قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال، صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
قال الشافعي ولا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، وإن جمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه، والمسجد الأعظم، وحيث كثرت الجماعات أحب إلي
وروى ان النبي ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: أن يقول: ألا صلوا في رحالكم، وأنه ﷺ قالأ: إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة.
قال فيه: أقول: لأن الغائط يشغله عن الخشوع.
قال: فإذا حضر فطره أو طعام فطره، وبه إليه حاجة، وكانت نفسه شديدة التوقان إليه، أرخصت له في ترك إتيان الجماعة.
قال المزني: قلت أنا: وقد احتج في موضع آخر، أن النبي ﷺ قال: إذا وضع العشاء فأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء.
قال المزني: فتأوله على المعنى، لئلا يشغله منازعة نفسه عما يلزمه من فرض الصلاة.
قال القاضي حسين: الصلاة قسمان: صلاة لا تتأدى إلا بالجماعة وهي الجمعة، فتجب لها الجماعة على كل حال إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
وصلاة تتأدى بغير الجماعة وهي ما عدا من الجمعة من الصلاة، فهل تفرض لها الجماعة
اختلفوا فيه، فخرج أبو سليمان الخطابي قولا للشافعي، ﵀ أنها تفترض فرض العين من كلام له في الكبير، وذلك أنه تلا آيتين:
إحداهما: قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا.
وقوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوًا
ثم قال: يحتمل أن الله تعالى قصد به الرد على المنافقين، وزجرهم عما هم عليه، ويحتمل أنه قصد به التحذير لمن ترك الجماعة، والصحيح وجهان آخران:
أحدهما: هي سنة مؤكدة، إذ ليس فيها إلا اكتساب الفضيلة.
والثاني: فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو قعد عنه أهل بلد أو قرية يقاتلون.
وقال أحمد وإسحاق وابن خزيمة: الجماعة فرض عين على كل أحد يعصي بتركها إلا إذا كان معذورًا.
لنا قوله ﵇: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فدل على أن الجماعة أثرها في الفضيلة لا غير.
وروى أنه قال ﵇: صلاتك مع الواحد أزكي من صلاتك وحدك،
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
وصلاتك مع الاثنين أزكي من صلاتك مع الواحد، وكلما كثرت الجماعة كان أفضل عند الله تعالى.
وروى عن عتبان بن مالك أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير ولي دار واسعة، فأحضر داري فصل في موضع اتخذه مصلى، فحضر داره، وصلى في موضع فاتخذه مصلى، وأيضا أمر مناديه حتى نادى في الليلة المطيرة: ألا صلوا في رحالكم.
وقال أيضا: إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
واحتجوا بقوله ﵇: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
وهذا محمول على نفي الفضيلة.
قال روى عن النبي ﷺ أنه قال: لقد هممت أن آمر فتيانا من قريش ليجمعوا حزمًا من الحطب، فاتخلف معهم على من تخلف عن الجماعة فأحرق عليه بيته، ولو علموا أنهم لو شهدوها لوجدوا عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لأتوهما ولو حبوا، وأراد بالمرماتين مائتين، قيل: سهمين، وقيل: عظيمين عليهما قليل لحم.
وروى أنه قال ﵇: ما من اثنين ولا ثلاثة في قرية ولا بادية لا يصلون بالجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأكل الشاة القاصية الفاذة.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
وروي عن عبد الله بن أم مكتون أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير، وإن لي على الطريق نخيلا، وليس لي قائد يلائمني، فهل ترى لي رخصة في ترك الجماعة، فقال ﵇، هل تسمع النداء؟ فقال/ نعم، فقال: لا.
والأخبار كلها محمولة على الاستحباب، والتحريض على الجماعات، بدليل ما رويناه من الأخبار، هذا كله لمن لم يكن له عذر، فإن كان له عذر جاز أن يترك الجماعة، مثل أن يكون في الطريق وحل شديد، وكانت السماء تمطر أو كان البرد مفرطاـ أو الرياح تهب شديدًا أو كان يخاف على نفسه أو على ماله، ولا يجد من يحفظ أمتعته في بيته.
قال ﷺ: إذا ابتلت النعال فالصلاة في النعال، اختلفوا فيه، منهم من قال: هي جمع النعل، وهي وجه الأرض.
وروى أنه ﵇ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم.
قيل: كان المؤذن يقولونها بعد الحيعلتين في محل التثويب.
وقيل: كان يقولها بعد الفراغ من الأذان، وكذلك إذا كان مدافعًا لأحد الأخبثين، فإن كان حازقا، وهو الذي أخذه الغائط، أو حاقنًا، وهو الذي أخذه الريح جاز له ترك الجماعة.
والمستحب لمن أخذه ما يشغله عن الخشوع والخضوع والصلاة أن يبدأ به إذا كان في الوقت سعة لما روى أنه ﵇ قال: إذا وجد أحد الغائط فليبدأ به قبل الصلاة.
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
وروي أنه قال ﵇: لا يصلين أحدكم وهو يدافع أحد مخبثيه.
وروى أنه ﵇ قال: لا يصلين أحدكم، وهو زناء
وعن عمر أنه قال: لا يصلين أحدكم وهو ضام وركيه، وكذلك إذا حضرت الصلاة وبه فرط الجوع، صائمًا كان أو غير صائم، فله أن يسكن جوعة بلقمتين أو ثلات، كي لا يمنعه ذلك من الخشوع والخضوع في الصلاة.
قال ﵇: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشا.
ولا يرخص له في أن يجلس على المائدة، ويتضلع، بل يسكن الجوعة، ثم يبادر إلى الصلاة ليحوز فضيلة الجماعة. فأما إذا ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالطهارة أو بالأكل لذهب الوقت، تأمره بالصلاة، لأن إخراج الصلاة عن الوقت مع الإمكان بحال لا يجوز.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
ومن قرب من عرفات وضاق الوقت بحيث لو اشتغل بصلاة العشاء لفاته الوقوف بـ (عرفة) هل له التأخير؟
يحتمل وجهين، ومن قدر على الوضوء بالماء، ولكن لو اشتغل به لفاته الوقت لا يباح له التيمم، ويترك الوضوء بالماء
[ ٢ / ١٠١١ ]
فصل
قال الشافعي: ﵀: وإن أجمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه في أي بقعة صلى بالجماعة يجزئه، سواء في البيت أو في المسجد، ولكن الأفضل حيث تكثر الجماعة، هذا إذا كانت الجماعة في مسجده لا تختل بتخلفه عنها، فإن الجماعة تختل فيه بتخلفه عنها، فالأفضل أن يصلي في مسجده وإن كان لا يحضر مسجده أحد، فالأفضل أن يؤذن ويقيم، ويصلي الفرض منفردًا، إن لم يحضره، من يصلي معه، ويخفف الصلاة ويخرج إلى مسجد يصلي فيه معهم بالجماعة.
[ ٢ / ١٠١٢ ]
فصل
إذا عقد الجماعة في مسجده مرة، فحضرت جماعة أخرى، إن كان المسجد على شارع يأتيه الناس ليس له إمام راتب ومؤذن راتب لم يجز على طريقة بعض أصحابنا
وقال العراقيون: يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز لما فيه من شق العصا، ومخالفته القوم.
روى أن النبي ﷺ سلم من صلاة الصبح يومًا، فحضره واحد وشرع في الصلاة منفردًا، فقال ﵇، هل فيكم من يقوم فيتصدق عليه ويصلي معه
فقام واحد صلى معه، حين أذن في الجماعة.
ولم يصلوا معه قبل إذنه ﵇ والله أعلم.
[ ٢ / ١٠١٣ ]