قال المزني: قال الشافعي: وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف فإن صلى قاعدًا، وصلى الذين خلفه قيامًا، أجزأته وإياهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، وفعله الآخر ناسخ لفعله الأول، وفرض الله تعالى على المريض، أن يصلي جالسًا، إذا لم يقدر قائمًا، وعلى الصحيح، أن يصلي قائمًا، فكل قد أدى فرضه، فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة، ثم قدر على القيام، قام فأتم صلاته، فإن ترك القيام، أفسد على نفسه، وتمت صلاتهم، إلا أن يعلموا بصحته وتركه القيام في الصلاة، فيتبعونه، وكذلك إن صلى قائمًا ركعة ثم ضعف عن القيام، أو أصابته علة مانعة، فله أن يقعد ويبني على صلاته، وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت، فعليها أن تستترـ إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها، فإن لم تفعل وكان الثوب بعيدًا منها، بطلت صلاتها.
قال المزني: قلت أنا، وكذلك المصلى عريانًا، لا يجد ثوبًا، ثم يجده، والمصلى خائفًا، ثم يأمن، والمصلي مريضًا، يوميء، ثم يصح، أو يصلي ولا يحسن أم القرآن، ثم يحسن أن ما مضى جائز على ما كلف، وما بقي على ما كلف، وهو معنى قول الشافعي ﵀.
قال الشافعي: وعلى الاباء، والامهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم، الطهارة
[ ٢ / ١٠١٤ ]
والصلاة، ويضربوهم على ذلك، إذا عقلوا، فمن احتلم، أو حاض، أو استكمل خمس عشرة سنة، لزمه الفرض.
قال القاضي حسين: المستحبُّ للإمام الراتب إذا عجز عن القيام أن يستخلف قادرًا على القيام ليصلي بالناس ليكمل حال الإمام، ويساوي القوم في وصفه الكمال، فإن لم يفعل، وصلى قاعدًا بهم وهم قيامٌ أجزأهم.
وقال أحمدُ ومحمدٌ: لا يجوز للقائم أن يُصَلِّي خلف القاعد.
وقال مالك: يقعدون خلفه، واحتجا بما روي أن النبي -﵇- قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا».
واحتج مالك وروى أن النبي ﷺ ركب فرسًا معروفًا لأبي طلحة، أو لآل أبي طلحة فسَقَط فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه في بيته يصلي بهم قاعدًا وهم قيام خلفه، فأشار إليهم أن اقعُدُوا فقعدوا، فلما سلم، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا خلفه أجمعين».
دليلنا: ما روي عن عائشة ﵂، أنها قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويضيق، فأفاق، وقد دخل وقت الصلاة فقال: هل صلى الناس في المسجد؟ فقلنا: لا، بل هم قيام ينتظرونك فقال: ضعوا لي ماء في المخضب وهو شبه المركن، وهي إجانة كان يغتسل فيها ﵍ والرحمة، فوضعنا الماء في المخضب، فدخل فاغتسلَ، فلما ذهب
[ ٢ / ١٠١٥ ]
لينؤ أغشي عليه فأفاق، فلما أفاق قال: هل صلى الناس في المسجد فقلنا: لا إنهم قيام ينتظرونك، فقال في المرة الثالثة والرابعة: مُرُوا أبا بكر ليصلي بالناس، قالت عائشة ﵂: فقلت في نفسي، إن الناس يتشاءمون بأبي إذا رأوه واقفا في مقام النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبي رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء إذا وقف في مكانك، فلو أمرت غيره فقال ﵇: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي لرسول الله ﷺ يأمر أباك ليصلي بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله، لو أمرت غيره، فقال ﷺ إنكن صواحبات يوسف، أبي الله والمسلمون إلا أبا بكر، مروا أبا بكر ليصلي بالناس.
فقالت حفصة لعائشة: ما أتيتني بخير قط، فتقدم أبو بكر فوجد النبي ﷺ في نفسه خفه، فخرج يهادي بين رجلين أحدهما العباس، والآخر رجل من أهل بيته، فقال ابن عباس، وذلك الرجل الآخر على كرم الله وجهه إلا أنها لا تذكره بخير ما تستطيع فدخل المسجد، ووقف على يسار أبي بكر وإنما وقف على يساره، لأنه علم من حاله أنه يتأخر عن مقامه، ولا يتقدم عليه ليكون على يمينه، فوصل أبو بكر والناس صلاتهم بصلاة النبي ﷺ وافتتح الصلاة قاعدًا، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ﵁، وكان أبو بكر كالمترجم لهم.
قال الشافعي ﵀، وفعله الآخر ينسخ فعله الأول.
وما رويناه كان آخر الأمرين، فإن قيلأ: الأول لم يكن فعلا، بل كان قولا، فلم قال، فعله الآخر ينسخ فعله الأول؟
[ ٢ / ١٠١٦ ]
قلنا: معناه أن تقريره على الفعل الآخر ينسخ تقريره على الفعل الأول، لأنه في الابتداء أقرهم على الصلاة خلفه قعودًا، وفي الآخر أقرهم على الصلاة خلفه قيامًا، وكما يجوز عندنا للقاعد أن يصلي خلف القائم، وللقائم أن يصلي خلف القاعد، يجوز للقائم والقاعد أن يصلي خلف المومئ، وللمومئ أن يصلي خلفهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للموميء أن يصلي خلف القاعد والقائم، ولا لهما أن يصليا خلفه، لأن المومئ عجز عن الفعل الذي هو عماد الصلاة.
قلنا: كل صفة جاز له أن يصلي عليها للعجز جاز لمن هو أكمل منه حالا أن يصلي خلفه كالقعود.
قوله: فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة.
قال القاضي حسين: القائم إذا عجز في خلال الصلاة عن القيام قعد، وبني قائما على صلاته، وإذا عجز عن القعود اضطجع وبني، وكذلك المضطجع إذا عجز صلى بالإيماء وبنى، وكذلك الموميء إذا قدر على الاضطجاع، والمضطجع على القعود والقاعد على القيام، فإنه يضجع، ويقعد ويقوم، ويبني على صلاته، فخرج من هذا أنه يؤدي أربع ركعات كل ركعة على صفة أخرى إذا تبدلت به الأحوال، فيجوز عندنا.
جملته: أنه كلما يجوز له أن يبني من صلاته على صلاة إمامه جاز له أن يبني من صلاة نفسه على صلاته.
وقال أبو حنيفة:
لا ينبني الإيماء على القعود والقيام، ولا القيام والقعود على الإيماء بناء على أصله، وهو أنه لا يقتدي الموميء بالقائم، والقاعد بالقائم، والقاعد بالموميء وإذا قدر على القيام بعد القراءة، فعليه أن يرتفع إلى القيام، ثم يهوي إلى الركوع بعد أن اعتدل قائمًا نص عليه الشافعي، ﵀ ولا يجوز أن يرتفع منه من القعود إلى الركوع، ليكون الانتقال من الركن إلى الركن، وكذا لو قدر
[ ٢ / ١٠١٧ ]
على القيام بعد ما ركع، فإنه يقوم ثم يهوي ساجدًا كما ذكرنا في الركوع، فأما إذا قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت إلى أيعتدل قائمًا، ثم يبني على القراءة، ولو قرأ في حال الارتفاع إلى القيام لم يجز، ومثله لو عجز عن القيام، في خلال الفاتحة، فقرأ في حالة الهوي إلى القعود جاز.
والفرق أن القادر على القيام فرضه القيام، وحالة الارتفاع إلى القيام أنقص من حالة القيام، فلم يحتسب بقراءته فيها.
والعاجز عن القيام فرضه القعود وحالة الهوي إلى القعود أكمل من حالة القعود، فيحسب قراءته فيها.
ولو قرأ في حالة الارتفاع إلى القيام من القعود قال ﵁:
إذا كان دون آية يبني على صلاته، ولا يستأنف الفاتحة، وإن كان لا يحسب له ذلك القدر من القراءة، بل يعيدها ويأتي بالباقي فإن قرأ آية أو أكثر هذا يبني على أنه إذا كرر الفاتحة في الصلاة عامدًا هل تبطل صلاته أم لا.
إن قلنا: تبطل صلاته فها هنا يستأنف القراءة، وإلا فلا
ولا نحكم ببطلان صلاته وإن تعمد فيها، ولو صلى قاعدًا فقدر على القيام فعليه أن يقوم فلو لم يقم نص على أن صلاته باطلة، وقد ذكرنا في نظائرهما قولا آخر أن الصلاة تنقلب نفلا، فيخرج فيها هذا القول أيضا.
والأظهر قول البطلان، وعليه فرع الشافعي ﵁ فقال: من علم من المأمومين بقدرته على القيام، ولم يخرج نفسه عن صلاته بطلت صلاته أيضا، ومن لم يعلم بحاله لم تبطل صلاته، وإن استدام الاقتداء به.
قد ذكرنا أنه إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع يلزمه القيام.
فأما إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع، ومضى قدر إمكان الاعتدال، لا يلزمه أن يعتدل قائمًا، ثم يهوي إلى السجود، لأن الاعتدال ليس بركن ممتد، وإنما هو قدر الطمأنينة حتى لو زاد عامدًا فيه على قدر الطمأننية بطلت
[ ٢ / ١٠١٨ ]
صلاته حتى لو كان هذا في صلاة الصبح قدر الاعتدال بعد ما فرغ من الركوع عليه أن يقوم إذا أراد أن يقنت، ولو قنت جالسًا تبطل صلاته.
قوله: وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت فعليها أن تستتر إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأنها بالعتق استفادت الكمال وساوت الحرائر، وفرض الحرة ستر عورة الرأس في الصلاة، وإن كان الثوب بعيدًا منها، فمشيت إليه وسترت به الرأس، فالمذهب أن صلاتها تبطل.
وخرج فيها قول آخر: من سبق الحدث أنها لا تبطل، ولو صبرت إلى أن أتيت بالثواب، فمرتب على ما لو مشيت إليه إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإن قلنا بظاهر المذهب: إن صلاتها تبطل فها هنا وجهان بناء على ما لو زاد انتظارين في صلاة الخوف، ففرق القوم أربع فرق، وفيه قولان.
وكذلك العاري إذا وجد الستر في خلال الصلاة يلزمه الستر، وحكمه كذلك حكم الأمة إذا اعتقت وقد بينا، وكذلك لو أعتقت، ولم تعلم بالعتق حتى مضي زمان بطلت صلاتها، كمن قع في ثوبه نجاسة ولم يعلم بها، أو انكشفت عورته في الصلاة بريج هبت، ومضى زمان تبطل صلاته.
وقد عطف المزني، ﵀ على مسألة الأمة في معناها من الذين يفتتحون الصلاة بالعذر، فيرتفع العذر، مثل الخائف يأمن في خلال الصلاة فعليه أن يستقبل القبلة كما ارتفع الخوف، والموميء يقدر على القعود والقيام فعليه ذلك كما قدر عليه، ومن لا يحسن الفاتحة فتعلمها في خلال الصلاة فالحكم فيه أنه إن تعلمها في خلال الصلاة بعد الركوع لم يلزمه فرض القراءة، وإن تعلمها في خلال القراءة، فعليه أن يقرأها في الظاهر من المذهب، وإن تعلمها بعد قراءة ما يحسنه من القراءة والذكر وجهان:
أحدهما: يلزمه قراءة الفاتحة: لأنه قدر على قراءتها في محلها، وهو القيام، كما لو تعلمها قبل أيأتي بما علم من الذكر.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
والثاني لا يلزمه، لأنه قدر على الأصل بعد الإتيان بالبدل، كما لو وجد الرقبة بعد الصوم.
فإن قيل: ما الفرق بين القراءة قلتم: يلزمه بعد الإتيان بالبدل وهو القعود، قلتم لا يلزمه وجها واحدًا.
قلنا: القيام لا يعني لعينه، بل للقراءة، وقد أتي بالقراءة في القعود الذي جعل بدلا عن القيام بخلاف القراءة، فإنها المقصودة من القيام، ولم يأت بما هو الأصل من القراءة وقدر عليها في محلها فيلزمها ذلك ولو قدر على التعلم في خلال الصلاة لم يلزمه تعلمها، كما لو وجد الماء في خلال الصلاة لا يلزمه استعماله، لأنه أتي بما هو البدل هناك بالتيمم، وها هنا شيء آخر من الذكر، بخلاف ما لو وجد الستر يلزمه الستر، لأنه لم يأت ببدل عنه إذا العرى ليس ببدل عن الستر.
قد ذكرنا أن من لا يحسن الفاتحة تصح صلاته بذكر يأتي به، وعليه تعلم الفاتحة، فإذا مضى زمان إمكان التعلم ولم يتعلم، فعليه إعادة كل صلاة يصليها بعد مضى زمان إمكان التعلم، فلو اقتدى به في مثل هذه الحالة رجل لم تصح صلاته، لأن صلاته غير محسوبة له، وهكذا كل صلاة لا تكون محسوبة لفاعلها لا يجوز للغير أن يقتدي به فيها، مثل صلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا أو المقيم إذا صلى بالتيمم، فلا يجوز أن يقتدى به فيها، فأما إذا اقتدى بمستحاضة أو بمن به سلس بول، فوجهان:
أحدهما: تصح صلاته، لأنه اقتدي بصلاة محسوبة للفاعل.
والثاني: لا؛ لأنها صلاة ضرورة، إذا النجاسة قائمة لها، ولا ضرورة للمقتدى وسيلان الدم به للضروة.
فاما المتوضيء يجوز له أن يقتدي بالمتيمم، والكاسي بالعاري، وكذا لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي في قوله والقديم، ولا يجوز في قوله الجديد.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
قوله: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارات والصلاة يضربوهم على ذلك إذا عقلوا.
روى أن النبي ﷺ قال: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع.
وإنما أمرناهم بالصلاة على رأس السبع ليتمرنوا لها، ويعتادوا فعلها، ولم نأمر به قبل السبع، لأن الصبيان لا يعقلون قبل السبع غالبًا، وأمرنا بالضرب على رأس العشر لاحتمال البلوغ بالاحتلام، فلا نأمن أنه احتلم لكن يخفيه ولم يؤمر بالضرب قبل العشر، لأنه باستكمالها يصير محلا للشهوة.
قال القاضي ﵀: إنه لا يجوز للأب أن يختن ولده، ما لم يستكمل عشرًا، لأنه ﵇ جعل السنة التي يطيق فيها احتمال الألم السنة العاشرة، وألم الختان لا محالة أشد من ألم الضرب، وأما الهدايا يؤتي بها عند دعوة الختان هي ملك الصبي، والأب يقبل له، حتى يملك، وأما أجرة تعليم القرآن، وأجرة الختان إن كان للصبي مال في ماله، وإن لم يكن فيجب على الأب، وإن كان له عبد غير مختون يجب على مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زمان يحصل فيه أجرة الختان بالكسب، وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الختان بالكسب، وإن لم يخله عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الفاتحة، وهل يجب على الأب أن يعلم الفاتحة لابنه الصغير؟ فيه وجهان:
[ ٢ / ١٠٢١ ]
أحدهما: بلى، لقوله ﵇: مروهم بالصلاة.
وأيضا قال الشافعي: ﵀ وعلى الآباء وعلى كلمة إيجاب.
والثاني: لا يجب، لأن القراءة إنما تجب عليه بعد البلوغ، وهذا محمول على جهة التأكيد، وإنما قلنا: يجب عليه ذلك، فإنه يعلمه بنفسه، أو بالأجرة، والأجرة تجب في مال الأب إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا، ففي مال الابن، وله له أن يعلمه سوى الفاتحة ويعطي الأجرة من مال الصبي.؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك إذا كان له فيه مصلحة.
والثاني: لا، لأنه غير محتاج إليه، وهذا التأديب الذي ذكرنا واجب في الأصل والضرب عليه مباح بشرط السلامة.
فأما الصوم فإن كانت الأيام قصارًا، وكان قوي الخلقة يطيقه يؤمر به، وإن كانت الأيام طوالا في وقت الحرارة، أو كان نضو الخلقة لا يطيقه لا يجوز لا يؤمر به، ثم ذكر الشافعي ﵀ ما يحصل به البلوغ، ومحله كتاب الحجر على ما سيأتي، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]