ، فغسل إحدى رجليه، ثم أدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، ثم أدخلها الخف، لم يجزئه، إذا أحدث، أن يمسح، حتى يكون طاهرا بكماله قبل لباسه أحد خفيه، فإن نزع الخف الأول الملبوس قبل تمام طهارته ثم لبسه، جاز له أن يمسح لأن لباسه مع الذي قبله بعد كمال الطهارة، قال المزني: كيفما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي.
قال الشافعي: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، بان منه بعض الرجل، وإن قل لم يجزه أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم، وإن كان خرقه من فوق الكعبين، لم يضره ذلك، ولا يمسح على الجوربين، إلا أن يكون الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين حتى يقوما مقام الخفين وما لبس من خف خشب، أو ما قام مقامه أجزأه أن يمسح عليه، ولا يمسح على جرموقين.
قال في القديم، يمسح عليهما.
قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافا وقوله معهم أولى به من انفرداه عنهم، وزعم أنه إنما يريد بالمسح على الخفين، المرفق، فكذلك الجرموقان مرفق، وهو بالخف شبيه.
قال القاضي حسين: إذا توضأ أو غسل إحدي رجليه، وأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الثانية وأدخلها في الخف، ثم أحدث وتوضأ لم يجز له أن يمسح عليها لأنه لم يلبسهما على كمال الطهارة حتى لو نزع قبل الحدث الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عليهما.
[ ١ / ٥١٥ ]
وقال أبو حنيفة والمزني: له أن يمسح عليهما قبل النزع، وجعلوا دوام اللبس كالابتداء، وقاسوه على اليمين، فإنه لو حلف ألا يلبس، فاستدام اللبس يحنث في يمينه، كما لو ابتدأ اللبس يحنث في يمينه.
قلنا في باب المسح: الدوم لا يجوز أن يجعل كالابتداء، ألا ترى أنه لو أحدث بعد اللبس يجوز له المسح على الخفين، ولو ابتدأ اللبس بعد الحدث لا يجوز له ذلك، وأما مسألة اليمين معارض بمثله، فنقول: المحرم إذا لبس المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابًا، المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابا تلزمه الفدية ثانيًا، ففرق بين الاستدامة والابتداء هناك، فتعارضا وتساقطا، وبقي الدليل لنا في باب المسح ولا تعارض فيه.
فأما إذا لبس الخف على الحدث، ثم توضأ وصب الماء في خفيه حتى تغسلت رجلاه، فإنه تصح طهارته، ولكن لا يجوز له المسح إذا أحدث، فلو أنه نزعهما ثم لبسهما قبل الحدث حينئذ له المسح عليها، وعند أبي حنيفة والمزني، له ذلك قبل النزع، وهكذا إذا مضت مدة المسح، وتوضأ أو كان
[ ١ / ٥١٩ ]
على الوضوء، فصب الماء في خفيه، حتى تغسلت رجلاه، يجوز له المسح عندهما إذا أحدث.
وعندنا لا يجوز لأن شرط جواز المسح لبس الخف على كمال الطهارة، ولم يوجد في هذه المسائل، وعندهم حصوله على كمال الطهارة لابسًا للخفين.
قوله: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، وأراد بالمقدم موضع القدم لا ضد المؤخر، لأن المقدم والمؤخر، من الخف سواء في حكم الخرق، فإذا تخرق الخف ينظر فإن كان في غير محل المغسول لا يضر ذلك، وإن كان الخرق فيما يوازي يصير هذا بدل البدل.
قلنا: يجوز مثله، كما في باب الكفارة أن الصوم بدل عن الاعتكاف، والإطعام بدل عن الصوم، فيكون بدل البدل كذا هذا مثله، ونعنى بالجرموقين الخف الذي يلبس فوق الخف، ويستوي فيه الخف المتخذ من اللبد والصوف وغيرهما وصورة القولين إذا كان كل واحد منهما صالحا للمسح عليه عمد الانفراد ويكون مستجمعًا للشرائط الثلاث.
فأما إذا كان الأسفل مخرقا يجوز المسح على الأعلى، بلا خلاف، وإن كان الأعلى مخرقا لم يجز المسح قولا واحدًا، بل يمسح على الأسفل، فيدخل اليد تحته، ويمسح على ما يوزاي المغسول من الأسفل.
التفريع
إن قلنا: لا يجوز المسح على الجرموقين، فلا كلام وإن قلنا: يجوز المسح عليه، فعلى أي معنى يجوز؟
ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان:
أحدهم: الأعلى مع الأسفل بمنزلة الطهارة مع النظافة في الخف الواحد.
[ ١ / ٥٢٠ ]
والثاني: الأعلى بدل الأسفل، والأسفل بدل الرجل، وفائدته إنما تظهر في مسائل:
فمنها: أنه إذا لبس الجرموقين فوق الخفين على كمال الطهارة، ثم نزع الجرموقين، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز المسح على الخفين، كما لو لبس خفا ذا طاقتين، فيقشط الطاقة العليا منه، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفاف لزمه نزع الخف الأسفل أيضًا، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان.
وإن جعلناهما بدل الأسفل مسح على الأسفل، وفي استئناف الوضوء قولان.
وإن نزع أحدهما إن جعلناهما كالطهارة لم يضر، كما لو تقشط بعض الطاقات من أحد الخفين، وإن جعلناهما كالخف، والأسفل كاللقاف لزمه نزع الجرموق الآخر مع الأسفلين، وغسل الرجلين، واستئناف الوضوء، في أحد القولين، وإن جعلناهما بدل الأسفل نزع الجرموق من الآخر، ومسح على الأسفل، ويدخل يده في الجرموق الآخر، ومسح على الخف الأسفل منه، وفي استئناف الوضوء قولان.
فأما إذا لبس في الابتداء أحد الجرموقين دون الآخر، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز، ويكون كما إذا كان لأحد خفيه طاقة، وللآخر طاقتان، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفافة يجوز، كما لو لبس الخف في إحدي الرجلين مع اللفافة، وفي الأخرى بدونها، وإن جعلناهما بدل البدل، فكذلك لا يجوز، لأن فيه جميعًا بين البدل والمبدل.
فأما إذا لبس الجرموقين بعد الحدث، وقبل الطهارة، والمسح، إن جعلناهما كالطهارة جاز، كما لو ألصق بالخف طاقة بعد الحدث، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين، كاللفافة لم يجز، وكذلك إذا جعلناهما بدل الأسفلين، لأن شرط صحة البدل وقوعه على كمال الطهارة كالأصل سواء.
فأما إذا أحدث بعد لبس الخفين، فتوضأ، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، إن جعلنا كالطهارة جاز له المسح عليهما، كما لو وقع خفه بعد
[ ١ / ٥٢١ ]
المسح عليه، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين كاللفافتين، هذا ينبني على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا؟
إن قلنا: إنه يرفع الحدث جاز المسح عليهما، لأنه حصل لبسهما بعد كمال الطهارة.
وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجوز، وإن جعلناهما بدل الأسفلين جاز، كما لو غسل الرجلين قبل الحدث، إذ المسح عليهما بمنزلة الغسل عند عدم الخف، فأما إذا انخرق أحدهما، فلا يخلو، إما أن يخرق الأعليان، أو الأسفلان.
فإن تخرق الأعليان، فحكمهما حكم ما لو نزعهما، وقد ذكرناه، وإن تخرق أحد الأعليين، فحكمه حكم ما لو نزع أحدهما، وقد ذكرنا حكمه، وإن تخرق الأسفلان لا يضر.
أما على الأول؛ لأن حكمه حكم ما لو تغيرت الطاقة السفلي من خفه، وعلى المعنى الثاني جعل كما لو تخرق اللفافة.
وعلى المعنى الثالث، لأن الأعليين صارا أصلا، وارتفع حكم الأسفلين.
ولو تخرق أحدهما لم يضره على المعنى الأول والثاني، لما ذكرناه ويضره على المعنى الثالث، ويلزمه نزع الأعلى من الرجل الذي لم ينخرق خفها الأسفل، ويبطل حكم المنخرق، فيصير الأعلى المنخرق مع الأسفل الآخر في الرجل الأخرى أصلا، وإنما كان كذلك، لأنا لو جوزنا له المسح على الأعليين كان جامعًا بين البدل والمبدل، لأن الأعلى في الرجل الذي لم ينخرق الأسفل فيها بدل، وفي الأخرى أصل، إذ المنخرق لا حكم له، وإن كان أحد الأسفلين منخرقا في الابتداء، فلبسهما، والأعليين فوقهما حكمه حكم ما لو لبس الجرموق في إحدى الرجلين، وقد ذكرناه.
فأما إذا انحرق الخف والجرموق لا يخلو، إما أن تخرقا من رجل واحد، ومن رجلين، فإن كان من رجل واحد لا يخلو إما أن تخرقا من موضع واحد، أو من موضعين، فإن تخرقا من موضع واحد، فحكمه حكم ما لو تخرقا بخف، وقد ذكرناه.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وإن تخرقا في موضعين مختلفين على المعنى الأول لا يضر، وعلى المعنى الثاني مثله، وعلى المعنى الثالث يضره، ويجب نزع الخفين وغسل الرجلين، ولا يصير جامعًا بين الأصل والبدل وقد ذكرنا.
فأما إذا كانا من رجلين على المعنى الأول والثاني لا يضر، وعلى المعنى الثالث يجب نزع الكل، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان.
فرع:
المستحاضة إذا توضأت، ولبست الخف، ثم أحدثت حدثًا غير الدم قبل أن صلت فريضة، فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها المسح عليهما، لأن طهر المستحاضة لا يرفع الحدث، وإنما جوزنا لها فعل الصلاة للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى أن تجوز صلاتها بالمسح، إذ المسح إنما جاز بعد كمال الطهارة، وطهارتها ناقصة.
والثاني: لها المسح عليه، لأن طهرها يرفع الحدث في الصلاة الواحدة، فأما إذا أدت به فريضة، ثم أحدثت لا يجوز لها أن تمسح على الخف لفريضة أخرى، لأن طهرها انعقد لفريضة واحدة، وهكذا حكم المتيمم إذا لبس الخف بعد التيمم ثم وجد الماء، هل له المسح على الخفين.
فإن كان قبل أن صلي به صلاة ما، فيه وجهان بناء على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟
وإن كان بعد أن أدي به الصلاة لا يجوز وجها واحدًا، وكذلك إذا كان ببعض أعضائه جراحة، فتيمم للجريح، وغسل الصحيح، ولبس الخف، ثم أحدث، هل له أن يمسح على الخف؟
فعلى وجهين، كما ذكرنا في التيمم، وإن كان بعد أداء فريضة لا تجوز.
[ ١ / ٥٢٣ ]
قال المزني: قال: وإن نزع خفيه بعد مسحهما، غسل قدميه.
وفي القديم، وكتاب ابن أبي ليلى يتوضأ.
قال المزني: [قلت أنا]: والذي قبل هذا أولى، لأن غسل الأعضاء لا ينتقض في السنة إلا بالحدث، وإنما انتقض طهر القدمين، لأن المسح عليهما كان لعدم طهورهما كمسح التيمم لعدم الماء، فلو كان وجود المعدوم من الماء بعد المسح يبطل المسح، ويوجب الغسل، كان كذلك طهور القدمين بعد المسح، يبطل المسح ويوجب الغسل، وسائر الأعضاء سوى القدمين مغسول، ولا غسل عليها ثانية إلا بحدث ثان.
قال القاضي حسين: إذا انقضت مدة المسح فنزع الخفين، أو نزعهما قبل انقضاء المدة، وهو على الطهارة، فعليه غسل الرجلين.
وفي وجوب استئناف الوضوء قولان:
أظهرهما، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني، أنه لا يجب.
والقول الثاني: نقله المزني عن القديم، وفي كتاب ابن أبي ليلى: أنه يجب اختلف أصحابنا فيه.
[ ١ / ٥٢٤ ]
منهم من قال: هما قولا تفريق الوضوء، وليس بصحيح، لأن القولين هناك في التفريق بغير العذر.
فأما العذر قول واحد: أنه يجوز، وها هنا هذا التفريق بعذر.
ومنهم من قال: إنهما ينبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث أم لا؟
فعلى جوابين:
أحدهما: لا كالمسح في التيمم، لأنه مسح بالجامد، فكان أضعف.
والثاني: نعم كمسح الرأس.
إن قلنا: يرفع الحدث، فها هنا تلزمه الطهارة، لأنه إذا نزع الخفين عاد الحدث في الرجلين، والحدث إذا عاد في البعض عاد في الكل، لأنه لا يتجزأ، وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجب إلا غسل الرجلين، واحتج المزني على اختياره بالتيمم إذا وجد الماء.
قال: لا يلزمه إلا غسل ما ينوب المسح عنه، وترك غسله كذا هذا مثله.
قلنا: مسألة التيمم حجة عليك، لأن هناك لا يجوز الاقتصار على محل
[ ١ / ٥٢٥ ]
الغسل عند وجود الماء في الغسل فكذلك فيما نحن فيه وجب أن يكون مثله، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٢٦ ]