قال الشافعي: وإذا أحرم إمامًا أو وحده، نوى صلاته في حال التكبير، لا قبله ولا بعده ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر.
أما إذا أراد الصلاة فإنه يحتاج إلى النية لها، ومتى ينوي لا خلاف أنه لو نوى بعد التكبير، فإنه لا يجوز، وكذا لو نوي قبل التكبير بلفظة ثم عزبت نيته قبل أن يبتديء التكبير، فإنه لا يجوز، فلو وزع النية على حروف التكبير.
من اصحابنا من قال: إنه يجوز، لأن الشافعي ﵀ قال: وينوي في حال التكبير لا بعده ولا قبله.
والصحيح أنه لا يجوز، لأنه إذا افتتح التكبير، ولم يوجد منه إتيان جميع النية، فقد أخلى بعض أركان الصلاة عن النية فلا يجوز، كما لو نوي بعد التكبير.
وقوله: حال التكبير لا بعده ولا قبله، محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، ويستصحب النية إلى أن فرغ عن التكبير، قاله ابو على السنجي ﵀ عليه والمذهب الصحيح انه لا يجزيء عن هذا.
ومن أصحابنا من قال: وهو القفال ﵀، إنه لو نوى قبيل التكبير، ويستصحب النية إلى أن افتتح التكبير، فإنه يكتفي، وإن لم يستصحبها إلى أن فرغ عن التكبير، لأنه قرن النية بالتكبير.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فلو قلنا: إنه يلزمه استصحاب النية إلى الفراغ عنه لكان ذلك تكرارًا للنية، وذلك غير واجب عليه، كما أنه لا يلزمه استصحاب النية في آخر الصلاة، والصحيح هو الأول، وإنما قلنا، ذلك لأن الواجب عليه أن يأتي بالنية عند افتتاح الصلاة، ويداوم عليها إلى أن تنعقد له الصلاة، وإنما تنعقد له الصلاة إذا فرغ عن التكبير ولو أتى ببعض أجزاء التكبير، فإنه لا تنعقد له الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لونوى في بيته ان يخرج ويصلي في المسجد، فإنه يصح، وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضره.
قال القاضي ﵀: سألت أبا علي النسفي عن هذا، فقال: عندنا إنما يجوز ذلك، إذا لم يخطر بباله شيء آخر إلى أن يدخل في الصلاة، فلو كان الأمر كما ذكر لم يبق بيننا وبينه فيه خلاف، فأما كيفيته فالصلاة على قسمين:
فرائض، وغير فرائض.
فأما غير الفرائض على قسمين:
نوافل وسنن.
فأما النوافل، فإنه ينوي فيها الصلاة مطلقًا، بأن يقول: نويت الصلاة، أو
[ ٢ / ٧٠٣ ]
نويت أن أصلي، ويكفيه ذلك، فأما السنن، فإنه يحتاج فيها إلى أصل النية، وإلى تعييها بأن يقول: نويت أصلي سنة الوقت، فإن كان صبحًا، فينوي سنة صلاة الصبح، وإن كان مغربًا فينوي سنة صلاة المغرب، وأما الفرائض على قسمين:
أداء وقضاء.
فأما الأداء فالأكمل فيه أن ينوي أداء صلاة الظهر فرض الوقت لله تعالى، وإنما قلنا: إنه ينوي أداء؛ لأن الصلاة قد تكون قضاء، وقد تكون أداء، فهو ينوي الأداء كي يتميز به عن القضاء.
وإنما قلنا: ينوي صلاة الظهر، لأن الصلاة قد تكون ظهرًا، وقد تكون غير الظهر فينوي الظهر لكي يتميز عن غير الظهر.
وإنما قلنا: ينوي فرض الوقت؛ لأن الظهر قد تكون فرضًا، وقد تكون غير الفرض بأن يصلي الظهر وحده، ثم أدرك الجماعة ويصليها بالجماعة ثانيًا، فإن إحداهما تكون فرضًا، والأخرى نافلة، وأيضا فإنه يجوز أن تكون الصلاة فرض الوقت عليه، ولا يكون طهرًا بأن يذكر فائتة عليه لقوله ﵇: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا وقت لها غيره، وأيضا قد تكون ظهرًا في الوقت، ولا تكون أداء بأن شرع في صلاة في وقتها، ثم أفسدها وكان الوقت باقيًا يلزمه أن يصليها في الوقت فائتة بنية القضاء وإنما قلنا: ينوي لله تعالى في الإخلاص لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فلو نوى في صلاة الظهر مثلا أداء فرض الوقت لله تعالى، فيه وجهان:
[ ٢ / ٧٠٤ ]
أحدهما: يجوز؛ لأن فرض الوقت لا يكون إلا ظهرًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرناه أنه يجوز أنه يكون فرض الوقت، ولا يكون ظهرًا، وهكذا لو نوى أداء صلاة الظهر، ولم ينو فرض الوقت فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرنا أنه يجوز أن تكون صلاة الظهر، ولا تكون فرضا وهكذا لو لم ينو لله تعالى فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الصلاة لا تقع إلا لله تعالى.
والثاني: لا؛ لأن المبالغة في الإخلاص شرط بدليل الاية، ولا خلاف إنه إذا لم ينو اليوم، ولا أعداد الركعات، فإنه يجوز، وكذلك لو لم ينو الصلاة بأن نوى فرض الوقت ظهرًا، أو ظهرا لوقت فرضًا، فإنه يصح.
فأما إذا كان مأمومًا، فإنه أيضا ينوي الاقتداء بالإمام، فلو ترك ذلك لا تحصل له فضيلة الجماعة، وهل تصح صلاته أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه وقف أفعاله على أفعال غيره، فلا تصح صلاته.
والثاني: بلى، لأنه أتي بجميع أركان الصلاة وشرائطها.
فأما الإمام فالصحيح من المذهب أنه لا يلزمه نية الجماعة، لأنه لا يقتدي بأحد حتى ينوي ذلك.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق ﵀: إنه ينوي الجماعة، وعلل بأنه أحد ركني الجماعة، فتلزمه نية الجماعة دليله المأموم.
قلنا: بينهما أن المأموم يكون تبعا له في الصلاة فيحتاج إلى نية الاقتداء به لتصح التبعية له في الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه يستتبع المأموم في الصلاة.
الدليل عليه: أنه يوجب أشياء على الإمام، والمأموم لا يوجب عليه شيئًا، فأما إذا صلى رجل منفردًا، ثم جاء آخر واقتدى به، فإنه يحصل للمقتدي ثواب الجماعة، وماذا حكم المقتدى به؟
قال القاضي ﵀: سألت الشيخ القفال ﵀ عن هذه المسألة فقال إنما يحال في هذا على فضل الله تعالى، في ألا يحرمه فضيلة الجماعة، لأنه يكون سببًا لتحصيل فضيلة الجماعة لغيره، فالأولى ألا يحرم عنها فأما في الجمعة فالأفضل أن ينوي صلاة الجمعة فرض الوقت لله تعالى مقتديًا بالإمام فرضًا، وإنما ينوي فريضة الاقتداء، لأن الاقتداء بالامام في الجمعة يكون فرضًا وفي سائر الصلوات لا يكون فرضًا، ولو نوي صلاة الجمعة لله تعالى الصحيح من المذهب أنه لا يجوز، لأن الجمعة لا تصح إلا بجميع اركانها وشرائطها، ولا تقع إلا فريضة، ولا تصح إلا في الوقت، ولا يجوز الاقتداء بالإمام، فلو نوى صلاة الظهر مقصورة لله تعالى.
من أصحابنا من قال: هذا بناء على أن الجمعة فرض على حدة أم ظهر، مقصور؟
وفيه قولان:
إن قلنا: إنه يكون فرضًا على حدة فلا يجوز، وإلا فجاز، فأما إذا كانت الصلاة قضاء، فإنه ينوي قضاء صلاة الظهر فرضًا لله تعالى، وإن أراد أن ينوي قضاء أول ظهر كانت عليه، أو آخر ظهر كانت عليه، وهذا غير واجب عليه.
وقال أبو حنيفة: إنه واجب عليه، وعندنا لو نوى مطلقًا يجوز، فأما إذا عين اليوم، وأخطأ بأن ينوي قضاء صلاة الظهر الذي فاتت عنه من يوم الخميس،
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وذاك يكون في يوم السبت، أو الجمعة، فإنه لا يجوز، ولو عين اليوم في الأداء، ثم أخطأ تصح صلاته.
والفرق بينهما أن في الأداء ينوي فرض الوقت، فقد وجدت الإشارة فيغلب على العبارة، وتصح صلاته، وفي القضاء لم توجد الإشارة حتى يغلب على العبارة.
فقلنا: إنه لا يصح القضاء، فأما إذا نوى الأداء، في صلاة القضاء، أو القضاء في صلاة الأداء، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن القضاء غير والأداء غير.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
والثاني: جاز، لأن الأداء والقضاء في اللغة شيء واحد.
قال الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم، أي أديتموها، وقال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة، أي أديت، ويقال: اقض ديني، معناه: أد ديني، فعلى هذا لو أفسد صلاة الوقت، فأراد قضاءها، مقتضى قول أصحابنا: إنه ينوي القضاء، لأنه يقضي ما التزمه في الذمة، لأن الشروع يلزم الفرض في الذمة بدليل أن المسافر لو نوي إتمام الصلاة، وشرع فيها، ثم أفسدها لا يقضيها مقصورة، بل تامة، لأنه التزم الإتمام، وهذه المسألة تلزم فيما لو شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها، فإن عندنا لا يجب عليه قضاؤها والعذر فيه أنه فرض التزمه بعقده، لأن الفرض على المسافر الإتمام كما على المقيم، إلا أنه جوز له القصر، فإذا لم ينوي القصر، فقد التزم الفرض بعقده.
وأما هذا تطوع شرع فيه، فلم يلزمه بحكم عقده، وإذا أفسد الصلاة التي شرع فيها بنية القصر، وقلنا: لا يقضي المقصورة مقصورة يلزمه الإتمام في الوقت ايضًا، وينوي القضاء على مقتضي قول أصحابنا، وعلى ما قاله الشيخ القفال يتخير فيه بين نية الأداء، ونية القضاء.
فرع
وإذا ترك ركعتي الفجر حتى صلى الصبح، أو طلعت الشمس فهي قضاء، فينوي القضاء على طريقة الأصحاب، وقبل طلوع الشمس يحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها أداء، لأن الوقت قائم، فهذا وقت لها بدليل أنه لو لم يكن صلى الصبح كان هذا وقتًا لها، فعلى هذا ينوي الأداء على طريقة الأصحاب.
والثاني: يكون قضاء، لأن وقتها قبل فعل الفرض، فعلى هذا ينوي القضاء [و] على قول الشيخ ينوي كيف شاء.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
فرع:
لو اقتدي برجل ظنه إمامًا، فبان أنه مأموم بعد الفراغ من الصلاة.
قال: يجب أن يخرج على الوجهين: لأنه وقف أفعاله على أفعاله، وقد ذكرنا من قبل إلا أنه مشكل، وذلك، لأن من أصلنا أنه لو كان الإمام جنبًا، أو محدثًا لا تلزمه الإعادة، وإن وقف أفعاله على أفعاله.
فصلٌ:
رجلان يصلي كل واحد منهما بجنب صاحبه، إن كان الإمام والمأموم بينا لكل واحد منهما فذاك، وإن اشتبه الأمر ففيه أربع مسائل:
إحداهما: أن يكون عند كل واحد منهما أنه مقتد بصاحبه، فالصلاتان باطلتان، لأنه لو اقتدى بمن هو مقتد بالغير لم تصح صلاته، فإذا اقتدي بمن هو مقتد به أولى الا تصح.
فإن قيل: اليس أن أبا بكر ﵁ وأرضاه، ويصلي بصلاة رسول الله ﷺ والقوم كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ﵁.
قلنا: أبو بكر لم يكن إمامًا للقوم، وإنما كان كالمترجم بينهم على أفعاله.
والثانية: أن يشك كل واحد منهما في أنه إمام أو مأموم، فالصلاتان باطلتان أيضا، لأن على المأموم نية الاقتداء يقينًا.
والثالثة: أن يشك أحدهما في أنه إمام أو مأموم، ولم يشك الاخر، بل كان يعرف نفسه إمامًا او مأمومًا.
قال الشافعي: ﵁، صلاة الشاك باطلة، وصلاة من لم يشك لم تبطل.
قال أصحابنا: صلاة من لم يشك إنما لم تبطل إذا كان عنده أنه إمام أو منفرد، فأما إذا كان عنده أنه مأموم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يكون الثاني
[ ٢ / ٧٠٩ ]
مقتديًا به، ومن صلى خلف رجل ظن أنه مقتد برجل آخر لم يصح، فإذا ظن أنه مقتدى به أولى ألا يصح.
الرابعة: أن يكون عند كل واحد منهما أنه إمام، فالصلاتان صحيحتان، لأن الإمام كالمنفرد، وإذا اقتدى برجلين لم تصح صلاته، لأنهما لا يتفقان، والواجب على المأموم متابعة إمامه، ولا يمكنه متابعة شخصين لاختلاف آرائهما، ولو اقتدى بأحدهما لا يعينه أيضا لا تصح صلاته.
فصل
رجل شرع في الصلاة، ثم شك هل نوى أم لا؟ فإن لم يتذكر لم تصح صلاته، لأن الأصل عدم النية، وإن تذكر نظر فيه، فإن تذكر قبل أن عمل عملا على قرب الفصل صحت صلاته، وإن تذكر بعد أن عمل عملا بطلت صلاته، والعمل ما قاله الشافعي: أن يكون قائمًا فيركع، أو راكعًا فيقوم أو قائمًا فيسجد، لأنه نص عليه.
وقال: إنه إن أحدث فعلا بطلت صلاته، وإن لم يحدث فعلا صحت صلاته، فأما إذا شك فيه حالة القيام وسكت سكوتًا طويلا، ثم تذكر فيه وجهان بناء على أنه لو سكت في حالة القيام من غير عرض سكوتًا طويلا هل تبطل صلاته ام لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل، يجعل طول السكوت منه بمنزلة إحداث فعل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأت بفعل، ولا ينقطع به نظم الصلاة.
[ ٢ / ٧١٠ ]
إن قلنا: إن هناك لا تبطل، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تبطل، فها هنا وجهان، والفرق أن هناك لم يكن له غرض ومقصود في السكوت، فأولى أن تبطل به صلاته بخلاف ما نحن فيه، وهكذا لو شك فيه في خلال الفاتحة، وسكت سكوتًا طويلًا فيه وجهان، كما لو كان في قراءة غير الفاتحة.
إن قلنا: تبطل صلاته فلا كلام.
وإن قلنا: لا تبطل صلاته يلزمه استئناف الفاتحة، لأنه إذا سكت سكوتًا طويلا ينقطع به نظم القراءة.
فأما إذا شك فيه قبل قراءة الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة في زمان الشك، ثم تذكر أنه نوي الصلاة، المذهب أنه لا تبطل صلاته.
وقال أبو يحيى البلخي: تبطل صلاته، لأن عنده تكريم الفاتحة كتكرير الركوع والسجود، وعلى هذا لو كرر قراءة الفاتحة، هل تبطل صلاته أم لا؟
عند عامة أصحابنا لا تبطل، وعنده تبطل، وقال: لأنه ركن، فأشبه الركوع والسجود.
قلنا: إنه ركن بالقول، وحكم القول أخف من حكم الفعل.
فإن قيل: ما الفرق بينه، وبين ما لو شك أنه صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ عليه ان يقوم ويصلي ركعة أخرى في زمان الشك، ولا تبطل صلاته بهذا الفعل في زمان الشك، ولو شك في أصل النية، ثم أحدث فعلا بطلت صلاته.
قلنا: لأن هناك تيقن انعقاد صلاته، وشك في أفعاله، فلم يغير وها هنا الشك وقع في أصل انعقاد الصلاة، ففعله في حال الشك لا يعتمد عليه أصلا.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو شك في أصل النية ثم تذكرها حكمهم بصحة الصلاة، وبين ما لو شك في نية القصر، ثم تذكر أنه نواه، فإنه يلزمه الإتمام؟ قلنا: الفرق بينهما إذا شك في نية القصر تأدى جزء من صلاته على حكم
[ ٢ / ٧١١ ]
الإتمام، والصلاة إذا تأدى جزء منها على حكم الإتمام لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمقيم قبل السلام بجزء، يلزمه إتمام الصلاة، وها هنا يشك في أصل النية، فما بعد الشك إلى التذكر ليس من الصلاة، فأقضى ما فيه أنه أتى بفعل يضاد الصلاة، والفعل اليسير في أثناء الصلاة لا يبطل الصلاة.
فأما إذا شرع في الصلاة، ثم شك أنه هل ترك مسح الرأس في الطهارة أم لا؟ نقدم على هذا مقدمة، وهو أنه لو شك في أنه هل ترك مسح الرأس أم لا بعد فراغه من الوضوء ماذا حكمه.؟
فيه قولان:
قال في القديم: لا شيء عليه، لأن الأصل كمال الطهارة.
وفي الجديد، عليه مسح الرأس، لأن الأصل أنه لم يات به جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا بالقول القديم، فها هنا لا شيء عليه فلا يضره ذلك الشك
وإن قلنا بقوله الجديد، حكمه حكم ما لو شك في نية الصلاة، وقد ذكرناه، ولو شك أنه نوي العصر أو الظهر، وكان عليه فائتة العصر أو الظهر تذكر معقوده.
قال الشيخ القفال ﵀، إنه تبطل صلاته، لأن ما مضى في زمان الشك يكون نفلا، فصار كما لو قلب الفرض نفلا، ولو قلب الفرض نفلا يبطل فرضه، فها هنا، وإن لم يغير النية فقد شك في وجودها، فحل محل تغيير النية إلى فرض آخر، وليس كما لو شك في أصل النية، فتذكر بعد العمل، لأن ها هنا شك في صفتها دون أصلها.
قال القاضي ﵀: عندي حكمه حكم ما لو شك في أصل النية وقد بينها، ولو شك في نية الاقتداء بالامام، وكان في خلال الصلاة نقدم على هذا مقدمة، وهي أنه إذا تابع الإمام في أفعال الصلاة، ولم ينو الاقتداء به، فيه وجهان:
أحدهما: بطلت صلاته لأنه وقف أفعاله على أفعاله.
[ ٢ / ٧١٢ ]
والثاني: لا يبطل، لأنه يسير، فيعفى عنه، جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاته، فها هنا مثله، وإن قلنا هناك: تبطل صلاته فها هنا حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وقد ذكرنا، وإن شك في نية الاقتداء بعد الفراغ من الصلاة، فحكمه حكم ما لو شك في ركن من أركان الصلاة بعد السلام، فإن كان قد طال الفصل يستأنف، فعلى هذا في وجوب الاستئناف الوجهان.
وفيه قول آخر: أنه يبني، فعلى هذا لا شيء عليه، فأما إذا شك في أصل النية قبل قراءة الفاتحة، قرأ الفاتحة في زمان الشك، وقلنا: إنه لم تبطل صلاته إذا تذكر أنه نوي، فلا تحسب له قراءة الفاتحة، بل عليه أن يقرأ ثانيًا، لأنه قرأ في حال الشك، نظيره المسافر إذا شك أنه مسح في السفر، أو في الحضر فمضى على الشك، ومسح في حال الشك، ثم تذكر أنه مسح في حال السفر، وقد ذكرناه فيما قبل، لا يفيده، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٧١٣ ]
فصل:
إذا نوى الخروج من الصلاة أو ردد النية، خرج من صلاته، ولو نوي أن يخرج عن صلاته إذا قدم زيد، أو طلعت الشمس، فلا خلاف في بطلان الصلاة عند وجود الشرط، وفي بطلانها في الحال وجهان:
[ ٢ / ٧١٤ ]
أحدهما: تبطل لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى الخروج عن الإسلام لا يصح إسلامه.
والثاني: لا تبطل.
والفرق أن دوام الإسلام شرط، ولا يحل الخروج عنه بحال، والخروج عن الصلاة يباح في الجملة.
فأما إذا عزم على الخروج عند وجود الشرط حال العقد، فأولى ألا ينعقد؛ لأن المضاد قرنه بالعقد.
ولو نوى الخروج من الصوم فوجهان:
أحدهما: يبطل صلاته، لأن الصوم عبادة يبطلها الأكل كالصلاة.
والثاني: لا، والفرق أن الصلاة قربة أعمال يباشرها لا تصير عبادة إلا بالنية، فبطلت برفض النية، بخلاف الصوم، فإنه كف وإمساك، والكف والإمساك لا يحتاج حصولهما، إلى النية كالكف عن الزنا وشرب الخمر، والشريعة تشتمل على الأوامر والنواهي، فما هو من جملة النواهي كالزنا وشرب الخمر، لا يحتاج صحة تركها إلى نية، وما هو من جملة الأوامر لا يصح امتثالها بدون النية.
وإن قيل: لو صح هذا المعنى لوجب ألا توجبوا أصل النية في الصوم.
قلنا: لامتياز العادة عن العبادة؛ لأن ترك الأكل يشرك فيه العادة والعبادة، وتعيين النية ليحصل الإخلاص لله تعالى، إلا أنهم يقولون بهذا المعنى وجب أن يحكموا ببطلانه إذا نوى الخروج منه.
[ ٢ / ٧١٥ ]
فرع
قال صاحب التلخيص: لو كبر وكبر ثلاثًا انعقدت صلاته بالأولى، وبطلت بالثانية، وانعقدت بالثالثة، لأنه خرج عنها بالثانية، ودخل فيها بالثالثة، كما لو قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق، قاله ثلاث مرات يفرق فيه بين ما لو كان قبل الدخول أو بعده، وبكل مرة تنحل اليمين، وتنعقد أخرى كذا هذا.
قال القفال ﵀: لصحة هذه المسألة شرطان:
أحدهما: أن ينوي الافتتاح بكل تكبيرة، لأنه لو كبر عشرين مرة، ولم ينو بها الافتتاح بعد انعقاد الصلاة لم يضر الصلاة.
والثاني: ألا ينوي الافتتاح قبل الشروع في التكبرة الثانية، ولو نوى الافتتاح قبل الشروع في الثانية بطلت صلاته بنية الافتتاح، وانعقدت بالثانية، وبطلت بالثالثة، وإنما كان نية الافتتاح في الصلاة المنعقدة مبطلة لها، لأن الافتتاح يقتضي سبق الخروج، فجعل كما لو نوى الخروج،
ونظيره ما قال الشافعي، ﵀: لو نكح امرأة يوم الخميس على مسمى، ثم نكحها يوم الجمعة على مسمى يلزمه المهران، لأن العقد الثاني لا يكون إلا بعد ارتفاع الأول.
[ ٢ / ٧١٦ ]
فصل
لو غير النية في خلال الصلاة مثل أن شرع في فرض، فغير النية إلى فرض آخر، أو في الفرض فغير إلى السنة، أو في السنة فغير إلى الفرض، أو في سنة فغير إلى سنة أخرى، لا خلاف أنه بطل ما عقده أولا وانصرف عنه، ولا ينصرف إلى الثانية وهل يبطل أصلا الصلاة، أو تنعقد نفلا؟ فعلى قولين:
أحدهما: تبطل، لأنه لما انصرف عن الأولى، ولم ينصرف إلى الثانية تعين البطلان إذ لا ثالث، وقد نص الشافعي ﵀ على أنه لو كان يصلي بالناس قاعدًا للعجز عن القيام، فقدر على القيام في خلال الصلاة، فلم يقم بطلت صلاته، وصلاة من علم بحاله ممن خلفه، ولم يحكم بانقلابه نفلا.
والقول الثاني: انقلبت نفلا، لأنه لم يترك أصل النية، وإنما غير صفتها، ولم يصح التغيير فبقي مطلق النية.
[ ٢ / ٧١٧ ]
وللشافعي: ﵀، ثلاث نصوص تدل على هذا القول:
أحدها: إن قال: لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، انعقد إحرامه بالعمرة، كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال تنعقد نفلا.
والثاني: لو أن مسبوقًا كبر هاويًا إلى الركوع ليدرك الإمام فيه تنعقد صلاته نفلا.
والثالث: لو أحرم بالصلاة منفردًا، ثم حضر القوم ليعقدوا الجماعة نص على أنه يسلم عن ركعتين، ويكونان له نافلة، ويصلي معهم بالجماعة، ولم يحكم ببطلان الصلاة في المسائل الثلاثة، بل حكم بانعقادها نفلًا ويخرج فيها، وفي النص الأول على البطلان القول الآخر، وإذا غير من النفل إلى النفل، فالظاهر أنه لا تبطل، ويخرج فيه القول الآخر أنه تبطل.
[ ٢ / ٧١٨ ]
فصل:
لو أن إماما شك أنه هل نوى أم لا، فأراد أن يكبر مع نفسه لتنعقد صلاته على اليقين، ولا يطلع عليه القوم، فحكمه حكم الصلاة التي افتتحها رسول الله ﷺ بالناس، ثم خرج منها، ودخل البيت واغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، وأتم بهم الصلاة إلا أن فيه ايضا إشكالًا على المعنى، فأما صلاة الإمام فتنعقد لا محالة.
قوله: ولا يجزيه إلا قوله: الله أكبر أو الله الأكبر.
قال القاضي حسين: عندنا لا تنعقد الصلاة إلا بقوله، الله أكبر، أو الله الأكبر فأما ما عدا التكبير من اسماء الله تعالى، إذا لم يذكره على جهة النداء، أو الدعاء كقوله، الله الجليل، الله العظيم، الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله، أو بالفارسية، يقول خداي، أو بالتركي يقول تنكرى.
فأما إذا ذكره على جهة النداء كقوله: يارب يا ألله، أو الدعاء كقوله: اللهم وفقنا في أنه لا تنعقد به الصلاة.
لنا قوله ﵇ مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولأن قوله: الله أكبر كلمة تنبئ عن القدم والعظم على جهة المبالغة، لأن الكبر يطلق على كبر السن، يقال: شيخ كبير وعلى كبر
[ ٢ / ٧١٩ ]
الجثة، يقال: حبل كبير، وعلى كبر الرتبة، والله تعالى منزه عن كبر السنة والجثة، فكان ذلك في حقه وصفًا لله تعالى، بالقدم على جهة المبالغة.
وما عدا هذه الكلمات لا تتضمن هذين المعنيين.
فأما قوله: الله أكبر، بالألف واللام، فإنه يتضمنها وزيادة؛ لأن الألف واللام تقتضي الحصر والاختصاص، وإطلاق اللفظ دونهما لا يتقضي الاختصاص والقطع عما سواه، ويدل عليه أنك تقول: زيد أعلم، فلا ينبيء ذلك عن كونه أعلم الناس كلهم، ولو قلت: زيد الأعلم اقتضي ذلك كونه أعلم الناس كلهم.
وقوله: الله الكبير لا يتضمن المعيين، إذ هو ليس من ألفاظ المبالغة.
وقوله: الله الكبير الأكبر لم تنعقد به الصلاة، لأنهما كلمتان، والكلمتان يجب ان يتضمنا هذين المعنيين، ولأن ذلك لا يعرف تكبيرًا في العادة.
وقوله: الله أكبر كبيرًا تنعقد به الصلاة، لأنه أتى بالتكبير الصحيح فقوله: كبيرًا زيادة ثناء نه بعد انعقاد الصلاة.
وقوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة، وإن تضمن المعنيين، لأنه لا يعرف تكبيرًا، وإن التكبير المعهود أن يقول: الله أكبر، فاختص انعقاد الصلاة به.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وقوله: الله أكبر أولى من قوله: الله الأكبر بالألف واللام، لأن الأخبار فيه وردت، ومن العلماء من لم يجوزه بالألف واللام، وهو مالك، وحكى أبو الوليد النيسابوري قولا آخر عن الشافعي أنه لا تنعقد بقوله: الله أكبر وما نقل المزني هو قوله الجديد، ولو قال: الله أكبار ومده مدا لا تنعقد صلاته، ولو قال: على جهة الاستفهام، لا تنعقد أيضا به صلاته، ولو اعتقده كفر، والتكبير عندنا من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: التكبير ليس من الصلاة، وكذلك التسليم عندنا من الصلاة خلافًا له، ولا فائدة للخلاف في التحريمة، لأنهم وافقونا في أنه يشترط في التحريمة جملة شرائط الصلاة من الطهارة والستر واستقبال القبلة، لأن المسالة مشهورة بالخلاف، فنقول: ما افتقر إلى ما تفتقر إليه الصلاة كان من الصلاة كسائر أجزاء الصلاة، وكان القاضي أبو علي يقول: فائدة أن التحريمة ليست من الصلاة على أصلنا إن سبقه الحدث يبني على صلاته، لأنها ليست من الصلاة، فحكمنا ببقائها بعد الحدث حتى أنه إذا عاد لا يحتاج إلى تجديد التحريمة، ويكتفي بالتحريمة الأولى، ولا بقاء للصلاة بعد الحدث.
وأيضا قال: الصلاة تنافي الحدث، ولا تنافي التحريمة.
وقال غيره، فائدته لو كبر متقهقهًا انعقدت صلاته، ولا تبطل طهارته.
وقال غيره: لو أحرم بالظهر قبل الزوال، فلما فرغ من التكبير زالت الشمس صحت صلاته قالوا: الركن ما كان في خلال الصلاة بعد الفراغ عن التكبير، وإنما نحكم بانعقاد الصلاة بعد الفراغ من التكبير.
[ ٢ / ٧٢١ ]