قال المزني: قال الشافعي ﵀: وإذا أم رجل رجلا، قام المأموم عن يمينه، وإن كان خنثى مشكلا، أو امرأة، قام كل واحد منهما خلفه وحده.
وروى أن النبي ﷺ أم أنسا، وعجوزا منفردة خلف أنس بن مالك، وركع أبو بكر وحده، وخاف أن تفوته الركعة، فذكر ذلك النبي ﷺ فلم يأمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أن فضيلة الجماعة تحصل باثنين.
قال ﵇: الاثنان فما فوقها جماعة.
وكلما كثرت الجماعة فهو أفضل عند الله تعالى، فإن كانا اثنين،
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
فالمستحب أن يقف المأموم على يمين الإمام، فلو وقف خلفه أو على يساره، فقد ترك السنة وتجزئه والسنة للإمام أن يقف متقدمًا على القوم، بخلاف إمامه النساء، ولو وقف وسطهم يكره، ويجوز حتى لو جاء مسبوق، ولا يعرف من الإمام فاقتدى بمن هو الإمام لا يجوز، بخلاف ما لو كان الإمام متباعدًا عنه، وهو لا يرى لكثرة القوم يجوز له أن يقتدي بمن هو الإمام، والفرق أن في المسألة الأولى ما من أحدٍ إلا ويتصور عنده أن يكون إمامه، بخلاف هذه، والأصل في الوقوف على يمين الإمام ما روى ابن عباس ﵁، أنه قال: بعثني أمي إلى دار خالتي ميمونة لحاجة عشاء، وكانت تلك الليلة نوبتها من رسول الله ﷺ فقصدتها، وكان قد دخل الليل، فأردت الانصراف فخاف رسول الله ﷺ على الليل لحداثة سني فقال: أقم عندنا هذه الليلة، فأقمت فلما أذن المؤذن لصلاة العشاء خرج النبي ﷺ لصلاة العشاء، فخرجت معه وصليت، فلما فرغ من الصلاة رجع إلى البيت وجلس ساعة، وسامر أهله، ثم نام هو وأهله في طول الوسادة، وإنما نمت على عرضها، فلما انتبه ﷺ من نومه استوي جالسا ومسح النوم من عينيه بيده، وقرأ خواتيم سورة آل عمران، إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، إلى آخرها، ثم قام إلى شن معلق في البيت فيه ماء، فتوضأ به، وافتتح الصلاة، وقمت وتوضأت، وافتتحت الصلاة معه، ووقفت على يساره فمد يمينه من ورائه، وأخذ بأذني وفتلها وجرني من ورائه، وأقامني على يمينه، وصلى ركعتين، ثم صلى ركعتين هكذا خمس مرات، ثم أوتر بواحدة، وسلم ونام حتى غط وفي رواية حتى نفخ، وفي رواية: حتى سمعنا غطيطة، فلما أن حان وقت الصلاة جاء المؤذن ونادى، الصلاة الصلاة، فقام وصلى ركعتين، فقلنا له: نمت يا رسول الله فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فخرج إلى الصلاة.
وفي هذا الحديث فوائد منها:
أن الوتر ركعة واحدة، وأن المستحب أن يقف المأموم الواحد على يمين
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
الإمام، وأنه لو وقف خلفه، أو يساره لم يضر صلاته، لأن ابن عباس ﵀ كان على يساره في أول الصلاة، وكان خلفه وقت الأذان، وأن المأموم لا يجوز أن يتقدم على الإمام، لأنه ﵇ جره من ورائه دون قدامه، ولو جاز التقدم على الإمام لكان يجذبه من قدامه، إذ هو أسهل عليه، وأن الاضطجاع مع امرأته على فراش واحد سنة، وإذا تنبه أن يمسح عينيه باليد، ويقرأ خواتيم سورة آل عمران، وأن السنة أن يصلي الإنسان ركعتين ركعتين، وأن النبي ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، فلو كان المأموم رجلا وامرأة، فالرجل يقف على يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل، ولو كان المأموم رجلا وامرأتين، فالرجل يقف على يمينه، والمرأتان خلف الرجل، وإن كان رجلا وخنثى وامرأة، فالرجل يقف على يمين الامام والخنثى خلف الرجل، والمرأة خلف الخنثى، ولو كان رجل وصبي، فيقفان خلفه، ولو كان جماعة من الرجال، وجماعة من الصبيان، وجماعة من الخناثى وجماعة من النسوان، فالرجال يقفون خلف الامام، ثم الصبيان خلفهم، ثم الخناثى، ثم النسوان خلف الخناثى.
وروى عن أنس أنه قال: دخل رسول الله ﷺ بيت أم حرام بنت ملحان فقدم إليه سمن وتمر، فقال ﵇: ردوا التمر في وعائكم، والسمن في سقائكم فإني صائم، ثم صلى فوقف على يمينه وأم حرام وأم سليم خلفنا.
وحكى عن ابن مسعود أنه قال: إذا كان المأموم رجلين يقف أحدهما على يمين الإمام، والآخر على يساره.
وبما روى عن عقلمة انه قال: دخلت انا مع صاحب لي على عبد الله بن
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
مسعود، فصلى بنا، فقام أحدنا على يمينه، والآخر على يساره، ثم قال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ فإذا كان المأموم رجلا واحدا وقف خلف الامام لم يضر صلاته.
وحكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا وقف خلف الصف منفردًا بطلت صلاته فاحتج بما روى أن رجلا وقف خلف الصف، فقال له ﵇: أيها الواقف خلف الصف هلا اتصلت بالصف، أو جررت رجلا من الصف ليصلي معك أعد الصلاة.
دليلنا: ما روينا في حديث ابن عباس أنه قال: جرني رسول الله ﷺ إلى يمينه، فكان وقت الإدارة خلف النبي ﷺ ولما روى أن أبا بكر ﵁ دخل المسجد وكان النبي ﷺ في الركوع، فخاف أن تفوته الركعة، فافتتح الصلاة منفردًا عن الصف، ثم اتصل بالصف، فلما سلم النبي ﷺ قال له: زادك الله حرصًا ولا تعد.
وفي رواية: ولا تعد، ولأنه نوع خطأ في الموقف لا يخرجه عن حد المتابعة فلا يمنع صحة الصلاة، كالمأموم الواحد إذا وقف على يسار الإمام،
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
وفيه احتراز عن الخطأ بالتقدم، لأنه خطأ يخرجه عن حد المتابعة، وقوله ﵊: لا صلاة لمنفرد خلف الصف، حكاية حال يحتمل أنه قال بعض المنافقين، انفرد عن الصف، أو قاله لمنفرد خلق الصف لم يكمل الركوع والسجود.
والخبر الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما روينا.
وإذا تقدم المأموم على الإمام، ففي صحة صلاته قولان:
أظهرهما: وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة أنها باطلة، كما لو خالفه في الأفعال.
والقول الثاني: وهو قوله في القديم، ومذهب مالك صحت صلاته.
واحتج مالك بأن الإمام بـ (مكة) يقف خلف المقام، والناس مستديرين بالكعبة، وفيهم من يكون أقرب إلى الكعبة من الإمام، وكذلك يصلون في البيت، والإمام متوجه إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى أقرب إلى الجدار من الامام، فدل على أن التقدم على الامام لا يبطل الصلاة، والفرق ظاهر أن هناك لم يتقدم على الإمام في الجهة التي تقدم الإمام إليها، ثم العبرة في التقدم والتأخر بالعقب دون الأصابع، حتى لو قام المأموم بجنب الامام، وكان عقبه محاذيًا لعقبه، ولا يتقدم عليه جاز، ولو كان رءوس أصابع المأموم أطول واقرب إلى القبلة لا يضر حين استويا في العقب، وبمثله لو كان المأموم قصير الأصابع تقدم على الإمام بالعقب، وتأخر عنه بالأصابع جعل متقدمًا عليه، وإذا تقدم المأموم على الإمام بجزء قليل من العقب، فعلى وجهين: أحدهما: يجعل متقدما بتقدمه عليه.
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
والثاني: لا؛ لأن هذه مخالفة لا تظهر، كما أن ما لا يظهر من المخالفة في الأفعال لا يضر، كذا ها هنا مثله.
فأما المأموم الواحد إذا اقتدى بالإمام فجاء مسبوق، فالسنة أن يتأخر عن يمين الإمام، ويقفا خلفه.
قال القفال: الإمام يتقدم قليلا دون المأموم، لأن الإمام يرى قدامه، فإذا تقدم لا يضره شيء، بخلف المأموم، فإنه لا يرى ما خلف ظهره، فإذا تأخر بما يضره شيء، فأما إذا صلى خلف الإمام صفا واحدًا، فدخل جماعة وجدوا ما بين الإمام والمأمومين أكثر مما بين الصفين من البعد، فيجوز لهم أن يتقدموا صفا بين الإمام والمأمومين؛ لأنهم قد ضيعوا حقوقهم بوقوفهم على البعد من الإمام.
فأما إذا لم يكن بينهم، وبين الإمام إلا قدر ما بين الصفين، فيكره لهم الوقوف هناك، بل يقفون خلف الصف الأول، ولو دخل رجل والقوم في الصلاة، فإن لم يجد فرجة في الصف، فالمستحب له أن يجذب واحدًا من الصف ليقف بجنبه، ولو صلى منفردًا خلف الصف يجوز، وقد ذكرنا خلافا لأحمد.
قال القاضي حسين: أراد به ردًا على أبي حنيفة حيث قال: تبطل صلاة من خلفها ومن كان بجنبها.
وقريء: وإن صلى وبين يديه امرأة أراد به ردًا على أحمد بن حنبل، حيث قال: إذا مر بين يدي المصلى كلب أسود، أو حائض أو أتان بطلت صلاته، واحتج بما روى أنه ﵊ قال: لا يقطع صلاة المرء إلا ثلاث الكلب الأسود، والأتان والحائض.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
وعندنا: هذا منسوخ بخبر عائشة، ﵂ وروى أنها لما بلغها هذا الحديث قالت: بئس ما عدلتمونا بالكلاب، كان النبي ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وقد ذكرنا أن المستحب ان يتخذ المصلي سترة بين يديه بقدر مؤخرة الرحل شبرين أو ثلاثة، وإذا اتخذ سترة لا يأخذ من المكان إلا قدر ما يتسع لسجوده، ولو ترك اتخاذ السترة لم يكره للمار أن يمر بين يديه، لأنه الذي ضيع حقه بترك السترة.
وهذا كما قال الشافعي ﵀: لو تركوا فرجة في الصف الأول، ولم يسدوها، كان لمن دخل أن يخرق الصفوف، ويسد تلك الفرجة، لأنهم ضيعوا حقوقهم بترك الفرجة في الصف الأول، وإن كان المصلى في الصحراء يغرز خشبة بين يديه إن قدر عليها، وإلا يخط خطا، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]