قال الشافعي ﵀: وليس للمسافر أن يتمم إلا بعد دخول وقت الصلاة وإعواز الماء بعد طلبه.
قال القاضي حسين: أباح الله تعالى في كتابه التيمم في حالين، السفر، والمرض، لقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) إلى قوله: (فيمموا صعيدًا طيبًا).
والمعنى المبيح في الحقيقة للتيمم واحد، وهو العجز عن استعمال الماء غير أن العجز تارة يكون لعدمه، وتارة مع وجود، إما لمرض أو لحاجته إليه، لسقيه او لسقي دابته.
وقوله تعالى: (فلم تجدودا ماء).
يعني: فلم تقدروا على استعمال الماء فتيمموا إذا ثبت هذا القول، لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت.
وعند أبي حنيفة: يجوز قبل دخول الوقت كالوضوء.
دليلنا أن نقول: إن التيمم أبيح للضرورة، فوجب أن يباح عند نهاية الضرورة، كأكل الميتة، ونهاية الضرورة بعد افتراض الفعل عليه، وذلك إنما يكون بعد دخول الوقت.
أو نقول: طهارة ضرورة، فإذا وجدت قبل دخول الوقت، لا يجوز أداء فرض الوقت به.
دليله المستحاضة إذا توضأت قبل دخول الوقت العصر، ثم دخل وقت العصر، لا يجوز لها أداء العصر به.
[ ١ / ٤٢٩ ]
فأما إذا طلب الماء، فلم يجده واجب عليه أن يتيمم لعذر السفر لا لعذر المرض، وإنما يجب عليه الطلب بعد دخول الوقت، حتى لو طلب قبل دخول الوقت، بحيث إنه لما فرغ عن الطلب دخل الوقت، لا يجوز.
كما لو أذن لغير الصبح قبل دخول الوقت، فلما فرغ عن الأذان دخل الوقت لا يجوز.
وإنما قلنا: لا يجوز الطلب قبل دخول الوقت، لأنه إنما وجب لأجل المطلوب، وذاك يجب بعد دخول الوقت، فلما كان المقصود يجب بعد دخول الوقت، فكذا التبع مثله، وكيفية الطلب: أن يطلب الماء أولا في رحله، ثم من رفقائه، وإذا راى خضرة أو طيورًا يجتمعن في موضع، فيسأل هناك، ولو كان على صعود ينحدر إلى الهبوط، ولو كان في هبوط يرقي إلى الصعود، وإن كان في قاع من الأرض يمشي قدر غلوة سهم من الجوانب الأربع، فإن أعوذ الماء حينئذ يتيمم.
فأما إذا أمر عبده، أو واحدًا من رفقائه يطلب الماء لأجله، يجوز ذلك، بخلاف ما لو أمر غيره ليجتهد له في القبلة.
والفرق بينهما: أن أمر القبلة خفي غير معاين، فربما يخفي على أحد، ولا يخفي على غيره؛ لأن مبناه على الاجتهاد، فلا يقوم اجتهاد غيره مقام اجتهاده فيه.
وأما رؤية الماء شيء مشاهد معاين يستوي فيه الكل، إذ ليس مبناه على الاجتهاد فجاز أن يقوم غيره فيه مقامه.
فإذا طلب واحد الماء بغير أمره، لا يسقط بذلك فرضية الطلب عنه، لأنه لم يوجد من جهته، لا الطلب، ولا الأمر بالطلب والقصد به.
قال المزني: وللمسافر أن يتيمم أقل ما يقع عليه اسم سفر، طال أو قصر؛ واحتج في ذلك بظاهر القرآن، وبأثر ابن عمر.
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال القاضي حسين: الرخص المتعلقة بالسفر ثمانية:
أربعة لا تجوز إلا في السفر الطويل، وهي: القصر، والمسح ثلاثًا، والإفطار، والجمع على أحد القولين.
وأربعة يجوز فيهما، وهي:
ترك الجمعة، وأكل الميتة، والتيمم، والصلاة على الراحلة.
وفيه قول آخر: إنه لا يجوز إلا في الطويل.
قال المزني: ولا يتيمم مريض في شتاء، ولا صيف إلا من به قرح له غور، أو به ضني من مرض يخاف أن يمسه الماء أن يكون منه التلف أو يكون منه المرض المخوف، لا لشين، ولا لإبطاء برء.
قال: في القديم: يتيمم، إذا خاف، [إن مسه الماء، شدة المرض].
قال القاضي حسين: المريض إذا كان به مرض، مثل وجع الضرس، أو العين، أو الصداع، او حمي خفيفة لا يتضرر باستعمال الماء لا يباح له التيمم.
وقال أهل الظاهر: يجوز له ذلك، واستدلوا بظاهر القرآن.
[ ١ / ٤٣١ ]
والدليل عليه ما روي عن جابر أنه قال: كنا جماعة من أصحاب النبي ﷺ في بعض الغزوات، فأصابت أحدنا شجة في رأسه، واحتلم في تلك الليلة، فقال للقوم: هل تجدون لي رخصة؟، فقالوا: لا.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فاغتسل، فدخل الماء شجته، فمات منه فأخبر به النبي ﷺ فقال: قتلوه قتلهم الله، فهلا سألوا إذ لم يعلموا، فإن سفاء العي السؤال؟ يكفيه ان يعصب عليه عصابة ويمسح عليها، ثم يغسل ما قدر عليه، ويتيمم للباقي.
وروى عن عمرو بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله ﷺ في غزوة ذا السلاسل، فاحتلمت، وكانت ليلة باردة، فتيممت وصليت بالقوم، ثم سألت النبي ﷺ بعده فقال: صليت بالناس وأنت جنب.
فقلت: سمعت الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). فتبسم النبي ﷺ.
وفي الخبر دليل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يجوز التيمم للجنابة، كما جاز من الحدث.
والثاني: على أنه يجوز للمتوضيء الاقتداء للمتيمم، خلافًا لمحمد بن الحسن والثالث: على أنه إذا لم يخف الهلكة، والتلف على نفسه لا يجوز له التيمم.
فأما إذا خاف التلف على نفسه، أو على عضو من أعضائه أو الزيادة في العلة إن استعمل الماء، فإنه يباح له التيمم.
هذا إذا أخبره به طبيب، حاذق في صناعته، مسلم عدل فأما إذا أخبره طبيب حاذق كافر، لا يجوز له التيمم لقوله: لأن ما كان من أمر الديانة لا يعتمد فيه على قول الكافر؛ لأنه متهم فيه.
ولو كان فاسقا مسلمًا، فيه وجهان:
[ ١ / ٤٣٣ ]
أحدهما: يعتمد على قوله، لأنه لا تهمة في حقه فيما يرجع إلى العبادة.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقبل قوله في الشهادات ونحوها.
وكذا في المرأة والعبد وجهان.
وفي الصبي المراهق وجه واحد: أنه لا يعتمد على قوله؛ إذ لا قول له، فأما إذا خاف شدة الضنى.
قال في القديم: يتيمم إذا خاف من شدة الضنى.
وفي الجديد: لا يباح له التيمم، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه أبيح للضرورة فيعتبر فيه نهاية الضرورة، وهو خوف التلف.
والثاني: يجوز لأن شدة الضنى تقضي على خوف التلف إذا كثر، وهذا كالقولين في وقت جواز أكل الميتة، وفيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز إذا خاف على نفسه الهلاك لو لم يأكل.
[ ١ / ٤٣٤ ]
والثاني: يجوز إذا اشتد به الجوع، وقل صبره.
ومنهم من قال: يتيمم قولا واحدًا، لما ذكرنا من المعنى، وما قاله في الجديد محمول على ما إذا كان لا يفضي إلى إبطاء البرء، وكان المرض يسيرًا.
وأما إذا خاف من استعماله الماء الشين، فلا يباح له التيمم بذلك.
وإن خاف إبطاء البرء، نص ها هنا على أنه لا يجوز له التيمم لأجله، وجمع بينه وبين الشين.
وفيه وجه آخر: أنه يباح له التيمم، لأن ذلك يفضي إلى شدة الضنى، ويؤدي إلى التلف في الآخرة، وفي كل موضع أبحنا له التيمم.
فإذا صلى به لا يعيد، لأن المرض عذر عام، كعدم الماء في السفر، فأما إذا كان به جراحة يمكنه غسل ما حواليها، ولو وجد من يعينه على ذلك، فتيمم، وصلي أعاد الصلاة، لأنه عذر نادر.
وكذلك المريض الذي يقدر على استعمال الماء لو وجد من يقربه منه، ويعينه عليه، فصلي بالتيمم لعدم المعين، أعاد لأنه عذر نادر.
وكذا لو جاء رجل، وحول وجهة المصلي عن القبلة، تلزمه الإعادة، لأن النوادر من الأعذار لا تسقط الإعادة، بخلاف الأعذار العامة.
فأما المسافر إذا لم يجد الماء والتراب، هل يصلي أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يصلي، وهو قول القديم، ومذهب أبي حنيفة.
والثاني: وهو قوله الجديد يصلي لحرمة الوقت، ويعيد لأنه نادر، ويكون ذلك تشبيهًا بالمصلين.
ثم لو كان جنبًا لا يجوز له أن يقرأ سورة الفاتحة.
وهل يجوز له قراءة غير الفاتحة أم لا؟
[ ١ / ٤٣٥ ]
الصحيح أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن القراءة مما تسقط بالأعذار إذا كان أميًا ونحوه.
فجاز أن يسقط أيضًا بعذر الجنابة.
وفيه وجه آخر، أنه يقرؤها.
فأما إذا تكلم في تلك الصلاة عامدًا، أو أحدث فيها عامدًا تبطل صلاته.
ولو رأى الماء في خلالها هل تبطل تلك الصلة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل كسائر الصلوات.
والثاني تبطل: لأن هذه ليست بصلاة على الحقيقة، بل يكون تشبيها بالصلاة، وهكذا حكم المقيم إذا لم يجد الماء في الحضر على ما ذكرنا.
فأما المسافر إذا وجد الماء، وخاف التلف إن اغتسل من شدة البرد.
إن وجد آلة تسخين الماء، فعليه أن يسخن الماء، ولا يتيمم، وكذلك إذا كان معه ثوب أمكنه أن يغسل اعضاءه قليلا قليلا، ويجففه به ودفئها، فعليه أن يفعل ذلك ولا يتيمم.
فإن لم يجد شيئًا مما ذكرنا يتيمم، ويصلي.
ثم إن كان ذلك في الحضر يعيد الصلاة، وإن كان في السفر، فيه جوابان:
أحدهما: بلى، لأنه عذر نادر في الحضر والسفر، بخلاف عدم الماء في السفر.
والثاني: لا تلزمه الإعادة؛ لأن مثل ذلك لا يندر في السفر بخلاف الحضر.
قال المزني: قال، وإن كان في بعض جسده، دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه ويتيمم، لا يجزئه أحدهما دون الآخر.
قال القاضي حسين: إذا كان بعض اعضاء طهارته صحيحا، وبعضها جريحًا
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال ها هنا: يغسل الصحيح، ويتيمم للجريح على الوجه واليدين، وخرج فيه قول آخر: أنه يقتصر فيه على التيمم ما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته في قول يتيمم، ويترك الماء، والصحيح هو الأول.
والفرق بينهما: أن في تلك المسألة القصور في الالة، فجعل كالعدم، كما إذا وجد بعض الرقبه في باب الكفارات، يجعل كعدم الكل في جواز الانتقال إلى الصيام، وها هنا القصور في المحل، فصار كما لو كان فقد بعض الأعضاء، فإنه يغسل الباقي لا محالة، كذا هذا، ولا فرق بين ان يكون الأكثر صحيحًا، أو جريحًا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الأقل صحيحا يقتصر على التيمم، وإن كان الأكثر صحيحا يقتصر على الماء، ولا يجمع بينهما أصلا.
فنقول: استعمال الماء في بعض أماكنه لا يسقط فرض ممكنه قياسًا على فقد الأعضاء، وإذا ثبت الجمع بينهما، فالمذهب أنه بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بالغسل، وإن شاء بدأ بالتيمم.
وفيه وجخ آخر، أنه يبدأ بالغسل خرج مما إذا وجد من الماء بقدر ما لا يكفيه لأعضاء طهارته.
وقلنا: يلزمه استعمال الماء أولا، وكذلك ها هنا، والأصح هو الفرق، وهو أن المبيح للتيمم هناك عدم الماء، مما لم يغن الموجود لا يتحقق العدم، وها هنا المبيح للتيمم الجراحة وهي في الحالين سواء، فعلى هذا لو كان جنبًا، وعليه جراحة فعلى الصحيح من المذهب أنه يتخير بين أن يغسل ما قدر عليه أولا، ثم يتيمم للباقي، وبين أن يتيمم أولا ثم يغسل، لأنه لا ترتيب في الاغتسال.
فأما المحدث إذا كان على بعض أعضاء طهارته جراحة إن قلنا، بأنه لا يشترط الترتيب فيه، يتوضأ أولا ثم يتيمم.
وإن قلنا: بأنه يعتبر الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه يتخير على المذهب الصحيح بين أن يغسل الوجه، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم، ثم يغسل
[ ١ / ٤٣٧ ]
الوجه، ولكن ما لم يفرغ عن غسل الوجه والتيمم، لا يجوز له غسل اليدين، وكذا لو كانت الجراحة على اليدين، فإنه يغسل الوجه أولا، ثم يتخير في اليدين بين أن يغسلهما أولا، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم أولا، ثم يغسل اليدين، فإذا فرغ عنهما يمسح برأسه، وإن كانت الجراحة على رأسه، وقل ما تتصور جراحة تعم جميع رأسه، فإن تصور، يغسل الوجه واليدين، ثم يتيمم، ثم يغسل الرجلين، وإن كان على الرجلين يغسل الوجه، واليدين، ويمسح برأسه، ثم يتخير في الرجلين بين البداية بغسلهما، وبالتيمم كما ذكرنا.
وأما إذا كان على وجهه، وعلى يديه ورجليه جراحات، فعلى قول من يقول: الترتيب ليس بشرط فيه، وإنما يشترط في طهر واحد دون طهرين.
ها هنا يتوضأ، ويكفيه تيمم واحد بعد الفراغ عن الوضوء.
وعلى القول الذي يقول: يعتبر الترتيب فيه، ففي الترتيب فيه وجهان.
والصحيح على هذا الوجه: أنه لا يجب الترتيب، واختيار القفال الجريان على ترتيب فرض كل عضو، يغسل الوجه ثم يتيمم، ثم اليدين، ثم يتيمم ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه ثم يتيمم.
فأما إذا دخل وقت فريضة أخرى، فعليه أن يتيمم ثانيًا، لأنه لا يمكن أن يؤدي إلا فرضًا واحدًا، ويغسل ما بعده من الأعضاء الصحيحة على المذهب الذي يوجب الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه لا يغسل الوجه واليدين.
لكن يتيمم، ويتم الطهارة بالغسل.
ولو كان على الرجلين يتيمم فحسب.
وعلى القول الذي نقول: لا يراعي فيه الترتيب، لا يلزمه إلا التيمم فحسب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه غسل ما قبل العضو الذي عليه الجراحة، وما بعده أيضا مخرج من تفريق الوضوء، وفيه قولان.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وهذا لا يصح، لأن هذا تفريق بعذر، وذاك عفو بلا خلاف.
فأما إذا اندملت الجراحة غسل مكان الجرح، وما بعده، لمراعاة الترتيب على المذهب الصحيح.
وهل يلزمه غسل ما قبله.
على ما ذكرنا، منهم من جعل فيه قولين من تفريق الوضوء، والصحيح ما ذكرنا، ولو كان جنبًا يغسل مكان الجرح فحسب، إلا على قول من قال في المحدث: يغسل ما قبله من قول تفريق الوضوء.
وها هنا: نقول يغسل جميع البدن، والصحيح هو الأول.
فأما إذا ظن الاندمال بأن توهم الاندال، فنزع الخرقة عنه، فإذا هي بحالها لم يلزمه تجديد التوهم بخلاف ما إذا توهم وجود الماء، وطلب فلم يجده حيث يلزمه تجديد التيمم، لأن طلب البرء غير واجب عليه.
إذ الأصل بقاؤه، وفي الماء الطلب الواجب عليه، إذ الأصل وجوده، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن كان على قرحخ دم، يخاف إن غسله تيمم، وأعاد إذا قدر على غسل الدم.
قال القاضي حسين: يعني يغسل النجاسة، ويعيد الصلاة، لأن التيمم لا يرفع النجاسة، سواء كانت القروح على أعضاء الطهارة، او على غيرها.
وقال أبو حنيفة والمزني، لا إعادة عليه.
قال المزني: وإن كان في المصر في حش أو موضع نجس، أو مربوطًا على خشبة، صلى يوميء ويعيد، إذا قدر.
قال القاضي حسين، المحبوس في الحش لا يسعه ترك الصلاة؛ لعدم طهارة المكان، بل عليه أن يصلي على حسب حاله، على حسب ما نذكر في كتاب الصلاة إن شاء الله.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وتلزمه الإعادة عندنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا تلزمه الإعادة.
وكذلك المربوط على الخشب يصلي بالإيماء، ويعيد خلافًا لهما.
قال المزني: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، نزع اللصوق وأعاد.
قال القاضي حسين: إذا كان عليه جراحة يمكنه غسله في الطهارة، فإنه يرفع اللصوق، ويغسل ما تحته.
وقوله: (وأعاد):
هذا تعليم، ولا يجب عليه ذلك.
ومنهم من قال: أراد به إذا لم يمكنه إيصال الماء إليه، وعليه نجاسة، فإذا اندمل ينزع اللصوق، ويغسل ذلك الموضع واعاد، يعني: الصلوات.
قد ذكرنا أنه إذا كان محبوسًا في حش، أو مربوطًا على خشبة أنه يصلي على حسب ما أمكنه، وأعاد خلافًا للمزني.
ونص في موضع آخر على أنه لو غرقت السفينة، ووقع إنسان على لوح منها، وصلى أياما لا يقضى الصلاة التي يصليها نحو القبلة، ويقضي التي يصليها غير مستقبل القبلة.
من أصحابنا من جعل في المسائل كلها قولين نقلا وتخريجًا.
احدهما: تلزمه الإعادة في الكل، لأن هذه أعذار نادرة، فلا تسقط الإعادة، والثاني: لا يلزمه في الكل، كما قال المزني.
فإذا قلنا: يقضي ففرضه من الصلاتين ماذا؟
من أصحابنا من قال: الثانية فرضه، لأن الأولى ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وقيام وقراءة، بل تشبهًا بالمصلين.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقال الشيخ القفال: بل فرضه الثانية، والأولى أيضًا، لأنه وجد منه أداء بعض الأركان في الأولى، فترك البعض، والقياس أن يلزمه قضاء ما ترك من الأركان، إلا أنه لا يمكنه قضاؤها على الانفراد، فيلزمه قضاء صلاة كاملة، لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ، وما لا يتجزأ فيجعله بعضه كلا.
وفائدته إن قلنا: إن فرضه الثانية يجوز له أن يصليها بالتيمم الأول على ظاهر المذهب.
وإن قلنا: كل واحد منهما يكون فرضًا، فيحتاج إلى تيممين.
قال المزني: ولا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء، كالخفين، فإن خاف الكسير غير متوضيء التلف، إذا ألقيت الجبائر، ففيها قولان:
أحدهما: يمسح عليها ويعيد ما صلى، إذا قدر على الوضوء.
والقول الآخر: لا يعيد، وإن صح حديث علي ﵁، أنه انكسر أحد زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه.
قال المزني: أولى قوليه بالحق عندي أن يجزئه، ولا يعيد، وكذلك كل ما عجز عنه المصلي، وفيما رخص له في تركه، من طهر ولا غيره، وقد أجمعت العلماء والشافعي معهم: ألا تعيد المستحاضة والحدث في صلاتها دائم، والنجس قائم ولا المريض الواجد للما، ولا الذي معه الماء يخاف العطش، إذا صليا بالتيمم، ولا العريان، ولا المسابف يصلي إلى غير القبلة يومي إيماء فقضى ذلك من إجماعهم على طرح ما عجز عنه المصلي، ورفع الإعادة وبالله التوفيق.
وقد قال الشافعي ﵀، من كا معه ماء يوضئه في سفره، وخاف العطش، [فهو] كمن لم يجد.
قال المزني: وكذلك من على قروحه دم، يخاف إن غسلها، كمن ليس به نجس.
[ ١ / ٤٤١ ]
قال [الشافعي]: ولا يتيمم صحيح في مصر لمكتوبة، ولا لجنازة، ولو جاز ما قال غيري، يتيمم [للجنازة]، لخوف الفوت، لزمه ذلك، لفوت الجمعة والمكتوبة، فإذا لم يجز عنده، لفوت الأوكد، كان من أن [يجوز] فيما دونه أبعد، وروى عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئًا.
قال القاضي حسين: الجبائر جمع جبيرة، وهي اسم للخشبة التي توضع على الكسر، وتترك عليه حتى يندمل.
ثم المزني أخل بالنقل، لأن ما نقله توهم ألا يضع الجبائر على ما حواليه من الصحيح، وليس كذلك، بل له أن يدخل شيئًا من الصحيح فيها، لأنه إذا وضع بحيث لا يجاوز الكسر شيئًا لا يلتئم.
والشافعي قال: في موضع الكسر وحوله.
والمزني حذف قوله: وحوله، وينبغي ان يضعه على الطهارة، لأنه ساتر، يريد المسح عليه كالخفين.
ويجب المسح على الجبائر، وهل تستوعب الجبيرة بالمسح أم لا؟
فيه جوابان:
أحدهما: لا لأنه مسح بالماء فصار كالمسح على الخفين.
والثاني: يلزمه، لأنه بدل في محل مغسول، فأشبه التيمم، وليس كالمسح على الخفين، لأن المسح على الجبيرة لا يتقدر بزمان دون زمان، ولا يختلف بالسفر والحضر، بخلاف المسح على الخفين، وهل يلزمه التيمم بعد أن مسح على الجبيرة أم لا؟ ظاهر النص أنه يقتصر على مسح الجبيرة، ونص في الكبير على وجوب التيمم.
منهم من جعل ذلك على قولين:
أحدهما: لا يجب، لأنا أوجبنا عليه المسح بدلا عن المحل المغسول، ولا توجب عليه بدلا آخر.
[ ١ / ٤٤٢ ]
والثاني: يجب عليه، كما إذا كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وفي الخبر ما يدل عليه أيضًا، لأنه قال في تلك القصة المعروفة: كان يكفيه أن يعصب على رأسه عصابة ويمسح عليها ثم يغسل ما قدر عليه، وتيمم للباقي.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين: حيث قال: (يتيمم)، أراد به: أنه إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة، لا يمكنه استعمال الماء، فصار كمن كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وحيث قال: لا يتيمم، أراد به: إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة يمكن غسل ما تحته، وإذا أوجبنا التيمم فيتيمم لكل فريضة، ويغسل ما بعده من الأعضاء، مراعاة للترتيب وما قبله لا يجب عليه في ظاهر المذهب على ما ذكرنا.
فأما إذا اندمل، ونزع الجبيرة، يغسل ذلك المحل، ثم لو كان جنبًا لا يجب عليه غسل شيء بعده، على ظاهر المذهب، وإن كان محدثًا يغسل ما بعده من الاعضاء مراعاة للترتيب.
وهل يغسل ما قبله؟ فعلى ما ذكرنا.
وهل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح على الجبيرة؟
ينظر: فإن وضعها، وهو على الطهارة في القديم يلزمه.
وفي الحديد: قولان.
وإن وضعها على غير الطهارة في الجديد يلزمه.
وفي القديم قولان.
فإما إذا اندملت الجبرة وهو لا يشعر بذلك حتى صلى عليه صلوات، تلزمه الإعادة، لأنه نادر، وقد وجد التفريط منه.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وهكذا إذا أوتي انفه أو خدش صدره، فألصق به قشر الباقلاء. أو غيره، حكمه حكم الجبيرة.
قال الشافعي: إن صح حديث علي أن النبي ﷺ أمره أن يمسح على الجبيرة ولم يأمره بالإعادة قلت به، وإنما توقف فيه، لأن في إسناده خللا وهو مرسل وعنده المرسل ليس بحجة.
واختيار المزني في الصلاة ألا يعيدها، ولا يختص ذلك به عنده، بل كلما تركه المصلي، من أركان الصالة وشرائطها للعجز لا يعيد الصلاة لأجله، وكذا لو كان على قرحه دم يخاف التلف من غسله، والمحبوس في الحش، والمربوط، على الخشب، يصلي بالإيماء، ولا يعيد على أصله.
واحتج على أصل الشافعي بالمسافر والمريض إذا عجز عن استعمال الماء، والمريض إذا عجز عن القيام، والعاجز عن الستر يصلي عريانًا، ويترك القبلة في حالة المسابقة، وكذلك المستحاضة، ومن به سلس البول، لا يلزمه إعادة الصلاة، والنجس بهما قائم.
وكذلك سائر الأعذار مثله.
قال أصحابنا: الأعذار قسمان:
عامة تسقط الإعادة، مثل عدم الماء في السفر، والعجز عن استعماله في المرض.
ونادرة: وهي قسمان:
أحدهما: يمتد ويدوم كالاستحاضة، وسلس البول، فسقطت الإعادة أيضًا، لأنا [إن] أوجبنا عليهما الإعادة يتضرران بذلك، لأن هذا معنى يمتد ويدوم دهرًا، فتلحقها المشقة، والضرر في وجوب الإعادة أيضًا.
وقسم لا يدوم، وهي التي تنازعنا فيها من الدم على القروح، وعدم الماء في الحضر، وانكسار العظم، وأمثالها، فإنها لا تسقط الإعادة أيضًا.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فرع:
إن كان معه ماء فأراقه، واحتاج إلى التيمم، فهل تلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟
إن كان أراق الماء قبل دخول الوقت أي: وقت الصلاة، فلا إعادة عليه، بل يتيمم، ويصلي، وإن أراقه بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض صحيح بأن يغسل به نجاسة عليه، او نقي ثوبه من الدرن للتجمل، أو اغتسل للتبرد، فلا إعادة عليه أيضًا.
وإن لم يكن له غرض في الإراقة يتيمم، ويصلي.
وفي وجوب الإعادة عليه جوابان:
أحدهما: لا يجب لأنه كان عادمًا للماء حالة التيمم.
والثاني: يجب لأنه تعلق فرض الصلاة بالوضوء بذلك الماء فإذا أراق، فقط فرط في الإراقة فعوقب عليه.
وهما كالقولين في المبتوتة في مرض الموت، هل تستحق الميراث أم لا؟
أحدهما: بلي؛ لأن حقها تعلق بما له في مرض موته، وهو بالطلاق، قصد حرمانها عن الميراث، فرد عليه قصده، وعوقب عليه بذلك.
[ ١ / ٤٤٥ ]
والثاني: لا تستحق، لأنها صارت مبانة عنه، كسائر الأجانب إن قلنا: يعيد الصلاة ها هنا، فكم يعيد؟
فيها جوابان:
أحدهما: يعيد صلاة واحدة، وهي أقل ما يؤدي بذلك الوضوء
والثاني: يعيد الصلوات التي يمكنه أداؤها بذلك الوضوء في العرف والعادة. وهما كالقولين فيما إذا أعطي لاثنين من كل صنف في باب الزكاة، أو أوصى بشيء للفقراء، فأعطاه لاثنين منهم كم يغرم للثالث.
فيه قولان:
أحدهما: الثالث.
والثاني: أقل ما يعطي له إن قلنا هناك: يغرم له الثلث ها هنا، يقضي ما يمكنه من الصلوات بذلك الوضوء.
وإن قلنا هناك: يغرم له أقل ما يعطي له.
فها هنا: يقضي صلاة واحدة.
وهكذا حكم ما إذا كان له ثوب، فخرقه، ومزقه على ما ذكرنا من الفصل في إراقة الماء إلى آخره.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فأما إذا وهب الماء، إن كان قبل دخول الوقت، فعلى ما ذكرنا من الإراقة، وإن كان بعده، ففي صحة الهبة وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه من أهل التمليك.
فعلى هذا، لا يلزمه إعادة الصلاة؛ لأنه له فيه مثوبة، ومحمدة ومنة عليه.
والثاني: لا يستحق الهبة، لأنه مستحق الصرف إلى عبادة، فعلى هذا يسترد الماء، وإلا فيلزمه قضاء الصلوات التي صلاها ما دام الماء في يده، فإذا زال عن يده لا إعادة عليه بعده.
ثم ينظر، إن أتلف هو الماء يلزمه بالضمان. وإن تلف في يده، فيه وجهان.
أحدهما: لا ضمان، لأن الفاسد يأخذ حكم الصحيح في الضمان، كالإجارة.
[ ١ / ٤٤٧ ]
والرهن.
[ ١ / ٤٤٨ ]
والثاني: يلزم الضمان، كالإعارة الفاسدة.
قوله: ولا يتيمم صحيح في مصر للمكتوبة، ولا لجنازة.
وقال أبو حنيفة: للمقيم الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة عند خوف الفوت مع وجود الماء، لأن عنده لا تقضي تلك الصلاة بعد الفوات، وقال: أداؤها بعد التيمم خير من تركها.
والشافعي ﵀ ألزمه صلاة الجمعة، فإنها لا تقضي إذا فاتت،
[ ١ / ٤٤٩ ]
وهي آكد، لأنها فرض عين، ومع ذلك لا يجوز بالتيمم عند خوف الفوت، واستدل أيضًا بأثر ابن عمر.
قال الشافعي: وإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة، غسل أي بدنه شاء، وتيمم وصلى.
وقال في موضع آخر، يتيمم ولا يغسل من أعضائه شيئا، وقال في القديم، لأن الماء لا يطهر بدنه بغسل البعض. قال المزني [قلت أنا]: هذا أشبه بالحق عندي، لأن كل بدل لعدم فحكم ما وجد من بعض المعدوم حكم العدم، كالقاتل خطأ، يجد بعض رقبة، فحكم البعض [كحكم العدم]، وليس عليه إلا البدل، ولو لزمه غسل بعضه، لوجود بعض الماء، وكذلك البدل، لزمه عتق بعض رقبة لوجود البعض، وكمال البدل، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، وفي ذلك دليل، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين، يغسله للجنابة، إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته، إن كان محدثًا، أو لجميع بدنه إن كان جنبًا.
قال في الجديد: يستعمل ما وجده، ويتيمم للباقي.
وقال في القديم: يقتصر على التراب، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتج المزني بأن كل أصل له بدل ينتقل إليه عند عد الأصل، فقدم بعضه كعدم كله، كالرقبة، في الكفارة.
والفرق بينهما أن إعتاق بعض الرقبة لا يفيد شيئا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، وها هنا استعمال بعض الماء، يفيد الطهارة في ثاني الحال، حتى لو وجد الماء بعده يبني على غسل ما مضى.
والثاني: أن هناك الشرع ما ورد بإعتاق بعض الرقبة ابتداء، فلهذا لا يؤمر هو به.
وها هنا قد ورد الشرع بغسل بعض الأعضاء دون البعض، بأن كان بعض
[ ١ / ٤٥٠ ]
أعضاءه جريحًا، وبعض أعضائه صحيحًا، وأيضا أن هناك جوز الانتقال إلى البدل إذا لم يجد الرقبة، وبعض الرقبة لا يسمى رقبة.
فقلنا: بأنه جاز الانتقال إلى البدل، وها هنا إنما يجوز الانتقال إلى التراب إذا لم يجد الماء، وبعض الماء يسمى ماء.
فأما واجد بعض التراب، بحيث لا يكفيه لأعضاء تيممه، يلزمه استعماله، لأن ها هنا ليس للتراب بدل يصار إليه بخلاف الماء إذا كان عليه نجاسات، ووجد من الماء لا يكفيه لغسل الكل.
الصحيح أنه يلزمه استعماله، لأن النجاسة مما لا يتجزأ زوالا وحصولًا.
وفيه وجه آخر، أنه لا يلزمه استعماله، لأنه لا يطهر البدن تطهيرًا يباح معه الصلاة.
فأما إذا وجد بعض خرقة، وجب عليه أن يستر به عورته وجهًا واحدًا، لأنه يلزمه ستره عن أعين الناظرين.
ثم ينظر فإن كان يكفيه البعض، فيستر به السوئتين، لأن حكمهما أغلظ، وأفحش من باقي المحل، وإن كان يكفي لأحدهما دون الآخر.
القاضي ﵀، إن كان رجلا يستر به الدبر، وإن كان امرأة يستر به القبل، لأن ما بدا من الرجل من العورة بالدبر أغلظ، فيه وأكثر.
والمغلظ في قبل المرأة أكثر من المغلظ في دبرها في أعين الناظرين.
إذا تيمم ثم وجد الماء في إناء، ولم يدر أنه هل يكفيه لأعضاء طهارته أم لا؟ فإنه يبطل تيممه.
وإذا علم بأنه لا يكفي لأعضاء طهارته يقيًا، ينبني على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إنه لو وجد في الابتداء يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه. وإن قلنا هناك: لا يلزمه استعماله، فها هنا لا يبطل تيممه.
[ ١ / ٤٥١ ]
فأما إذا وجد ماء في إناء، ولم يدر أنه طاهر أم نجس يبطل تيممه، وإن كان الماء نجسًا، فأما إذا تحقق نجاسة الماء عند الرؤية لا يبطل تيممه.
فأما الجنب، إذا غسل جميع بدنه، وترك لمعة من بدنه لعدم الماء، ثم أحدث وطلب الماء، ولم يجده وتيمم ثم وجد من الماء قدر ما يكفيه لتلك اللمعة.
إن قلنا: لا يلزمه استعماله في الحدث لو وجد قبل التيمم، فها هنا لا يبطل تيممه، بل يغسل به تلك اللمعة ويصلي.
وإن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه، لأنه لم يتعين عليه استعماله في احدهما دون الآخر.
قال المزني: قال الشافعي ﵀، وأحب تعجيل التيمم، لاستحبابي تعجيل الصلاة.
وقال في الإملاء، لو أخره إلى آخر الوقت، رجاء أن يجد الماء كان أحب إلي.
قال القاضي حسين: إذا دخل وقت الصلاة، وهو عادم للماء، إن تحقق عدم الماء في أجزاء الوقت، فالمستحب له تعجيل الصلاة في أول الوقت وكذلك إذا احتمل وجوده في آخر الوقت، واحتمل عدمه هكذا.
فأما إذا تيقن وجود الماء في آخر الوقت، فهل يجوز له تعجيل الصلاة، فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز، لأن تيقن القدرة على الماءـ وأداء الصلاة به في الوقت، والثاني: نعم، لأنه عادم للماء، وقد دخل الوقت.
فأما إن ترجي وجود الماء في آخر الوقت، وهي مسألة الكتاب، لا خلاف أن له التعجيل، وفي الاستحباب قولان:
أحدهما: يعجل ليحوز فضيلة أول الوقت.
[ ١ / ٤٥٢ ]
والثاني: يؤخر، ليحوز فضيلة الوضوء.
واختيار المزني التعجيل.
وقال: (ما كان أداؤه أفضل بالوضوء).
يعني: الصلاة في اول الوقت، (كان أداءه أفضل بالتيمم)، كصلاة الجماعة، قال المزني: [قلت أنا]، كأن التعجيل عندي بقوله أولى، لأن النسة أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، فيما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء، فالتيمم [مثله]، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين: لم يرد به آخر الوقت، وإنما أراد به آخر أول الوقتن لأن أول الوقت يمتد إلى انتصاف الوقت، حتى لو قال لامرأته، أنت طالق مع آخر أول الوقت، يقع الطلاق، عليها عند انتصاف الوقت.
ولو قال: أنت طالق آخر أول اليوم، تطلق قبل الزوال.
ولو قال: أول آخر اليوم، تطلق بعد الزوال، والله أعلم.
قال الزني: فإن لم يجد الماء، ثم علم أنه [كان] في رحله أعاد.
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: هذه المقالة غير صحيحة، لأنه قابل العلم بعدم الوجود.
والصحيح أن يقابل الوجود بالعدم.
والشافعي قال: ولو نسي الماء في رحله، ثم علم، إذا ثبت هذا إذا علم أن في رحله ماء فنسيه، وتيمم وصلي، قال ها هنا: يلزمه الإعادة.
وفيه قول مخرج: أنه لا يلزمه الإعادة.
من مسألة نسيان الفاتحة في الصلاة ونسيان الترتيب في الوضوء.
وقال في الكبير: لو تيمم، ثم عبر على بئر بقربه لا إعادة عليه.
[ ١ / ٤٥٣ ]
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل في وجوب الإعادة عليه قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما، وقال بأنه ها هنا إذا علم، ثم نسي، فإنه وجد التفريط من جهته، حيث لم ينعم النظر في الطلب إذ يمكنه طلب الماء في رحله، وهناك في البئر لم يعلم به، ولم يوجد التقصير منه في الطلب، لأنه لا يمكنه أن يفتش جميع وجه الأرض، وزان مسألتنا أن لو كان عالمًا به، ثم نسيه، فلا جرم تلزمه الإعادة، ووزانه من مسألتنا أن لو لم يعلم بوجود الماء في رحله بأن جاء آخر ووضعه فيه، ولا يخبره بذلك، لا جرم لا يلزمه الإعادة.
وهكذا لو نسي رحله فيما بين الرجال، ولم يطلبه حكمه حكم ما لو نسي الماء في رحله.
فأما إذا أضل رحله فيما بين رحال الناس، أو أضل رجل ماءه فيما بين رحال نفسه، فالصحيح أنه لا يلزمه الإعادة، لأنه لم يوجد التفريط من جهته في الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه إعادة الصلاة، هذا لا يصح لأن الناسي غير عادم للماء، بل هو مفرط، لأنه لم ينعم النظر، والله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، فلتزمه الإعادة لهذا.
قال المزني: وإن وجده بثمن في موضعهن وهو واجد الثمن، غير خائف، إن اشتراه، الجوع في سفره، فليس له التيمم، [وإن] أعطيه بأكثر [من] الثمن، لم يكن عليه أن يشتريه، ويتيمم.
قال القاضي حسين: إذا لم يكن معه في السفر ماء، ومعه ثمن الماء.
ينظر فيه، فإن كان لا يفضل عن حاجته، بأن يكون ما معه من المال قدر ما يستنفقه في ذهابه وجوعه لا يلزمه شراء الماء، وإن كان يفضل عنه ينظر فإن وجد الماء بأكثر من ثمن المثل لا يلزمه الشراء قلت الزيادة أم كثرت، وثمن المثل اختلفوا فيه:
[ ١ / ٤٥٤ ]
منهم من قال: هو أجرة نقله من مكان الوجود إلى مكان العز، لأن الماء لا يتقوم.
ومنهم من قال: هو في مكان العز كسائر المتقومات، فيجب قيمة مثله في ذلك المكان، وإن وجده يباع بثمن مثله وجب عليه شراؤه.
فأما إذا كان معه ماء، ولكن يحتاج إليه لسقيه، او لسقي دابته او يحتاج إلى ثمنه لأجل النفقة يجوز له التيمم، ولا يلزمه استعمال الماء.
فأما إذا وجد من يبيعه الماء بالنسئة، إن لم يكن له المال ببلده لا يلزمه شراؤه، وكذا إن كان له مال ببلده، ولكن يباع زائدًا على ثمن مثله، لأجل النسيئة لا يلزمه أيضًا.
فأما إذا بيع منه نسئة بما يباع نقدًا، وضرب له أجل يتمكن من دفع الثمن إليه إذا رجع إلى بلده يلزمه شراؤه.
ولو وهب منه الماء يلزمه القبول، لأن الماء أصله على الإباحة، فلا تلحقه المنة في قبوله.
ولو وهب منه ثمن الماء لا يلزمه قبوله، لأنه يلحقه فيه منة، ولا يكلف الإنسان التزام المنة.
فأما إذا وجد بئرًا، ولم يجد آلة الاستقاء فلو وجد من يعيرها منه يلزمه قبوله، إذ ليس فيه كبير منة.
ولو وهبها منه لا يلزمه القبول، فأما إذا وجدها بالثمن، فهو كالماء سواء.
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقد ذكرنا حكمه، فأما إذا وجدها بأجرة المثل، ووجد ذلك هكذا يلزمه أن يستأجرها ولا يتيمم.
فأما إذا كان معه ثياب يمكنه أن يشد البعض بالبعض، ويجعله حبلا يستقي به الماء.
إن كان لا ينقص من ثمنه إلا قدر ما يستأجر به الرشا، أو يشتري به الرشا، يلزم ذلك.
وإن كان ينقص من ثمنه أكثر من ذلك، لا يلزمه ذلك، وكذا لو كان عليه كرباس، بحيث أنه لو شقه، ويشد البعض بالبعض يمكنه أن يستقي به الماء، فعلى ما ذكرنا إن كان ينتقص منه مثل ما يستأجر به الرشا، أو أقل من ذلك وإلا فلا.
فأما إذا كان له عبد في السفر، لا يلزمه أن يشتري له بالماء ألبتة.
بل له أن يتيمم بخلاف الثوب، فإنه يلزمه أن يشتري ما يستر به عورته، لأن ذلك إنما يجب عليه لحق البلاد كيلا ينظر إليه الناس.
وها هنا تمحض ذلك حقًا لله تعالى.
وفرق بينهما كما في حق الصبي والمجنون.
فأما العبد إذا احتاج إلى الماء ليسقيه يلزمه شراء الماء، وكذا لو كان معه دابة من حمار أو غيره، يلزمه أن يقوم بكفايتها، وكذا لو كان معه من الماء والشعير وغيرهما.
وكذا لو كان معه كلب عطشان، يلزمه تحصيل الماء لأجله إذا كان كلب صيد، أو ماشية أو حرث، ثم ينظر، فإن وجد من يبيعه الماء بثمن المثل يلزمه ذلك.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وإن وجد من يبيعه بأكثر من ثمن المثل، فعليه أن يشتريه، وليس له أن يكابره، ويقاتله عليه، وهل تلزمه الزيادة على ثمن المثل إذا اشتراها بالزيادة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن هذا عقد جائز صدر من أهله، فيجوز كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه.
والثاني: لا يجوز: لأنه كالمكره في قبول هذه الزيادة في حال وجوب شراء الماء عليه، فلم ينعقد البيع في حق الزيادة، لكونه مكرها في ذلك.
فأما إذا لم يبعه صاحبه منه لا يخلو.
أما إن كان صاحبه محتاجًا إليه، أو لم يكن محتاجًا إليه، فإن لم يكن محتاجا إليه يجوز له أن يكابره، ويأخذ منه الماء لكلبه، ودابته، كما يأخذ منه الماء لنفسه، وإن أبي الدفع إلى صاحب الماء يكون هدرًا.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ولو أبى الدفع على هذا القاصد يكون دمه مضمونًا عليه، وهكذا إذا احتاج إليه صاحبه للوضوء، وهناك مضطر إليه ليسقيه، يلزمه الدفع إليه، ويتيمم هو.
فأما إذا كان كلبه يحتاج إلى طعام، ومع آخر شاة، فهل له أن يكابره على أخذ الشاة منه لكلبه أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، كما قلنا في الماء.
والثاني: لا، لأنه كما للكلب حرمة، لأنه ذو روح، وكذا الشاة فاستويا.
فأما إذا كان صاحبه محتاجًا إليه، فلا يجوز لغيره أن يكابره، ولو كابره على أخذه، فأتي الدفع على صاحبه الماء يكون دمه مضمونا عليه ولو أبي الدفع على القاصد يكون دمه هدرًا، لأن صاحب الماء لو آثره على نفسه، ودفع الماء إليه له ذلك.
وفيه قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
فأما إذا احتاج إليه لوضوئه، وهناك جنب، أو محدث فليس له الإيثار، لأنه يعود إلى أمر العبادة.
فإن فعل فهو مسألة الهبة، وقد ذكرناها، وإن كان صاحبه احتاج إليه في المنزل الثاني.
وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول.
فيه وجهان:
أحدهما: صاحبه أولى لأنه لم يفضل عن حاجته، وهو مالكه.
والثاني: غيره أولى لتحقق الحاجة في حقه في الوقت، وتلك حاجة موهومة في ثاني الحال.
فأما إذا كان معه ثوب، وغيره محتاج إليه، حكمه حكم الماء، وقد ذكرناه.
[ ١ / ٤٥٨ ]
فإن كان يحتاج إلى ذلك الثوب ليستر العورة في الصلاة فإن باعه بثمن المثل، يلزمه الشراء،
وإن باعه بأكثر من ثمن المثل، لا يلزمه ذلك.
ولو احتاج إليه لشدة البر المفرط، فإن باعه بأكثر من زيادة مثله، ففي الزيادة وجهان، كما ذكرنا، وإن لم يبعه منه، فهل له أن يكابره على أخذه منه، فعلى ما ذكرنا في الماء.
فرع:
لو اجتمع نفر على رأس بئر، وآلة الاستقاء مع احدهم يعرها للباقي ينظر فيه، فمن علم أن النوبة تئول إليه قبل خروج الوقت يصبر حتى تئول النوبة إليه ويصلي في الوقت بالوضوء، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الخروج ما حكمه؟
لم ينص على ذلك، ولكن نص في موضع آخر على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها مكان واحد للقيام.
فمن علم أن النوبة ينتهي إليه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا في الوقت.
ونص على أن جماعة لو كانوا عراة، ومع أحدهم ثوب يعيره من أصحابه واحدًا فواحدا.
فمن علم أن النوبة تأتيه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت، لا يصلي عريانًا في الوقت، بل يصبر حتى يصل مع الستر خارج الوقت.
قال القفال: لا أعلم فرقا بين المسألتين، وجعل المسألة على قولين.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارها، وفرق بينهما بأن ترك القيام أخف حكما في الصلاة من ترك الستر، لأنه قد يسقط القيام، بعذر المرض وغيره.
وقد يجوز تركه في النوافل مع القدرة عليه.
فإنه لا يسقط في أي صلاة كانت مع القدرة عليه، ولأن للقيام بدلا، وهو القعود، وليس للستر بدل.
فلهذا أمره بالصلاة في الوقت قاعدًا، ولم يأمره بها في الصلاة عاريًا، جئنا إلى مسألتنا إن جعلنا في المسألتين قولين.
ففي هذه المسالة أيضًا قولان.
وإن فرقنا بينهما هناك، فمسألتنا نظير مسألة السفينة، لأن للوضوء، بدلا وهو التيمم، قال المزني، ولو كان مع رجل ماء، فأجنب رجل، وطهرت امرأة، من الحيض، ومات رجل ولم يسعهم الماء، كان الميت أحبهم إلي: أن يجاد بالماء عليه، ويتيمم الحيان، لأنهما قد يقدران على الماء، والميت إذا دفن، لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء، فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش، شربوه، ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
قال القاضي حسين صورة المسألة اجتمع جنب، وحائض طهرت، وميت لم يغسل، وهناك ماء يكفي لأحدهم، فالميت به أولى يغسل به، ويتمم الحيان، لأن أمر الميت يفوت ويمكنها استعمال الماء في المستقبل
وصورة المسألة فيما إذا كان الماء مباحًا أو جاء أحد به، وجاء به على أحدهم لا على التعين.
وأما إذا كان لأحد الجنبين فهو أولى به، فلو كان هناك ميت وحي عليه نجاسة، وهناك ماء مباح فوجهان.
أحدهما: الميت أولى لما ذكرنا.
[ ١ / ٤٦٠ ]
والثاني: من عليه النجاسة أولى لأحدهما.
فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الجنب أولى؛ لأن وجوب الاغتسال في حقه منصوص عليه بقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا).
وأيضًا فإنه يمنع عن قراءة القرآن على قول القديم، ولأن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، دون تيمم الحائض.
والثاني الحائض، أولى لأن حكم الحيض أغلظ بدليل أنه يحرم القربان إليها والجنابة بخلافه.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
فأما إذا كان هناك محدث يقرع بنهما.
فأما إذا كان هناك محدث وجنب.
إن كان الماء يكفي المحدث دون الجنب، فهو أولى، لأنه يكمل طهارته، وإن كان يكفي الجنب، ولو استعمله المحدث يفضل للجنب شيئًا منه، فيه وجهان:
أحدهما: الجنب أولى، لأن الجنابة أغلظ حكمًا.
والثاني: المحدث أولى، لأنه يكمل به طهارته، ويفضل للجنب بعضه.
هذا إن قلنا: إن وجدنا بعض الماء يلزمه الاستعمال، وإلا فالجنب أولى، وإن كان للميت ماء، فالميت أولى به، فأما إذا كان الحي مضطرًا إليه، فالمضطر أولى، والميت يتمم.
قال: (ويؤدي ثمنه في ميراثه).
قال القاضي حسين: وعني بالثمن القيمة.
فإن قيل: لم أوجب قيمته، وهو من ذوات الأمثال؟
قلنا: لأن الماء يقوم في مكان العز، ويضمن بالمثل في مكان الإباحة، فلو أوجبنا المثل.
[ ١ / ٤٦١ ]
ها هنا: يتضرر به الميت، حتى لو ظفر الوارث به في مكان للماء فيه قيمة، فله أن يغرمه المثل.
فأما إذا كان في مكان لا قيمة للماء فيه، وغرمه القيمة ثم اجتمع في مكان للماء فيه قيمة، فهل له أن يسترد القيمةن ويغرمه المثل؟
فيه وجهان:
وهكذا لو أتلف حنطة على إنسان بـ (مرو الروذ) ثم القيمة، ليس له أن يغرمه المثل، بل يغرمه قيمة الحنطة، ب (مرو الروذ)، ولو اجتمع في المكان الذي أتلف فيه الحنطة.
هل له أن يرد عليه القيمة ويسترد المثل؟
فعلى وجهين، وكذا لو أتلف على إنسان جملًا في الصيف، ثم ظفر به في الشتاء، وغرمه القيمة، ثم دخل الصيف.
فهل له رد القيمة، واسترداد المثل؟
فعلى وجهين، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٤٦٢ ]