يجب أن يعلم أن إجماع المسلمين يكون حجة مقطوعًا بها عند عامة
[ ١ / ١٥٣ ]
المسلمين، إلا ما حكي عن بعض الزنادقة أن الإجماع لا يكون حجة،
[ ١ / ١٥٤ ]
والدليل عليه قوله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم).
فدل على أن الإجماع حجة، وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا)
وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف).
[ ١ / ١٥٥ ]
فالله تعالى مدح هذه الأمة بأنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فدل على أنهم لا يجتمعون على الضلالة.
يدل عليه قوله ﵇: لا تجتمع أمتي على ضلالة، الحديث
وروى أنه ﵇ قال: إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة.
وروى أنه قال: المسلمون شهداء الله في الأرض فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح.
[ ١ / ١٥٦ ]
ولأن المسلمين مع اختلافهم هممهم، وتفاوت عقولهم، وتباين آرائهم لا يجتمعون على شيء، إلا ويكون الحق معهم لا محالة.
فلو أنهم أجمعوا على شيء إلا واحدًا منهم.
قال الشيخ: لا يكون الإجماع منعقدًا.
وقال أهل الأصول: إن ذلك يكون إجماعًا، لأن الاعتبار بالأكثر.
وقال ﵇: (عليكم بالسواد الأعظم).
وهكذا لو خالفهم اثنان أو ثلاثة.
ثم الإجماع على قسمين:
إجماع من يعرفه الخاص والعام، وإجماع صدر عن شيء يعرفه الخاص دون العام.
فأما ما يعرفه الخاص والعام كما نقول في فرائض الصلاة، وسنن الرابتة وصلاة العيدين، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
والإجماع الذي يعرفه الخاص دون العام مثل مسألة العول، ونكاح المتعة، وبيع الدرهم بالدرهمين، فمن خالفه فإنه يفسق ويخطأ، ولا يكفر.
[ ١ / ١٥٧ ]
والإجماع تارة يكون إجماعا اتفقوا عليه ابتداء، كما نقول في الصلاة.
وتارة يكون في الابتداء كان مختلفا فيه، ثم أجمعوا عليه، كما روى أن النبي ﷺ لما قبض إلى رحمة الله تعالى، اختلفوا في موضع دفنه،
[ ١ / ١٦٣ ]
صلوات الله وسلامه عليه حتى روى أبو بكر خبرًا أن النبي ﷺ قال: إن الأنبياء إنما يدفنون حيث يموتون، فرجعوا إلى قول أبي بكر، ﵁.
وكذلك اختلفوا في توريث النبي ﷺ حتى روى الصديق ﵁ خبرًا أن النبي ﷺ قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، فرجعوا إلى قوله، وكذلك اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، حتى روى الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا، لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
فقال: أبو بكر، هذا من حقها، فرجعوا إلى قوله.
ونعني بالإجماع، إجماع من كان من أهل الحل والعقد.
[ ١ / ١٦٤ ]
فأما أن يتوهم أن بأقصى الصين ففيها لا اعتبار بهذا التوهم، حتى إن المسلمين لو اجتمعوا على شيء، ثم بلغوا إجماعهم فقيهًا بأقصى الصين، فلا يجوز له مخالفهم.
والإجماع على نوعين: إجماع صادر عن نص من جهة الله تعالى أو من جهة رسول الله ﷺ أو عن قياس جلي، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
[ ١ / ١٦٥ ]
فمن اعتقد أن عائشة ﵂ زنت يكن كافرًا بالله سبحانه، لأن الله تعالى، أنزل الآية في براءة ساحتها عن الإفك.
وإجماع صدر عن قياس خفي، كما نقول في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁، فإن النبي ﷺ، لما توفي اختلفوا فيه، فقالت الأنصار- منا أمير ومنكم أمير، فقال المهاجرون الأمير منا.
حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: لما ارتضى النبي ﷺ أبا بكر لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟
فقاسوا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وهذا قياس خفي.
[ ١ / ١٦٦ ]
وهل هذا يكون حجة مقطوعًا بها؟ فوجهان:
أحدهما: لا، لأن الأصل الذي قيس هذا عليه لم يكن مقطوعًا، به، كذا هذا.
والوجه الثاني: الأصح أنه يكون حجة مقطوعًا بها.
[ ١ / ١٦٧ ]
فإذا قلنا: يكون حجة مقطوعًا بها، فمن خالفها يكون كافرًا.
فصل
الصحابة إذا قالوا قولا لا يخلوا إما أن ينتشر فيما بين الصحابة، أو لم
[ ١ / ١٦٨ ]
ينتشر فإن لم ينتشر فيما بينهم ينظر إن كان معه قياس خفي، فيقدم ذلك على القياس الجلي قولا واحدًا.
وكذلك إذا كان معه خبر مرسل، فأما إذا كان قول الصحابي متجردًا عن القياس، هل يقدم القياس الجلي، على ذلك أم لا؟
فيه قولان:
فعلى قوله الجديد: يقدم القياس الجلي عليه.
وعلى قوله القديم: يقدم قول الصحابي على القياس الجلي، وعلى هذا يفسر به المجمل، ويخص به العموم، لما روى أن النبي ﷺ قال: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم).
[ ١ / ١٧١ ]
وقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).
[ ١ / ١٧٢ ]
وروي أنه قال ﵇: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)
ولأن لهم فضيلة مشاهدة الوحي، وفضيلة مشاهدة النبي ﷺ، وقال الله تعالى: (رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا) الآية.
فأما وجه قوله الجديد: أن القياس يكون حجة من حجج الله تعالى، لاح لنا وجهه وأما قول الصحابي لم يلح لنا وجهه.
ولأن الصحابي ممن يجري عليه الخطأ والسهو، ويقر على الخطأ، فلا يجوز أن نترك القياس الذي لاح لنا وجه بقول من لم يلح لنا وجهه.
فأما إذا انتشر فيما بين الصحابة لا يخلو إما أن يكون ذلك من طريق الفتوي، أو من طريق القضاء.
فإن كان ذلك من طريق الفتوي، فإن ذلك يكون حجة مقطوعًا بها.
وهل يسمى ذلك إجماعًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن الظاهر أنه لو كان ذلك القول خلاف الكتاب أو السنة أو القياس الجلي، فإنهم يظهرون المخالفة، ولا يكتمون ولكن إنما يشترط انقراض العصر على ذلك قولا واحدًا.
والوجه الثاني: لا يكون ذلك إجماعًا، لأنه يحتمل أن واحدًا منهم كان يعتقد بخلاف ذلك، ولكن لا يظهر ذلك.
[ ١ / ١٧٣ ]
ولأن الشافعي قال: ولا ينسب إلى ساكت قول.
وإنما يعني بالإجماع: إجماع من كان من أهل الحل والعقد في زمانهم، ولا اعتبار بإجماع العوام، وإنما يشترط إجماع من تيقنا، أنه موجد في دار الإسلام، ولا اعتبار بالتوهم كما بينا.
فأما الصحابي إذا قال قولًا، وانتشر ذلك فيما بين الصحابة، ولكن صدر على طريق القضاء، فما حكمه؟
من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما ذكرنا في القسم الأول.
أحدهما: يكون حجة.
والثاني: لا يكون حجة.
ومن أصحابنا من قال: إن هذا لا يكون حجة قولا واحدًا، لأن القاضي لا سطوة يهاب من سطوته.
والدليل عليه أن ابن عباس أظهر الخلاف في مسألة القول بعد وفاة عمر، فقيل له: هلا أظهرت الخلاف في زمانه؟
[ ١ / ١٧٤ ]
فقال: لأن الرجل كان مهيبًا فهبته.
[ ١ / ١٧٥ ]
وروي أنه قال: هبته، وقد كان والله مهيبًا ﵁.
فدل على أن هذا لا يكون إجماعًا، بخلاف القسم الأول.
فأما الصحابة لو اختلفوا في مسألة على قولين، ينظر؛ فلو أن واحدًا منهم رجع إلى قوله صاحبه، لا خلاف أن ذلك صار إجماعًا.
فلو ماتوا على ذلك، لا خلاف أنه يجوز إحداث قول ثالث.
فلو أن أهل العصر الثاني اتفقوا على قول أحدهما، فهل يكون إجماعًا مقطوعًا به أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا يكون إجماعًا، كما لو رجع أحدهما إلى قول الآخر.
والثاني: لا يكون إجماعًا، لأن الصحابة بينوا أن هذا لا يكون مقطوعًا به، فلو أرادوا أن يجعلوا غير المقطوع به مقطوعًا به لا يجوز.
كما لو أرادوا ان يجعلوا المقطوع به غير مقطوع به، لا يجوز.
[ ١ / ١٧٧ ]
فلو أن الصحابة اتفقوا على شيء، وأجمعوا عليه نطقا، فهل يشترط انقراض العصر على ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى
والثاني: لا.
فلو أن واحدًا منهم رجع عن ذلك، هل يعد خلافه خلافًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يكون خلافا، لأن قولهم صار حجة على غيرهم، فلو أن أهل العصر الثاني خالفوهم، لا يقبل قولهم، كذلك إذا رجع واحد منهم لا يعد خلافه خلافًا.
والثاني: انه يعد خلافًا، وهذا بناء على ما ذكرنا، إن قلنا: إنه يشترط انقراض العصر في ذلك، فيعد ذلك خلافًا، وإلا فلا.
يدل عليه ما روي أن علي بن أبي طالب، ﵁ كان بـ (الكوفة) يخطب فقال في خطبته: اجتمع رأي ورأي أمير المؤمنين (عمر) ﵁ ألا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقام عبيدة السلماني،
[ ١ / ١٧٨ ]
وقال له: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك، فأطرق رأسه ساعة ثم قال: اقضوا فيه ما أنتم تقضون، فإني أكره أن أخالف الجماعة، فأراد أن يرجع عن ذلك ولم يرجع.