قال الشافعي: وصلاة الأئمة ما قال أنس بن مالك: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم صلاة من رسول الله ورى عنه ﵇، أنه قال: فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف.
قال القاضي حسين: المستحب للإمام أن يخفف الصلاة، ولا يطول الأركان مثل: القيام والقراءة والركوع والسجود.
روى أبو هريرة ﵁ ان النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم إن كان وحده فليطل ما شاء، وإن كان إماما فليخفف، فإن خلفه الضعيف والسقيم وذا الحاجة.
وعن أنس: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم من رسول الله ﷺ، وعنه انه قال: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في التمام.
وروى أنه ﵊ كان أخف الناس صلاة للناس، وأطول
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
الناس صلاة لنفسه، إلا أن المستحب للإمام أن يأتي بالأركان، والأبعاض، والهيئات كما للمنفرد، ثم يخفف بعد أن يأتي بها على الكمال.
قال المزني: قال: فيؤمهم أقرؤهم، وأفقههم لقول رسول الله ﷺ، يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن لم يجتمع ذلك في واحد، فإن قدم أفقههم، إذا كان يقرأ ما يكتفي به في الصلاة، فحسن وإن قدم أقرؤهم، إذا علم ما يلزمه، فحسن، ويقدم هذان على أسن منهما، وإنما قيل، يؤمهم أقرؤهم، أن من مضى كانوا يسلمون كبارًا، فيتفقهون قبل أن يقرءوا، ومن بعدهم كانوا يقرءون صغارا قبل أن يتفقهوا، فإن استووا، أمهم أسنهم، فإن استووا، فتقدم ذو النسب، فحسن.
وقال في القديم: فإن استووا، فأقدمهم هجرة، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ: الأئمة من قريش.
قال: فإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد في الدين، أجزأ، صلى ابن عمر خلف الحجاج.
قال القاضي حسين: روى أن النبي ﷺ قال: فليؤمهم أقرؤهم، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، وفي بعض الروايات، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا.
وللإمامة خصال يقع بها الترجيح، وهي مثل الورع، والقراءة، والفقه، وسبق الهجرة، والسن، والنسب، وبعض هذه الخصال مكتسبة والبعض غير مكتسبة، ثم بعد هذه الخصال خصال أيضا يرجح بها، وهي مثل حسن
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
الصناعة، وطيب النعمة، ونقاء الثوب، وحسن الوجه، ولا خلاف أن المكتسبة من هذه الخصال الستة مقدمة على غير المكتسبة ثم المكتبسة أيضا على مراتب، فالورع مقدم على غيره من الخصال؛ لأن هذه سفارة بين العبد، وبين الله تعالى، وفي السفارات يرشح لها من هو الأوجه عند توقع الحاجة إليه.
وأما الأوجه عند الله هو الأكرم والأتقى، قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). قال ﵁: ويحتمل أن يقال: الفقه، والقراءة أولى لأن الخبر فيها ورد، والنبي ﷺ تعرض لهما دون الورع، فدل أنهما أهم وأولى، وإن استويا في الورع فالأقرأ أولى، وإن استويا في الورع والقراءة فالأفقه أولى، وإن استويا في الورع والفقه والقراءة، فالأسبق هجرة أولى، ومعنى سبق الهجرة أن يكون أحدهما أسلم منذ عشر سنين، والأخر اكتسب من الطاعات والخيرات، ما لم يكتسبه حديث العهد بالإسلام، وإن استويا في الخصال الأربع، فالأسن منهما أولى، فإن استويا في السن، فالأرفع نسبًا أولى، إن كان أحدهما أرفع نسبًا من صاحبه، فإن كان أحدهما أقرأ، والآخر أفقه، فالأفقه أولى عندنا.
وقال أبو حنيفة: الأقرأ أولى، لأن النبي ﷺ قدم الأقرأ وبدأ به.
أجاب الشافعي ﵀ عليه، لأن هذا خطاب لأولئك الذي كانوا على عهده ﵇، وهم أنهم كانوا يسلمون كبارًا، ويتفقهون قبل أن يقرءوا، فكان لا يوجد قاريء منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه، وهو ليس بقاريء فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة كله إلا ستة نفر: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وقيل: عبد الله بن عباس، ﵃، ولأن ما يجزئه من القراءة في الصلاة محصور، وما يقع من الحوادث فيها غير محصورة، فقدم الأفقه بهذا المعنى، وإذا كان أحدهما أسن، والآخر أنسب فقولان:
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
أحدهما: الأسن الأولى، لأنه فضيلة في ذاته، والنسب فضيلة تكون في ذات الغير.
والثاني: النسب أولى، لأنه يشبه المكتسب، فإن قريشًا سميت قريشًا، لأنهم يقرشون الطعام، ويقرون الضيف، وكان يسمى بنو هاشم كذا بنو هاشم، لأن جدهم كان يهشم الثريد للناس، وقد قال النبي ﷺ قدموا قريشًا، وقال ﵇: الأئمة من قريش.
وحكي المزني ﵀ عليه عن القديم، فإن استووا فأقدمهم هجرة منهم من قال: أراد به هجرة آبائه، فعلى هذا يكون ذلك جوابًا على القول الذي يقول: النسب أولى من السن.
ومنهم من قال: أراد به هجرة نفسه، فعلى هذا يعود الأمر إلى ما بيناه من أن أسبقهما هجرة يقدم على الأسن والأنسب.
ومن أسلم بنفسه كان أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه عن إسلام من أسلم أبواه، لأنه إذا أسلم بنفسه، فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، بخلاف الآخر، والأورع الفقيه في باب الأمامة أولى من الأفقه الورع، وفي باب الفتوى، الأفقه الورع أولى من الأورع الفقيه.
والفرق ما بيناه من أن الإمامة سفارة، وأن استويا في الفقه والقراءة، وكان أحدهما أقدم هجرة والآخر أنسب، ففيه قولان:
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
قوله: فإن أم من خلع عنانه في خلاف الحمد، أجزأه.
تظرف الشافعي ﵀ في العبارة، وإنما أراد به الفاسق الذي خلع العذار، فإمامته جائزة، إلا أن يكره الصلاة خلفه، ويكره له أن يصلي بالناس، وهكذا كل إمام يكرهون إمامته يكره له أن يؤم بهم. روى أن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة من يؤم قومًا وهم له كارهون وصلاة امرأة زوجها عاتب عليها.
أي غضبان: يقال: عتب الزوج، على زوجته، وسخط السلطان على رعيته، ووجد الوالد على ولده، وغضب السيد على عبده.
هذا إذا كانوا يكرهون إمامته لمعنى فيه من زنا، أو شرب الخمر، أو غير ذلك من وجوه الفسق، فأما إذا كانوا يكرهونه من غير موجب لم يكره أن يؤم بهم، لأن الذنب لهم، ووبال الكراهة عليهم.
قال المزني: ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه ولا في ولاية سلطان بغير أمره، ولا في بيت رجل أو غيره، لأن ذلك يؤدي إلى تأذيه.
قال القاضي حسين: أما السلطان أولى بالإمامة في الصلوات الخاصة، والعامة، والصلوات العامة: مثل العيدين، والخسوفين، والجمعة، والاستسقاء وإن جوزنا دونه.
والخاصة: مثل الصلوات المفروضات إذا اجتمع السلطان وغيره، فالسلطان أولى من صحاب البيت إذا اجتمعا، وصاحب البيت أولى من الأجنبي، والمستأجر أولى من الآجر، ويعني بصاحب البيت الساكن فيه لا المالك، والمستغير أولى من المعير، والمكاتب أولى من السيد.
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
قال الشافعي رحمة الله عليه في موضع العبد اولى، ومعلوم أن العبد يملك له، وإنما أراد به في غير المولى، أو أراد به المكاتب مع المولى، وإذا اجتمع المقيمون والمسافرون، فالمقيمون أولى.
وروى أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحد أحدا في بيته، إلا بإذنه، ولا في ولاية سلطانه، إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمة أخيه إلا بإذنه.
وإنما أراد بالتكرمة ما يكرم الإنسان الداخل عليه به من الوسادة ونحوها ينبغي للمرء ألا يجلس في الصدر إذا دخل على آخر، إلا بإذنه، ولهذا قيل في المثل: اجلس حيث تجلس، فإذا أذن له في الجلوس عليه حينئذ يجلس عليه.
[ ٢ / ١٠٧١ ]