قال الشافعي ﵀ قال الله جل ثناؤه: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن).
قال الشافعي: من المحيض (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) قال الشافعي: تطهرن بالماء.
قال: وإذا اتصل بالمرأة الدم، نظرت، فإن كان دمها ثخينا محتدمًا يضرب إلي السواد له رائحة، فتلك الحيضة نفسها فلتدع الصلاة، فإذا ذهب ذلك الدم، وجاءها الدم الأحمر الرقيق المشرق فهو عرق، وليست الحيضة، وهو الطهر وعليها أن تغتسل كما وصفت وتصلي ويأتيها زوجها ولا يجوز لها أن تستظهر بثلاثة أيام، لأن رسول الله ﷺ قال: فإذا ذهب فاغسلي الدم عنك، وصلي. ولا يقول لها النبي ﷺ إذا ذهب قدرها إلا وهي به عارفة.
قال: وإن لم ينفصل دمها بما وصفت لك، فتعرفه، وكان مشتبهًا، نظرت إلى ما كان عليه حيضتها فيما مضى من دهرها، فتركت الصلاة للوقت الذي كانت تحيض فيه، لقول رسول الله ﷺ، لتنظر عدة الليالي، والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها ما أصابها، فلتدع الصلاة فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب، ثم تصلي.
[ ١ / ٥٣٩ ]
قال القاضي الإمام: الحيض في اللغة عبارة عن السيلان.
يقال: حاض الماء وسلل الماء إذا سأل.
وفي الشريعة: عبارة عن دم يرخيه الرحم.
أول ما ابتلي بالحيض أمنا حواء، فإنه قيل: بأنها لما كسرت شجرة الحنطة ودميت الشجرة، فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لأدمنيك، كما أدميت هذه الشجرة، فابتليت به حواء، وجميع بنات آدم إلى قيام الساعة.
والأصل فيه قول الله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى )، الاية.
أراد بالمحيض الحيض، لا زمانه ولا مكانه بدليل أنه قال: أذى، وصفه بالأذى، وهو النجاسة والزمان والمكان لا يوصفان به، ثم قال: فاعتزلوا النساء في المحيض.
وروى أن اليهود كان من عادتهم أنهم يعتزلون النساء في حالة الحيض أشد الاعتزال، وأنهم لا يؤاكلوهن، ولا يشاربوهن، ويحبسونهن، في موضع ويناولونهن الطعام على رأس الخشبة، وكان من عادة النصارى أنهم يقربون النساء في حالة الحيض أكثر مما يقربونهن في حالة الطهر، تقربًا به إلى الله تعالى، فلما أنزل الله تعالى هذه الاية ظن المسلمون أنهم أمروا باعتزال
[ ١ / ٥٤٠ ]
كاعتزال اليهود، فجاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن ذلك، فقال لهم: افعلوا كل شيء إلا الجماع، فغاظ ذلك اليهود حين سمعوا هذا القول فقالوا: إن هذا الرجل لا يدع شيئا من ديننا إلا ويخالفنا فيه، وسمع ذلم مهم سعد بن معاذ فجاء النبي ﷺ وقال ائذن لي في جماعهن مغاظة لليهود فتغير عليه النبي ﷺ حتى ظنا أنه وجد عليه فأتى النبي ﷺ بهدية فبعث إليه شيئا منها فعلمنا أنه ما وجد عليه.
قوله: ولا تقربوهن.
الله تعالى حرم الوطء في زمان الحيض، هذا مما لا خلاف فيه، فأما ما سوى الوطء، فإنه جائز ما فوق السرة، وتحت الركبتين، فأما بين السرة والركبتين هل يجوز الاستمتاع بها أم لا؟
قال في الجديد وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز.
وقال في القديم: وهو قول محمد بن الحسن: إنه جائز.
[ ١ / ٥٤١ ]
وجه قول القديم ما روت عائشة ﵂ أنها قالت كنت في الخميلة مع النبي ﷺ فانسللت منها، فقال النبي ﷺ مالك أنفست، قلت نعم، قال ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم فإذا كان ذلك فخذي ثياب حيضتك وشدي مئزرك وعودي إلى مضجعك، قالت: ففعلت ذلك ثم عدت إلى مضجعي، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع
وفي رواية أخرى: إلا ما تحت الإزار.
وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا بأس إذا اتقي الحجران، ولم ترد به التثنية، بل أرادت به الفرج.
[ ١ / ٥٤٢ ]
وأما وجه قوله الجديد: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، وفي رواية يوشك أن يخالط الحمى.
والمعنى فيه أنه ربما كان الزوج شابًا شبقًا، فحمله عليه شدة شبقه، وفرط شهوته على مجامعتها فيقع في الحرام، فيمنع عنه كي لا يقع في الحرام.
إذا ثبت أن الوطء حرام، فلو استحله يكفر بذلك، لأنه خالف نص التنزيل، ولكن لو ارتكبه تهاونًا به يعصي، ويأثم ويستغفر الله تعالى لا يلزمه شيء على الصحيح من المذهب، وقوله الجديد.
وقال في القديم: يلزمه شيء على ما روى عن الصحابة ﵃، فإنه روى عن عمر أنه قال: يلزمه إعتاق رقبة.
وروى عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، عليه ومرفوعًا عنه إلى النبي ﷺ أنه قال: ولو وطئها والدم غبيط فليتصدق بدينار ولو وطئها في آخر الدم فليتصدق بنصف دينار.
والصحيح قول الجديد.
وإذا حكمنا بتحريم الوطء، فإنما يرتفع التحريم إذا انقطع دمها واغتسلت لقوله تعالى حتى يطهرن، يعني ينقطع حيضهن: فإذا تطهرن، يعني اغتسلن، فأتوهن هذا شرط، والعرب تستحسن إتباع الشرط الشرط، كما لو قال الزوج لامرأته، لا تكلمي زيدا فإذا كلمت زيدًا، ودخلت الدار، فأنت طالق، فإنما يقع الطلاق عليها عند وجود شرطين كذا هذا.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر الحيض يجوز للزوج غشيانها قبل الاغتسال، وإن انقطع دمها لأقل الحيض، فلا يجوز له قربانها، إلا بعد أن تغتسل أو تتيمم، ويدخل عليها وقت من أوقات الصلاة.
فرع
إذا قالت المرأة: حضت ينظر فيه، فإن صدقها الزوج على ذلك يحرم عليه غشيانها، وإن كذبها الزوج لا يحرم عليه ذلك، لأنه ربما تكون سيئة الخلق بذئة، فأرادت أن تمنع نفسها عن الزوج تعنتا، بخلاف ما لو علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت وقع الطلاق عليها، كذبها الزوج، أو صدقها لأن هناك وجد صنع من جهته، حيث علق طلاقها بشيء لا يمكنه الوقوف عليه، إلا بالرجوع إلى قولها، فوجد تفريطه من جهته، وها هنا لم يوجد منه صنع ولا تفريط من جهته القول قوله.
فأما إذا اتفقا في الحيض، ثم اختلفا في انقطاع الدم، فقالت المرأة، ما انقطع دمي، والزوج يخالفها فيه، فالقول قولها، لأن الأصل بقاء الحيض.
[ ١ / ٥٤٤ ]