وإن شئت تقول: المستحاضة على قسمين: مبتدأة ومعتادة. والمبتدأة على قسمين: مميزة وغير مميزة.
والمعتادة على قسمين ناسية وغير ناسية.
أولا: نذكر حكم المميزة:
والمميزة ما إذا رات الدم على لونين: أحدهما أقوى من الآخر، فالذي أقوى منهما يكون حيضًا، مثل أن ترى الدم، بعضه أسود، وبعضه أحمر، فالأسود يكون حيضًا، وكذا لو رأت بعضه أحمر، وبعضه أصفر، فالحمرة يكون حيضًا، وإنما يمكنها التمييز إذا وجدت ثلاث شرائط:
إحداها: أن دم القوى لا ينتقص من يوم وليلة، وهو أقل الحيض، ولا يجاوز خمسة عشر يومًا، وهو أكثر الحيض، وأن الدم الضعف لا ينتقص عن خمسة عشر يومًا، وهو أقل الطهر، وإنما يمكنها التمييز في الثاني، لأن في الشهر الأول تؤمر فيه بترك الصلاة والصوم، رجاء أن ينقطع دمها على خمسة عشر يومًا، فإذا جاء الشهر الثاني، واستمر بها ذلك، فكلما جعلنا لها حيضًا من الشهر الثاني، تتحيض من الشهر الأول مثله، وتتطهر في الباقي، وتغتسل ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، وتقضي ما فاتها من الصلوات في الشهر الأول في أيام الاستحاضة إذا ثبت هذا، فنذكر فيه أربعة فصول:
فصل/ فيما إذا تقدم الدم القوي على الضعيف.
وفصل، فيما إذا تقدم الدم الضعيف على القوي.
[ ١ / ٥٥٢ ]
وفصل فيمن اجتمع في حقها التمييز والعادة.
وفصل في بيان الاستظهار.
أما الفصل الأول: وهو إذا تقدم القوي على الضعيف: مثل أن تكون امرأة رأت أول ما رأت الدم خمسة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث، فإذا يجعل لها من كل شهر خمسة ايام حيضا، والباقي استحاضة، فأما إذا مضت خمسة أيام من الشهر الأول دما أسود، ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، حكمة حكم ما إذا تكرر في الشهر الثاني: واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، حكمة حكم المبتدأة، إذا استمر بها الدم في الشهر الأول، وفيه قولان:
أحدهما: ترد إلى أقل الحيض، وهو يوم وليلة.
والثاني: ترد إلى غالب عادات النساء، هو سنة أو سبعة.
فأما إذا رأت أول ما رأت الدم خمسة أيام دما أسود، ثم رات الحمرة إلى آخر الشهر، ثم رأيت في الشهر الثاني ستة أيام دمًا أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، وفي الشهر الثالث رأت هكذا، ثم أطبق بها الدم، فتجعل لها من الشهر الأول خمسة أيام حيضًا، والباقي استحاضة، ومن الشهر الثاني والثالث، وسائر الشهور ستة أيام حيضًا، والباقي استحاضة.
فأما إذا رأت في الشهر الأول خمسة أيام أسود، والباقي أحمر، ثم في الشهر الثاني رأت ستة أيام أسود، ثم استمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما ذكرنا، ففي الشهر الأول حيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثاني: وسائر الشهور حيضها ستة أيام.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فحيضها خمسة أيام من كل شهر؛
[ ١ / ٥٥٣ ]
لأن الخمسة قد تكررت في الشهرين، فأما إذا رأت اولا ستة أيام دمًا أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، ثم رأت في الشهر الثاني خمسة أيام دما أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر الثالث هكذا، ثم استمر بها الدم، وانتقص من حيضها يوم، وزاد في طهرها يوم، وهكذا في سائر الشهور، حيضها في كل شهر خمسة أيام.
فأما إذا رأت في الشهر الأول ستة أيام أسود، والباقي حمرة، ثم في الشهر الثاني رأت خمسة أيام أسود، والباقي حمرة، واستمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه على ما ذكرنا وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فيجعل حيضها من كل شهر خمسة أيام، لأن الخمسة قد تكررت في الشهرين، لأن الستة خمسة بزيادة واحد، وفي هذه الصورة لو كانت معتادة وعادتها أن ترى الدم في كل شهر سبعة أسود، ثم جاء شهر، ورأت خمسة أيام أسود، ثم احمر دمها إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم، فهذه تغيرت عادتها، وانتقلت من سبعة إلى خمسة.
فأما إذا لم تتكرر في الشهر الثاني، بل استمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، فترد إلى عادتها الأولى، وهي سبعة أيام في كل شهر.
الفصل الثاني:
فيما إذا تقدم الدم الضعيف على القوي، مثل إن رأت خمسة أيام من أول الشهر دما أحمر، ثم رأت الخمسة الثانية دما أسود، ثم احمر الدم، إلى آخر الشهر، ورأت على هذا التفصيل في الشهر الثاني، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث ماذا حكمه، هذا يبني هل يترك ابتداء الدم أم لا؟
وفيه وجهان:
[ ١ / ٥٥٤ ]
أحدهما: يترك ابتداء الدم، لأن الخمسة الثانية دم أسود، فيكون قويًا في لونه، وذلك دليل في نفس الدم.
والثاني: لا يترك، لأن لأول الدم قوة السبق، وللدم الأسود قوة اللون، فقد استويا، فإن أمكن الجمع بينهما يجمع، وإلا فيذكر حكمه.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فيجعل لها في كل شهر الخمسة الثانية حيضًا، والباقي استحاضة، عشرون بعدها وخمسة قبلها.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيكون حيضها من كل شهر عشرة أيام، والباقي استحاضة.
هذا إذا تكرر في الشهر الثاني.
فأما إذا لم يتكرر الدم بهذه الصورة في الشهر الثاني، ولكن استمر بها الدم في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة حكمها حكم المبتديء.
وفيه قولان على ما ذكرناه.
فأما إذا رأت خمسة أيام من أول الشهر، دمًا أحمر، وعشرة أيام دمًا أسود، ثم احمر ادم، إلى آخر الشهر، أو رأت عشرة أيام دمًا أحمر، وخمسة دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وهكذا رأت في الشهر الثاني، واستمر بها في الشهر الثالث حكمه ما ذكرنا.
إن قلنا: يترك ابتداء الدم، فيجعل أيام السواد حيضًا، والباقي استحاضة. وإن قلنا: لا يترك، فيجمع بينهما، ويجعل خمسة عشر يومًا حيضًا من كل شهر، والباقي استحاضة، وإن استمر بها الدم في الشهر الثاني، فيبني على أن العادة هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟
[ ١ / ٥٥٥ ]
إن قلنا: إنها تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما قد ذكرنا، وإلا ففيه قولان كالمبتدأة.
فاما إذا رات خمسة أيام دمًا أحمر، ثم رأت أحد عشر يومًا دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، أو رأت أحد عشر يومًا دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وتكرر في الشهر الثاني، على هذه الصورة، واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فحكمه ما ذكرنا يجعل أيام السواد حيضًا، والباقي طهرًا.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجعل زمان السواد حيضًا، لأنه لا يمكن الجمع بينهما.
والثاني: حكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان:
فأما إذا استمر بها الدم في الشهر الثاني، ولم يتكدر.
إن قلنا إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بمرة واحدة، فحكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان:
فأما إذا رأت خمسة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم اسود الدم، فهل تؤمر بترك الصلاة والصوم أم لا؟
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فتؤمر بتركهما، ثم ينظر إن انقطع السواد على خمسة عشر يومًا، وهكذا في الشهر الثاني يجعل حيضها من كل شهر النصف الأخير منه، والباقي استحاضة.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك فيه وجهان:
أحدهما: أنها تؤمر بتركها، ويجعل زمان السواد حيضًا، لعدم إمكان الجمع بينهما على ما ذكرنا.
والثاني: لا تؤمر بتركهما، وحكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان.
[ ١ / ٥٥٦ ]
وإن لم ينقطع السواد على خمسة عشر يومًا، بل جاوزه ذلك في الشهر الثاني دون الأول، هذا ينبني على أن العادة، هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة حكمه ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة حكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان.
فأما إذا جاوز الدم الأسود على خمسة عشر يومًا في الشهر الأول، فحكمها حكم المبتدأة أيضًا، وفيه قولان، وقد ذكرناه.
فأما المعتادة إذا كانت عادتها أن ترى كل شهر خمسة أيام دما أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، فجاء شهر، ورأت الخمسة الأول دمًا احمر، وفي الخمسة الثانية دما أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وتكرر في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك فيكون حيضها الخمسة الثانية من كل شهر، وقد زاد في طهرها في الشهر خمسة أيام، فتصير ثلاثين يومًا، ويعود طهرها في سائر الشهور إلى ما عليه، وهو خمسة وعشرون يومًا.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك، فيكون حيضها عشرة أيام من كل شهر، وعشرون يومًا طهرًا، وقد بقي طهرها في الشهر الأول على ما كان.
وأما في الشهر الثاني والثالث انتقص من طهرها خمسة أيام، وزاد في طهرها خمسة أيام.
فأما إذا لم يتكرر في الشهر الثاني، بل طبق بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمها كما ذكرنا.
وإن قلنا: إنها لا تثبت بمرة واحدة، فإنها ترد إلى عادتها من قبل، وهو خمسة أيام من قبل أن للعادة تأثيرًا في كثير من الأحكام، وأنها محكمة في الشريعة في معرفة الحرز في باب القبض في المبيع، وفي النقود والمرجل، وغير ذلك.
[ ١ / ٥٥٧ ]
فأما إذا رأت في الخمسة الثالثة دمًا أسود، ثم احمر الدم ورأت في الشهر الثاني هكذا، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث فحكمها كما ذكرنا.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، بجعل حيضها الخمسة الثالثة، وزاد في طهرها خمسة أيام في الشهر الأول.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك، فيكون حيضها خمسة عشر يومًا، وطهرها خمسة عشر يومًا من كل شهر، وإن لم يتكرر في الثاني.
هذا ينبني على أن العادة هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟
إن قلنا: إنها تثبت بمرة واحدة، فحكمها كما ذكرنا، وإلا فترجع إلى عادتها وهو خمسة أيام من أول كل شهر، والباقي استحاضة.
فأما إذا رأت السواد في الخمسة الرابعة.
إن قلنا: يترك ابتداء الدم، فيكون حيضها الخمسة الرابعة، فيزيد في طهرها خمسة عشر يومًا في الشهر الأول.
وإن قلنا: إنه لا يترك، فيه وجهان:
أحدهما: يجعل حيضها في الخمسة الرابعة أيضا لعدم إمكان الجمع بينهما.
والثاني: ترد إلى عادتها الأصلية، وهو خمسة أيام من أول الشهر، هذا إذا تكرر في الشهر الثاني.
وإن لم يتكرر فعلى ما ذكرنا من قبل فأما إذا رأت السواد في الخمسة الخامسة من الشهر، وتكرر هكذا في الشهر الثاني.
إن قلنا إن ابتداء الدم يترك، يجعل حيضها الخمسة السادسة، ويزيد في طهرها، عشرون يومًا من الشهر الأول.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيكون لها حيضتها من الشهر الأول:
إحداهما: الخمسة الأولى.
[ ١ / ٥٥٨ ]
والثانية: الخمسة الخامسة.
لأنه قد يخلل بينهما أقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا.
وأما في سائر الشهور فيه وجهان:
أحدهما: يجعل الخمسة الخامسة حيضًا، ولا يجعل لها حيضتان احتياطًا، والثاني: ترد إلى عادتها الأصلية، وهكذا حكم ما لو رأت السواد في الخمسة السادسة على هذا التفصيل.
وكذا حكم ما لو لم يتكرر في الشهر الثاني، على ما ذكرنا من البناء غير مرة. والله أعلم بالصواب.
فأما بيان الاستظهار، والاستظهار، هو طلب الظهر، والاستظهار: الاستعانة على طلب الطلب.
فقوله: لا تستظهر، يعني لا تستعيني بمدة الثلاث على طلب الظهر أراد به ردًا على مالك.
فإن عنده في الشهر الثاني: إذا انقضت مدة التمييز أو العادة. قال: الحائض تجلس ثلاثة أيام بعده. وتستظهر رجاء أن ينقطع دمها لثلاثة أيام.
وعندنا: ليس لها ذلك، بل إذا مضت تلك المدة تغتسل، وتصلي وتصوم، وما ذكرنا أولى، لأن فيه مراعاة الاحتياط، وهو وجوب العبادات عليها.
[ ١ / ٥٥٩ ]