قال ﵁: التقليد اشتقاقه من القلادة، فإن قبلت قول المجتهد من غير دليل ولا حجة، فإنك قلدته خيره وشره، ولا خلاف أن ما يؤخذ من الله تعالى لا يسمى تقليدًا.
ولا خلاف أن ما يؤخذ من غير النبي ﷺ من الصحابة والتابعين، يسمى تقليدًا.
[ ١ / ١٢٨ ]
لأن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي، فإما أن يقلده، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ، فأما ما يؤخذ من جهة النبي ﵇ هل يسمى تقليدًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يسمى تقليدًا.
والوجه الثاني: أن ذلك لا يكون تقليدًا، لأن التقليد إنما يكون قبول قول من يخبر عن الصدق وعن الكذب، والنبي ﷺ لا يخبر إلا عن صدق.
وهذا بناء على أصل: وذلك أن التقليد ماذا؟
منهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يجب عليك قبول قوله.
فعلى هذا قول النبي ﷺ، لا يكون تقليدًا، لأنه وجب علينا قبول قوله. وقيل: هو قبول قول الغير من غير حجة، وهو ممن يجوز عليه الغلط والغفلة ويقر على الخطأ، فعلى هذا أيضا قبول قول النبي ﷺ لا يكون تقليدًا، لأنه ﵇ لا يقر على الخطأ.
ومنهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يدري من أي موضع يقول:
فعلى قول هذا قول النبي ﷺ يكون تقليدًا لأنا لا ندري أنه عليه
[ ١ / ١٣٢ ]
السلام، كان يخبر عن وحي من جهة الله تعالى أو من إلهام ألهم، أو من جهة قياس استنبطه من جهة نفسه.
والناس في التقليد قسمان: عالم، وعامي
أما العالم، نعني بذلك، من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن شذ أشياء من العلم لا اعتبار له.
فأما العامي، فرضه التقليد بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الآية.
فأمر بالسؤال إذا كان الرجل جاهلا.
والخبر ما روي جابر بن عبد الله، أن رجلا من الصحابة كان في بعض الغزوات، فأصابته شجة، فاحتلم تلك الليلة، فسأل الصحابة، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم، فاغتسل فدخل الماء في جرحه، ثم سى إلى النفس، ومات فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال ﵇: قلتوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إن شفاء
[ ١ / ١٣٣ ]
العي السؤال فإنه يكفيه أن يعصب عصابة على رأسه ويمسح عليه، ويغسل ما قدر عليه ويتيمم لأجل ما تحت العصابة.
فأما العامي يجب عليه أن يجتهد حتى يميز بين الفقهاء وبين العوام، ويميز بين الأفقه والأورع، فإنه يمكنه ذلك.
فإن لم يجتهد وسأل فلا يجوز له أن يعمل بقول المفتي.
والدليل على ذلك قصة الشيخ (القفال) ﵁، وذلك أنه مر بصف الحدادين بـ (مرو) فاستبله رجل فسأله عن مسألة، فقال له من أنا، فقال: لا أدري، فقال لا يجوز ذلك أن تعمل بقولي ما لم تعلم أني أفقه أهل بلد مرو، وأني ذلك القفال الذي يقول أهل بلد مرو إنه أفقه أهل بلد مرو.
ومنهم من قال: لا يجب على العامي الاجتهاد، ولأنه ليس له آلة الاجتهاد،
[ ١ / ١٣٤ ]
فإذا سأل أي فقيه كان، جاز له أن يعمل بقوله، فلو كان في البلد فقيهان: فقيه أفقه ورع، وفقيه اورع.
فالأفقه الورع أولى في الفتوي من الأروع الفقيه، وفي باب الإمامة للصلاة الأورع الفقيه أولى من الأفقه الورع.
والفرق بينهما أن الإمامة سفارة بينه وبين الله تعالى - إنما يرشح للسفارة من كان اوجه، وأعلى مرتبة عند الله تعالى ودرجة الأورع والأتقي أعظم عند الله تعالى لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والأفقه الورع أولى في الفتوى من الأورع الفقيه، وذلك لأنه يحتاج إلى استنبط المعاني، فلو كان في البلد فقهاء، وواحد منهم مجتهد، فيتعين على المجتهد الفتوي، ولا يجوز للغير أن يفتن، لأن المجتهد يكون كالنص، ولا يتعين على المجتهد أن يجيب على مذهب، بل يفتي بما بلوح عنده من الدليل، ولو كان في البلد فقيهان يستويان في الفقه وفي الورع، هل يجب عليه أن يجتهد نوع اجتهاد حتى يطلع على أفههما وأورعهما أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه أن يجتهد، وله أن يسأل أيهما شاء.
والثاني: يجتهد؛ لأن ذلك يصير معلومًا بالتسامع فيما بين الناس أيهما أفقه، وأيهما أورع.
[ ١ / ١٣٥ ]
ولو كان في البلد فقيهان، وسأل أحدهما، فله أن يعمل بقوله: ولا يجب عليه أن يسأل الآخر، فلو أنه سأل الآخر ينظر أن اتفقا فنعما، وإن اختلفا، فيه وجهان:
أحدهما: أن يأخذ بقول أيهما شاء.
والوجه الثاني: يأخذ بالأحوط والحظر.
فلو كان في البلد فقيه ثالث لا يجب عليه أن يسأله، فلو أنه سأله، إن اتفق قول اثنين فيقبل قولهما، ويقع به الترجيح، وإن اختلف قول الكل، فيه وجهان كما ذكرنا.
[ ١ / ١٣٦ ]