تتعلق بالحيض، وللحيض أحكام لا تشاركها الجنابة فيها:
منها: أن الحيض يجعل الطلاق بدعيا، بخلاف الجنابة، وزنه يمنع الزوج من غشيانها بخلاف الجنابة، وأنه يمنع الحائض من العبور في المسجد قبل التعصيب وبعده فيه وجهان: والجنابة بخلافه، وفي غير هذه الأحكام يستويان فيه، من تحريم الصلاة، والطواف وغيرهما، والطواف أيضا كالصلاة، بدليل انه يحتاج إلى الطهارة كالصلاة.
ولما روى عن النبي ﷺ أنه قال: الطواف صلاة غير أن الله تعالى أباح فيه الكلام فمن ينطق فلا ينطق إلا بخير، فلو صامت في أيام الحيض لا يصح صومها، ولو نذرت الحائض الصوم مطلقا يصح نذره، ولو نذرت صيام
[ ١ / ٥٤٥ ]
أيام الحيض، فإنه لا يصح نذرها، لأن ذلك الزمان غير قابل للصوم ولا للعبادة.
واختلف أصحابنا في أن الحيض، هل يمنع وجوب الصوم أم لا
على وجهين:
أحدهما: يمنع وجوبه والقضاء في ثاني حال وإنما يكون بأمر ثان.
والثاني: انه لا يمنع وجوبه والقضاء في ثاني حال، إنما وجب بدلا عما فات عنها في وقت الوجوب، بدليل أنه يقال لها: اقضي الصوم الذي فات منك، ولا يجب عليها قضاء الصلوات.
والدليل عليه ما روى أن معاذة العدوية جاءت إلى عائشة ﵂ وقالت لها: ما بال الحائض تدع الصيام والصلاة، فتؤمر بقضاء الصوم، ولا تؤمر بقضاء الصلاة.
فقالت لها عائشة/ أحرورية أنت؟ كنا في عهد رسول الله ﷺ ندع الصوم والصلاة في زمان الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
ولم يذكر فيه معنى.
وأصحابنا ذكروا معنيين في الفرق بينهما:
أحدهما: أن الصلاة لما أمر الشرع بتركها لا يجب قضاؤها، كما لو صلى المريض قاعدًا، أو مضطجعًا، ثم برئ من المرض لا تلزمه الصلاة قائمًا حين جوز له ترك القيام فيها.
وكذلك المسافر إذا قصر الصلاة، ثم أقام لا يلزمه قضاؤها تامًا حين جوز له تركها كذا مثله.
وأما الصوم إذا أمر بتركه يجوز أن يجب قضاؤه، كما في حق المسافر كذا هذا.
والثاني: أنا لو أوجبنا عليها قضاء الصلوات أدى ذلك إلى الإضرار بها، لأن
[ ١ / ٥٤٦ ]
الحيض ربما يدوم شطر دهرها، فيؤدي إلى أن تستغرق جميع عمرها بالصلاة، بعها أداء، وبعضها قضاء، بخلاف الصوم فإنه لا يجب في كل سنة إلا شهرا، ووجوب الصوم عليها قضاء لا يؤدي إلى ذلك، لأنه يمكنها أن تصوم ستة عشر يومًا في أحد عشر شهرًا، وكذا أكثر ما يلزمها من قضاء الصوم أن لو دام الحيض شطر عمرها قد ذكرنا أن الوطء، وسائر الأحكام إنما يرتفع بالاغتسال، بعد انقطاع الدم إلا وجوب الصوم، فإنه يجب وتسرع فيه إذا انقطع دمها، وإن لم تغتسل ووجوب الغسل عليها لا يمنع جواز الصوم.
فأما إذا لم تجد الماء، فلا يجوز للزوج قربانها إلا بعد التيمم، ولكن لا تحتاج في كل وطأة إلى تيمم آخر، بخلاف صلاة الفرض، لأن الوطء غير واجب، فيضاهي صلاة النافلة، فإذا وجدت الماء تغتسل، كما لو كان جنبًا وتيمم، ثم وجد الماء يلزمه الاغتسال كذا هذا.
فأما إذا لم يجد الماء والتراب، فإنه لا يحل للزوج غشيانها ألبتة، وإن جوزنا لها الصلاة على قوله الجديد، ولكن تلك ليست بصلاة على الحقيقة، بدليل أنا نمنعها عن قراءة القرآن فيها، ونوجب عليها قضاء تلك الصلوات.
فأما المجنونة إذا حاضت، وانقطع دمها لا يحل للزوج غشيانها، بل يغسلها الولي حتى يحل للزوج غشيانها، فإذا أفاقت الصحيح أنه يلزمها الاغتسال ثانيًا. وكذا الذمية إذا حاضت وانقطع دمها لا يحل لزوجها المسلم غشيانها، ما لم تغتسل
فإن قيل: الغسل عبادة يشترط فيها النية، وهي ليست من أهل العبادة، قلنا: زوجها ينوي الاغتسال لها، وينوب عنها في النية.
فإن قيل: وجب أن تقولوا في المسألة هكذا.
قلنا: الفرق بينهما أن المسلمة من أهل الاعتقاد والنية، فتؤخذ هي بذلك بخلاف الذمية.
وأيضا فإن الاغتسال في المسلمة إنما جعل تعبدًا إلا أنه يتضمن التنظف،
[ ١ / ٥٤٧ ]
والاغتسال من الذمية، وإنما أمرت به تنظفا، لا تعبدًا، فلهذا فرق بينهما في النية، فإذا أسلمت الصحيح أنه يلزمها الاغتسال ثانيًا.
فأما الصبية إذا جومعت، فإنها تغتسل للجنابة، فإذا بلغت الصحيح أنه لا يلزمها الإعادة، لأنها أدت وظيفة وقتها وفريضة مثلها، وكمال حالها لا يوجب عليها الإعادة.
دليله: إذا صلت في أول الوقت، ثم بلغت في آخره، ودليله الأمة إذا صلت في أول الوقت ثم عتقت في آخره.
قيل: دم الحيض يخالف دم الاستحاضة اسمًا ومحلا وحكمًا.
أما الاسم، فإنه يقال له: دم الحيض، وكذلك دم الاستحاضة، وأما المحل فإن هذا دم يرخيه الرحم، وذلك إنما يسيل من عرق ينقطع وأما الحكم فإن الأحكام المتعلقة بالحيض لا تتعلق بدم الاستحاضة، بل حكمه حكم الحدث، ودم الاستحاضة على نوعين:
نوع يتصل به دم الحيض، ونوع لا يتصل بدم الحيض.
فأما ما لا يتصل به مثل الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين إذا رأت الدم، فذاك دم استحاضة والكبيرة إذا رأت الدم، وانقطع فيما دون يوم وليلة، فحكمها حكم الحدث.
وأما الذي يتصل بدم الحيض كالبالغة إذا رأت الدم، وجاوز خمسة عشر يومًا، فنتكلم فيه، ونذكر أولا أحاديث خبرًا في المميزة، وخبرًا في المعتادة وخبرًا في المبتدأة.
أما في المميزة ما روى أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر.
[ ١ / ٥٤٨ ]
فقال لها النبي ﷺ دعي الصلاة أيام أقرائك، فإذا ذهب ذلك عنك فاغتسلي وصلي.
وفي رواية أخرى: إن دم الحيض أسود يعرف، وإن له رائحة فإذا كان ذلك فلتدعي الصلاة فإذا جاء الآخر فاغتسلي وصلى.
وفي بعض الروايات: إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي.
وفي بعض الروايات: إن ذلك داء عرض أو عرق انقطع.
وأما في المعتادة ما روى أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألتها حتى تستفتي رسول الله ﷺ فسألت رسول الله ﷺ عنها فقال ﵇، لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم تستثفر بثوب ثم تصلي.
[ ١ / ٥٤٩ ]
وأما في المبتدأة: ما روى أن حمة وأم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله ﷺ إني امراة استحاض فلا أطهر.
فقال لها: إني أنعت لك الكرسف.
وفي رواية: إني أبعث إليك الكرسف. فقالت: هو أشد من ذلك.
فقال ﵇ لها احتشي، قالت هو أشد من ذلك، قال فلتستثفري بثوب، قالت هو أشد، فإني أثجه ثجا، قال تحيضي في عم الله ستًا أو سبعًا ميقات حيض النساء وطهرهن، فإذا كان ذلك فاغتسلي وصلي ثلاثًا وعشرين يومًا وافعلي ذلك في كل شهر.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وقد قيل بأن هذا الحديث إنما ورد في المعتادة، فعلى هذا لم يرد في المبتدأة خبر.
وقيل: بأنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وقد ابتليت به سبع سنين، وكانت إذا شرعت في الصلاة تضع إداوة بين رجليها، فإذا فرغت من الصلاة صارت الإداوة ممتلئة من الدم، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٥١ ]