قال الشافعي: ولا يجزئ طهارة من غسل ولا وضوء ولا تيمم إلا بنية، واحتج على من أجاز الوضوء بغير نية، بقوله ﷺ: (الأعمال بالنيات).
ولا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟
قال القاضي حسين: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية.
فالعينية، ما اختص وجوبها بمحل حلول موجبها، وذلك لا يحتاج إلى النية عند عامة أصحابنا.
وقال ابن سريج، وسهل الصعلوكي، إنها تحتاج إلى النية.
[ ١ / ٢٤٨ ]
والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن محل حلول موجبها، مثل الوضوء والاغتسال والتيمم، والكل يحتاج إلى النية، سواء كانت بالمائع أو بالجامد.
وقال أبو حنيفة: ما كان بالمائع لا يحتاج إلى النية، وما كان بالجامد يحتاج إلى النية.
وقال زفر: الطهارة بالجامد لا تحتاج إلى النية.
إذا ثبت هذا، فالكلام في النية يقع في أربعة مواضع:
في أصل النية، ومحلها، ووقتها، وكيفيتها.
أما أصل النية، فإنه واجب لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات) الخبر.
وأما محل النية.
اعلم أن محل النية الجنان، ولو نوي بالجنان، وتلفظ باللسان فهوا الأكمل، والأولى.
ولو نوى بالجنان، ولم يتلفظ باللسان جاز.
ولو تلفظ باللسان ولم ينو بالجنان لا يجوز.
[ ١ / ٢٤٩ ]
لأن الشافعي رحه الله قال في كتاب الزكاة.
لو قال عند الأداء: هذا عطاء الفرض جاز.
من أصحابنا من قال: إنما جاز هناك أيضًا إذا نوى معه بالقلب.
ومن أصحابنا من قال: يجوز هناك بمجرد التلفظ باللسان، والفرق بينهما وبين سائر العبادات، أن في الزكاة أداء الغير ينوب عن أداء من وجب عليه مع قدرته على الأداء.
فكذا التلفظ باللسان جاز أن ينوب عن النية بالجنان، بخلاف سائر العبادات فأما وقت النية:
اعلم أن للنية وقتين:
وقت استحباب، ووقت إيجاب.
فوقت الاستحباب: أن ينوي عند غسل اليدين، فلو نوي عند غسل اليدين، واستصحب النية إلى أن غسل جزءا من الوجه، أو عزبت نيته، ثم نوي عند أول غسل جزء من أجزاء الوجه، جاز.
ولو عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه لا يجوز.
ولو نوي عند المضمضة والاستنشاق، واستصحب النية إلى غسل أول جزء من الوجه جاز.
وإن عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجوز، لأنه نوي عند افتتاح الطهارة، والشروع فيها، فصار كما لو نوي عند تكبيرة الافتتاح للصلاة.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومنهم من قال: لا يصح؛ لأنه لم ينو عند غسل أول فرض من فرائض الوضوء.
ومنهم من قال: ينظر، إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيء من ظاهر الفم والأنف يجوز، وإلا فلا.
وأما وجه الوجوب هو أن ينوي عند غسل أول جزء من الوجه، إلا أنه لا يحصل له فضيلة المضمضة والاستنشاق، فلو نوي عند غسل الوجه، واستصحب النية إلى آخر الوضوء، فهو المستحب.
[ ١ / ٢٥١ ]
وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضر لما فيه من التعذر والمشقة، فيعفي عنه كما في سائر العبادات، [حيث] تكفي النية إلى آخر جزء.
فأما كيفية النية:
الطهارة على قسمين:
بالجامد مرة، وبالمائع أخرى.
فما كان بالجامد كالتيمم، فإنه ينوي فيه استباحة الصلاة، لأن التيمم لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة، بدليل انتفاضه بدون الحدث.
والطهارة بالماء قسمان:
طهارة رفاهية، وطهارة ضرورة.
فالرفاهية: أن يتطهر الصحيح المقيم، فيتخير بين أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة.
أو ينوي أداء أوامر الله تعالى وفرائضه.
فلو نوي الطهارة فحسب.
قال القاضي: عندي أنه لا يجوز، لأن الطهارة هي التنظيف ولو نوي التنظيف لا تصح طهارته، كذا هذا.
فأما طهارة الضرورة، كطهارة المستحاضة، ومن به سلس البول، فإنه ينوي استباحة الصلاة عند عامة أصحابنا.
وقال (القفال) و(الخضري): إنه يجمع بين نية رفع الحدث،
[ ١ / ٢٥٢ ]
واستباحة الصلاة، لأن طهارته ترفع الحدث السابق، وتبيح الصلاة مع الحدث اللاحق.
قال الشافعي: وإذا توضأ لنافلة أو لقراءة مصحب أو لجنازة أو لسجود قرآن أجزأ، وإن صلى به فريضة.
قال القاضي حسين: جملة ما يتوضأ ويغتسل له ثلاثة أقسام:
منها: ما تجب الطهارة له أو الغسل، كصلوات الفرض والنفل، وسجود التلاوة، والطواف والخطبة، ومس المصحف للمحدث وغيره.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور صحت طهارته، ويؤدي بها ما شاء من الصلوات.
ومنها: ما لا تجب له الطهارة ولا تسن، كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وزيارة الوالدين، والسلام على الناس.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور لا تصح طهارته.
ومنها: ما تسن له الطهارة أو الغسل ولا تجب؛ مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد في حق المحدث، أو العبور فيه في حق الجنب، والغسل للجمعة والأعياد، أو تجديد الطهارة.
فلو نوي أحد هذه الأمور في الطهارة، فهل تصح أم لا؟
فيه ثلاثة أوجه:
[ ١ / ٢٥٣ ]
أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يجب له الوضوء.
والثاني: تصح؛ لأنه مما تندب له الطهارة.
والثالث: ينظر إن كان تندب له الطهارة لأجل الحدث والجنابة، مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد، والعبور فيه؛ فتنعقد الطهارة بتلك، وإن كان تندب له الطهارة، لا لأجل الحدث، ولكن لأجل زيادة الثواب والدرجة، مثل الاغتسال للجمعة، والاغتسال للعيد، لا تصح الطهارة بتلك النية.
فرع
لو ترك لمعة من أعضاء طهارته في المرة الأولى، ثم غسلها في المرة الأخرى، ينظر، فإن كان ذاكرا لنية الفرض، جاز، وإن غسلها بنية النفل، هل تقع عن الفرض أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن النفل لا يقوم مقام الفرض، كما لو ترك سجدة في صلب الجمعة، ثم سجد للسهو أو للتلاوة، فإنها لا تقوم مقام الفرض، كذا ها هنا.
[ ١ / ٢٥٤ ]
والثاني: تقع عن الفرض.
والفرق بينه وبين الصلاة: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين، وثلاث مرات، ونية الصلاة لا تشتمل على سجدة التلاوة والسهو قطعًا ويقينًا، لأنها تطرأ عليها أحيانا، وأيضًا فإن الغسل عن النفل إنما يقع بعد فراغ المحل عن الفرض.
فإذا ترك لمعة، ثم غسلها في المرة الثانية، فذاك المحل لم يفرع عن الفرض، فوقع عن الفرض في تلك المرة، لا عن النفل.
فعلى هذا: المحدث إذا توضأ بنية تجديد الطهارة، فظن أنه لم يكن محدثًا ينبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يحسب عن الفرض، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يحسب عن الفرض، فها هنا وجهان.
والفرق أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثًا، يعني: نفلًا وفرضًا.
فإذا غسلها في المرة الثانية صار مغسولًا بنية توجد من قبل.
وها هنا نية رفع الحدث لا تشتمل على تجديد الوضوء، حتى لو أراد أن يجدد الوضوء بتلك النية لا يجوز، فإذا نوى تجديد الوضوء، فقد نوي ما لا يشتمل عليه نية في الابتداء، فلا يصح.
فرغٌ
هل تجب النية في غسل الميت أم لا؟
فيه وجهان مستنبطان من كلام الشافعي حيث قال:
(لو غسل ثم خرج منه نجاسة أعاد عليه غسله)، وقريء غسله.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فمن قرأ غسله قال: أراد به غسل جميع أعضائه.
ومن قرأ غسله اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: أراد به غسل أعضاء طهارته.
ومنهم من قال: أراد به محل النجاسة فحسب.
إن قلنا: إن الواجب فيه جميع الأعضاء، أو غسل الأعضاء الأربعة جعل فيه النية، لأنه جعل تعبدًا وطهارة حكمية.
وإن قلنا: الواجب فيه غسل محل النجاسة، فلا تجب فيه النية كالطهارة العينية.
فعلى هذا: لو مات ميت في الماء، هل يعاد غسله أم لا؟
إن قلنا: تجب فيه النية يعاد، وإلا فلا.
وكذلك المجوسي لو غسل مسلمًا، هل يعاد غسله أم لا؟
فيه وجهان ينبنيان على هذا.
قال الشافعي: وإن نوي فتوضأ، ثم عزبت نيته، أجزأته نية واحدة، ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف بالماء فيعيد ما كان غسله لتبرد أو تنظف.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا عزبت نيته لا يضره.
فأما إذا نوى في أثناء الطهارة التبرد والتنظف، فإن كان ذاكرًا لنية الفرض لا يضر، وإن كان ناسيًا لها، ولم يكن رافضًا لها، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الشافعي قال: (ما لم يحدث نية أن يتبرد أو يتنظف).
والثاني: يجوز؛ لأنه لو جمع بينهما في الابتداء جاز، فكذا ها هنا.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وأول قوله أنه أراد به: إذا رفض نية الفرض، ثم أحدث نية التبرد والتنظف.
إن قلنا: يجوز، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يجوز، فهل يستأنف الوضوء، أو يبني عليه، أم لا؟
فيه وجهان بناء على أصل، وهو أنه إذا فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لو فرق النية في الصلاة على أركان الصلاة.
والثاني: يجوز.
والفرق بينهما: أن الطهارة يجزئ فيها التفريق من حيث الزمان، فكذا من حيث النية بخلاف الصلاة.
التفريع: إن قلنا: يجوز تفريق النية على أعضاء الطهارة، فها هنا يبني، وإن قلنا: لا يجوز، فها هنا يستأنف.
فأما إذا رفض نية الفرض لا خلاف أنه لا يحسب ما غسل بعده عن الفرض، وإذا جدد نية الفرض، فهل يبني على الأول أو يستأنف؟
يخرج على ما ذكرنا من وجهين.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فرع
إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة، فيجب عليه غسله عن النجاسة، حتى يذهب عينها وأثرها، ثم يجب عليه غسله لأجل الطهارة
فأما إذا أصاب دم الكلب محلًا، فغسل به مرة أو مرتين، أو ثلاثًا حتى ذهبت عين الدم، فهل تحسب هذه الغسلات عن السبع أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتسب له ذلك، كما في الاستنجاء لو حصل الإنقاء بالثلاث لا يجب عليه التكرار بعده، فعلى هذا لو ذهبت عين الدم في الكرة السابعة لا يجب عليه شيء.
والثاني: أنه لا يحتسب له عن السبع، بل يجب عليه أن يغسله سبع مرات والتعفير، كما إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة يجب عليسه غسل لأجل الخبث ثم لأجل الحدث.
وهكذا لو أصاب أعضاء طهارته ولوغ الكلب، يغسله عشر مرات، سبع مرات لأجل الخبث، وثلاثا لأجل الحدث.
فأما إذا كان على بدنه عجين أو طين، فغسله حتى زال عنه لا يحسب ذلك الغسل عن الطهارة.
وكذا لو سال عن ذلك المحل إلى محل آخر، لأنه صار مستعملا، فلا يحصل به التطهير.
فرع
لو غسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم زلت رجلاه، ووقع في الماء
[ ١ / ٢٥٨ ]
فغسل رجليه، هل يحسب له عن الطهارة، أو يجب عليه غسل الرجلين، ثانيًا.
المذهب أنه لا يجب عليه.
وفيه وجه آخر: أنه يجب عليه ثانيًا، لأنه لم يقصد غسلهما، فجعل كما لم يوجد منه الغسل والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ٢٥٩ ]