الأذان في اللغة: هو الإعلام لقوله تعالى: وأذن في الناس بالحج. أي أعلمهم:
وسمى الأذان أذانًا، لأنه به يعلم الناس أمر مواقيت الصلاة، إذا دعوا إليها، والأصل في الأذا حديث الرؤيا، كان النبي ﷺ مكث بـ مكة، ثلاث عشر سنة، وكان يصلي بلا أذان، ولا إقامة، ولا جمعة ولا جماعة، وفي
[ ٢ / ٦٣٥ ]
ثلاث سنين منه كان الإسلام مخفيا، وفي عشر سنين كان الإسلام ظاهرًا، فلما هاجروا إلى المدينة، وبنوا المسجد أمروا بالجمعة والجماعة، واشتغل الناس بمكاسبهم، فكانوا لا يشعرون بدخول وقت الصلاة، فاجتمعوا في موضع، وقالوا: ينبغي أن يكون لنا علامة نعرف بها مواقيت الصلاة، وتآمروا في ذلك زمانًا.
فقال بعضهم: ندجن بالنهار، ونوقد بالليل، فقالوا: لانريد هذا، لأن هذا علامة المجوس، فلا نفعلها في مسجد النبي ﷺ.
وقال بعضهم ننفخ في البوق.
وقال الآخرون تلك علامة اليهود فلا نريدها.
وقال بعضهم نضرب بالناقوس، فقال الآخرون: تلك علامة النصارى فلا نفعلها في مسجد النبي ﷺ فتفرقوا عن ذلك المكان ورجعوا إلى منازلهم، فلما كان من الغد جاء عبد الله بن زيد ب عبد ربه الأنصاري فقال: يا رسول الله إني كنت بين النائم واليقظان، فرأيت ملكًا ينزل من السماء، وبيده ناقوس، وعليه ثياب خضر فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: ما تصنع به، فقلت: ندعوا الناس إلى الصلاة. فقال أفلا أدلك على ما هو خير منه؟ فقلت: نعم، فصعد نشرًا من الأرض، واستقبل القبلة، وقال: الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم استأخر غير بعيد وأقام.
وفي رواية: وأقام مثل ذلك.
قال: فبينما نحن كذلك حتى جاء عمر ﵁ مسرعًا، وكا يجر رداءه، وقال يا رسول الله والله بعثك بالحق نبيا لقد رأيت في المنام مثل ما أرى هذا الرجل ثم اجتمع على ذلك بضعة عشر نفرًا من أصحاب النبي ﷺ كلهم يذكر مثل ذلك الرؤيا لنفسه، فلما دخل وقت الظهر، قال النبي ﷺ لعبد الله: قم وألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
فقال: ائذن يا رسول الله حتى أؤذن مرة، فأذن له في ذلك فأذن، فكان أول من أذن في الإسلام عبد الله بن زيد.
قال المزني: قال الشافعي: ولا أحب للرجل أن يكون في أذانه وإقامته إلا مستقبلا القبلة.
ال القاضي حسين: السنة في الأذان والإقامة أن يكون المؤذن مستقبل القبلة، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: خير المجالس ما استقبلت به القبلة. ولو ترك ذلك أساء ويجزئه.
فأما الخطبة: السنة فيها أن يستدبر القبلة، ويستقبل الناس، لأنها إعلام للحاضرين دون الغائبين.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
فلو أنه استقبل القبلة فيها، واستدبر الناس، فيه وجهان:
أحدهما: يصح كما في الأذان فترك السنة.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يحصل به الإعلام، وفيه ترك الأدب جدًا.
قال المزني: لا تزول قدماه، ولا وجهه عنها، ويقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
قال القاضي حسين: المستحب له ألا يلتوي في الأذان يمينا وشمالا، إلا أنه يلوي شق وجهه في الحيعلتين على ما سنذكره، ولا تزيل القدمين عن مكانهما، سواء كان في المئذنة، أو على وجه الأرض.
وقال أبو حنيفة: إن كان على المئذنة يدور حولها.
والدليل عليه ما روى سويد بن غفلة عن بلال انه قال أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذنا، أو أقمنا أن نستقبل القبلة، ولا نزيل أقدامنا عن مواضعها.
قال المزني: ثم يرجع فيمد صوته، فيقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حتى على الفلاح، حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
واحتج بأن رسول الله ﷺ علم أبا محذورة مثل هذا الأذان.
قال القاضي حسين: الترجيع في الأذان أن يقول:
أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، يختص بهما صوته، بحيث يسمع أهل المسجد فحسب، ثم يرفع صوته، ويمده مدًا ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ مرتين، بصوت عال، بحيث يسمع جميع أهل المحلة.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
فلو ترك الترجيع اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: يستأنف الأذان.
ومنهم من قال: يصح الأذان.
ونقل أحمد، والبيهقي عن الإمام الشافعي أنه قال: لو ترك الترجيع لا يصح أذانه.
وفيه إشكال؛ لأنه أتى بأصل الأذان فوجب أن يصح، كما لو ترك التكبيرات السبع والخمس في صلاة العيدين، فإنه تصح تلك الصلاة.
وقال أبو حنيفة: الترجيع بدعة.
يدل عليه ما روى الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبي محذورة عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز أخي أبي محذورة، قال: كنت في حجر عمي أبي محذورة، فقلت له: يا عماه، إني خارج (إلى الشام)، وإني أسأل عن تأذينك في عهد رسول الله ﷺ، فأخبرني عن تأذينك في عهد النبي ﷺ فقال: إني كنت عاشر عشرة من الصبيان، إذ قفل النبي ﷺ من (حنين)، ونزل في الأبطح في قبة من أدم، فخرج بلال وأذن للصلاة، فكنا نستهزئ به، ونصرخ، ونحكي الأذان، فقال النبي ﷺ، على بهم، فما لبثنا، إذ وقفنا بين يدي النبي ﷺ وقال: من الذي سمعت منكم صوته عالبًا، فأشاروا إلى جهتي وصدقوا فيه، فحبسني النبي ﷺ وأرسلهم، ثم قال لي: قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم ارجع وامدد صوتك، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمدًا رسول الله مرتين)، قال: فرجعت، ومددت صوتي حتى كاد أن ينفلق صدري،
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أو أعضائي إلى آخر الأذان، فلم يكن أحد أبغض إلي في ذلك الوقت من رسول الله ﷺ، ولا كلمات أبغض إلي من كلات يلقنيها، ثم وضع النبي ﷺ يده على رأسي، وأمرها على صدرها، فلما بلغت يده صدري انقلب، ذلك البغض محبة، فلم يكن أحد في ذلك الوقت أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا كلمات أحب إلي من تلك الكلمات التي يلقنيها، ثم رمي إلي صرة فيها شيء من الفضة.
فقلت: يا رسول لله ولني تأذين مكة، فكتب كتابًا إلى عتاب بن أسيد، وهو أمير مكة بذلك قال: وكان يرجع في الأذان، وكذلك أولاده توارثوا ذلك عنه خلفهم عن سلفهم.
وقال الشافعي ﵀: رأيت من أولاد أبي محذورة بمكة، من يرجع في الأذان حتى خرج أبو طالب المعدي الملون وغير ذلك.
قال المزني: ويلتوي في حي على الصلاة حي على الفلاح، يمينًا وشمالًا، ليسمع النواحي.
قال القاضي حسين: السنة أن يلوي شدقه في الحيعلتين يمينًا وشمالًا، ولا يلوي نفسه عن القبلة، وإنما يكون يلوي شق وجهه.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وفي كيفيته وجهان مستنبطان من هذا النص:
أحدهما: أنه يلتوي في حيعلتي الصلاة يمينًا، وفي حيعلتي الفلاح شمالًا، وفي وجه يلتوي في الأولى من حي على الصلاة يمينًا، وفي الثانية شمالًا، وفي الأولى من حي على الفلاح يمينًا، وفي الثانية شمالًا.
والفرق بينه وبين الشهادتين أن ذاك خطاب مع الآدميين، وسائر الكلمات محض ذكر الله تعالى، فلا يجوز ترك الاستقبال فيها، كالسلام في الصلاة مع سائر الأذكار.
فأما في الخطبة لا يشرع فيها الالتواء يمينًا وشمالًا، لأن ذلك خطاب وإعلام للحاضرين، وليس من الأدب في الخطاب مع الحاضرين أن يلوي وجهه عنهم بخلاف الأذان والإقامة، فإنه خطاب وإعلام للغائبين، فإذا ولي شدقه، فيكون أبلغ في الإعلام.
والدليل على أنه سنة في الأذان ما روى عن بلال أنه كان يلوي شدقه في أذانه يمينًا وشمالًا إذا بلغ حي على الصلاة حيَّ على الفلاح.
[ ٢ / ٦٤١ ]
فرع
الصبي العاقل إذا أذن يحتسب أذانه، والمرأة إذا أذنت لا يحتسب أذانها، والفرق بينهما أن المرأة لا يشرع الأذان ولا يسن لها الأذان.
وأما الصبي فهو من أهل الأذان، ومن جنس من يشرع الأذان في حقهم.
فأما البالغ إذا أذن قائمًا فلم يرفع صوته، فإنه لا يصح، لأن المقصود منه الإعلام، ولم يحصل المقصود به، ولو أذن قاعدًا، ترك السنة ويجزئه.
ولو أذن مضطجعًا فيه وجهان، كما لو صلى النافلة مضطجعًا فيه وجهان، قال المزني: وحسن أن يضع أصبعيه في أذنيه.
قال القاضي حسين: المستحب للمؤذن أن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه، لأن ذلك أطن للصوت وأجمع لخروج الصوت العالي.
فإن قيل: إنكم لا تقولون بالاستحسان، والشافعي ﵀، قال بالاستحسان في أربعة مواضع:
[ ٢ / ٦٤٢ ]
أحدها: هذا.
والثاني: قال إرسال ابن المسيب حسن.
والثالث: قال: أستحسن المتعة بثلاثين درهما.
والرابع: قال: رأيت في الحكام من يستحلف على المصحف، وذاك عندي حسن.
قلنا: ليس هذا قول مجرد الاستحسان في هذا المواضع، وإنما هذا قول بالاستحسان، وبالدليل معه.
أما في هذا المعنى إنما قال؛ لأن المقصود من الأذان هو الإعلام، وإذا وضع أصبعيه في أذنيه، فيكون ذلك أبلغ في الإعلام.
وإنما قال في إرسال ابن المسيب: حسن؛ لأنه ما من حديث أرسله ابن المسيب إلا وجده مسندًا من غيره، ولهذا قال: فتشت مراسيل ابن المسيب فوجدت كلها مسانيد.
وأما في المتعة، إنما قال ذلك المعنى، وهو أن الزوج يوحشها بالطلاق، فقدر المتعة بثلاثين درهما في مقابلة ما يوحشها، كي يرضيها بذلك.
وأما في باب الأيمان فإنه قال بالاستحسان لمعنى مقترن به، وهو أن الأيمان إنما شرعت للردع والزجر، فإذا وقعت بالمصحف، فيكون ذلك أبلغ في الردع والزجر.
قال المزني: ويكون على طهرٍ.
قال القاضي حسين: المستحب أن يكون المؤذن متطهرًا، لأن الأذان دعاء إلى الصلاة ومشروع لها، وهو حث على حضورها فأقل ما فيه أن يكون الداعي متهيئًا لها صالحًا لأدائها، ليحسن منه الدعاء إليها.
ولأنه قيل: إن السُّنة للمؤذن أن يصلي ركعتين بعد فراغه من الأذان، وإنما
[ ٢ / ٦٤٤ ]
يتهيأ له ذلك، إذا كان متطهرًا حال الأذان، ويدل عليه قوله تعالى: (ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله).
أي: أذن، وقوله: صالحًا يعني: صلى ركعتين عقيبه، هكذا ورد في التفسير والله أعلم بالصواب.
قال المزني: فإن أذن جنبًا، كرهته، وأجزأه.
قال القاضي حسين: أذان الجنب يقع موقعه، إلا أنه مكروه إن كان خارج المسجد، وإن كان في المسجد أيضًا يقع موقعه، إلا أنه يأثم بالمكث في المسجد، وقال في (الكبير): وأنا للأذان جنبًا أكره مني للأذان محدثًا، وأنا للإقامة محدثًا أكره مني للأذان محدثًا، وإنما كانت في الجنابة أكثر، لأن أمر الجنب أغلظ من أمر المحدث، لأنه يحرم اشياء لا يحرمها المحدث، ولا ترتفع إلا بالغسل، فربما يطول الفصل بينه وبين الإقامة، وإنما كانت الكراهية في الإقامة من المحدث أكثر، لأن الإقامة يعقبها عقد الصلاة، وهو إذا كانت محدثًا لا يمكنه عقد الصلاة مع الناس، فلو انتظره الإمام شق ذلك عليه وعلي الناس، ولو تركه يظن الناس به ظن السوء، ويتهمونه في دينه.
قال المزني: وأحب رفع الصوت؛ لأمر رسول الله ﷺ به.
قال القاضي حسين: لما ذكرنا أنه شرع للإعلام، يدل عليه ما روى عن النبي
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ﷺ أنه قال لأبي سعيد الخدري، إني أراك رجلا تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو في باديتك، ودخل عليك وقت الصلاة، قم وأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع صوتك حجر ولا مدر إلا ويشهد لك به يوم القيامة.
والدليل عليه: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: يغفر للمؤذن مد صوته
قيل في تفسيره: إنه إذا مدَّ صوته، فكل من يسمعه يستغفر له، فيغفر له بسببه، وقيل: معناه: إنه إذا مده صوته مدت له الرحمة بقدر مد الأذان، والدليل عليه ما روى أن النبي ﷺ أمر عبد الله بن زيد بإلقائه على بلال، لأنه كان أندى صوتًا منه.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
قال المزني: وألا يتكلم في أذانه، فإن تكلم لم يعد.
قال القاضي حسين: إن تكلم في أذانه، وكان يسيرًا، بحيث إنه لم يطل الفصل يبني عليه.
وإن طال الفصل حكمه حكم الإغماء إذا اعتراه في خلال الأذان، وحكمه حكم ما لو أغمي عليه في خلال الخطبة، وفيه قولان:
أحدهما: يبني عليه غيره.
والثاني: لا يبني عليه غيره.
إن قلنا: هناك لا يبني عليه غيره في الخطبة، ففي الأذان أولى.
وإن قلنا: هناك يبني عليه غيره، ففي الأذان وجهان.
والفرق أن في الخطبة لا يؤدي إلى التباس الأمر على الناس، لأن ذاك خطاب للحاضرين بخلاف الأذان، فإنه إذا اختلفت الأصوات التبس الأمر على الناس فيظنونه استهزاء.
فأما إذا أفاق هو، فهل يبني على خطبته أم لا؟
فمرتب على بناء الغير.
إن قلنا: هناك يجوز لغيره البناء، فهو بالبناء عليه أولى، وإلا فوجهان. والفرق أنه يبنى ذلك على كلام نفسه فبناؤه أولى من بناء غيره؛ لأن ذاك أقرب إليه إن قلنا: في الخطبة يبني هو عليه، ففي الأذان يبني، وإلا فلا، وحكم الكلام فيه حكم ما لو أغمي عليه، وقد ذكرنا.
فأما إذا ارتد في الأذان، قال الشافعي: لا يبني هو وغيره عليه.
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان كالأعمى سواء.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
ومنهم من قال: قول واحد أنه لا يبني في الردة؛ لأن الردة تحبط الأعمال المفروغة عنها بخلاف الإغماء، إلا أن هذا لا يصح، لأن عندنا الردة لا تحبط الأعمال، وإنما ذاك مذهب أبي حنيفة، فعلى هذا قوله: لا يبني هو وغيره، إنما أجاب هذا على أحد القولين، أو ذكر على وجه الاستحباب، أو أراد به إذا ذكر بعض الكلمات في حال الردة لا يبني عليه، بل يبني على ما وجد منه من الكلمات في حالة الإسلام
قال المزني: وما فات وقته، أقام ولم يؤذن.
واحتج بأن النبي ﷺ حبس يوم الخندق، حتى بعد المغرب بهوى من الليل، فأمر بلالًا، فأقام لكل صلاة، ولم يؤذن، وجمع بعرفة بأذان وإقامتين، وبمزدلفة بأقامتين، ولم يؤذن فدل على أن من جمع في وقت الأولى منهما، فبأذان، وفي وقت الآخرة، فبأقامة وغير أذن.
قوله: وما فات وقته أقام ولم يؤذن.
قال القاضي حسين: اما إذا فاتته صلاة واحدة لا خلاف أنه يسن له الإقامة، وفي الأذان اختلف قوله فيه.
قال في الجديد: لا يؤذن لها بل يقيم.
وقال في القديم: يؤذن لها ويقيم
وقال في الإملاء: إن رجا اجتماع الناس أذن وأقام، وإلا فلا.
ففي القديم جعل الأذان لحق الفرض، في الجديد لحق الوقت.
وفي الإملاء لحق الجماعة.
ووجه قوله القديم وهو مذهب أبي حنيفة أنها صلاة مفروضة فيؤذن لها كسائر الصلوات.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
ووجه قوله في (الإملاء)، أن الأذان لدعاء الناس وعمارة الجماعات، والفائتة لا يجتمع فيها العامة، فإن رجا اجتاعهم أذن، وإلا فلا.
ووجه قوله الجديد: ما روى أن النبي ﷺ حبس يوم الخندق، حتى فاتته صلاة الظهر والعصر والمغرب، فأمر بلالا أن أقام لكل صلاة، ولم يؤذن وفي رواية أذن للأولى وأقام للبواقي.
والدليل عليه ما روى أن النبي ﷺ كان في بعض الغزوات فأعياهم سير الليل، فقالوا: لو عرست بنا يا رسول الله فقال النبي ﷺ إني أخاف أن يناموا عن صلاة الصبح فمن يكلؤنا، فقال بلال: أنا أكلؤكم، فناموا، واستند بلال إلى رحله، فنام فما أيقظهم إلا حر الشمس، فانتبه من القوم عمر بن الخطاب ﵁ وكان جهوري الصوت، فقال الصلاة الصلاة، فانتبه الناس من صوته، فقال النبي ﷺ ببلا فأتي به، فقال أين ما قلت؟ فقال بلال أخذ بعيني ما أخذ بأعينكم، فقال ﵇: صدق بلال، فإن أنفسنا بيد الله، إن شاء أمسكها، وإن شاء حبسها اخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا فاقتادوا واغير بعيد.
فنزلوا فأمر بلالا بأن أقام للصلاة، دل على أن الأذان لها ليس سنة.
فأما إذا كانت عليه فوائت كثيرة.
ففي قوله الجديد: يقيم لكل واحدة منهن ولا يؤذن.
وفي قوله القديم: يؤذن لها ويقيم للبواقي.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
فأما إذا كان عليه فائتة، ودخل الوقت، وأراد فرض الوقت أذن لها، وأقام، ولم يؤذن للفائتة؛ لأنها مؤداة على أثر فرض الوقت، بل يقيم لها، وإن بدأ بالفائتة، فعلى ما ذكرنا من القولين، فإن أقام لها فإنه يؤذن، ويقيم لفرض الوقت، لأنهما صلاتان، منفردتان لا يتعلق حكم إحداهما بالأخرى.
وفيه وجه آخر: أنه يؤذن لفرض الوقت؛ لأنه يؤدي إلى سبق الإقامة على الأذان.
والصحيح هو الأول؛ لأن الأذان لحق الوقت، ولدعاء الناس إلى الصلاة، والناس يشتركون في فرض الوقت.
فأما في الجمع بين الصلاتين، ينظر فيه إذا نقل العصر إلى الظهر يؤذن للظهر، ويقيم ثم يقيم للعصر، وإن نقل الظهر إلى العصر.
إن قلنا: الترتيب شرط، هل يؤذن للظهر أم لا؟
يترتب على الفائتة، إن قلنا: يؤذن للفائتة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
وإن قلنا: إن الترتيب فيه ليس بشرط يؤذن، ويقيم للعصر، ثم يقيم للظهر. قال المزني: ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة، ولا وحده إلا بأذان وإقامة، فإن لم يفعل، أجزأه.
قال القاضي حسين: المستحب للمنفرد أن يؤذن ويقي، كما إذا صلى بالجماعة.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
والدليل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كان أحدكم بأرض فلاة ودخل عليه وقت الصلاة، فلو صلى بغير أذان ولا إقامة صلى وحده ولو صلى وأقام صلى ومعه ملكاه، ولو صلى بأذان وإقامة صلى معه صف من الملائكة أوله بالمشرق وآخره بالمغرب.
قيل: بأنه أراد به بالمدينة، لأن المدينة على يسار الكعبة، فيصير هناك صف أو له بالمشرق وآخره بالمغرب، وأما في بلادنا هذا لا يتصور ذلك.
وقيل: بأنه اراد به التقدير يعني لو فعل هكذا صلى ومعه صف من الملائكة يبلغ هذا المقدار، قال المزني: وأحب للمراة أن تقيم، فإن لم تفعل أجزأها.
قال القاضي حسين: وأما الأذان لا يستحب لها؛ لأنه شرع فيه رفع الصوت، وليس للمرأة أن ترفع صوتها.
ولهذا قلنا: لا يجوز للمراة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير.
قال المزني: ومن سمع المؤذن، أحببت أن يقول مثل ما يقول إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ قاله، وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر.
[ ٢ / ٦٥١ ]
قال القاضي حسين: المستحب للسماع أن يعيد كلمات الأذان على هيئتها إلا الحيعلتين، فإنه يقول في حي على الصلاة والفلاح، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، لأن ذلك ليس بثناء، بل دعاء مجرد للناس إلى الصلاة، وإذا كان في أذان الصبح، وقال المؤذن: الصلاة خير من النوم، فيقول السامع: صدقت وبررت، وفي كلمتي الإقامة يقول: اللهم أقمها وأدمها، واجعلني من صالح أهلها.
وفي رواية: اقامها الله وأدامها، ما دامت السموات والأرضون.
وإذا فرغ المؤذن من الأذان، فالسنة للسامع أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الدرجة والوسيلة والرفعة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، كي يغبطه الأولون والآخرون، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: من سمع الأذان وقال مثل مقالته وشهد مثل شهادته، فقد حلت له شفاعتي.
وفي رواية: وجبت له شفاعتي، وهذا كله إذا كان خارج الصلاة.
فأما إذا كان في الصلاة.
قال في الجديد: لا يقول شيئًا.
وقال في القديم: يقوله.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
ولا خلاف أنه لا يستحب له إعادة الأذان، وفي (الكبير) قال: يعيدا بعد فراغه من الصلاة، وهل يكره له ذلك في الصلاة أم لا؟
فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لأن حرمة الصلاة تمنعه من أن يدخل فيها غيرها.
والثاني: لا؛ لأنها أذكار، فأشبه سائر الأذكار، وإذا كان يقرأ القرآن فسمع صوت المؤذن، فالمستحب له إعادة الأذان معه، لأن ذاك يفوت، وقراءته القرأن لا تفوت، فعلى هذا إذا أجاب في الصلاة، إن كان في خلال الفاتحة تبطل القراءة، ويستأنف القراءة، ولا تبطل الصلاة، وإن كان في غير الفاتحة، فإنه لا تبطل الصلاة.
ولو قال في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا، فأما إذا قال فيه مثل ما قال المؤذن، إن كان عالمًا بأنه في الصلاة، وأن ذلك خطاب الآدميين تبطل صلاته.
وإن كان جاهلًا بالصلاة لا تبطل.
وإن كان جاهلًا بحكمه ففيه وجهان: إن كان لا تبطل صلاته، فعليه سجدتا السهو، وهكذا لو قال في جواب قوله: الصلاة خير من النوم، صدقت، وبررت بطلت صلاته.
ولو قال: الصلاة خير من النوم هكذا، لأن هذا خطاب مع الآدميين، وإنه كلام وليس بذكر، ولو قال: صدق رسول الله ﷺ لا تبطل صلاته.
ولو قال: قد قامت الصلاة بطلت صلاته، كما لو قال دخل وقت الصلاة.
ولو قال: اقامها الله، أو اللهم أقمها وأدمها لم تبطل صلاته، وهذا لو سلم على المصلي أولا لم يستحق عليه الجواب، ولو فرغ من صلاته لا يلزمه ذلك أيضًا؛ لأنه هو الذي ضيع حقه إذ لم تكن الصلاة محلا للسلام، ولو رد جوابه في الصلاة، إن قال: وعليك السلام، إن كان عالمًا به بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا لم تبطل، ولو قال: وعليه السلام لم تبطل صلاته، لأنه دعاء
[ ٢ / ٦٥٣ ]
له، والصلاة محل الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، وهكذا إذا شمت عاطسًا في الصلاة، إن قال: يرحمك الله بطلت صلاته إن كان عالمًا به، وإلا فلا.
ولو قال: يرحمه الله لم تبطل، ولو رد السلام بإشارة اليد فلا بأس، والله أعلم.
قوله: (وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر).
قال القاضي حسين: وإنما قال ذلك، لأن الأذان لدعاء الناس إلى الصلاة، والناس يكونون مجتمعين، فلا يحتاجون إلى جامع يجمعهم، وأيضًا السفر يؤثر في إسقاط بعض الفرائض، فأثره في التخفيف في باب السنن أظهر.
وقال أبو حنيفة: تركه في الحضر أخف، وعلل بكثرة المؤذنين في الحضر، فترك الأذان فيه لا يتضمن إبطال ما هو من شعار الإسلام، بخلاف السفر وجوابه ما ذكرنا.
قال المزني: والإقامة فرادي، إلا أنه يقول: قد قمات الصلاة، مرتين، وكذلك كان يفعل أبو محذورة مؤذن النبي ﷺ.
قال القاضي حسين: هذا مذهبه في الجديد.
وقال مالك: يوتر كلمات الإقامة حتى التكبير، فإنه يقول في الابتداء، الله أكبر فحسب، وكذا قال في آخره: الله أكبر لا إله إلا الله، ويقول: قد قمات الصلاة مرة واحدة، وبه قال الشافعي في القديم.
وعند أبي حنيفة الإقامة مثني مثني، كالأذان وفيها زيادة كلمتي الإقامة.
والدليل على صحة قولنا ما روى عن ابن عمر، ﵁ أنه قال: كان الآذان على عهد رسول الله ﷺ مثني مثني، والإقامة فرادى إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وروى عن أنس بن مالك، ﵁ أنه قال: ذكر الناس والناقوس، وذكر النصارى والمجوس فأمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
ومن أصحابنا من قال: إن رجع في الأذان، فالسنة أن يثني الإقامة، وإن لم يرجع فيه، فإنه يفرد الإقامة، واحتج فيه بما روى عن أبي محذورة أنه قال: لقنني رسول الله ﷺ كلمات الأذان تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة سبع عشرة كلمة إذا وجدت مثني مثني، والصحيح: أن الإقامة فرادى، سواء رجع في الأذان، أو لم يرجع.
قال المزني: فإن قال قائل: قد أمر بلال بأن يوتر الإقامة.
قيل له: فأنت تثي (الله أكبر، الله أكبر) فتجعلها مرتين.
قال القاضي حسين: منهم من قال: هذا سؤال من مالك على الشافعي.
ومنهم من قال: هذا سؤال من مذهبه القديم على مذهبه الجديد.
وبيانه أن نقول: يوتر الإقامة، ثم نقول في قوله: قد قامت الصلاة مرتين وفي قوله: الله أكبر مرتين، وهذا يكون مثني مثنى.
فأما وأنت تقول: الإقامة فرادي ثم يثني قوله: الله أكبر مرة في أول الإقامة، ومرة في آخرها فما عممت كلمات الإقامة في الإقامة، إلا أن الصحيح أن نقول: أردنا بقولنا الإقامة فرادى، يعني على شطر كلمات الأذان إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وقال المزني: قد قال في القديم: يزيد في أذان الصبح التثويب، وهو: الصلاة خير من النوم، مرتين، ورواه عن بلال مؤذن النبي ﷺ وعن علي ﵁ وكرهه في الجديد، لأن أبا محذورة لم يحكه عن النبي ﷺ.
قال المزني: وقياس قوليه: أن الزيادة أولى به في الأخبار كما أخذ في التشهد بالزيادة، وفي دخول النبي ﷺ البيت بزيادة أنه صلى فيه، وترك من قال: لم يفعل.
قوله: وقال في القديم، ويزيد في صلاة الصبح التثويب.
قال القاضي حسين: التثويب أن يقول المؤذن في أذان الصبح بعد ما قال حي
[ ٢ / ٦٥٥ ]
على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم مرتين، وإنما سمى تثويبًا، لأنه يثوب ويرجع من دعائه للناس إلى الصلاة إلى دعائه للناس إلى الصلاة، لأن قوله: حي على الصلاة دعاء لهم الصلاة، ثم بعد الفرغ عن الحيعلتين عاد إلى عائهم إلى الصلاة بقوله: الصلاة خير من النوم.
وكرهه الشافعي في الجديد، وعلل بأن أبا محذورة لم يحكه، وإنما قال ذلك لأن الشافعي ﵀ اعتمد في الأذان على أذانه، والصحيح أن التثويب مستحب قولا واحدًا؛ لما روى أن النبي ﷺ تأخر عن الصلاة ذات يوم، فجاء بلال إلى حجرته، وقال الصلاة، وفي رواية: الصلاة خير من النوم، فقال له النبي ﷺ، اجعلها في أذان الصبح.
وفي رواية: اجعلوها في أذانكم.
وروى عن علي، ﵁، التثويب، روى أنه كان يقول: حي على خير العمل وبه أخذت الشيعة.
ويحمل قوله في الجديد على أنه لم يبلغه الخبر.
واختار المزني في التثويب: واحتج بأن فيه زيادة، والأخذ بالزيادة في العبادات أولى، ولهذا أخذ الشافعي في التشهد بقول ابن عباس، لأن فيه زيادة، وأخذ.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
بقوله من روى أن النبي ﷺ دخل البيت، وصلى فيه، وترك قول من روى أنه لم يصل فيه، لأن فيه زيادة كذا هذا.
قلنا: الأخذ بالزيادة إنما يكون أولى، إذا كان ذلك الشيء مستترًا مخفيا مستترًا عن الناس كما رويت الخبرين.
فأما إذا كان شائعًا مستفيضًا فيما بين الناس، فلا يكون فيه الأخذ بالزيادة أولى، ألا ترى أنه لو جاء واحد، وأخبر بأن الخطيب قد سقط عن المنبر يوم الجمعة، واندقت عنقه، وكذبه أهل الجماعة لا يقبل قوله باعتبار أن فيه زيادة.
وكذا لو أخبر بأني رأيت الأمير راكبًا على حمار منكوسًا، ويدور عليه في السوق، وكذبه أهل السوق فإنه لا يقبل قوله، فكذا الأذان بمثابته، لأنه يكون على رأس المئذنة، وكان سمعه أكثر الناس، فلا يكون الأخذ بالزيادة، فيه أولى، بل الصحيح ما ذكرنا من تأويل قوله في الابتداء.
قال المزني: وأحب ألا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلا ثقة لإشرافه على الناس.
قال القاضي حسين: ينبغي أن يكون المؤذن عدلا في دينه، وأن يكون ثقة كي يحافظ على الناس أوقات الصلاة، فأما إذا استخف بالأذان بأن يؤذن مرة في أول الوقت، ومرة في آخرة، ومرة خارج الوقت، أو كان جاهلًا بأوقات الصلاة فإنه يعزل ويولي غيره.
وقوله: لإشرافه على الناس، له تأويلان:
[ ٢ / ٦٥٧ ]
أحدهما: على عورات الناس واطلاعه على منازلهم، لأن المستحب أن يؤذن على مكان مرتفع ليحصل به الإعلام، فإذا لم يكن عدلًا ثقة ربما ينظر إلى عورات الناس.
والثاني: أراد به لإشرافه على مواقيت الصلاة، فينبغي أن يكون أمينًا لكي لا يخون الناس في الأوقات بالتقديم والتأخير.
قوله: (وأحب أن يكون صيتًا).
قال القاضي حسين: لأن المراد به الإعلام فيستحب أن يكون رفيع الصوت لزيادة الإعلام، ويدل عليه قول ﵇ لعبد الله بن زيد: القه على بلال فإنه أندى صوتًا منك.
قال المزني: وأحب أن يكون صيتًا، وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعهِ.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأنه دعاء إلى العبادة، والداعي إذا كان حسن الصوت تصغى إليه الأذان والطباع، وإذا كان سمج الصوت تبو عنه الطباع والأذان فينبغي أن يكون حسن الصوت لترق به القلوب، وتميل إليه الطباع.
قال المزني: وأحب أن يؤذن مترسلًا بغير تمطيط - ولا يغني فيه.
قال القاضي حسين: والترسل أن يأتي بكلمات الأذان مفصلًا مبنيًا على التؤدة والتأني واحدة بعد واحدة من غير تمطيط، أي: تمديد، ولا يعي فيه، أي: لا محاورة فيه في المد وقريء، ولا يتغني فيه، أي: لا يؤذن بحيث يشبه الغناء.
قال المزني: وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
قال القاضي حسين: وهو أن يأتي بكلماتها حدرًا واحدًا فواحدًا، ولا يأتي بها مترسلًا، روى أن النبي ﷺ قال لبلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر).
وفي رواية: فاحزم، واجعل ما بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل عن آكله، والشارب عن شربه، والمعتصر لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني.
معناه: لا تقوموا بعد الإقامة إلى الصلاة حتى تروني وقد قمت.
قال المزني: كيفما جاء بهما، أجزأ.
قال القاضي حسين: معناه كيف ما جاء بإلاان والاقامة مترسلا أو حادرا قائمًا أو قاعدًا، مستقبل القبلة أو مستدبرها، على مكان مرتفع أو على وجه الأرض أجزأه.
قال المزني: وأحب أن يكون المصلي بهم فاضلًا، عالمًا قارئًا، وأي الناس أذن، وصلى أجزأه.
قال القاضي حسين: هذه المسألة ليست من مسائل هذا الباب، لكنه ذكرها في مقابلة ما قال في أن المؤذن لا يجعل إلا عدلا ثقة، ينبغي أن يكون الإمام عالمًا قارئًا، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
قوله: (وأي الناس أذَّن وصلى أجزأه) إذا كا يحسن القراءة على ما سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
قال المزني: وأحب أن يكون المؤذنون اثنين، لأنه الذي حفظناه عن رسول الله ﷺ بلال، وابن أم مكتوم، فإن كان المؤذنون أكثر، أذنوا واحدًا بعد واحد.
قال القاضي حسين: السنة أن يكون المؤذن أكثر من واحد، وروى أن النبي ﷺ كان له مؤذنا: بلال وعبد الله بن أم مكتوم.
وقيل: كان أربعة م المؤذنين: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وسعد القرظي، وأبو محذورة، إلا أن هذا ذكر لعائشة، فأنكرت ذلك وقالت: بل كان له مؤذنان: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وهو كما قالت، لأن أبا محذورة كان يؤذن بـ (مكة)، وسعد القرظي يؤذن بمسجد (باء).
إذا كان في مسجد مؤذنان فيؤذنان على الترتيب فإن كان في أذان الصبح يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجرن والآخر بعده وإذا أذن قبل طلوع الفجر متى يؤذن؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه يؤذن بعد ثلث الليل إلى قبيل طلوع الفجر.
والثاني: أنه يؤذن من بعد مضى نصف الليل إلى قبل طلوع الفجر، والوجهان ينبنيان على أن وقت الاختيار لصلاة العشاء إلى متى يمتد؟ وفيه وجهان، والصحيح أنه يؤذن في نحر السحر كي لا يؤدي إلى اشتباه الأمر على الناس أن هذا أذان الصبح، أو أذان العشاء، فأما في سائر الأوقات، إن كان في الوقت سعة هكذا يؤذن واحد بعد واحد على الترتيب، فإن تشاحوا في ذلك أقرع فيما بينهم، فمن خرجت قرعته أولا بدأ هو بالأذان أولا، وإنما يقيم من أذن أولا.
والدليل عليه ما روى أن النبي ﷺ كان في بعض الأسفارـ وكان بلالٌ
[ ٢ / ٦٦٠ ]
غائبًا، فأذن زياد بن الحرث الصدائي قبل طلوع الفجر، فحضر بلال بعد طلوع الفجر والأذان، وأراد أن يقيم فقال له النبي ﷺ إن أخا صداء أذن وإن من أذن أولا فليقم.
فأما إذا كان في الوقت ضيق، أذن كل واحد منهم في ناحية في المسجد، إن كان في ساحته سعة، بحيث لو أذن كل واحد في كل ناحية منه لا يؤدي إلى التشويش على الناس، وإن اجتمعوا في موضع واحد وأذنوا دفعة واحدة، إن اتفقت أصواتهم يجوز، وإن اختلفت أصواتهم لا يجوز، بل يؤذن واحد منهم كي لا يؤدي إلى تهويش الأمر على الناس، فإذا اجتمعوا في الأذان يقرع فيما بينهم في الإقامة.
قال المزني: ولا يرزقهم الإمام، وهو يجد متطوعًا.
قال القاضي حسين: إذا وجد الإمام من يؤذن متطوعًا فليس له أن يستأجر واحدا بالأجرة، لأن منزلة الإمام من مال بيت المال منزلة الوصي من مال اليتيم، ثم الوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متطوعًا لس له أن يستأجر من يعمل في ماله بالأجرة كذا الإمام مثله.
[ ٢ / ٦٦١ ]
قال المزني: فإن لم يجد متطوعًا فلا بأس أن يرزق مؤذنا واحدًا، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي ﷺ، ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، ولا من الصدقات لأن لكل مالكًا موصوفًا.
قال القاضي حسين: للإمام أن يرزق المؤذن، لأنه من المصالح بلا خلاف، وله استئجار المؤذن على الأذان، وكذا يجوز الاستئجار على الطاعات عندنا من تعليم القرآن والحج.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وهذا لا يصح، لأنه استأجره على عمل معلوم لا يجب عليه، وينتفع به غيره، لأن نفعه عائد إلى جميع المسلمين، فإنهم يطلعون به على دخول أوقات الصلوات، فيجوز كما لو استأجره لبناء المسجد والقناطر والرباطات، فإن كان البلد يشتمل على مساجد فله أن يرزق عددًا من المؤذنين إن لم يمكن جمع الناس في مسجد محلة واحدة، وإن أمكن جمعهم في مسجد واحد فيها وجهان:
أحدها: يستأجر واحدًا فحسب لا حاجة به إلى الزيادة على مؤذن واحد.
والثاني: يستأجر أكثر من واحد، كي لا يؤدي إلى تعطيل المساجد، وأيضًا مهما كثرت الجماعات كثر الثواب؛ لأن أداء الجماعات في المساجد أولى من أدائها في مسجد واحد، فأما إذا وجد من يؤذن متطوعًا، وليس برفيع الصوت، فهل له أن يستأجر من كان حسن الصوت أم لا؟
فيه قولان بناء على ما إذا طلق امرأته، وله منها ولد صغير، ووجد من يرضعه مجانًا، وهي لا ترضعه إلا بالأجرة فيه قولان:
أحدهما: أن الأم أولى لقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن)؛ ولأن شفقتها أكثر عليه من شفقة الأجنبية.
والثاني: أن الأجنبية أولى؛ لأنها تطوعت به.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
إن قلنا: الأم أولى فهنا يستأجر من كان أحسن صوتًا منه.
وإن قلنا: الأجنبية أولىن فها ها لا يستأجر.
قال القفال: عندي لا يجوز الاستئجار على التأذين، لأنه إن كان على العين، فالأذان كان لأوقات الصلاة، فيصير إجارة في المدة القابلة، وذلك لا يجوز، وإن كان في المدة فهو ينتفع به، كما أن غيره ينتفع به، فلا يجوز، الدليل عليه الإقامة.
قوله: (ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي ﷺ):، وهو كما قال؛ لأنه يعد لمصالح المسلمين، وأهم المصالح أمر الأذان وقد أخل المزني بالنقل ها هنا، حيث قال: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، وخمس خمس الفيء من جملته.
والشافعي قال: ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء، ولا خلاف أنه لا يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء، ولا من أربعة أخماس الغنيمة، وهل له أن يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء؟ فعلى قولين بناء على أن أربعة أخماس الفيء لم تكن، وفيه قولان:
أحدهما: للمرتزقة خاصة.
والثاني: لمصالح المسلمين.
قال المزني: وأحب الأذان؛ لما جاء فيه؛ قال رسول الله ﷺ: الأئمة ضمناء، والمؤذنون امناء، فأرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين.
قال القاضي حسين: اختلف أصحابنا في أن التأذين أفضل أم الإقامة؟
منهم من قال: التأذين أفضل لقوله ﵇: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ولما روي عنه ﵇، أنه قال: الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين.
جعل النبي ﷺ المؤذن أمينًا، والإمام ضمينًا، ومعلوم أن حال الأمين أحسن وأمثل من حال الضمين، وأيضا دعا للمؤذنين بالمغفرة والأئمة بالرشد، والرشد يقتضي سبق الإضلال.
ومنهم من قال: الإمامة أفضل؛ لأن النبي ﷺ تولى الإمامة ولم يؤذن قط.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وأيضا قال: الإمامة، يحتاج فيها الإنسان إلى تعلم أركاها وهيئاتها، وغير ذلك من تنقية الثوب وغيره، فيكون الثواب فيها أكثر لما روى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة في تلك القصة المعروفة: (أجرك على قدر نصبك).
ومن قال بالأول أجاب عنه بأن النبي ﷺ، إنما لم يؤذن، لأن المؤذن ينبغي أن يكون منتظرًا، والإمام منتظرًا فلو أذن صار منتظرًا، وذاك لا يجوز وأيضا الأذان دعاء إلى الصلاة وحث عليها، وكان أمر النبي ﷺ واجبًا، فلو أذن وجب على من يسمع أذانه الحضور إلى الجماعة، وحضور الجماعة أمر مستحب غير واجب.
والدليل عليه أنه تلزمه الإجابة إذا دعاه النبي ﷺ ما روى أن النبي ﷺ مر بمعاذ بن جبل فدعاه وهو في الصلاة فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته أتاه معتذرًا فقال النبي ﷺ أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم.
ولهذا قلنا: لو دعا النبي ﷺ رجلا في الصلاة، فأجابه لا تبطل صلاته؛ لأن ذاك واجب عليه، وأيضا فإنه لو أذن لاحتاج فيه إلى أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله والنبي ﷺ لا يظهر النبوة من نفسه إلا عند دعوة الخلق إلى الله تعالى، فأما فيما سواه من سائر الأعمال فلا، وأيضا فإن فيه ترك النظم الذي هو سنة في الأذان.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
قال المزني: ويستحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها، إلا أن يشتد الحر فيبرد بها في مساجد الجماعات، لأن رسول الله ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، وقد قال النبي ﷺ أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله، وأقل ما للمصلى في أول وقتها: أن يكون عليها محافظًا، ومن المخاطرة بالنسيا والشغل والآفات خارجًا، ورضوان الله، إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، والله أعلم.
قوله: (ويستحب للإمام تعجيل الصلوات لأول وقتها).
قال القاضي حسين: عندنا تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها أفضل إلا في يوم الغيم، فإنه يؤخر قدر ما يتحقق له دخول الوقت، وكذا في العشاء الآخرة قولان، وقد ذكرنا في أول كتاب الصلاة، وهكذا إذا كان في الصيف الصائف في الحر الشديد، لا خلاف أن الإبراد بالظهر مستحب،، وهل يكون التعجيل أفضل أم الإبراد به؟
فيه وجهان:
أحدهما: التعجيل أفضل، والإبراد رخصة كما في سائر الصلوات.
والثاني: أن الإبراد أفضل لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم.
وروى عنه ﵇ انه قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب أكل بعضي بعضا فأذ لها في نفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف م سموم جهنم، وأشد ما تجدونه من البرد في الشتاء من زمهرير جهنم.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ولا نعني بالإبراد أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، وإنما نعني به أن يقف ريثما يقع ظل الشمس في وسط السكك، ولا يتأذى الإنسان بحر الشمس في الخروج إلى المساجد، فأما إذا كان يصلي في بيته، أو في مسجد كبير لا يؤذيه حر الشمس فوجهان:
أحدهما: لا يستحب له التأخير، إذ لا ضرورة به إلى ذلك.
والثاني: يستحب له ذلك، لأن ذاك ثبت رخصة ثبتت في حق الناس كافة، كما قلنا في رخص المسافرين، فإنه يثبت في حق من كان في المهد ولا يلحقه النصب والثقب، كما يثبت في حق الرجالة الذين تلحقهم المشقة الشديدة، والوجهان ينبنيان على أصل، وهو أن الجمع بين الصلاتين بعذر المطر في مسجد في كن من الأرض هل يجوز أم لا؟ وفيه قولان:
إن قلنا هناك لا يجوز، فها هنا يستحب له الإبراد.
وإن قلنا هناك: لا يجوز، فها هنا لا يستحب له ذلك.
وقال أبو حنيفة: التأخير في الصلوات افضل في الصسيف إلا في صلاة المغرب، فإن التعجيل فيها أفضل، فأما في الشتاء التعجيل في الظهر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم فإن التأخير فيه أفضل ليتحقق دخول الوقت له، والتأخير في صلاة العصر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم، فإن التعجيل فيها أفضل؛ لأنه بتأخير الظهر أمن وقوع العصر قبل وقتها، والتعجيل في صلاة المغرب أولى، إذا إذا كان في يوم الغيم، فإن التأخير فيه افضل ليتحقق دخول وقته، والتأخير في العشاء أفضل، إلا إذا كان في ليلة الغيم، والتأخير في صلاة الصبح أفضل إلا غداة الجمع بـ (مزدلفة)، فإن التعجيل فيها أفضل.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
والدليل عليه قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى).
قال الشافعي في تأويلها: وأقل ما للمصلى في أول وقتها أن يكون عليها محافظًا، ومن المحافظة بالنسيان والشغل، وإلا فات خارجًا، واختلف الناس في تفسير قوله تعالى: (والصلاة الوسطى).
قال الشافعي: ﵀: أراد به صلاة الصبح لقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين).
وقال أهل التفسير: أراد به صلاة العصر.
وقيل: أراد به صلاة الظهر.
وقيل: أراد به صلاة المغرب أو العشاء، والدليل عليه ما روى عن النبي ﷺ، أنه قال: أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله.
قال الشافعي: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين.
قال الصديق ﵁/ رضوان الله أحب إليّ من عفوه.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
والدليل عليه أيضًا ما روى عن النبي ﷺ أنه سئل، وقيل: أي الأعمال أفضل؟
قال: الصلاة لوقتها، وفي رواية: لأول وقتها، قيل: ثم أي قال: ثم بر الوالدين، قيل ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله.
وروى عنه ﵇ أنه قال لعلى كرم الله وجهه: يا على لا تؤخر أربعًا. الحديث.
رورى أنه قال: سيكون في آخر الزمان أمراء وأئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فإذا أدركتموهم، فصلوا أنتم في أول مواقيتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. أي: نافلة.
قال الشافعي ﵀ في القديم: العفو عفوان، عفو عن التقصر، وعفو التوسعة، والفضل في غير ذلك إلا أن يؤخر بترك ذلك الغير، وأراد بالعفو عن التقصير إذا عفا عن الجاي والمجرم.
وأراد بعفو التوسعة ما يثبت رخصة من الشارع.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وأراد بقوله: والفضل في ذلك يعني الإتمام أفضل في العبادات إلا إذا أمر بترك الإتمام.
معناه: أن تأخير الصلاة عن أول وقتها رخصة، والتعجيل فيها أفضل إلا إذا أمر أيضًا بالتأخير، كقوله ﵇: أبردوا بالظهر، ولهذا قال: الصوم في رمضا في حق المسافر أفضل من الفطر إلا إذا كان مريضًا ضعيفا أجهده الجوع والعطش، فإن الإفطار له افطار، والدليل عليه ما روى أن النبي ﷺ مر برجل ينضح له الماء ويظلل، فقيل: من هذا؟
فقال: هذا أبو إسرائيل نذر لله تعالى، أن يصوم، ولا يفطر ويمشى ولا يركب ولا يستظل.
فقال عليه: السلام: إن الله تعالى لغني عن تعذيبه نفسه، مروه فليفطر وليركب وليستظل.
وقوله ﵇: المؤذن أولى بالأذان، والإمام أولى بالإقامة، لم يرد به المؤذن يؤذن، والإمام يقيم، بل معناه أن المؤذن يقيم بإذن الإمام، وبإشارته، لأنه ربما ينظر محتشمًا في الدين أو غيره فلا يقيم إلا بإذنه لهذا المعنى، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٦٧٠ ]