الماء على قسمين: قليل وكثير.
ويعني بالقليل ما يتقاصر عن القلتين، وبالكثير ما بلغ القلتين فصاعدًا، وسيأتي حكم الكثير.
فأما القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة.
وقال مالك: لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كالماء الكثير واستدل عليه بقوله ﵇: خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ولم يفصل بين القليل والكثير.
قلنا: هذا عام فنحمله على الكثير بدليل قوله ﵇: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».
فمفهومه يدل على أن القليل بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي﵀-: وإذا وقع في الإناء نقطة خمر، أو بول أو دم، أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئ به الطهارة.
قال القاضي حسين: خص بدركها الطرف بالذكر.
من أصحابنا من قال: المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف، وبين ما لا يدركها الطرف في الثياب لا في الماء.
فإنه قال في القديم: وإن كان على ثوبه قدر كف من دم، فهو معفو، وإن كان من سائر النجاسات، إن كان مما لا يدركها الطرف فمعفو، وإن كان مما يدركها الطرف، فليس بمعفو.
وقال في الجديد: إذا كان عليه قدره دم البراغيث، من الدم الذي خرج من بدنه، فهو معفو، وسائر النجاسات لا يعفى عنها، أدركها الطرف، أو لم يدركها.
واستدل على قوله القديم بما روي عن جعفر بن عبد الله بن محمد الباقر أنه قال: لقد هممت أن أتخذ ثوبًا للمغتسل لما رأيت أن الذباب تقع على النجاسات، ثم تطير على الثياب، إلا إني رأيت السلف لا يتحرزون عن ذلك فتركته.
[ ١ / ٤٦٥ ]
فحاصل المذهب: أن ما يدركها الطرف ينجس به الماء والثوب.
فأما ما لا يدركها الطرف:
من أصحابنا من جعل في الثوب والماء قولين:
أحدهما: ينجس به الماء والثوب.
والثاني: ينجس به الماء دون الثوب.
والفرق بينهما أن الماء يمكن صونه، وتغطيته في الأواني، كي لا يقع فيه الذباب، ولا يتعذر ذلك، بخلاف الثياب.
وأيضا فإن الذباب إذا طار من النجاسة، فتجف رجله في الهواء، ثم لو وقع على الثوب، وكان الثوب يابسًا، فإنه لا يؤثر فيه بخلاف الماء، فإنه مائع فإذا لاقاه الماء يترطب رجله فينجس به الماء.
قال المزني: وإن توضأ رجلٌ، ثم جمع وضوءه في إناء نظيف، ثم توضأ به، أو غيره، لم يجزه، لأنه أدي به الفريضة مرة، وليس بنجس لأنه النبي ﷺ توضأ ولا شك أن من بلل الوضوء [ما] يصيب ثيابه، ولا نعلمه غسله، ولا أحدًا من المسلمين فعله، ولا يتوضأ به، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة، وليس على ثوب، ولا أرض تعبد ولا أن يماسه ماء من غير نجاسة.
قال القاضي حسين: الماء المستعمل على قسمين: مستعمل في الحدث، ومستعمل في الخبث.
فأما المستعمل في الحدث فهو الذي استعمل في طهارة الفرض في المرة الأولى، وأدى به حكمي من حيض أو جنابة.
ظاهر المذهب: أنه طاهر غير مطهر.
وفيه قول قديم للشافعي، وهو مذهب مالك أنه طهور، وحكي عيسى بن أبان عن الشافعي هذا القول.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قال ابن سريج: وهم في نقل هذا القول، فظن أن مذهبه أن الماء المستعمل طهور لكثرة ما رأي الشافعي يحتج على أبي يوسف فيه على أنه طاهر.
وعن أبي حنيفة روايتان.
وقال أبو يوسف/ إنه نجس، وعندنا يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
[ ١ / ٤٦٧ ]
ولأي معنى صار مستعملًا.؟
فيه معنيان:
أحدهما: لأنه أدي به الفرض مرة، وقد نص عليه الشافعي في أول الفصل.
[ ١ / ٤٦٨ ]
والثاني: أن يستعمل، ويؤدي به العبادة، مستنبط من قوله، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة، وليس على الثوب تعبد، ولا على أرض تعبد.
فعلى هذا: إذا استعمل الماء في الكرة الثانية والثالثة في الوضوء، أو جدد الوضوء أو اغتسل للجمعات، أو الأعياد أو الصبي المراهق يتوضأ.
هل يكون طهورًا أو لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: إن المعنى فيه أنه أدي الفرض به، وهذه المياه لم يؤد بها الفرض، فيكون طهورًا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: فلا يكون طهورًا، لأنه أدي به العبادة.
فأما الذمية إذا طهرت من الحيض، واغتسلت لقربان الزوج إليها.
إن قلنا بالمعنى الأول: يصير الماء مستعملا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: لا يصير الماء مستعملا، لأنه لم يؤد به العبادة.
فرع:
الماء المستعمل في إزالة الحدث، هل يجوز إزالة الخبث به
فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن للماء قوتين:
قوة رفع الحدث، وقوة رفع الخبث.
والثاني: لا، لأن هذا ما لا يرفع الحدث، فلا يرفع الخبث، وكذا الماء المستعمل في إزالة الخبث.
فهل تجوز إزالة الحدث به؟
[ ١ / ٤٦٩ ]
فوجهان على ما ذكرنا.
فرع:
فأما إذا جمع الماء المستعمل في إناء حتى بلغ قلتين.
فيه قولان:
أحدهما: يعود طاهرًا مطهرًا، لأنه صار إلى حاله، ولو كان عليه في الابتداء لم يحكم بكونه مستعملا، كالمياه النجسة، إذا جمعت حتى بلغت قلتين.
والثاني: لا بخلاف الماء النجس، لأن العلة لنجاسة القلة، وقد ارتفعت العلة إذا بلغت قلتين، وها هنا العلة فيه كونه مستعملا، وهذه الصفة تكون مع كثرة الماء، ولاترتفع عنه إذا بلغ قلتين.
فرع:
لا خلاف أن تجديد الوضوء سنة لقوله ﵇: الوضوء شطر الإيمان.
وروى عنه ﵇، أنه قال: من جدد الوضوء جدد الله إيمانه، فلو توضأ، ولم يصل به شيئا يكره له تجديد الوضوء، لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث في كل عضو.
وإن توضأ وصلى به الفرض، فإن أراد أن يصلي فرضًا آخر يستحب له تجديد الوضوء، وإن أراد أن يصلي به النافلة، هل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
[ ١ / ٤٧٠ ]
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العادة ما جرت بتجديد الوضوء للنافلة.
والثاني: بلى؛ لأنه قد أدى بالوضوء فرضًا واحدًا.
فأما إذا توضأ وأدي به صلاة التطوع، ثم أراد أن يصلي صلاة الفرض، فهل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعيين في الماء المستعمل.
إن قلنا: إن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به الفرض، فها هنا لا يستحب له تجديد الوضوء.
وإن قلنا: بأن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به العبادة فها هنا يستحب له تجديد الوضوء ثانيًا.
فأما الماء المستعمل في إزالة الخبث فلا يخلو إما أن ينفصل عن المحل، ويحكم بطهارة المحل، أم لا يحكم بطهارته، فإن حكم بطهارة المحل، ينظر في الماء، فإن لم يكن متغيرًا.
الظاهر من المذهب: أنه طاهر.
وحكي أبو القاسم الأنماطي قولا آخر: أنه يكون نجسًا، وهو مذهب أبي حنيفة وفيه قول قديم، وهو مذهب مالك، أنه يكون طهورًا، والمذهب الأول فأما إذا كان الماء متغيرا فإنه يكون نجسًا وفي المحل وجهان:
أحدهما يكون طاهرًا، لأن النجاسة انتقلت منه إلى الماء.
والثاني: يكون نجسًا، لأنه بقي على المحل بلل، وهو بعض الماء، والماء الواحد لا ينقسم في الطهارة والنجاسة.
فأما إذا لم يحكم بطهارة المحل، بأن انفصل الماء عنه، وعين النجاسة على المحل باق، والماء متغير، فهما نجسان الماء والمحل، فأما إذا انفصل الماء غير متغير، والعين على المحل قائمة.
[ ١ / ٤٧١ ]
فالمحل نجس لا محالة، فأما حكم الماء يبني على المسألة الأولى إن قلنا هناك: يكون الماء نجسًا، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يكون نجسًا فها هنا فيه وجهان.
والفرق أن هناك انفصل عن محل طاهر، وها هنا انفصل عن محل نجس، ثم ذكر ابن سريج في غسالة النجاسة ثلاثة معان:
أحدهما: أن حكم الماء بعد ما انفصل عن المحل حكم الماء قبل إيراده على المحل، وهذا ينزع إلى القول القديم.
والثاني: أن حكمه حكم المحل قبل ورود الماء عليه.
والثالث: أن حكمه حكم المحل بعد ورود الماء عليه، وفائدته إنما تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب محلا، فينبني على المعاني الثلاثة التي ذكرناها في غسالة غير الكلب، فإن أصابه في المرة أولى.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل لم يجب غسله منه.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه لم يجب غسله سبع مرات، ويجب التعفير.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراده الماء عليه، فيجب غسله ست مرات ثم إن وجد التعفير في محل الولوغ، فلا يجب ها هنا في الموضع الذي تقاطرت إليه وإلا فعليه التعفير، وعلى هذا القياس لو تقاطر من المرة الأولى والثانية والثالثة، فأما إذا تقاطر من المرة السابعة.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل، فلا يجب غسله.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه، فيجب غسله مرة واحدة، وحكم التعفير على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراد الماء عليه لا يجب غسله أيضًا، وفي غسلات الكلب إذا جمعت وجهان:
[ ١ / ٤٧٢ ]
أحدهما: أنها نجسة ما لم تبلغ قلتين.
والوجه الثاني: أنها طاهرة، لأن مجموعها طهرت المحل، فصار كغسالة غير الكلب، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا ولغ الكلب في الإناء، فقد نجس الماء، وعليه أن يهريقه، ويغسل منه الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب، كما قال رسول الله ﷺ.
قال القاضي حسين: إذا ولغ الكلب فيه فقد نجس الماء وعليه أن يهريقه، ويغسل الإناء منه سبع مرات، أولاهن أو آخرهن بالتراب.
وقال أبو حنيفة: يغسل ثلاث مرات، ولا يجب التعفير، وكذا عند حكم سائر النجاسات الحكمية، والدليل عليه حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ، قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
ولا نعنى بالتعفير إن نلقي التراب الجامد في الإناء، ونمسح به الإناء أو الطين، إذا كان متجمدًا غير سيال يلقى فيه، وتحركه فيه، بل نعنى به أن نلقي التراب في واحد من الغسلات السبعة مع الماء، حتى يتكدر الماء به، فيكون محسوبًا، ولو كان الماء كدرًا بالتراب بأن كان في وقت الربيع، فإنه يقوم مقام التعفير.
فأما الغسلة الثامنة هل تقوم مقام التراب أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن الماء أبلغ قوة في التطهير.
[ ١ / ٤٧٣ ]
والثاني: لا؛ لأن النص ورد في التراب تعبدًا.
وهي يقوم غير التراب من الأشنان، والصابون والنخالة مقام التراب أم لا؟ فيه قولان نص عليهما في الجديد:
أحدهما: لا؛ لورود النص في التراب.
والثاني: وهو اختيار المزني، نعم، لأنها طهارة ورد الشرع بها بالجامد فلم يختصر بذلك الجامد كالاستنجاء وكالدباغ ثم اختلفوا في محل القولين منهم من قال: القولان في جميع المحال كلها.
ومنهم من قال القولان عند عدم التراب، لأن الشافعي، قال وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا، فأما إذا وجد التراب قول واحد: أنه لا يجوز.
ومنهم من عكس ذلك وقال: عند وجود التراب قولان.
قال: فإن كان في بحر، لا يجد فيه ترابًا، فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف من أشنان أو نخالة، أو ما أشبهه ففيه قولان:
أحدهما: ألا يطهر إلا بأن يماسه التراب.
والاخر: يطهر بما يكون خلفا من تراب، أو انظف منه [مما] وصفت، كما نقول في الاستنجاء.
قال المزني: قلت أنا: هذا أشبه بقوله: لأنه جعل الخزف في الاستنجاء، كالحجارة لأها لا تقي إنقاءها، فكذلك يلزمه أن يجعل الأشنان كالتراب، لأنه ينقي نقاءه، أو أكثر وكما جعل ما عمل عمل القرظ والشث في الإهاب في معنى لقرظ والشث، فكذلك الأشنان في تطهير الإناء في معنى التراب.
قال المزني: [الشث شجرة تكون بالحجاز].
قال القاضي حسين: أراد به أن الغالب أن التراب لا يوجد في البحر، كما نص على الحجر في الاستنجاء، فذكره لا لتعليق الحكم.
[ ١ / ٤٧٤ ]
فأما عند عدم التراب قول واحد: أنه يجوز.
فإذا قلنا: غير التراب في الإناء يقوم مقامه، ففي التراب أولى، وإلا فوجهان، والفرق أن تأثير الأشنان والصابون أقوي في الثوب.
وأيضا إن العادة ما جرت باستعمال التراب في غسل الثياب، لأنه مما يفسده بخلاف الأواني.
فأما إذا أصاب الأرض ولوغ الكلب، ففي اعتبار التعفير وجهان:
الأظهر: أنه لا يعتبر، لأنه يحصل في كل مرة.
والثاني: بلي، للنص.
فأما إذا ولغ الكلب في إناء، ثم غمس الإناء في ماء لا يخلو، إما أن يكون الماء جاريًا أو راكدًا، فإن كان جاريًا إن تركه فيه ريثما يجري الماء عليه سبع جريات فذاك.
والثامنة هل تقوم مقام التعفير؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
وإن أخرجه في الحال فعلى وجهين:
أحدهما: عاد طاهرًا لأنه صار إلى حالة لو كان عليها لم ينجس بالولوغ. والثاني: لا، ويحتسب ذلك غسلة واحدة.
وإن كان الماء راكدًا، فإن غمسه فيه، وخضخض الماء فيه سبع مرات فذاك، وإن أخرجه في الحال لا يعود طاهرًا، وإن تركه فيه زمانًا، ولم يحرك الماء، فيه وجهان.
فأما دم الكلب وبوله في ظاهر المذهب كريقه إذا راعينا المعنى، وهو قوله الجديد، وإن راعينا النص، وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذلك إن مس قوائمه، أو بجزء من أجزائه موضعًا رطبًا إن راعينا القياس، وهو قوله الجديد يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وإن راعينا النص،
[ ١ / ٤٧٥ ]
وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذا حكم الخنزير حكم الكلب في الجديد، لأنه أسوأ حالًا منه، إذ هو متفق في تحريمه، والكلب مختلف فيه.
وفي القديم إذا راعينا النص حكمه حكم سائر النجاسات.
فرع:
لو ولغ كلبان في إناء واحد وأكثر لا تجب فيه الزيادة على السبع، بخلاف ما لو بال رجلان في أرض يصب عليه ذنوبان من الماء، لأن ذلك لإذهاب عين النجاسة فكلما أزدادت النجاسة زيد في الماء بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: ﵀، ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا، أحب إلى فإن غسله واحدة، تأتي عليه، طهر، وما مس الكلب والخنزير من الماء من ابدانهما نجسة، وإن لم يكن في أبدانهما قذر.
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا حكم نجاسة الكلب والخنزير، وأما نجاسة سواهما، إن كانت عينية فعليه إزالة العين، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصى فيه، فإن لم يذهب فالظهر أنه يكون معفوًا لما روى عن عائشة، ﵂ أنها قالت كنا نغسل الثياب من دم الحيض وتبقي فيه بقعة، أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها.
وإن كانت حكمية فنغسلها إلى أن يغلب على ظنه طهارته، ولا يعتبر فيه العدد.
ومن أصحابنا من قال: إنه يصب عليه سبعة أضعاف النجاسةن والصحيح هو الأول، ويدل عليه حديث أسماء.
وقوله: (ثم اغسليه بالماء)،
قال القاضي حسين، ليس فيه ذكر عدد، ولا شيء، ولكن يستحب عندنا غسله ثلاث مرات.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وقال أبو حنيفة: إنها واجبة، وقد ذكرناه.
فأما إذا انغمس الثوب في نجاسة من بول وغيره، ثم غسل بماء معلوم القدر، وانفصل منه الماء، ووزن بعده، فإن زاد الماء على مقداره يكون نجسًا، لا محالة، وإن لم يكن متغيرًا، لأن هذه الزيادة أقوى دليل على نجاسته من التغيير.
ثم المزني احتج على أبي يوسف في أن الماء المستعمل طاهر، حيث قال: إنه ماء طاهر منفصل عن محل طاهر، فالنجاسة من أين.
فاعترضوا عليه بأن قالوا: عندكم لو كان الماء القليل في إناء فنجس، وفي إناء آخر مثله، وكان نجسأ ثم جمعا في إناء واحد، وبلغا قلتين يصيران طاهريين، وهذا ماء نجس اجتمع مع ماء نجس فالطهارة من أين.؟
جوابه ما ذكرنا أن العلة فيه القلة عندنا وقد ارتفعت بالجمع والكثرة،
والثاني: قالوا: إذا غر العبد بأمة فولدت منه، قلتم،: بأن الولد حر، وهذا مولد بين رقيقين، والحرية من أين؟
جوابه: أنه وطئها على زعم أن ولده يكون حرًا منها، فإذا غر بالأمة صار الولد حرًا لغروره بذلك.
واحتج مالك في كونه طهورًا، وقاسه على الثياب أنه يجوز أن يتأدى به فرائض كثيرة، فكذا الماء مثله، وهذا شرط من شرائط الصلاة، كالستر، سواء قلنا: الفرق بينهما أن العادة جرت أن الناس يصلون في ثوب واحد أيامًا، بخلاف الماء، وأيضا فإنه جامد، فلم يصر مختلطًا به، ولا مستعملا في شيء حقيقة، بخلاف الماء.
قال المزني: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالا من الكلب، فقاسه عليه، وقاس ما سوى ذلك من النجاسات على أمر النبي ﷺ أسماء بنت أبي بكر في دم الحيضة، يصيب الثوب، أن تحته، ثم تقرصه بالماء، وتصلي فيه، ولم يوقت في ذلك سبعًا، قال القاضي حسين: أسار الحيوانات على نوعين، فإن كان الحيوان نجس
[ ١ / ٤٧٧ ]
العين كالكلب والخنزير والمتولد منهما، أو من أحدهما، سؤر الكل نجس، فأما ما كان طاهر العين، فسؤره يكون طاهرًا يستوي فيه الآدمي وغيره من البهائم والسباع وغيره.
فأما الهرة فسؤرها طاهر، فأما إذا أكلت نجاسة، ثم ولغت في ماء قليل في الحال حكم بنجاسة ذلك، ولو تحقق طاهرة فمها، ثم ولغت في الماء القليل لا يحكم بنجاسته فلو عادت، ثم عادت وولغت ينظر فإن لم يكن هناك ما يتوهم أنها ولغت فيه، وطهرت فمها فإنه يحكم بنجاسة ذلك الماء، ولو بقيت مدة يحتمل ورودها على ماء كثير بأن كان ماء كثير قريب من ذلك الموضع فوجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته لاحتمال ورودها على الماء الكثير.
والثاني: لا يحكم لأنا تيقنا نجاسة فمها، وشككنا في الطهارة، فاجتمع فيه الأصل والظاهر، وكل مسألة اجتمع فيها الأصل والظاهر، فيه قولان للشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: ما كان مأكول اللحم، فسؤره يكون طاهرًا، إلا سؤر الدجاجة، فإنه يكون مكروهًا لأنها تأكل العذرة، وما كان غير مأكول من الحيوان، فسؤره يكون نجسًا، وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه.
قال المزني: واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير بحديث رسول الله ﷺ أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر: قال نعم، وبما أفضلت السباع كلها، وبحديث أبي قتادة ﵁ في الهرة أن رسول الله ﷺ قال إنها ليست بنجس وبقوله ﵊ إذا سقط الذباب في الطعام، فامقلوه، فدل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا ما ذكرت من الكلب والخنزير.
قال القاضي حسين: وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، وأما الخيل عند محمد، فسؤرها طاهر، وعند أبي حنيفة، مشكوك فيه كالبغل، وسؤر سباع
[ ١ / ٤٧٨ ]
الطيور مكروهة، وسؤر سباع البهائم نجسة، لأنها تأخذ الماء بمشفريها، وذلك لحم، وتتعدى النجاسة إلى الماء بخلاف سباع الطيور، فإنهن يأخذ الماء بالمخالب، وذلك عظم لا تتعدي النجاسة منهن إلى الماء، فيدل عليه ما روى أن النبي ﷺ سئل، أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها.
والدليل عليه حديث أبي قتادة في الهرة إلى قوله: إنها من الطوافين عليكم، وبقوله: إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فدل أنه ليس سؤرهن بنجس إلا سؤال الكلب والخنزير، قال القاضي حسين: قوله: والذباب لا يؤكل لم يرد به أنه ليس مأكولا، إذ لا يشتبه ذلك على أحد، ولكن قصد به التعليل، وأنه غير مأكول، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بمقله في الطعام.
دل على أن الحكم لا يدور على المأكول في طهارة السؤر ونجاسته، كما قال أبو حنيفة، بل الأمر على ما بيناه.
وقوله: (وغمس الذباب في الإناء ليس يقتله).
قال القاضي حسين: إنما قال ذلك مع أبي حنيفة، حيث أستدل به على أن ما ليس له نفس سائلة من الحيوانات إذا مات في طعام لا ينجسه عنده، ووجه الاستدلال له أنه أمر بالغمس فيه، فلو كان ينجسه إذا مات فيه لما أمر بذلك.
فأما ألبان ما لا يؤكل لحمه لا لحرمته، فنجسة على ظاهر المذهب.
والقياس أنها طاهرة كالعرق والريق، إلا أن الصحيح أنها نجسة، لأن اللبن مما يتغذى به، كاللحم سواء، وإنما يعفي عن العرق والريق وغيره لعموم البلوى به.
وقال الإصطخري: لبن الأتان طاهر كعرقه.
قال المزني: فإن مات ذباب أو خنفساء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر، إن وقع الماء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر: إن وقع في الماء الذي ينجسه مثله، إذا كان مما له نفس سائلة.
قال المزني: هذا أولى بقول العلماء، وقوله معهم أولى به من انفراده عنهم، قال: وإن وقعت فيه جرادة ميتة، أو حوت، لم تنجسه، لأنهما مأكولان ميتين.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال: ولعاب الدواب، وعرقها قياسًا على بني آدم.
قال: وأيما إهاب ميتة دبغ بما يدبغ به العرب أو نحوه، فقد طهر، وحل بيعه، ويتوضأ فيه، إلا جلد كلب، أو خنزير، لأنهما نجسان، وهما حيان، ولا يطهر بالدباغ عظم، ولا صوف، ولا شعر، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إذا مات في الماء القليل حيوان لا يخلو، إما أن يكون آدميا، أو غير آدمي، فإن كان آدميا، ففيه جوابان بناء على أن الآدمي، هل ينجس به، الماء.
وقسم لا يؤكل لحمه، وهو قسمان:
قسم له نفس سائلة إذا مات في الماء القليل ينجس الماء.
وقسم ليس له نفس سائلة، وهو قسمان:
منها ما يكون نشوءه في الطعام، كدود الباقي والخلي والتفاح ونحوه، فلا ينجس محل نشوئه إذا مات فيه للضرورة العامة، وإن أخرج من هذا المحل، ثم رد إليه، أو مات في غير محل نشوئه حكمه حكم ما ليس نشوءه في الطعام مثل الخنفساء والوزغ والعقرب وغيرها.
وفيه قولان:
في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة عن المزني: أنه ينجس بالموت.
وفي رواية عدنان: لا ينجس.
وقال أبو حامد قولا واحدًا: أنه ينجس بالموت، ولكن القولان في تنجس الماء به.
[ ١ / ٤٨١ ]
وقال القفال: القولان في أنه هل ينجس بالموت أم لا؟
إن قلنا: ينجس بالموت فينجس الماء به، وإلا فلا.
فأما دود القز، فإنه طاهر في حال حيته، ويجوز لانتفاع به، ويجوز بيعه، والصلاة معه ثم إذا مات، هل ينجس بالموت أم لا؟
فيه قولان.
فأما براز دود القز ورقه، هل يجوز بيعه والصلاة معه، إن قلنا: إذا مات لا ينجس، فيجوز ذلك، وإن قلنا: ينجس بالموت فلا يجوز، وإن قلنا: لا يجس بالموت، هل يجب غسل اليلح إذا مات فيه؟ إن قلنا ينجس بالموت، يجب غسله، وإلا فلا، فأما الهلب إذا خرز به خف لا تجوز الصلاة معه، فإذا غسل هل تجوز الصلاة معه؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطنه، فإن الماء لا يدخل تحت تلك الثقبة التي أصابها الهلب وفيه الخرز، فلا يتحقق طهارته، ثم ذكر الشافعي ﵀ ما يطهر بالدباغ وما لا يطهر، وقد أطلنا الكلام فيه فيما تقدم فلا يفيد، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٤٨٢ ]