قال الشافعي: أخبرنا الثقة، هو الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.
ورواه من جهة أخرى عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا التقى الختانان، وجب الغسل.
قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن عامر الدمشقي وغيره، قالوا: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي في هذا الحديث: مثله.
قال: وإذا التقى الختانان، والتقاؤهما: أن تغيب الحشفة في الفرج، فيكون ختانه حذاء ختانها، فذاك التقاؤهما، كما يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا، وإن لم يتضاما.
قال المزني: التقاء الختانين: أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل الذكر أسفل من ختان المرأة.
قال المزني: وسمعت الشافعي يقول: العرب تقول: إذا حاذى الفارس الفارس: التقى الفارسان.
قال القاضي حسين: موجبات الغسل أربعة.
اثنان تختص بهما النساء، وهما الحيض والنفاس.
[ ١ / ٣٦٤ ]
واثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، وهما الجنابة والموت.
وأما الجنابة تقع بشيئين، نزول الماء، والتقاء الختانين.
فأما نزول الماء يوجب الاغتسال، سواء كان في النوم، أو في اليقظة لشهوة أو غير شهوة، بسبب أو بغير سبب، أو لضعف به، أو لمرض أصابه، أو بالإغماء، أو على أي صفة كان يوجب الاغتسال.
وقال أبو حنيفة: إن كان بغير الشهوة لا يوجبه.
دليلنا قوله ﵇: الماء من الماء، ولم يفصل.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فأما التقاء الختانين يوجب الغسل بمجرده من غير الإنزال
وقال الأعمش وأهل الظاهر: إنه لا يوجبه.
والمسألة تلقب بأن الإكسال، هل يوجب الاغتسال؟
واختلف الصحابة فيه أيضًا، وروى عن عمر وجماعة من المهاجرين مثل قولنا.
وروى عن عثمان وجماعة من الأنصار أنهم قالوا: لا يوجب الغسل، فرجعوا فيها إلى عائشة، فقالت عائشة ﵂: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، فانقطع الخلاف فيما بينهما، ورجعوا إلى قولها.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وروي عن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان وجب الغسل.
وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، والتصق ختانه بختانها وجب الغسل، أنزل الماء أو لم ينزل.
ولأنه حكم يتعلق بالجماع، فيتعلق بالتقاء الختانين.
دليله سائر الأحكام المتعلقة بالجماع من حصول الإحصان، والتحليل، ووجوب الحد وغيره.
ويعني بالتقاء الختانين: تغييب الحشفة حتى لو غيب الحشفة في فرج بهيمة، أو في دبر آدمي، رجلا كان أو امرأة، وجب عليه الاغتسال.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال أبو حنيفة: إنه لو أولج في دبر إنسان لا يلزمه الغسل، إلا أنهم يستنكفون عنه الآن، وربما يسلمون وجوب الغسل به، وفساد العبادات، ومذهبهم الأول، هذا إذا كان ذكره سليمًا، فإن كان بعضه مقطوعًا، فإن بقي منه قدر الحشفة وغيبه يتعلق به وجوب الغسل،، وسائر الأحكام، وإن بقي دونه فلا يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما التقاء الختانين في القبل تحاذيهما، دون تضامهما.
قال المزني: وهو أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل ذكر الرجل أسفل من ختان المرأة، فإذا غيب بقدر الحشفة تحاذي الختانان، ووجب الغسل.
تقول العرب: التقى الفارسان إذا تحاذيا وتقابلا، وإن لم يتضاما.
قال أصحابنا: كل حكم يتعلق بالجماع، يتعلق بتغييب جميع الحشفة.
وقال أبو طاهر الزيادي، فساد صوم المرأة يحصل بأدني تغييب الحشفة فيها، ويسقط عنها الكفارة، لأنها صارت مفطرة قبل تغييب جميع الحشفة، فصار كما لو أكلت أو شربت ثم وطئت.
أما في باب الحج، وجب عليها الكفارة.
لأن الكفارة هناك يتعلق وجوبها بجماع تام، وفي باب الصوم وجبت بهتك حرمة الصوم بجماع تام، ولم تبق صائمة عند تمام الجماع.
قال أصحابنا: يتصور وجوب الكفارة عليها بالجماع بأن كانت ناسية للصوم، أو مكرهة على الجماع، ثم طاوعت في خلاله أو نائمة فتيقظت في خلاله، فإنه وجب عليها الكفارة في هذه المواضع.
قال المزني: قال الشافعي: وإن أنزل الماء الدافق متعمدًا، أو نائمًا، أو كان ذلك من المرأة، فقد وجب الغسل عليهما، وماء الرجل الذي يوجب الغسل: هو المني الأبيض الثخين الذي يشبه رائحة الطلع.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قال القاضي حسين: لا فرق بين الرجل والمرأة في أنه إذا نزل منه الماء يلزمه الغسل بأي حال كانت.
وروى أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أو ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال: نعم.
فقالت أم سلمة: فضحت النساء فضحك الله.
فقال لها النبي ﷺ: مه يا ام سلمة، بم يشبه الرجل أخواله، وأعمامه؟ إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أعمامه، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أخواله.
ثم أقبل عليها وقال لها: إذا هي رأت ذلك فلتغتسل.
ثم ذكر صفة المني، وهو أن يكون أبيض، رائحته، تشبه رائحة الطلع أو العجين، وإنما تشبه رائحته رائحة الطلع، لما روى أن الله تعالى قضى في سابق علمه أنه إذا خلق آدم، وفضل فضلة من ذلك التراب، يخلق منه النخلة، ولهذا قال ﵇. أكرموا عماتكم.
يعني: النخلة.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ومن أوصافه أنه يخرج بدفقة ولذة، يعقه فتور، وقد يصفر ويرق لعارض من علة أو كثرة جماع.
ومني المرأة أصفر رقيق.
قال المزني: فمتي خرج المني من ذكر الرجل، أو رأت المرأة الماء الدافق، فقد وجب الغسل عليهما، وقبل البول وبعده سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا حيث قال: إذا غسل، ثم خرج منه مني، فإن كان قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فهو بقية الماء الذي اغتسل له مرة، فلا يوجب الغسل ثانيًا.
وهذا لا يصح، لأن الموجب للغسل نزول الماء وخروجه إلى الظاهر، لا
[ ١ / ٣٧٠ ]
سيلانه من محل إلى محل في الباطن، لقوله ﷺ: الماء من الماء، يعني: استعمال الماء إنما يجب بزول الماء.
فرع
إذا خرج من المرأة مني الرجل.
قال أصحابنا: لا يلزمها الاغتسال.
قال القاضي ﵁: إنما لا يلزمها ذلك إذا أنزل الرجل الماء، ونزل ماؤه منها عقيبه.
فأما إذا مكث بعد ذلك ساعة، ينبغي أن يلزمها ذلك، لأن منيها يختلط بمني الرجل، فإذا خرج لا يخلو عن منيها لا محالة.
قال المزني: وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها.
قال القاضي حسين: لماذا غاير بينهما في اللفظ؟
من أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما تحسينا للعبارة، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات.
ومن أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما، لأن أحدهما يخالف الآخر في الحكم.
ألا ترى أنها لو رأت الدم، وانقطع فيما دون يوم وليلة لا يجعل دم حيض، ولا يجب به الغسل.
وفي النفاس لو رأت الدم لحظة يلزمها الاغتسال، فلهذا غاير بينهما في اللفظ، يعني: تغتسل الحائض إذا طهرت من الحيض، لا بمجرد انقطاع كل دم،
[ ١ / ٣٧١ ]
والنفساء تغتسل إذا انقطع دمها، أي دم كان، فلو أنها أتت بولد، ولم تر الدم، هل يلزمها الاغتسال أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لعدم دم النفاس.
والثاني: نعم؛ لأن خروج الولد لا ينفك عن بلل الدم، ولأن الولد مني منعقد يخرج منها، فصار كما لو كان مائعًا، وتسمي هذه المرأة، (ذات الجفافة).
فرع
إذا ألقت مضغة يلزمها الاغتسال، ولو ألقت علقة، فيه وجهان لما ذكرنا.
[ ١ / ٣٧٢ ]
فرع
لو استدخلت منى زوجها أو مني أجنبي بالشبهة، لا خلاف في ثبوت النسب، ووجوب العدة به، على ظاهر المذهب وسقوط الحد.
فأما في تقدير المهر، وثبوت الرجعة، ووجوب الغسل وجهان.
فرع
إذا لف خرقة على ذكره، وأولج، وغيب الحشفة يجب الغسل والحد.
قال القاضي ﵁، هذا إنما يكون إذا كانت الخرقة رقيقة، بحيث تصل حرارة أحدهما إلى الآخر، ويصير بلل أحدهما إلى الآخر.
فأما إذا كانت خشنة كثيفة، فلا.
فرع
إذا أسلم الكافر، ولم يكن جنبًا، لا يجب عليه الغسل، بل يستحب له ذلك، وإن أجنب في الكفر، فإن لم يكن قد اغتسل، فعليه الغسل بعد الإسلام.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وإن كان قد اغتسل، ففي وجوب الغسل عليه بعد الإسلام.
وجهان:
أحدها: يعيد كالوضوء، إذ لا نية للكافر.
والثاني: لا؛ لأن من جنس الغسل ما يصح في حالة الكفر، وهو اغتسال الذمية من الحيض، إذا كانت تحت مسلم لحقه، فإنا نحكم بصحته لحق الآدمي كذا لحق الله تعالى.
[ ١ / ٣٧٤ ]