قال المزني: قال الشافعي رحمه الله تعالى -: ومن شك في صلاته، فلم يدر، أثلاثًا صلى، أم أربعًا، فعليه أن يبني على ما استيقن، وكذلك رسول الله ﷺ، قال القاضي حسين: بدأ في الترجمة بسجود الشكر، وفي الشرح ببيان حكم سجود السهو، لأن أمره أهم، وجملة السهو في الصلاة قسمان، سهو في أصل الصلاة في الأصل، فمثل أن يشك أنه هل صلى أم لا؟
فالأصل أنه لم يصل، فيبني على اليقين، وهذا أصل ممهد في الشريعة، وهو أن ما تحقق ثبوته، وشك في زواله، لا يترك اليقين، السابق، بالشك الطاري، بل بيقين أقوى منه أو مثله، والأصل فيه ما روى أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يأتي أحدكم، فينفخ بين أليتيه، ويخيل إليه أنه قد أحدث، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف عن صلاته، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا.
وقال ﵇: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
فأما الشك في أبعاض الصلاة فلا يخلو أما أن يقع في خلال الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في خلال الصلاة مثل أن شك في أنه هل صلى ركعة أو ركعتين؟
[ ٢ / ٨٧٤ ]
فيبني على اليقين، ويعود إلى الموضع الذي وقع له الشك في فعله، يأتي به، وما أتي على الشك بعده، ولا يفصل بين أول صلاة يعرض له هذا الشك فيها، وبين الصلاة بعدها إذا صار ذلك عادة له.
وقال أبو حنيقة إذا اعترض له الشك أولا، بطلت صلاته، وإن كان ذلك وقع له معتادًا اجتهد إن أدى اجتهاده إلى أحد الأمرين، عمل به، أخذًا بغلبة الظن، فإن استوى الأمران عنده يبني على اليقين.
دليلنا ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ، قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن على ما استيقن، وليضف إليها ركعة أخرى وليسجد سجدتين ثم ليسم، فإن كانت خمسًا شفعتها السجدتان، وإن كانت أربعًا، فالسجدتان ترغيمتان للشيطان.
قوله: شفعتها السجدتان، لم يرد أنها بالسجدتين تصير ستة، إذ: السجدتان لا يقومان مقام ركعة كاملة، وإنما أراد به أن السجدتين يردانها إلى الأربعة، ويحذفان الزيادة، لأن سجود السهو كما يجبر النقصان يرفع الزيادة.
وقوله: وإن كانت أربعًا فالسجدتان ترغيمتان للشيطان، أراد به أنه إن كان قد أتم صلاته، ولم يزد فيها شيئًا، يسجد سجدتين، فيترغم بهما الشيطان، ولا تزداد بهما الصلاة.
وقيل: لا يترغم الشيطان بقربة كما يترغم بالسجود، يقال: إذا سجد ابن آدم، يقول الشطيان: واويلاه، أمر ابن آدم بالسجود، فأطاع، فله الجنة، وأمر هو بالسجود فعصى، فله النار، ويترغم بالأذان والإقامة أيضا غاية الترغم.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
روي أن النبي ﷺ قال: إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط أو حصاص فإذا فرغ أقبل، فإذا أقام أدبر، فإذا فرغ أقبل، ويدخل ما بين المرء ونفسه، ويذكره أشياء، لا يذكرها فإذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليين على ما استيقن.
ولأن ما وجب البناء في أصله على اليقين، وجب البناء على عدد على اليقين كالطلاق، وإن شك بعد الفراغ من الصلاة في عدد الركعات أو الأركان، عن كان الفصل يسيرًا عاد، وبني على صلاته، وإن طال الفصل استأنف في الجديد، وبني في القديم.
ونظير هذا، المرأة المعتدة بالإقراء إذا ارتابت هل بها حمل أم لا؟ وكانت في خلال العدة لا يحكم بانقضاء عدتها، فإن كانت قد انقضت عدتها، فنكحت، فعلى قولين:
أحدهما: لا ينعقد النكاح.
والثاني: ينعقد موقوفًا.
وجه الشبه أن الريبة هناك طرأت بعد الحكم بانقضاء العدة، فأوجبت نقض الحكم والحكم ببقاء العدة، فكذا ها هنا، الريبة إذا طرأت توجب نقض الحكم بصحة الصلاة، ويلزم الاستئناف.
قال المزني: فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد، سجد سجدتي السهو قبل التسليم، واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ وبحديث ابن بحينة عن النبي ﷺ أنه سجد قبل [السلام].
[ ٢ / ٨٧٦ ]
قال القاضي حسين: مذهب الشافعي ﵀ في الجديد أن سجدتي السهو، قبل السلام، زيادة كانت السهو أو نقصانًا.
وقال في القديم: إن وقع السهو بالزيادة سجدهما بعد السلام، وإن وقع بالنقصان سجدهما قبل السلام، وهو مذهب مالك.
وفرق بأن السهو إذا كان نقصانا ينجبر بهما إذا سجدهما قبل السلام، وإذا كان زيادة يؤدي إلى الزيادة على الزيادة لو سجدهما قبل السلام.
ومن قال بالأول أجاب عنه بأن قال: سجود السهو كما يجبر النقصان يحذف الزيادة، فإذا كانت السهو زيادة سجدهما قبل السلام لينحذف الزيادة.
واحتج مالك أيضا بحديث ذي اليدين، فإن النبي ﷺ سجدهما بعد السلام، ولأن سهوه كان بالزيادة، وهو الكلام والسلام، وبما روى أن النبي ﷺ صلى صلاة ذات أربع خمسًا، فقيل له: أزيدت الصلاة يا رسول الله؟ فقال ﵇: لماذا؟ فقيل: صليت خمسًا فسجد سجدتين، وسلم.
ومن قال بالمذهب الجديد أول حديث ذي اليدين، وحمل السلام المذكور فيه قبل السلام على السلام المشروع في التشهد وهو السلام على النبي، وعلى عباد الله الصالحين على أنه روى في حديث ذي اليدي أنه سجد سجدتين، ثم سلم.
وأما الخبر الاخر، فلا دليل فيه، لأن السجدتين وقعتا بعد السلام للضرورة؛ لأنه ﵇ ذكر السهو بعد السلام.
وقال أبو حنيفة سجدتا السهو بعد السلام بكل حال
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري على ما روينا، وحديث عبد الله بن بحينة روى عنه: أن النبي ﷺ إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فقام إلى الثالثة،
[ ٢ / ٨٧٧ ]
ولم يجلس فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر الصلاة انتظرنا تسليمه، فسجد سجدتين ثم سلم.
قال الشافعي: روى السجود قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام، والأخذ به أولى، وروى عن الزهرى أنه قال: سجد رسول الله ﷺ، قبل السلام للسهو، وسجد بعد السلام، وكان سجوده قبل السلام آخرًا.
وقال ابن عباس: كنا نأخذ من أمر رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث.
ولأن هذه السجدة لجبر خلل وقع في الصلاة، فيأتي بها في الصلاة، لينجبر الخلل، إذ لو أخرها بقي الخلل في الصلاة.
فقيل: إذا شك في خلال الصلاة، أما في عدد الركعات أو الأركان، إن تذكر في الحال لم يلزمه سجود السهو، وإذا تذكر بعد مضى زمان، والإتيان بجزء من الصلاة ما حكمه؟
كان القفال ﵀ يقول: إن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر ما يقطع المعيب، أن عليه فعله لم يكن سهوه ملزمًا السجود، وإن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر مما لا يقطع على المعيب أن عليه فعله، بل احتمل أن يكون ذلك زيادة في الصلاة، كان سهوه ملزمًا السجود.
وبيان ذلك رجل في صلاة المغرب شك في التشهد الأخير، أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، لا يلزمه سجود السهو، إذ لم تنكشف حقيقة الحال، أو بان انها كانت ثالثة، لأنه كان يقطع على المغيب أن ما أتي به بعد الشك عليه فعله، وليس في
[ ٢ / ٨٧٨ ]
أحد محتمليه أنه زيادة في الصلاة؛ إذ التشهد فرض، سواءٌ كان قد زاد ركعة أو لم يزدها، وإن انت رابعته فعليه سجود السهو، لأنه تحقق زيادة ركعة في الصلاة، وإن لم يكن في التشهد، وكان إما في الركوع، أو السجود، فإن انكشف له في الحال فلا سجود عليه لما بنا، فإن مضى زمان، وأتي بجزء من الصلاة، فعليه سجود السهو، سواء بأن له أنها كانت ثالثته أو رابعته، لأن ما أتي به بعد الشك إلى التذكر كان لا يقطع على المغيب أن عليه فعله، بل كان في أحد محتمليه أنه زيادة منه في الصلاة، ولو شك في صلاة الصبح، أنها كانت أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية، لم يلزمه سجود السهو، لما بينا، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية، فعليه سجود السهو، لأنه أتي ما هو زيادة في أحد محتمليه بعد الشك، وهو القيام، ولو شك في صلاة الظهر، أنها أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القام إلى الثانية، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية فعليه السجود، لأنها إن كات ثانيته، فقد ترك التشهد الأول، وإن بانت أولاه، ففي أحد محتمليه أنه أتى بما ليس عليه، لأن عليه أن يتشهد قبل القيام إلى الثالثة.
ويحتمل أن يقال: ليس عليه سجود السهو، بخلاف ما ذكرنا من الصبح، فإن بان أن المفعول أولاه، عليه سجود السهو، لأن في أحد محتمليه أن المفعول ثانيه، وهذا ثالثه، والركعة الثالثة ما لا يجب عليه قط بكل حال.
وفي هذه المسألة، هذه الركعة التي قام إليها ما يجب عليه بكل حال، التشهد الأول بوجوب سجود السهو إذا كان متروكًا، فهو لم يترك ها هنا شيئًا، فليس عليه سجود السهو، وإن شك أنها ثالثته أو رابعته، فإن تذكره قبل القيام إلى الرابعة، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعده، فعليه السجود، لأنها إن
[ ٢ / ٨٧٩ ]
بانت رابعته، فقد زاد في الصلاة، وإن بانت ثالثته، ففي أحد محتمليه أنه تارك للتشهد، وفاعل ما ليس عليه فعله.
فرع
في صلاة ذات أربع، شك أن الركعة التي هو فيها ثالثته أو رابعته، تشهد فبان أن التي شك فيها رابعته، والتشهد التي هو فيها التشهد الأخير، ليس عليه سجود السهو، ولو شك في التشهد الأخير أنه صلى أربعًا أو خمسًا ليس عليه سجود السهو إن لم يتذكر شيئًا، لأنه شك في السهو، والأصل أنه ما سها، قال المزني: وإن ذكر انه في الخامسة سجد أو لم يسجد قعد في الرابعة أو لم يقصد فإنه يجلس للرابعة، ويتشهد ويسجد للسهو.
قال القاضي حسين: إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، ثم ذكر أنه في الخامسة عاد عندنا، ويتشهد للرابعة، وسجد سجتين ثم سلم، سواء كان قد قعد في الرابعة أو لم قعد، وسواء قيد الخامسة بسجدة، او لم يقيدها بسجدة.
وقال أبو حنيقة: إن لم يكن قيد الخامسة بسجدة عاد، وصلاته صحيحة، وإن كان قد قيدها بسجدة، إن لم يكن قعد في الرابعة، بطلت صلاته، وإن كان قد قعد في الرابعة، ضم إليها ركعة أخرى تكونان له نفلا، وإنما بني هذا على أصلين:
أحدهما: أن الركعة الواحدة ليست بصلاة عنده، فيضم إليها أخرى لتصير صلاة.
والثاني: أن عنده الفعل المنافي للصلاة في آخر الصلاة، تتم به الصلاة، فإذا كان قعد في الرابعة، فبقيامه إلى الخامسة بطلت صلاته، وهذا ليس بصحيح،
[ ٢ / ٨٨٠ ]
لأن القيام فعل واحد، فيستحيل أن تتم به صلاة، ويشرع به في أخرى، لأن الخروج والشروع ضدان، فلا يحصلان بمعنى واحد.
قال القفال ﵀: العجب من محمد بن الحسن صدر الجامع بهذه المسألة، وذكر فيها التفصيل الذي ذكرنا، ثم عطف عليه الخبر الذي رويناه أنه ﵇: صلى صلاة ذات أربع خمسًا إلى آخره، ولم يستأنف الصلاة ولا ضم إليها ركعة أخرى.
فالحديث مخالف لمذهبه من كل وجه، لأنه ﵇ كان لا يخلو، إما أن يكون قد قعد في الرابعة، أو لم يقعد، فإن كان قد قعد في الرابعة، لكان يضم إليها ركعة أخرى على قضية مذهبه، وإن لم يكن قد قعد في الرابعة، لكان يستأنف الصلاة، ثم إن الشافعي ﵀، لما قال: يعود إلى الرابعة ويتشهد اعترضوا، فقالوا: لم أمره بالتشهد ثانيًا إذا كان قد تشهد مرة؟
اختلف أصحابنا في الجواب عنه على طرق.
منهم من قال: جمع الشافعي ﵀ بين مسألتين:
إحداهما: أن يكون قد قعد في الرابعة.
والأخرى: ألا يكون قد قعد في الرابعة.
وقوله: يعود ويتشهد، راجع إلى إحداهما، وهي إذا لم يكن قد قعد في الرابعة، ومنهم من قال: قوله: قعد أو لم يقعد، تشكيك إن كان شاكًا، هل قعد أم لا؟
وقوله: سجد او لم يسجد، تنويع المسألة إذا شك، هل قعد أم لا؟
[ ٢ / ٨٨١ ]
فالأصل أنه لم يقعد وعليه أن يتشهد وقد يجمع في الكلام الواحد بين التنويع والتشكيك، هذا كما قال في خبر الربا، ونقص أحدهما التمر والملح تشكيك في أن المقبوض من التمر والملح، وفي الناقص مسلم بن يسار أو صاحبه.
وقوله: زاد أو ازداد، فقد أربى تنويع من جهة النبي ﷺ ومعناه: ومن أعطى الزيادة، وأخذ الزيادة فقد أربى.
وقيل: هو تشكيك أيضا أي شك الراوي أنه ﵇، قال: زاد أو ازداد.
ومنهم من قال: قصد بقوله: قعد او لم يقعد، الرد على أبي حنيفة حيث فصل بينهما.
ومنهم من قال: الشافعي ﵀ لم يقل: تشهد في الرابعة أو لم يتشهد، وإنما قال: قعد في الرابعة أو لم يقعد.
وعندنا لا يكتفي بالقعدة، بل لابد من انضمام قراءة التشهد إليها، فإنما أمر بالتشهد، وإن كان قد قعد، لأن عليه فرض قراءة التشهد، ولا يمكنه قراءة التشهد إلا بقعدة معها، ولعله قصد به أيضًا على أبي حنيقة، حيث قال: القعود يكتفي به دون قراءة التشهد.
فمن قال بأحد الطرق الأربعة يقول: إذا كان قد تشهد في الرابعة لا يتشهد إذا رجع عن الخامسة التي قام إليها ساهيًا.
ومن أصحابنا من قال: وإن كان قد تشهد في الرابعة يعود، ويتشهد ثانيًا، وبه قال ابن سريج، ولأي معنى لزمه التشهد ثانيًا؟
فيه معنيان:
أحدهما: أن الشرط هو أن ينتقل من ركن إلى ركن يدل عليه أن الشافعي ﵀ نص على أنه لو قدر على القيام بعد القراءة، وكان يصلي قاعدًا يرتفع
[ ٢ / ٨٨٢ ]
إلى القيام، ثم منه يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع ليكون الانتقال من الركن إلى الركن الذي يتصل به.
وقال المزني: في المنثورات: لو رفع المأموم رأسه قبل إمامه من السجود لتنقل فعليه أن يعود إلى السجود، ثم يرفع رأسه، لأن رفعه الأول لم يكن للانتقال من السجود إلى الجلسة، وإنما كان للنفل، وعلى هذا لو صلى قاعدا للعجز عن القيام، ثم قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت ويقوم، ثم يبني على القراءة، ولا يقرأ في حالة القيام من القعود، وحتى يعتدل قائمًا.
والمعنى الثاني: أن المولاة شرط بين الأركان، وإن ما كان ركنًا من الصلاة، لابد وأن يتصل أحد طرفيه بالصلاة، والسلام ركن، فلا يجوز أن ينفرد بنفسه، فأوجبنا التشهد ليتصل أحد طرفيه بجزء من الصلاة؛ لأن ما أتى به ساهيًا ليس من الصلاة، وعلى هذين المعنيين مسألة، وهي أنه لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى من صلاة الصبح ساهيًا، وقام إلى الثانية، ثم ذكرها، فعليه أن يعود إلى الموضع المتروك، ثم يلزمه أن يسجد واحدة، أو سجدتين؟
فعلى وجهين بناء على المعنيين:
إن جعلنا المعنى الانتقال من الركن إلى الركن سجد سجدتين، لينتقل إلى الركن عن الركن الذي يتصل به، وإن جعلنا المعنى اتصال أحد طرفيه بجزء من الصلاة اقتصر على السجدة المتروكة، لأن إحداهما، يتصل بجزء من الصلاة، وهو القيام، وإن لم يتصل أولها بما هو محسوب من الصلاة.
فرع
لو سمع حسًا، ظن أن الإمام رفع رأسه من الركوع، أو من السجود، فرفع رأسه، فإذا الإمام لم يرفع رأسه، فعليه أن يعود، ولو كان هو في القعود، والإمام في الارتفاع، أيضا يجب عليه أن يعود إلى تمام السجود.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه أن يعود، بل يتابعه ولو رفع رأسه منه قبل
[ ٢ / ٨٨٣ ]
الإمام متعمدًا لا تبطل صلاته، ولو عاد متعمدًا تبطل، فلو بدا له ألا يعود إلى السجود، هل تبطل صلاته أم لا؟ يحتمل أن يقال: تبطل صلاته، كما لو رفع رأسه لتنفل، يجب عليه أن يعود، ولو لم يعد بطلت صلاته.
ويحتمل ان يقال: لا تبطل، والفرق أن هناك رفع رأسه لتنفل، ولم يقصد قطع السجود، بدليل أنه لو وافقه الإمام في ذلك أيضًا لم يجز.
وفي مسألتنا قصد بالرفع قطع السجود بدليل أنه لو كان الإمام رافعًا رأسه، كما ظن ليس عليه العود، هذا هو الأصح، والله أعلم.
قال المزني: فإن نسي الجلوس من الركعة الثانية، فذكر في ارتفاعه، وقبل انتصابه، فإنه يرجع إلى الجلوس، ثم يبني على صلاته، وإن ذكر بعد اعتداله، فإنه يمضي.
قال القاضي حسين: إذا ترك التشهد الأول، وقام إلى الثالثة، ثم ذكر أنه تركه إن كان قد اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الجلوس والتشهد، لأن القيام فرض، والتشهد الأول سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، فإن عاد بطلت صلاته، إن كان عالمًا بالعود بأنه لا يجوز، وإن كان جاهلًا به، فالمذهب أن صلاته لا تبطل، لأن هذا مما يخفي على العوام، ومما يبتلون به.
وقال أحمد: عليه العود، وإنما بناه على أصله، لأن التشهد الأول فرض عليه عنده.
فأما المأموم: فإنه يتابع الإمام إذا عاد إلى التشهد، بل يخرج نفسه عن صلاته، أو يقوم حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقدر كأنه جلس ناسيًا أو جاهلًا في وجه.
فأما إذا ذكر قبل الاعتدال قائمًا نظر، فإن كان أقرب إلى الجلوس بأن لم ينتصب ساقاه عاد، وتشهد، ولا يلزمه سجود السهو، لأن هذا القدر لو زاده عمدًا في الصلاة لم تبطل صلاته، وان انتصب ساقاه، وبلغ هيئة الراكعين عاد أيضًا، وسجد للسهو، لأنه لو زاد هذا القدر في الصلاة عمدًا، بطلت
[ ٢ / ٨٨٤ ]
صلاته، ولو ارتفع عن هيئة الراكعين، وكان من هيئة الراكعين والقائمين هل له القعود؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: يعود كما لو كان في هيئة الراكعين، فعلى هذا يسجد للسهو.
والثاني: كما لو بلغ هيئة القائمين، فعلى هذا إن عاد حكمه ما قلنا،، ولو قام في الصلاة هكذا منحيًا ظهره، بحيث يكون بين هيئة الراكعين، والقائمين، هل يجوز،؟
يحتمل وجهين، ولو ترك القنوت ساهيًا، حتى ألصق الجبهة بالأرض لا يعود، وإن عاد وهو عالم بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا لم تبطل، ولو بلغ هيئة الراكعين عاد إلى القنوت، وسجد للسهو، وإن كان أقرب إلى الأرض منه إلى هيئة الراكعين، غير أنه لم يلصق الجبهة بها في العود، يمكن أن يخرج هذا على الوجهين، والصحيح أنه يعود.
قال المزني: وإن جلس في الأولى، فذكر قام، وبني، وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر في الثانية، أنه ناس لسجدة من الأولى، بعد ما اعتدل قائمًا، فليسجد للأولى، حتى تتم قبل الثانية.
قال القاضي حسين: إذا جلس في الركعة الأولى للتشهد على ظن أنها ثانيته، ثم ذكر إن كان قد أخذ في قراءة التشهد، فعليه أن يسجد للسهو؛ لأنه لو زاد هذا القدر عمدًا في الصلاة بطلت صلاته، وإن لم يكن قد أخذ في قراءة التشهد نظر.
إن كان جلوسه بقدر جلسة الاستراحة لم يلزمه السجود للسهو، ووقعت عن جلسة الاستراحة، وإن كان قد زاد على جلسة الاستراحة، فعليه أن يسجد للسهو، ونظيره ما بينا في الفاتحة إذا نوى قطعها.
قال المزني: وإن ذكر بعد أن يفرغ من الثانية، أنه نسي سجدة من الأولى فإن عمله في الثانية كلا عمل، فإذا سجد فيها، كانت من حكم الأولى، وتمت الأولى
[ ٢ / ٨٨٥ ]
بهذه السجدة، وسقطت الثانية، وإن ذكر في الرابعة؛ أنه نسي سجدة من كل ركعة، فإن الأولى صحيحة إلا سجدة، وعمله في الثانية كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة، كانت من حكام الأولى، وتمت الأولى، وبطلت الثانية، وكانت الثالثة ثانية، فلما قام في ثالثة قبل أن يتم الثانية، التي كانت عنده ثالثة، كان عمله كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة، كانت من حكم الثانية، فتمت الثانية، وبطلت الثالثة، التي كانت عنده رابعة، ثم يقوم فيأتي بركعتين، ويسجد للسهو بعد التشهد وقبل السلام، وعلى هذا الباب كله وقياسه.
قال القاضي حسين: إن كان قد جلس بين السجدتين عاد، وسجد السجدة الثانية كما بينا، وإن لم يكن جلس بين السجدتين، فالقيام إلى الركعة الثانية، هل يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فوجهان: أظهرهما: لا؛ لأن القعود والقيام مختلفان يدل عليه انه لا يجري واحد منهما في محل الآخر، والثاني: بلى؛ لأن القيام قعود وزيادة.
يدل عليه أن الشافعي ﵀ نص على أنه لو عجز عن القعود، فقدر على القيام والاضطجاع، يصلي قائمًا غير مضطجع، لأن في الإتيان بالقيام إتيان بالقعود وزيادة.
وفائدة الوجهين: إذا تذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى، فتذكر بعد التشهد الأول، إن قلنا: القيام يقوم مقام الجلسة، فالسجدة الأولى الركعة الثانية محسوبة له.
وإن قلنا: لا يقوم مقامه، فالسجدة الثانية محسوبة له، ولو تذكر في الركوع، أو القيام أنه ترك سجدة.
إن قلنا: يقوم القيام مقام الجلسة، يعود إلى السجدة، وإلا فيجلس ثم
[ ٢ / ٨٨٦ ]
يسجد، ولو جلس للاستراحة، فهل تقوم هذه الجلسة مقام الجلسة بين السجدتين، يترتب على القيام.
إن قلنا: يقوم مقامها، فجلسة الاستراحة أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن هذه الجلسة من جنسها؛ لأن كل واحدة منهما جلوس، بخلاف القيام، فإنه ليس من جنس الجلوس، ونظير الوجهين، الوجهان في أنه لو ترك لمعة من المرة الأولى، في غسل الوجه في الطهارة، وتغسلت في المرة الثانية والثالثة.
ووجه الشبه، أن معقود نيته في الوضوء تشتمل على المرات الثلاث، ألا يغسل الثانية إلا بعد الأولى، والثالثة إلا بعد الثانية، فكذا معقود نيته في الصلاة، اشتمل على جلستين، أعني الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وألا يأتي بجلسة الاستراحة إلا بعد السجدة الثانية.
ومنهم من عكس الترتيب، وفرق بأن القيام فرض، وما تركه فرض فيتجانسان، بخلاف الجلسة للاستراحة، فإنها سنة، فلا تقوم مقام الفريضة، وإذا جلس للتشهد الأول هل يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فعلى الوجهين، كما في الجلسة للاستراحة، وإذا جلس للتشهد الثاني قام مقامها، لأنها جلوس من جنسها، وفرض مثلها.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
فصل
نص الشافعي ﵀ على أنه لو أطال القيام بعد رفع الرأس من الركوع، فذكر الله، أوقنت ساهيًا، يسجد للسهو فاختلف أصحابنا في معناه.
فمنهم من قال: المعنى فيه أنه مد الركن المقصود بالذكر الممدود.
ومنهم من قال: المعنى فيه انه نقل الذكر المقصود المشروع من محل إلى محل، وعلى هذين المعنيين، قالوا: لو تشهد في حالة القيام، أو قرأ الفاتحة في حالة التشهد ساهيًا، إن جعلنا المعنى فيه أنه مد الركن المقصور بالذكر الممدود لم يلزمه سجود السهو، لأن القيام والقعود للتشهد ركنان ممدودان، وإن جعلنا المعنى أنه نقل الذكر الممدود من محل إلى محل، لزمه السجود، إذا تعمد إطالة القيام من الركوع، أوقنت متعمدًا بطلت صلاته، لأنه لو أتي به ساهيًا لزمه سجود السهو، فإذا أتي به عامدًا بطلت به الصلاة، وإذا تعمد قراءة التشهد في القيام، وقرأ الفاتحة في التشهد، ففي بطلان الصلاة وجهان، كالوجهين في سجود السهو، إذا فعلها ساهيًا لا تبطل صلاته، فإذا فعلها عامدا لا تبطل صلاته.
وإن قلنا: هناك يسجد للسهو، فإذا فعله عامدًا، هل تبطل صلاته ام لا؟ على وجهين فها هنا أصل، وهو أن كل عمل يلزمه سجود السهو، إذا أتى به ساهيًا، فإذا أتى به عامدًا بطلت صلاته.
وإن قلنا: لا يلزمه سجود السهو، لا تبطل صلاته إذا فعله متعمدًا إلا في مسألة واحدة:
إذا عمل عملا قليلًا، لا من جنس الصلاة، يلزمه سجود السهو، إن تعمد، لا تبطل صلاته.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
فصل
لو جلس بين السجدتين، وتشهد، ثم بعد ما فرغ من التشهد ذكر أنه كان بين السجدتين.
قال أصحابنا: يسجد السجدة الثانية، ولا يلزمه سجود السهو؛ لأن ما بين السجدتين من محل الجلوس بخلاف ما لو جلس بعد الاعتدال قائمًا وقبل السجود، يسجد للسهو، لأنه ليس بمحل الجلوس، إذ لا جلوس بعد الركوع.
قال القاضي رضي عنه: وهذا عندي فيه إشكال عظيم، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود، كالاعتدال من الركوع، وقد مده بالذكر الممدود، فيجب أن يقال: إنه يسجد للسهو على أحد الوجهين، وأنه إذا تعمدها تبطل صلاته.
وقضية ما قال الأصحاب من أنه يلزمه السجود إذا تشهد فيها ناسيًا أن الصلاة لا تبطل، إذا تشهد فيها عامدًا.
قوله: وإن ذكر في الثانية أنه ناس لسجدة من الأولى.
قال القاضي حسين: والترتيب في أركان الصلاة شرط، لو ترك الترتيب إن كان عامدًا، مثل أن يسجد قبل الركوع، أو يركع قبل القيام، بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا عاد إلى الموضع المتروك، وبني ولم يحسب له ما أتى به بعد الترك ناسيًا، فلو كان في صلاة الصبح في التشهد تذكر أنه ترك سجدة، إن علم أنه تركها من الثانية، واستأنف التشهد، وإن علم أنه تركها في الأولى، قام وصلى ركعة أخرى، وتمت أولاه بسجوده في الثانية، والعمل بعد ترك سجدة في الأولى إلى أن سجدها في الثانية، فلا عمل، وإن اشتبه عليه، لم يدر أنه تركها في الأولى، أو في الثانية يأخذ بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون تاركًا لها من الأولى، فحصل له ركعة، ويضيف إليها ركعة أخرى، ولو ذكر
[ ٢ / ٨٨٩ ]
أنه ترك ركوعًا إن علم أنه تركه من الثانية، قام وركع، وسجد السجدتين بعدَه، واستأنف التشهد، وإن علم أنه تركها من الأولى، تمَّت الأولى بالثانية، وأضاف إليها ركعة أخرى، وما عمل بينهما كلا عمل، وإن اشتبه عليه أخذ بأسوأ الأحوال كما بَيَّنَا، وإذا كان في الركوع تَيقَّن أنه ترك الفاتحة في القيام إن مكث ساعة ثم عاد، تبطل صلاته، وإن عاد إلى القيام حال ما تذكر، وقرأ ثم ركع ثانيًا، لا تبطل صلاته، وبمثله لو تذكر قبل الركوع أنه ترك الفاتحة، ومكث ساعة، ثم قرأها، لا تبطل صلاته.
والفرق أن ها هنا القيام، محل قراءة الفاتحة، فمكثه لا يضر بخلاف الركوع، فعلى هذا إذا كان في الركوع وتيقن أنه ترك الفاتحة، في إحدى القيامين، ولا يدري في أيهما.
قال القاضي ﵁، يحتمل أن يقال: لا تحسب له إلا التحريمة، فيقوم ويقرأ ويتم الركعة، ثم يصلي ركعة أخرى، ويأخذ بأسوأ الأحوال في الطرفين، فمن حيث يحتمل أنه تركها من الثانية يقوم ويقرأ، ومن حيث يحتمل أنه تركها من الأولى، لم يحسب له الركوع في الأول، لاستحالة أن يحسب له الركوع قبل القراءة، وهذا نظير ما قلنا في الجمع بين الصلاتين، إذا تيقن أنه ترك سجدة من إحدى الصلاتين ولم يدر أنه تركها من الظهر أو العصر، يأخذ بأسوأ الأحوال في الطرفين.
فنقول: عليه استنئاف إعادة الظهر لاحتمال أنه تركها من الظهر، ولا يصلي العصر بحق الجمع، لاحتمال أنه تركها من العصر، وقد طال الفصل، وانقطع نظم الجمع، فكذا هاهنا لاحتمال أنه تركها من الثانية، لم تحسب له القراءة، والجادة الصحيحة التي عليها يجري نظائر هذه المسألة، ومسائل الباب، أنه يحسب له قيام بقراءة، ويمضي على سرد صلاته من الموضع الذي بلغ، فيتم الركعة، ثم يضيف إليها ركعة أخرى، لأنه تيقن القراءة مرة، وإن كان قرأها في الأولى تمت له ركعة، وإن كان قرأها في الثانية، يأتي ببقية الركعة، ولو كان في صلاة ذات
[ ٢ / ٨٩٠ ]
أربع، ثم تيقن أنه ترك سجدة في آخر الصلاة، إن علم أنه تركها من الرابعة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو، وإن علم أنه تركها من الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو شك أنه تركها من الأولى أو الثانية أو الثالثة قام وصلى ركعة أخرى، وإن تيقن أنه ترك سجدتين، ولا يدري في أي الركعات تركها، يأخذ بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون قد ترك سجدة من الأولى، أو ترك سجدة أخرى من الثالثة، فتنجبر الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة، فتحصل له ركعتان، لأن عمله بعد تركها في ركعة إلى أن يأتي بهما في ركعة أخرى، كلا عمل، ولو تيقن أنه ترك ثلاث سجدات، ولم يدر من أي الركعات تركها أخذا بأسوأ الأحوال، وأسوأها أن يكون قد ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدة ومن الرابعة سجدة، أو ترك من الاولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، فيحصل له ركعتان أيضا، تتم بالأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وإن تيقن أنه ترك أربع سجدات، فأسوأ الأحوال أن يكون قد ترك من الأولى سجدة، ومن الثانية سجدتين، ومن الرابعة سجدة، أو من الثالثة سجدة، ومن الرابعة سجدتين، فيحصل له ركعتان إلا سجدة، وإن تيقن أنه ترك خمس سجدات، أو شك في فعلها، فأسوأ الأحوال، أن يكون قد ترك من الأولى سجدة ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدتين، فتحصل له ركعة، وتتم الأولى بالثانية، ولو تيقن أنه ترك ست سجدات، فكذلك يحصل له ركعة، لأنه أتي بسجدتين، فإن أتى بهما في ركعة فذاك، وإن أتى بهما في ركعتين تمت المتروكة بالمفعول فيها، ولو ترك سبع سجدات، حصلت له ركعة إلا سجدة، ولو ترك ثماني سجدات لم يحصل له إلا قيام وركوع.
والمسائل كلها مصورة فيما لو علم أنه جلس بين السجدتين، وعلى هذا الأصل الذي أصلنا غير مرة، وهو أن اليقين لا يترك بالشك.
وقال ابن سريج: إنما تنجبر الأولى بالثانية.
فأما إذا لم يتحاشاها بنيته، أنه لم ينو في الثانية أنه سجد من الثانية.
فأما إذا حاشاها بنيته، ونوى أنه يسجد من الثانية لا تتم بها الأولى قال:
[ ٢ / ٨٩١ ]
وهذا كما قال الشافعي ﵀، لو هوي إلى السجود فسقط على الأرض، إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود، فإن نوي السجود، واستدام نيته الأولى، لم يحدث نية الاعتماد على الأرض، حسب له عن فرض السجود.
وقال أبو حنيقة: إذا ترك أربع سجدات في كل ركعة سجدة، يأتي بها في آخر الصلاة، وتلتحق كل سجدة بمحلها، وتمت صلاته، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن شك هل سها أم لا، فلا سهو عليه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: وكذلك لو شك هل سها، ثم بني على اليقين، أو لم يسه أصلا، فلا سهو عليه، إذ الأصل أن لا سهو فتمسك به، وله ثلاثة أحوال:
إن شك في الجملة، هل سها أم لا؟ ولا يعرف بعينه أنه زيادة أو نقصان، فلا سجود عليه، إذ الأصل أنه لم يسه، وكذلك إن شك ولم يدر، هل شك في عدد الركعات، وبني على الأقل أو لم يشك أصلا، وأتم الصلاة، فلا سجود عليه، وكذا إن شك في زيادة، هل فعلها أم لا؟ مثل ركوع زائد أو كلام ناسيًا؟ فلا سجود عليه؛ إذ الأصل أنه لم يفعل، ولو شك في ترك مأمور من ترك القنوت، أو التشهد الأول، فعليه السجود، لأن الأصل أنه ما أتى بهما.
قال المزني: وإن استيقن السهو، ثم شك، هل سجد للسهو أم لا، سجدهما، وإن شك، هل سجد سجدة أو سجدتين، سجد أخرى.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأن الأصل أنه لم يسجدها، فأما إذا سها في سجود السهو، مثل إن تكلم ناسيًا بين سجدتي السهو، أو سلم ناسيًا، فلا يلزمه سجود السهو، وهذه المسألة التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي، حكى أنه جمعهما مجلس، فادعى الكسائي أن من تهدي إلى علم وتبحر فيه، يهتدى إلى العلوم كلها، فأنكره ابو يوسف وقال: إنه أنت متبحرٌ
[ ٢ / ٨٩٢ ]
في حرفتك من النحو والأدب، فأسألك عن مسألة من الفقة؟ فقال: هات، فقال: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ فقال: لا يلزمه السجود، فقال: لم قلت؟ فقال: لأن التصغير لا يصغر، إذ لو صغر التصغير، لصغر تصغير التصغير، فيؤدي إلى ما لا يتناهى، والتعليل ما أشار إليه، وذلك لأن سجود السهو شرع للجبر في الصلاة، فلو قلنا: السهو فيه غير مجبور، لا نأمن السهو في جبر الجبر، ثم في جبر جبر الجبر، فيؤدي إلى ما لا يتناهي، وما لا يتناهى فنهايته في بدايته.
قال القاضي ﵁: ولو سها في سجود السهو، لا يلزمه السجود، ولو سها بسجود السهو، يلزمه السجود، والسهو بسجود السهو، أن يسهو هل ترك القنوت أم لا، فسجد سجدتي السهو، ثم تركه أنه قد كان قنت فسجد ثانيًا سجدتين، لأنه سجد سجدتين ساهيًا، ولو سها بعد سجدتي السهو وقبل السلام، فيه وجهان:
أحدهما: لا سجود عليه؛ لأن السجدتين يجبران النقصان الذي وجد في الصلاةـ والثاني: يلزمه ذلك، لأن السجدتين إنما يجبران الخلل الذي يقع قبلهما دون ما وجد بعدهما.
قال المزني: وإن سها سهوين، أو أكثر، فليس عليه إلا سجدتا السهو
قال القاضي حسين: هو كما قال عندنا، وقال ابن أبي ليلى أو الأوزاعي، سجود السهو يتعدد، بتعدد السهو، ويلزمه أن يسجد لكل سهو سجدتين، واحتج بما روى ثوبان أن النبي ﷺ، قال: لكل سهوٍ سجدتان.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
دليلنا: حديث ذي اليدين فإنه ﵇، سها في تلك الصلاة أكثر من واحد، حيث سلم ناسيًا: وتكلم بكلمات ناسيًا، ثم اقتصر على السجدتين؛ ولأنه لو كان يحتاج لكل سهو إلى سجدتين لكان سجدهما في محل السهو، ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى سجود التلاوة في كل مرة، قرأ آية السجود، وسجدها في محلها، ولا يؤخرها إلى آخر الصلاة، فلما آخر السجود إلى آخر الصلاة، علم أنه لا يلزمه أكثر منهما تعدد السهو أو لم يتعدد؛ لأن فائدة التأخير أن يجمعها أنواع السهو كلها، وما رواه يحتمل أنه أراد به لكل نوع من السهو زيادة كانت أو نقصانًا، قولًا كان أو فعلًا سجدتان.
وقال صاحب التلخيص: لا يسجد للسهو أكثر من سجدتين إلا في مسائل، فمنها في صلاة الجمعة إذا سجد سجدتي السهو، ثم قبل السلام خرج الوقت يلزمه إكمالهما ظهرًا، وأن يقضي السجدتين في آخر الصلاة، والمسافر إذا سجد سجدتي السهو، ثم نوى الإقامة أو الإتمام قبل السلام، أو صار مقيمًا باتصال السفينة بالبلد حتى لزمه الإتمام، يقضيها في آخر الصلاة، والمسبوق إذا سها إمامه سجدهما مع الإمام متابعة له ويقضيهما في آخر الصلاة، والكل تلبيس، لأنا إنما ننكر أكثر من سجدتين محسوبتين، وفي هذه المسائل السجدتان غير محسوبتين له بوجودهما في غير محل السجود.
فرع:
المأموم المسبوق إذا سمع حسًا، فظن أن الإمام قد سلم فقام إلى قضاء ما فاته، فبان أنه لم يكن إمامه سلم بعد ما جلس هو، لا يلزمه سجود السهو ولا تحسب له تلك الركعة، بل يقوم ويصلي ثانيًا، ولو كان هو في القيام، وسلم الإمام، هل يعود إلى القعود؟ فعلى وجهين:
فأما المنفرد، إذا سلم ساهيًا عن ركعتين، وكانت الصلاة ذات أربع، وقام وافتتح، صلاة النافلة، ثم تذكر، ينظر فإن كان الفصل قريبًا، يعود ويبني على صلاته، ويسجد سجدتي السهو، وإن كان طويلا، يستأنف الصلاة.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
وإن قلنا: يبني على صلاته، فهل يحسب له ما أتي به من صلاة النفل عما عليه من الفرض؟
عامة أصحابنا على أنه لا يحسب له ذلك، لأن ما عليه يكون فرضًا، وما أتى به يكون نفلا، والنفل لا يقوم مقام الفرض، فيلغي ذلك.
قال القاضي ﵀: يحتمل فيه وجهين، كما قلنا في جلسة الاستراحة والتشهد الأول: إنها هل تقوم مقام الجلسة بين السجدتين أم لا؟
وفيه وجهان:
وكما قلنا: فيما لو ترك لمعة من المرة الأولى، ويغسل في المرة الثانية، إن قلنا: يقوم مقامه، فلا يلزمه الجلوس، وإلا فيلزمه أن يجلس، ثم يقوم من الجلوس على الصحيح من المذهب.
فرع:
المسافر إذا صلى ركعتين بنية القصر، ثم وقع له سهو، ولم يسلم حتى صلى أربعًا، ثم تذكر ونوى أنه جعله كأنه نوى الإقامة، بل يقول: كأني نويت الإقامة، فإنه لا يكون محسوبًا له ما زاد على الركعتين، بل يصليهما ثانيًا، ويسجد للسهو.
قال المزني: وما سها عنه من تكبير سوى تكبيرة الافتتاح، أو ذكر في ركوع أو في سجود، أو جهر فيما يسر بالقراءة، أو أسر فيما يجهر فلا سجود للسهو، إلا في عمل البدن.
قال القاضي حسين: أفعال الصلاة على ثلاثة أقسام:
أركان، وأبعاض، وهيئات، فالأركان تركها عمدًا أو سهوًا يمنع الاحتساب بالصلاة، ولا ينجبر بسجود السهو.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
وأما الأبعاض، كالقنوت والتشهد الأول، والصلاة على النبي ﵇ في التشهد الأول على مذهبه الجديد، إذا تركها ساهيًا ينجبر بسجود السهو، ولو تركه عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كلما كان تركه ساهيًا يقتضي سجود السهو، ففي تركه عامدًا وجهان:
أحدهما: يقضيه؛ لأن العمد فوق السهو، فكان أولى بإلزام سجود السهو، والثاني: لا يقضية، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا السجود إنما أضيف إلى السهو، لا لاختصاصه به، لكن لأن السهو هو يقع غالبًا، فإن المصلي لا يتعمد ترك جزء من الصلاة، فأضيف إلى ما يقع من موجباته في الغالب.
وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني، إن قلنا: هي واجبة، لا ينجبر بسجود السهو.
وإن قلنا: هي مسنونة، فتنجبر بسجود السهو، كالصلاة على النبي ﵇ في التشهد الأول.
وأما الهيئات، فما عدا الأبعاض، والأركان، من التسبيحات وتكبرات الانتقالات، والجهر والإسرار، والتعوذ ودعاء الاستفتاح، وهيئة اليدين في الرفع والوضع، وغيرها، فلا يقتضي ترك شيء منها سجود السهو عمدًا أو سهوًا.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك قراءة السورة ساهيًا، يلزمه سجود السهو.
قال القاضي ﵁: والذي أختاره: أن ترك السورة يقتضي سجود السهو، لأن هذه سنة مؤكدة، ولعلها آكد من القنوت، والتشهد الأول.
وقال ﵇: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
ومن سار إلى أن تركها لا يقتضي السجود، سار إليه لظاهر قول الشافعي
[ ٢ / ٨٩٦ ]
﵀: ولا سجود إلا في عمل البدن، وهو مؤول على حسب ما يبين على أن هذا مما ينطلق عليه اسم العمل، غير أنه عمل اللسان، والعمل قسمان: عمل اللسان، وعمل الأركان، وإذا جهر في صلاة السر، أو أسر في صلاة الجهر، لم يلزمه سجود السهو عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا جهر في السر، لزمه سجود السهو، ثم منهم من قال: إنما يلزمه السجود، إذا جهر بقدر ثلاث آيات.
ومنهم من قال: بقدر آية واحدة.
ومنهم من قال: إذا جهر بأكثر القراءة، يلزمه السجود، وإلا فلا، فإذا أسره في الجهر، وافقنا على أنه لا يسجد للسهو، وربما يقولون: إذا أسر بالأكثر، أو بثلاث آيات، يلزمه سجود السهو، ولو ترك تكبيرات العيد، لا يلزمه سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: يلزمه، كالسورة.
فأما قوله: ولا سجود إلا في عمل البد.
قيل: أخل المزني فيه؛ إذ هو مدخول عليه طردًا وعكسًا؛ لأن الالتفات اليسير في الصلاة، من جملة العمل ولا يقتضي سجود السهو، والكلام والسلام ناسيًا من الأقوال دون الأعمال، لم يقتض سجود السهو، وإنما علل الشافعي ﵀ بهذا التعليل في مسألة أخرى، وهي أن رجلا كان في التشهد، فشك أنه في التشهد الأول أو الثاني، ثم بعد أن أتى بجزء من التشهد أو به كل، تذكر حقيقة الحال.
قال الشافعي: لا يلزمه السجود، لأنها فكرة فكرها، ولم يعمل عمل البدن.
وقد ذكرنا: أنه لا سجود في الفكرة في الصلاة، والمستحب للمصلي أن
[ ٢ / ٨٩٧ ]
يتفكر في مفرده فحسب، فلو تفكر في أمور الآخرة، فلا بأس، ولو تفكر في أمور الدنيا يكره له ذلك، ويخاف أن يحرم فضيلة الجماعة، لما روى عن النبي ﷺ، أنه قال: لا صلاة لأمريء، لا يحضر قلبه فيها.
قال المزني: وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم، فإن كان قريبًا، أعادهما وسلم، وإن تطاول ذلك، لم يعد.
قال القاضي حسين: إذا ترك سجدتي السهو، فسلم ثانيًا، إن كان الفصل يسيرًا، عاد وأتى بهما، وإن طال الفصل، أو سلم عامدًا، والفصل قريب، فهل يعود ليأتي بهما؟
ففي الجديد: لا يعود، وفي القديم: يعود.
وجه قول القديم: هو أنه جبران العبادة، فجاز أن يتراخي فيها، كالجبرانات في الحج.
ووجه قول الجديد: هو أن سجود السهو جزء من الصلاة، فلا يتراخي عن الصلاة، لأن الصلاة مرتبط بعضها بالعبض بخلاف الحج، ومثل هذين القولين القولان: فيما لو ترك ركنًا من اركان الصلاة ناسيًا، ثم ذكر بعد السلام وطول الفصل.
أحدهما: يستأنف
والثاني: يبني، فيعود إلى الموضع المتروك، ويأتي به وبما بعده، ومن أصحابنا من قال القولان في سجدتي السهو.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
فأما إذا ترك ركنًا ناسيًا، ثم طال الفصل بعد السلام، يستأنف الصلاة قولا واحدًا.
والفرق أن سجود السهو تتم الصلاة دوه؛ لأنه ليس بفرض، وإنما هو سنة، بخلاف الأركان، ثم في الموضع الذي يعود يسجدهما، هل يعود حكم الصلاة؟
فوجهان:
أحدهما: يعود حكم الصلاة، ويلغو السلام، لأنه جزء من الصلاة، فلا يتأدى خارج الصلاة.
فعلى هذا: لو تكلم عامدًا، أو أحدث، تبطل صلاته، وأيضًا لا يحتاج إلى التكبير، ولا يعير التشهد بعد ما سجد، وأنه لو كان في الجمعة وخرج الوقت، أو كان مسافرًا ونوى الاتمام أو الإقامة، في هذا الوقت يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: لا يعود حكم الصلاة؛ لأنه تحلل منها، والصلاة تتم دونه. فعلى هذا: لو تكلم أو أحدث لا تبطل صلاته، وهل يحتاج إلى التشهد؟ فعلى هذين الوجهين:
إن قلنا: عاد حكم الصلاة، لا يحتاج إلى التشهد، لأنا ألغينا السلام، فيجتزيء بالتشهد السابق.
وإن قلنا: لا يعود حكم الصلاة تشهد، لأن التشهد المفعول في الصلاة وقع للصلاة، فلا يتأدى به تشهد السجدتين للسهو، أو لا يسجد سجدتي السهو ثم يتشهد.
نص الشافعي ﵀: على أنه، لو سجدهما قبل السلام، أجزاه التشهد، الأول، ولو سجدهما بعد السلام، تشهد لهما.
واختلف أصحابنا في هذا النص:
[ ٢ / ٨٩٩ ]
فمنهم من قال: إنما قصد الشافعي ﵀ بهذا بيان حكم هذه المسألة على أصله، فعلى هذا التشهد لسجدتي السهو بعد السلام منصوص عليه.
ومنهم من قال: إنما هذا على أصل الغير، وهو أبو حنيفة، ومالك في السهو، للزيادة، فعلى هذا لا يتشهد لهما.
فرع
قد ذكرنا: أن اقتداء الشافعي بالحنفي جائز على مذهب القفال ﵀، وإن لم يقرأ الفاتحة فلو ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال عن الركوع، لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأن هذا في ظاهر الأفعال، بخلاف القراءة.
قال المزني: ومن سها خلف إمامه، فلا سجود عليه، وإن سها إمامه، سجد معه، فإن لم يسجد إمامه، سجد من خلفه، فإن كان قد سبقه إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء؛ اتباعًا لإمامه، لا لما سها من صلاته.
قال المزني: القياس على أصله أنه إنما أسجد معه ما ليس من فرضي، فيما أدركت معه، اتباعًا لفعله، فإذا لم يفعل، سقط عني اتباعه، وكل يصلي عن نفسه.
قال المزني: سمعت الشافعي ﵀، يقول: إذا كانت سجدتا السهو بعد التسليم، تشهد لهما، وإذا كانتا قبل التسليم، أجزأه التشهد الأول.
قال الشافعي: فإذا تكلم عامدًا، بطلت صلاته وإن تكلم ساهيًا، بنى، وسجد للسهو، لأن أبا هريرة ﵁ روى عن رسول الله ﷺ أنه تكلم بالمدينة ساهيًا، فبنى وكان ذلك دليلا على ما روى ابن مسعود، من نهيه عن الكلام، في الصلاة بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وذلك قبل الهجرة، وأن ذلك على العمد.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
قال الشافعي: وأحب سجود الشكر، ويسجد الراكب إيماء، والماشي على الأرض، ويرفع يديه حذو منكبيه، إذا كبر، ولا يسجد إلا طاهرًا.
قال المزني: وروى عن النبي ﷺ أنه رأي نغاشًا، فسجد شكرًا لله، وسجد أبو بكر، حين بلغة فتح اليمامة، شكرًا.
قال المزني: النغاش: الناقص الخلق.
قال القاضي حسين: هو كما قال، لقوله ﵇: الأئمة ضمناء، ومن شأن الضامن التحمل عن المضمون عنه، فيحمل عنه سجود السهو، ولو سها إمامه، لزمه سجود السهو، وإنما ذلك، لأن على المأموم متابعة الإمام في الصلاة بكل حال، فإذا انفرد الامام بسهو، سجدهما متابعة له، فإذا انفرد هو به، تركهما متابعة له، هذا كما أن المأموم لو قرأ آية السجود لا يسجد، ولو قرأ إمامه سجدهما متابعة له.
والمعنى في أن المأموم إذا انفرد بالسهو، لم يلزمه سجود السهو، أنه يلزمه ذلك بسبب إمامه، فيحمل عنه إمامه، بخلاف القراءة، ثم عندنا لا فرق بين أن يسجد الإمام لسهوه، أو يتركه، في أن على المأموم سجود السهو، لأن سهوه أوقع خللًا في صلاته، ثم إنما يسجد إذا تركها إمامه بعد سلام الامام والخروج من صلاته.
وقال المزني، والبويطي، لا يلزمه سجود السهو، إذا تركه إمامه، واحتجا بأن المأموم، إنما كان سجدهما تبعًا للإمام، فإذا لم يسجد المتبوع لم يسجد التابع وهذا كما أن الإمام لو ترك التشهد الأول، لا يأتي به المأموم، بل يتابعه في تركه وإذا ترك سجود التلاوة، تركه المأموم أيضًا، متابعة له، وهذا لا يصح، لأن سهوه أوقع خللا في صلاته، وإذا خرج عن صلاة الإمام كان عليه
[ ٢ / ٩٠١ ]
جبر ما وقع فيها من الخلل، كما لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ لا يكلف المأموم ترك قوله، وليس كما لو قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد، لأنا لو قلنا: يتخلف المأموم عنه، لكان التشهد أدني إلى المخالفة المتفاحشة، وفيما نحن فيه، لا يؤدي إلى ذلك، لأنه يسجدهما بعد الخروج عن صلاة الإمام.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
فصل
الإمام إذا سها في صلاته سهوًا، يلزم به سجود السهو، فسها عن سجود السهو، ففيه أربع مسائل:
إحداهما: أنه سلم جاهلا بأن عليه سجود السهو، فقبل أن يسلم المأموم تذكر وعاد إلى الصلاة، وسجد سجدتي السهو، فهل يجب على المأموم أن يتابعه أم لا؟
يبني على الوجهين في أن الإمام هل عاد إلى حكم الصلاة ام لا؟
إن قلنا: عاد إلى حكم الصلاة لزمه متابعته، وإلا فهو يسجد ويسلم، ولا يتابعه.
الثانية: سلم الإمام جاهلًا بسجود السهو، والمأموم اشتغل بسجود السهو، فلما سجد المأموم، تذكر الإمام بأن عليه سجود السهو، عاد وسجد، فوجه واحد: أنه لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأنه لو تابعه يؤدي إلى زيادة سجدة، ولأنه لما اشتغل بالسجود، صار قاطعًا نفسه عن صلاته.
الثالثة: لما سلم الإمام، سلم المأموم عامدًا، أو ذاكرًا لسهوه، ثم الإمام عاد وسجد لا يلزمه متابعته.
الرابعة: سلما جاهلين، ثم تذكر، هل يجب عليه أن يتابعه، فعلى الوجهين.
فرع
لو سلم المسبوق مع إمامه ساهيًا، فتذكر، فإنه يلزمه سجود السهو، لأنه سها، ولم يكن خلف إمامه، لأنه خرج من الصلاة ولو سلم إمامه، فعليه أن
[ ٢ / ٩٠٣ ]
يقوم في الحال، فلو لم يقم في الحال، وقد سلَّم إمامه بطول الدعاء نُظر: إن لم يكن محل تشهده بأن أدركه في الركعة الثانية، أو في الرابعة، بطلت صلاته، لأنه قعد في محل القيام، وإن كان محلُّ تشهده، لا تبطل صلاته.
فرع
الإمام إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به، نظر إن كان عالمًا.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة، بل تنعقد منفردًا.
وقال القفال ﵀: تنعقد صلاته بالجماعة، لأن قيامه إلى الخامسة، لم يخرجه من الصلاة، فانعقد تحريمه خلفه، إلا أنه لا يتابعه في شيء، وإن كان جاهلا بحال الإمام، واقتدى به وتابعه، تحسب له تلك الركعة، ولو أدركه في الركوع، لا تحسب له تلك الركعة، لانعدام القراءة منها، ولكونه غير محسوب للإمام حتى يتحمل ذلك عنه.
فعلى هذا، لو كان في صلاة الجنازة، فجاء مسبوق، واقتدى به في صلاة الفرض.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة.
وعند الشيخ ﵀: تنعقد، ولا يتابعه، حتى لو كبَّر ثانيًا، لا يكبر، وكذا لو اقتدى به، وهو في سجود التلاوة، على هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب.
فرع
إمام نسي الفاتحة، وهوى إلى الركوع، فلا يجوز له أن يركع معه، بل يقوم قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ثم يتابعه، فإذا سَلَّم إمامه،
[ ٢ / ٩٠٤ ]
قام وقضى لنفسه ركعة، وفي صلاة السر، إمَّا الظهر أو العصر، أو في الآخرتين من العشاء، أو في الثالثة من المغرب، لو سجد إمامه في خلال القراءة، ترك الركوع، وهوى إلى السجود، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، ثم إن عاد إلى القيام فذاك، وإن لم يُعده، وانتقل إلى السجدة الثانية، حينئذ هو بالخيار:
إما ان يصير قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، وهوي إلى الركوع، فيتابعه، ولا يخرج نفسه عن متابعته.
وبمثله: لو قام إمامه إلى الخامسة، لا يتابعه بحال، ولا يحمل ذلك على أن إمامه، ربما ترك الفاتحة في ركعة ما، والان تذكرها يريد أن يقضيها، لأنه لو تحقق ذلك، ليس عليه أن يتابعه، لأنه قرأ الفاتحة في أربع ركعات.
فإن قيل: لو كان مسبوقًا بركعة، هل عليه أن يتابعه؟
ويحمل ذلك على أن إمامه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك المأموم بأنه، هل قرأ الفاتحة في ركعة، عليه قضاء ركعة، إن سلم إمامه عن أربعة، هل عليه أن يتابعه؟
قال القاضي ﵀: ليس عليه أن يتابعه، لأن ما عليه من الصلاة الواجبة، عليه فعلها وقضاؤها منفردًا، لا مع الامام، فلو صلى صلاة مع الامام إلى آخرها، ثم سجد الامام سجدة قبل السلام، فإنه يتابعه، ويحمله على أنه وقع له سهو في الصلاة، ويسجد له، ثم إن سجد سجدة أخرى فذاك، وإن لم يسجد سجدة أخرى، فالمأموم يأتي بسجدة أخرى، ويحمل على أن الامام نسي السجدة الأخرى،
فرع
منفرد تكلم ناسيًا في صلاة الصبح، ففي آخر الصلاة، نسي أنه تكلم ناسيًا، أو شك أنه قنت أم لا؟
[ ٢ / ٩٠٥ ]
سجد سجدتي السهو لأجل ترك القنوت، ثم لو تذكر أنه قد قنت، أو تذكر أنه تكلم ناسيًا.
قال: عليه أن يسجد سجدتي السهو ثانيًا، لأنه أتى بالجبران عما هو مجبور، لم يدخل عليه قفص، ولم يأت بالجبران عما هو محتاج إلى الجبر.
وفيه وجه آخر: أنه لا ياتي به ثانيًا.
فرع
رجل كبر، وشرع في الصلاة، فنسي أنه كبر، فكبر ثانيًا، بنية الافتتاح، لم تبطل صلاته، لأنه ساه.
فرع
مأموم في التشهد تيقن أنه ترك الفاتحة في ركعة من صلاته، فإذا سلم الإمام قام، وأضاف إليها ركعة أخرى، لا يلزمه سجود السهو، لأن السهو بترك الفاتحة في محلها، وقع خلف الامام، فتحمله الامام عنه، ولو شك هل ترك الفاتحة في ركعة أم لا؟
فإذا سلم الإمام، يقوم ويصلي ركعة أخرى، كما في المسألة الأولى، وهل يلزمه سجود السهو؟
قال ﵁: كنت أقول: في الأول يلزمه سجود السهو؛ لأن ما يأتي به بعد خروجه من صلاة الامام، زيادة منه في الصلاة، فيلزمه سجود السهو، كالمسبوق، إذا سها في قضاء ما فاته من الصلاة، يلزمه سجود السهو، لأن هذه التي يفعلها بعد سلام الامام صادرة عن تشكيك وترديد في حالة، هو فيها غير مؤاخذ بالسهو، فلم يقتض سجود السهو اعتبارًا بالحالة التي صدر الشك عنها،
[ ٢ / ٩٠٦ ]
بخلاف المنفرد إذا فعل ما هو زيادة منه في أحد محتمليه، لأنه صادر عن تشكيك في حالة، هو مؤاخذ فيها بالسهو، ولو أن مأمومًا سلم إمامه، ثم شك، هل ترك التشهد أم لا؟ قرأه ولا سجود عليه.
لأن أقضى ما فيه، أنه كرر قراءة التشهد، وتكرير قراءة التشهد، لا يقتضي سجود السهو، وكذا إذا قرأ التشهد مرة أخرى، ولو سها في قراءة هذا التشهد بعد سلام الإمام، أو طال الدعاء والثناء فيه، فسها فيه، سجدهما، لأنه سهو وقع بعد خروجه من صلاة الامام، هذا كله إذا لم يكن سلم مع الامام، فإن سلم مع الامام، ثم شك، هل قرأ التشهد أم لا؟
فعليه سجود السهو، لأن سلامه سهو منه في صلاته، لأن محله بعد قراءة التشهد، وقد أتى به قبلها، فكان سهوًا، ولم يتحمل عنه الامام، لأنه وقع بعد سلام الإمام، ولو أن مأمومًا قدر أن إمامه سلم فسلم، ثم بان أنه لم يسلم فعليه أن يسلم مرة أخرى، ولا يلزمه السجود، لأنه سها خلف الامام ولو أن مسبوقًا قدر أن إمامه سلم، فقام مشتغلا بالقضاء، فقضى ركعة، ثم بان أن إمامه لم يكن سلم، لم تحتسب له هذه الركعة، لأنه قضى الغائب في حالة لم يكن قضاه، لأنه إنما يجوز قضاء الغائب للمسبوق بعد سلام الامام بخلاف ما لو اقتدى بإمام، قام إلى الخامسة ساهيا، وهو جاهل بالحال، فتابعه في تلك الركعة يحتسب له بها، لأنه صلى ركعة متابعًا لإمامه، فحسب له عن الفرض، وإن كان قد سها إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء المسبوق، إذا سها إمامه، فلا يخلو إما أن يكون قد سها قبل إدراكه صلاته او بعده، فإن سها بعد أن أدرك صلاته فسجد سجدتي السهو في آخر صلاة الامام معه متابعة له، في ظاهر المذهب.
وقيل: لا يسجد لهما، لأنهما ليستا بمحسوبتين له، ثم إذا قضى ركعته، هل يلزمه قضاء السجدتين؟
فعلى قولين:
[ ٢ / ٩٠٧ ]
أحدهما: بلى؛ لأنهما ليستا بمحسوبتين له، لأن سهو سجود السهو إنما يحتسب في آخر الصلاة.
والثاني: لا، لأنه إنما لزمه سجود السهو في الصصلاة متابعة له، وإن كان قد سها قبل إدراكه في فعلها في آخر صلاة الإمام على ما بيناه، والقضاء بعد قضاء الفائت مرتب على المسألة الأولى.
إن قلنا: هناك لا يقضيهما، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن السهو في المسألة الأولى وقع وهو مقتد به، فأوقع خللا في صلاته، فلزمه السجود في محله، وفي هذه المسألة وقع وهو غير مقتد به، فلم يقع خلل في صلاته، لكنه أمر بها، متابعة له، وقد أتى بها في آخر صلاة الإمام متابعة، فلا معنى لإيجاب القضاء عليه ثانيًا.
وإنما سجدهما بعد القضاء، اتباعًا لإمامه، لا لما بقي من صلاة.
منهم من قال: أخل المزني ها هنا في النقل؛ لأن هذا التعليل لا يلائم الحكم، إذ ليس في سجودهما بعد قضاء الفائت متابعة للإمام، بل هو لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإنما قال الشافعي ﵀ هذا في مسألة أخرى وهو أن المسبوق إذا سجد للسهو مع الامام، ثم سها في القضاء، يلزمه سجود السهو في آخر الصلاة؛ لأن ما أتى به من سجود السهو مع الإمام، كان لاتباع الإمام لا لما بقي عليه من فرض الصلاة، فلم يجبر الخلل الذي وقع في بقية الصلاة.
ومنهم من قال: النقل صحيح، والقصد منه أن يسجدهما بعد القضاء، ولا يقتصر عليهما في آخر صلاة الامام، لأنه فعلهما اتباعا له، لا لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإن تكلم عامدًا بطلت صلاته، وقد ذكرنا حكمه، واحتج ها هنا بحديث ذي اليدين، على أن كلام الشافعي لا يبطل الصلاة، وحل حديث ابن مسعود على العمد، لأنه وقع بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وسلم على النبي ﷺ
[ ٢ / ٩٠٨ ]
في الصلاة، فقال له بعد أن سلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث: ألا تكلموا في الصلاة.
وقصة ذي اليدين وقعت بـ (المدينة)، والمتأخر يقضي على المتقدم.
روى أن: رسول الله ﷺ، رأى نعاشيًا، فسجد شكرا لله.
السجدات المشروعة، على أربعة أقسام.
سجدة في صلب الصلاة وهي واجبة كما بينا، وسجدة السهو، وسجدة التلاوة، وهما ليستا بواجبتين عندنا.
وقد حكينا عن أبي حنيقة في سجود التلاوة.
وخالفنا أيضا في سجود السهو.
فقال: هو واجب، وربما يقولون: هو مذهب أبي يوسف.
فأما عند أبي حنيفة: فلا يجب.
لنا أن سجود السهو سجود لعارض أمر، فلا يجب كسجود الشكر.
والنوع الرابع: هو سجود الشكر، وهو عندنا مستحب، وعند أبي حنيفة بدعة، وسجود الشكر، هو أن يتجدد له نعمة طالما كان يتوقعها، أو يرقبها أو تكشف عنه بلية، طالما كان فيها، ويتوقع انكشافها، فسجد شكرا لله تعالى.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
والدليل على أنه مشروع ما روى أنه ﵇ رأى نعاشيًا، فسجد شكرًا لله تعالى.
والنعاشي قيل: ناقص الخلقة.
وقيل: هو مختلط العقل.
وروى انه ﵇ سجد فأطال السجود فلما رفع رأسه قيل له: أطلت السجود يا رسول الله فقال أتاني جبريل، وبشرني بأنك أول الأنبياء دخولا في الجنة، وإن أمتك أول الأمم دخولا في الجنة، وأنه يدخل من أمتك سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألف في الجنة بغير حساب فسجدت شكرًا لله تعالى.
فقيل: من هم يا رسول الله فقال ﵇: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
وروى: أنا أبا بكر لما بلغه فتح اليمامة، وقتل مسيلمة الكذاب، سجد شكرًا لله تعالى.
وروى أن عليا ﵁ لما بلغه قتل ذي الثدية سجد شكرا لله تعالى ثم لا يخلو إما ان يكون هذا السجود لسب فيه أو في غيره، فإن كان بسبب فيه، مثل إن بشر بمولود، أو قدوم غائب، أو شفاء مريض، أو غيرها من حدوث النعم، وانكشاف البلايا، فيستحب إظهاره.
وإن كان بسبب في الغير، فلا يخلو إما أن يكون هو معذورًا فيه، مثل أن يرى زمنًا مقعدًا في مخفة، فالمستحب ألا يظهر، لأنه إذا أظهره يدخل في قلبه
[ ٢ / ٩١٠ ]
شيء فلا يأمن من أن يسخط، ويحمل ذلك على كفران بالله تعالى من النعم الجسمية، إلا إذا كان أعمى لا يراه، وإن كان هو غير معذور، مثل أن يرى شريبًا منتهكًا متماديًا في الفسق، والفجور.
فيستحب له أن يظهره لعل ذلك يحمله على التوبة، والإنابة إلى الله تعالى ولا يسجد لجميع النعم، لأن نعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى، لقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وإنما يسجد لنعمة طالما ترقبها كما عددناها، وكل شرط يشترط في سجود التلاوة، من ستر العورة واستقبال القبلة، والطهارة عن النجاسة، والحدث يشترط في سجود الشكر، فإن كان في الصلاة لا يسجد الشكر، وإن كان خارج الصلاة، يستحب أن يقوم، ويكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى السجود ثم يكبر لرفع الرأس، منه ولا يتشهد على ظاهر المذهب، كما قلنا: في سجود التلاوة، ويجوز فعله على الراحلة بالإيماء، كما يجوز على الأرض ويرفع اليدين حذو المنكبين فيه، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٩١١ ]