[ ١ / ٨٧ ]
فأما علم التوحيد: فيجب علي كل مكلف أن يعرف الله تعالى بالصفات التي وصف بها نفسه، ولا يجوز التقليد في علم التوحيد، فإذا عرف الله
[ ١ / ٨٨ ]
تعالى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالبعث والقيامة، وما يليق به فيكون مؤمنا، والمتكلمون من أصحابنا تعمقوا فيه، فقالوا: ينبغي أن يعرف الله تعالى بالدليل، فإن لم يعرفه بالدليل، فلا يكون مؤمنًا.
[ ١ / ٨٩ ]
والأصح: أنه يحكم بإيمانه إذا كان مقرًا بمعرفة الله تعالى وبأوامره ونواهيه، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى.
والدليل على أن معرفة الله تعالى ممكن من غير لحاق مشقة: أن الله تعالى إذا أتم خلقه الإنسان، وسوى حواسه الخمس، فإذا نظر إلى السماوات وما فيها، وإلى الأرضين وما فيها من أنواع الخلائق، وإلى نفسه علم أن له صانعًا مدبرًا حكيمًا.
قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
وهذا العلم يفترض على من كان بالغًا عاقلًا.
والعلم الثاني: علم الشريعة:
وذلك قسمان: قسم يجب على من كان بالغًا عاقلا أن يتعلم ذلك، وقسم يكون فرضًا على الكفاية.
فأما ما هو فرض عين: فإنه علم ما يتوصل به إلى عبادة الله تعالى لأن
[ ١ / ٩٠ ]
الله تعالى، قال (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين) الاية، وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
فمن كان بالغًا، يجب عليه أن يتعلم علم الصلاة: الفرائض، والسنن، والتمييز بين فريضة وفريضة، وبين السنن والفرائض، ويجب عليه أن يتعلم ما تكون السنن من الصلاة والأركان، فلو أتي بالصلاة بأركانها، وسنتها على اعتقاد أن الكل يكون سنة لا تصح صلاته قولا واحدًا.
ولو أنه أدى الكل على ظن أن الكل فرض، فالمذهب الصحيح، أنه لا تصح صلاته.
ومن أصحابنا من قال: تصح صلاته.
وكذلك إذا ابتلي بالزكاة، فيجب عليه أن يتعلم علم الزكاة، في أي جنس تجب الزكاة، ومن أي جنس تخرج الزكاة، ومتى تخرج؟، وإلى من تصرف؟
[ ١ / ٩١ ]
وإذا ابتلي بالصوم، فعليه أن يتعلم كيفية النية، والمفطرات للصوم.
وإذا ابتلي بالحج، فعليه أن يعرف أركان الحج، والمفسدات للحج.
[ ١ / ٩٢ ]
وإذا ابتلي بالبيع والتجارة، فعليه أن يتعلم من علم البيع كيفية المعاملة، وما يجري فيه الربا.
[ ١ / ٩٣ ]
وما لا ربا فيه، وكيفية الإيجاب والقبول
وإذا ابتليى بالنكاح، فينبغ أن يعرف الوقت الذي يحرم فيه إتيان
[ ١ / ٩٤ ]
النساء، والدليل على هذا قوله ﵇، بني الإسلام على خمس. الحديث.
وقال ﵇: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الحديث
[ ١ / ٩٥ ]
أراد به: ما ذكرنا مما هو فرض على كل بالغ عاقل.
قال الشافعي ﵀: ويجب على كل امريء أن يتعلم من العربية ما يؤدي به فرائص الله تعالى.
والعلم الثاني: مثل دقائق المسائل في الصلاة، وفي الشركة.
[ ١ / ٩٦ ]
وفي القراض، والديات، وهذا فرض على الكفاية.
[ ١ / ٩٧ ]
فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين.
فإذا كان بلد، فلو واحدًا من أهل ذلك البلد، تعلم من العلم ما يحتاجون إليه، فقد أسقط الفرض عن الباقين.
وإن لم يقم به أحد، فإن الكل عاصون لله تعالى.
كما نقول في الجهاد، فإن ذلك فرض على
[ ١ / ٩٨ ]
الكفاية، فيجب على الإمام أن يغزو في كل سنة إما بنفسه، وإما
[ ١ / ٩٩ ]
بسراياه، حتى [لا] يكون النفير معطلا في عام، وأن تكون كلمة الإسلام عالية، وكلمة الشرك مقهورة.
وكذلك نقول في رد السلام، ودفن الموتى، فإن هذه فروض على الكفايات، فإذا قام به البعض، سقط الحرج عن الباقين، وإن لم يقم به أحد، حرج الكل.
والدليل على أنه إذا قام به البعض، سقط على الحرج عن الباقين، قوله تعالى: (وما كان المؤمنين لينفروا كافة).
منهم من قال: إنما نزل هذا في الجهاد لما نزل قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالًا).
[ ١ / ١٠١ ]
خرج جميع الصحابة إلى الغزو، فأنزل الله تعالى هذه الأية، فقالوا هلا خرج من كل قوم طائفة، وبقيت طائفة ليتعلموا علم الشريعة؟
ومنهم من قال: إنما نزل هذا في شأن حي من أحياء بني أسد وبني خزيمة، جاءوا بقضهم وقضيضهم إلى المدينة لطلب العلم حتى أفسدوا الطريق على الناس بالعذرة.
فقال الله تعالى: (فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، يعني: أحد.
والمراد بـ (الطائفة): الواحد، فهذا دليل على أنه لا يجب على كافتهم أن يتعلموا الشرع.
قال ﵁: استنبط من هذا: أنه إذا تفقه في الدين، ورجع إلى قومه أن يذكر قومه وينذرهم لأن الله تعالى قال (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) الاية.
وفي العلوم كثرة، فيجب على العاقل اللبيب أن يتعلم أولى العلوم، وأولى العلوم علم الشريعة، حتى يتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى.
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. الحديث.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقال ﵇: من تفقه في دين الله، كفاه الله هم دينه ودنياه الحديث.
وقال أبو الفتح البستي:
مدة العمر لا تفي بجميع المطالب فدع النفل جانبًا واشتغل بالواجب
ويجب على المرء أن يختار مذهبًا، وأصح المذاهب، مذهب الشافعي ﵀ لأن النبي ﷺ قال: الأئمة من قريش.
وقال ﵇: قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعلموها، وروى: ولا تعاطوها.
[ ١ / ١٠٣ ]
والشافعي ﵀ عليه كان من صميم قريش، وحرمت عليه الصدقة المفروضة، كما حرم عليهم، ويستحق منهم [سهم] ذوي القربى، كما أنهم يستحقونه.
وروى أن المزني ﵀ عليه رأي النبي ﷺ في المنام، فسأله عن محمد بن إدريس الشافعي، فقال ﷺ: من أحب محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه منى وأنا منه.
[ ١ / ١٠٤ ]
والمتبحرون في العلم ثلاثة: مالك،
[ ١ / ١٠٥ ]
أبو حنيفة، والشافعي.
فأما مالك: فكان قويا في الأخبار، ضعيفا في الرأي، والاستنباط.
وأبو حنيفة: كان قويًا في الرأي والاستنباط، ضعيفًا في الأخبار.
والشافعي: كان قويًا فيهما جميعًا.
فلهذا اخترنا مذهبه على سائر المذاهب.
[ ١ / ١٠٦ ]
فإذا انتحلت مذهب رجل فلا أقل من أن تعرف اسمه، ونسبه.
واسم الشافعي: أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف.
والمطلب كان أخا هاشم جد أبي النبي ﷺ وكان اسم النبي ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فجد الشافعي ﵁ الأعلى المطلب، وجد النبي ﷺ الأعلى هاشم، وهما ابنا عبد مناف.
وكان الشافعي ﵁ من جملة بني أعمام النبي ﷺ فهاشم الذي هو جد أبي النبي ﷺ كان عم هاشم، الذي هو جد الشافعي، ﵀ الأعلى، وهو هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، والمطلب الذي هو جد الشافعي الأعلى، هو عم عبد المطلب جد النبي ﷺ وكان لعبد مناف أربعة بنين، المطلب وهاشم، وعبد شمس، ونوفل.
والشافعي إنما ولد بـ (غزة) قرية من قرى الشام، قريبة من بيت
[ ١ / ١٠٧ ]
المقدس، ونشأ بـ (مكة) و(المدينة) وتعلم العلم هناك، وولد في خمسين ومائة من الهجرة، وتوفي في خمس ومائتين، وكان سنه خمسًا وخمسين.
فلما تعلم العلم بـ (مكة) و(المدينة) انتقل إلى (انتقل) في سنة سبع وسبعين، وصنف هناك كتبه القديمة، وكان من رواته أحمد بن حنبل، وأبو
[ ١ / ١٠٨ ]
علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبو ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، ثم انتقل إلى مكة، وأقام هناك إلى تسع وتسعين ثم انتقل إلى بغداد، وأقام هناك مدة يسيرة، ثم انتقل إلى مصر، وأقام هناك إلى أن قبض إلى رحمه الله تعالى وصنف هناك كتبه الجديدة، وكان رواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي،
[ ١ / ١٠٩ ]
والربيع بن سليمان الجيزي، وأبو يعقوب البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي.
وقيل: إنه صنف مائة وثلاثة عشر كتابًا في علم القرآن، وفي علم الأخبار، وفي علم الشريعة.
والمزني: كان رجلا بليدًا، فقال له الشافعي ﵀ كنت بليدًا، فخرجتك المواظبة.
ثم المزني لما رأي كثرة تفريعات الشافعي، وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سماه جامع الكبير، وكان كتابًا حسنا بالغًا، ولم يوجد ذلك
[ ١ / ١١٠ ]
الكتاب في ديار خراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصر، الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصر فصنف كتابًا في جزئيات.
والربيع بن سليمان المرادي صنف كتبًا كثيرة، ولكن لكثرة ورع المزني، وفقره بارك الله تعالى في كتابه، وكان يدرس هذا المختصر، وكان الفقهاء يتداولونه إلى قيام الساعة.
قال الشيخ أبو زيد - ﵀ - من تأمل في المختصر حق تأمله، تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
واعترض أبو طالب المعري، وأبو بكر محمد بن داود الأصفهاني على المزني، بدأ النبي ﷺ قال: كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله فهو أبتر.
وروى: فهو أقطع. الحديث.
[ ١ / ١١١ ]
وهذا الكتاب لا يخلو، إما أن يكون له بال، أو لم يكن له بال، فإن لم يكن له بال، فالاشتغال به محال، وإن كان له بال، فلم ترك التحميد في أول الكتاب؟
الجواب عن هذا أن تقول:
هذا السؤال يرد عليك، فإن كلامك لا يخلو، إما أن يكون له بال أو لم يكن له بال، إلا أن هذا يؤدي إلى ما لا نهاية له، ولكن نجيب عن هذا فنقول: هذا الخبر قد روي بروايات: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله ، وروى: لم يبدأ فيه بذكر الله.
وإن صح صار منسوخًا، لأن النبي ﷺ لما كتب كتاب الصلح مع أهل مكة، كتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله، ولم يأت بالتحميد.
وكتاب النبي ﷺ، من أشرف الكتب.
وقيل: بأن هذا الخبر موقوف على أبي هريرة.
[ ١ / ١١٢ ]
وجواب آخر نقول: ليس من الشرط أن نكتب التحميد في أول الكتاب، ولكن المراد به أن يحمد الله تعالى - اللسان، فلا يظن بـ (المزني) مع كثرة ورعه أنه ترك التحميد في ابتداء الكتاب.
وقيل: إنه ما جمع بين مسألتين، وما اختار قولا على قول إلا وصلى ركعتين، واستخار الله تعالى، وتصدق بما يملك.
وروى أن النبي ﷺ، قال: حق المؤمن على أخيه ستة: أن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يجيبه إذا دعاه، وأن يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته وألا يظن به إلا خيرًا. الحديث.
وجواب ثالث: المزني نقل ما هو أعلى الأذكار، وهو بسم الله الرحمن الرحيم، فإن هذا من أعلى الأذكار وأعظمها، قال الله تعالى (هل تعلم له سميًا).
معناه: هل تعلمون أحدًا تسمى الله غير الله.
وهذه الأذكار ينوب بعضها عن البعض كما قال ﵇: أفضل ما دعوته أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحد وهو على كل شيء قدير.
[ ١ / ١١٣ ]
فقيل لسفيان بن عيينة، هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما أنشدك قول أمية بن أبي الصلت، في شأن عبد الله بن جدعان،
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء؟
إذا أثني عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء.
فقال سفيان: هذا في وصف المخلوق، فكيف برب العالمين؟
[ ١ / ١١٤ ]
وروي أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى، من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، الحديث.
وجواب آخر: إن المزني لم يكن مصنفا، وإنما كان ناقلا،، وليس من عادة النقلة أن يأتوا بالتحميد، كما نقول في نقلة الأخبار.
والمصنف كان الشافعي ﵀ وهو ذكر التحميد في صدر كتاب الرسالة، وهو كتاب في الأصول والفروع.
والتحميد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه، إلا بنعمة حادثة يوجب على مؤدي شكر ماضى نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، وهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون من
[ ١ / ١١٥ ]
خلقه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون.
وحكي أن الشافعي ﵀ رآه واحد في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي.
فقيل: بماذا غفر الله لك؟
فقال: بالتحميد الذي صدرت به كتاب الرسالة والصلاة التي صليت على النبي ﷺ فيه.
ولعل الشافعي ﵀ أخذ هذا من داود النبي ﷺ وذلك ما روى أن الله تعالى أوحى إلى داود النبي ﵇ فقال له: يا داود اشكرني.
فقال: كيف أشكرك، وشكري لك يوجب علي شكرا آخر؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني حين أقررت بالعجز عن شكري.
وروى أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فمني، الحديث.
وقد نظم محمود الوراق، بيتين في هذا المعنى، فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام وانفتل العمر؟
قال المزني: اختصرت.
[ ١ / ١١٦ ]
الاختصار: اشتقاقه من الخصر، وهو خلاصة الشيء، واختلف عبارات أصحابنا في معنى الاختصار.
منهم من قال: الاختصار: إقلال اللفظ مع توفير المعنى.
وقيل: الاختصار: إقلال من غير إخلال.
وقيل: هو القاء المباني، وإبقاء المعاني.
وقيل: هو قبض البسيط من الكلام، ورده إلى وجيزه.
وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير
ومعناه: اختصر مسائل متفرقة في لفظ وجيز.
وقيل: الاختصار، الجمع، ومن هذا سمى العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه (مخصرة)، وسمي: الخاصرة، لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل.
اعترضوا عليه بأنه لم يقل، اختصرت، ولم يختصر بعد؟
الجواب عنه: يحتمل أنه فرغ من تصنيف الكتاب، ثم جاء وذكر ترجمة الكتاب، وهذه عادة المصنفين، أنهم يثبتون ترجمة الكتاب بعد فراغهم من تصنيف الكتاب.
وجواب آخر: معناه سأختصر، كما قال الله تعالى (أتي أمر الله) الاية.
معناه: سيأتي.
وكقوله تعالى: (ونفخ في الصور).
وقوله: (ونادي أصحاب الأعراف).
[ ١ / ١١٧ ]
ومعناه: سينفخ، وسينادي
فإن قيل: لماذا اختصر والكلام إذا كان بسيطا، فيكون أقرب من الوجيز؟
قلنا: الكلام الوجيز يستفصح.
كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) الاية.
وقال ﵇: الماء من الماء.
القطع في ربع دينار، والعمد قود
وقال ﵇: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا. الحديث.
وقال (علي)، كرم الله وجهه، خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
[ ١ / ١١٨ ]
قوله هذا.
قال القاضي حسين، اعترض عليه، فقيل له: قال: هذا، ولم يصنف الكتاب بعد والهاء إشارة إلى الموجود.
جوابه: ما ذكرت قبله.
وجواب آخر، نقول: لما سهل عليه تصنيف الكتاب، جعله كالموجود لأن (هذا) قد يشار إلى الشيء الحاضر، ويشار إلى شيء قرب وجوده.
كقوله تعالى (هذا يوم الفصل)، الاية
وقوله: (هذا يوم لا ينطقون) الاية.
وقال الشاعر:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شاء ساقكم إلى قطينا
أي جميعا
وهذا اسم، تارة يشار إلى العين الحاضرة، وتارة يضاف إلى الذكر الحاضر، قوله من علم الشافعي.
قال القاضي حسين: فإن قيل: علم الإنسان يكون في صفات ذاته، فلا يمتاز عنه، كالبياض والسواد.
قلت: معناه من معلوم الشافعي، وذلك أن المزني، سمع منه المسائل، ولم ينسخ ذلك، ثم صنف من ذلك العلم الذي سمع منه
ويجوز مثل هذا، كما نقول: هذا من ضرب الإمام.
يعني: من مضروبه.
وكما يقال: اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا رحمتك.
[ ١ / ١١٩ ]
معناه: أريتنا مقدورك، فأرنا مرحومك، فإن قدرة الله تعالى لا تكون مرئية.
أو تقول: معناه من كتاب الشافعي.
كما قال تعالى هل عندكم من علم.
يعني من كتاب.
وكما روي عن ابن عباس أنه قال: يشتري لي علما بدرهمين.
يعني كتابًا.
وقوله: (ومن معنى قوله)
قال القاضي الحسين: فإن قيل: المعنى إذا اختصر اختل، فما معنى هذا؟ قلنا معناه أن الشافعي رحمه الله تعالى، ذكر في المسائل معاني، واللفظ لفظ الوحدان، والمراد به الجمع، كما قال تعالى (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، الآيات.
فلما استثني منه جماعة علمنا أن المراد منه الناس، لأن الجماعة لا يستثني من الواحد.
والمزني، لما رأي المعاني نقل أصحها، وأجود ما عنده، ويجوز أن يكون في المسألة معان، كما يقال: كل امرأة منكوحة مرتدة فنكاحها حرام لمعان.
[ ١ / ١٢٠ ]
وجواب آخر: معني قوله: (من معنى قوله)
يعني: على معنى قول الشافعي
وذلك أن المزني نقل مسائل كثيرة تخريجًا على معنى قول الشافعي كما نقول في الشركة والضمان والحوالة، ويجوز أن يكون من مكان على كما قال تعالى: ونصرناه من القوم الذي كذبوا بآياتنا. الاية.
[ ١ / ١٢١ ]
يعني: على الذين.
وكقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) الآية.
يعني: مع أموالكم.
وقال الله تعالى (في جذوع النخل) الآية.
معناه: على جذوع النخل.
وكما يقال: الذود إلى الذود إبل.
معناه: مع الذود إبل
قوله: لأقربه على من أراده.
قال القاضي حسين: التقريب المراد به التسهيل والتيسير، وقد يكون المراد به الإدناء.
فإذا كان المراد به التقريب من الإدناء، فتكون صلته إلى.
كما قال الله تعالى فقربه إليهم، الآية.
وإن كان المراد به التسهيل والتيسير، فتكون صلته على.
[ ١ / ١٢٢ ]
كما يقال: قرب الله عليك الخطا
معناه: سهل الله عليك السفر.
ومعناه: لأسهل هذا الكتاب على من يريد هذا الكتاب.
وقوله: مع إعلامية نهيه عن تقليده.
قال القاضي حسين: لا خلاف في أن قوله: إعلامي، الياء راجع إلى المزني.
وأما الإعلام إلى من يرجع، منهم من قال: يرجع إلى (المزني).
معناه: مع إعلامية المتعلم نهي (الشافعي) عن التقليد.
والهاء الأولى ترجع إلى المريد، والهاء الثانية في نهيه راجعة إلى المريد.
معناه: أن المتعلم منهي عن التقليد.
وقيل: كلا الهائين يرجع إلى (الشافعي) ﵀
والأظهر أن الهاء الأولى ترجع إلى المتعلم، والهاء الثانية راجعة إلى الشافعي.
والإعلام، مصدر تارة يضاف إلى الفعل، وتارة يضاف إلى المفعول، فإذا أضفت إلى الفاعل، فالمزني يكون معلما.
يعني مع إعلامي المتعلم أنه نهي عن التقليد، وإذا أضفناه إلى المفعول فالمزني يكون معلما.
ومنهم من قال: معناه، مع إعلام الشافعي إياي النهي عن التقليد
وقوله: نهيه يكون مصدرًا على ما ذكرت، ومعناه، مع إعلام الشافعي نهيه.
يعني: منهيه عن التقليد
فإن قيل: قد قلتم: إن المزني، ﵀ قصد بذلك التسهيل والتيسير، وأي تيسير في هذا التدقيق الذي قلتم؟
قلنا: العرب تستحسن أن تذكر اللفظ الوجيز يتضمن معاني كثيرة:
[ ١ / ١٢٣ ]
كقول الشاعر:
بكرت على عواذلي يلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
يحتمل انه ليس كما قلن، ويحتمل أن معناه: كما يقلن، ويحتمل أن ذلك إنما يكون لزيادة قوة في.
ونهي الشافعي عن أن يقلد.
فإن قلتم: انتم قلدتم الشافعي ﵀
قلنا: نحن ما قلدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل.
والتقليد: قبول قوله من غير حجة.
فإن قيل: الشافعي نهي عن التقليد، وقلد زيد بن ثابت في
[ ١ / ١٢٤ ]
الفرائض، فقال: وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وكذلك قلد عثمان، ﵁ في مسألة بيع الحيوان بشرط البراءة عن العيوب
قال: فالذي أذهب إليه: قضاء عثمان أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ولم يسمه له، ويقفه عليه، تقليدًا لعثمان.
قلنا: هو ما قلد زيدًا، وإنما قبل قول النبي ﷺ لأنه قال: أفرضكم زيد، أقضاكم على، أقرؤكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وأما حديث عثمان فإن معه قياسا خفيا، وذلك لأن الشافعي قال: ولأن الحيوان يفارق ما سواه، لأنه يغتدي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر.
قوله: لينظر فيه لدينه.
قال القاضي حسين: معناه: أن الشافعي نهي عن التقليد، ولكن يأخذ المسائل بالحجة حتى لا تزل قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل، فربما تزل قدمه عن قريب.
قوله: ويحتاط لنفسه.
[ ١ / ١٢٥ ]
قال القاضي حسين: معناه، أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان، والعنى، دون الأخذ بالتقليد، ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار.
قوله: وبالله التوفيق.
ومعناه التوفيق من جهة الله تعالى والتوفيق ماذا؟
منهم من قال: التوفيق: تسهيل سبيل الخير، وسد سبيل الشر
والخذلان تسهيل الشر، وسد سبيل الخير.
يقال: وفقك الله.
معناه جعل الله تعالى فعلك وقولك وفق رضاه
وقيل: التوفيق درك الأسباب ومعرفة الصواب
وقيل التوفيق الوقوع على الخير من غير استعداد له.
وإنما قصد بذلك المزني حتى لا يزل إلى الاعتزال، فإن المعتزلة.
[ ١ / ١٢٦ ]
يقولون: الخير من الله، والشر إنما يكون من جهتك، وليس من جهة الله تعالى وهذا خطأ، بلا كلاهما من جهة الله تعالى وبإرادته، إلا أنه لا يرضى بالشر.
وقد قيل: توفيق المتعلم في أربعة أشياء: في ذكاء القريحة، واستواء الطبيعة، ومعلم ذي نصيحة، وشدة العناية.
وقيل ليزدجمهر: بم أدركت ما أدركت، قال: ببكور كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير، وتملق كتملق الهرة.
وقال الشيخ الإمام سهل، ﵀ عليه: عليك بالهمة، فإن الهمة مستتبعة للجد، والجد لا يتأخر عن الجد، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ١٢٧ ]