وصورته: أن ترى المرأة زمانًا طهرًا، وزمانًا حيضًا وزمانًا طهرًا، وزمانًا حيضًا، فهل تلفق الدماء أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما وهو الصحيح، أن الدماء لا تلفق، ويجعل زمان النقاء المتخلل من الدماء حيضًا؛ لأن الغالب من عادات النساء أن الدما لا يسيل عنهن على الدوام، بل يسيل ساعة، وينقطع أخرى.
والقول الثاني: أنها تلفق، وهذا غير منصوص عليه، ولكن خرج هذا من مناظرة جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن رحمها الله في مسألة الأقراء هل هي إطهارة أم حيض؟
فقال الشافعي: إنها إطهار.
وقال محمد: إنها حيض، فقال له محمد: ما تقول فيما إذا رأت المرأة يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، ويومًا دمًا ويوما طهرًا؟
فقال: أجعل زمان النقاء طهرًا، أو زمان الدماء حيضًا.
فقال له محمد: يلزمك أن تحكم بانقضاء العدة بمضى ستة أيام.
فقال: لا أحكم بذلك من قبل أن الله تعالى، إنما حكم بانقضاء العدة بمضي ثلاثة أطهار كوامل، وهذا طهر واحد مفرق.
إذا ثبت هذا، وقلنا: إن الدماء لا تلفق، فكم يعتبر من الدم حتى يستتبع الباقي، ويجعل الكل حيضًا؟
[ ١ / ٥٨٨ ]
اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ينبغي أن يتقدمه أقل الحيض، ويتأخره أقل الحيض، حتى يستتبع النقاء المتخلل بينهما حيضًا، لأنها إذا لم يثبت لها حكم الحيض في نفسه، فلا يستتبع الغير في ذلك الحكم، كما ذكرنا من الخلطة في باب الزكاة.
وقال أبو بكر المحمودي: إن رأت من الدماء، بحيث إنها لو جمعت بلغت أقل الحيض، فيستتبع الباقي حيضًا، وإلا فلا.
وقال أبو القاسم الأنماطي: إذا رأت ساعة دمًا، وثلاثة عشر، وأربعة عشر يومًا طهرًا وساعة دمًا، فإنها لا تلفق الدماء، وتجعل الكل حيضًا.
وأيضا إذا قلنا: إنها لا تلفق، فابتداء حيضها من أي يوم يعتبر في الشهر الثاني، فالحد فيه أن نأخذ نوبتين، نوبة من زمان حيضها، ونوبة من زمان طهرها، ثم تضربها في عدد يبلغ ثلاثين، أو ما يقرب من الثلاثين.
مثاله: امرأة رأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، فتأخذ يومين وتضربها في خمسة عشر يومًا، فيبلغ ثلاثين، فيكون يوم الحادي والثلاثين ابتداء حيضها في الشهر الثاني.
ولو رأت يومًا دمًا، ويومين طهرًا، أو يومين دمًا، ويومًا طهرًا، فتأخذ ثلاثة أيام، وتضر بها في عشرة أيام، فتبلغ ثلاثين على ما بينا، وهكذا لو رأت ثلاثة أيام دمًا، ويومين طهرًا أو ثلاثة أيام طهرًا، ويومين دمًا، فتأخذ خمسة أيام، وتضربها في ستة، فتبلغ ثلاثين على ما ذكرنا، وهكذا لو رأت ثلاثة أيام دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، فتأخذ ستة أيام، وتضربها في خمسة، فتبلغ هكذا.
فأما إذا رأت يومين دمًا، أو يومين طهرًا، فيه وجهان:
أحدها: أنه يأخذ أربعة أيام، ويضربها في سبعة أيام، فبلغت ثمانية وعشرين يومًا، فيكون ابتداء حيضها يوم التاسع والعشرين.
[ ١ / ٥٨٩ ]
والوجه الثاني: وهو الصحيح: أنه يأخذ أربعة أيام، ويضربها في ثمانية، فتبلغ اثنين وثلاثين يومًا، ويكون ابتداء حيضها يوم الثالث والثلاثين، وهذا أولى لأنه مهما أمكننا، أن نخيضها في شهر واحد، إلا مرة واحدة، لا نحيضها، مرتين.
فأما إذا رأت ثلاثة أيام دما، وأربعة أيام طهرًا، أو على عكسه، فتأخذ سبعة أيام.
وفيه وجهان ظاهران:
أحدهما: أنه يضربها في أربعة، فتبلغ ثمانية وعشرين يومًا، ويكون ابتداء حيضها يوم التاسع والعشرين لأن هذا أقرب إلى الثلاثين.
والثاني: أنه يضربها في خمسة، فتبلغ خمسة وثلاثين يومًا، ويكون ابتداء حيضها يوم السادس والثلاثين وهذا أولى، لما ذكرنا من المعنى من قبل.
فأما إذا رأت أربعة أيام دمًا، وأربعة أيام طهرًا، فتأخذ ثمانية أيام، وتضربها في أربعة على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر أنها تضرب في ثلاثة، ويكون ابتداء حيضها في الخامس والعشرين.
والأول أصح.
إذا ثبت هذا، نقول: امرأة رأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، لا يخلو إما أن جاوز ذلك أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، أو انقطع على خمسة عشر يومًا فيجعل الكل حيضًا.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق فيجعل زمان الدماء حيضًا، وزمان النقاء طهرًا، فإن جاوز خمسة عشر يومًا، فلا يخلو إما أن كانت مبتدأة أو معتادة.
فإن كانت مبتدأة.
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: إنها تقضي صوم خمسة عشر يومًا، وصلاة سبعة
[ ١ / ٥٩٠ ]
أيام، وصورة المسألة فيما إذا كانت تصلي وتصوم في أيام النقاء، وإنما أجاب الشافعي على القول الذي يقول: إن المبتدأة ترد إلى يوم وليلة، ولكن فيه إشكال عظيم، لأن قضية قوله: إنها تقضي صوم خمسة عشر يومًا، أن يقول: وتقضي صلاة أربعة عشر يومًا، لأنه إذا لم يحكم بصحة الصوم في أيام النقاء وجب ألا يحكم بصحة الصلاة أيضا في أيام النقاء.
وقضية قوله: إنها تقضي صلاة سبعة أيام، أن يقول: وتقضي صوم ثمانية أيام؛ لأنه لما حكم بصحة الصلاة في زمان النقاء، وجب أن يحكم بصحة الصوم في ذلك الزمان، ثم اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: الأمر على ما نص عليه في الموضعين، وفرق بينهما بأن قال: الصوم أقوى، وآكد وأسرع ثبوتًا من الصلاة، لأن الحيض لا يمنع وجوب الصوم، وإنما يمنع الجواز، فتردد صومها بين الجواز، وعدم الجواز، والأصل عدم الجواز، فقلنا بأنه لا يجوز لحصول التردد فيه، والأصل وجوبه، فقلنا: يلزمها قضاء الكل.
فأما الصلاة، فإن الحيض يمنع وجوبها، فترددت بين الوجوب وعدم الوجوب، فالأصل بألا تجب، فقلنا: بأنه لا يلزمها قضاء صلاة أربعة عشر يومًا.
ومن أصحابنا من جعل فيها قولين نقلا وتخريجًا.
أحدهما: أنها تقضي صوم خمسة عشر يومًا، وصلاة أربعة عشر يومًا.
والقول الثاني: أنها تقضي صلاة سبعة أيام، وصوم ثمانية أيام.
ومنهم من قال: إنما أجاب في الصوم على القول الذي قال: إن الدماء لا تلف.
وفي الصلاة على القول الذي قال: إنها تلفق، وهذا أضعف الوجوه، لأنه لا يحسن أن يجيب في مسألة واحدة في سطر واحد على قولين مختلفين.
[ ١ / ٥٩١ ]
قال أبو زيد: في وجوب الصوم قولان:
أحدهما: يلزمها قضاء خمسة عشر يومًا.
والثاني: قضاء ثمانية أيام، ولم يتعرضا للصلاة، إلا أن أبا زيد قال: القولان ينبنيان على أن الخنثى إذا اقتدى بامرأة مرارًا، ثم تبين أنه كان امرأة، فهل يلزمها قضاء تلك الصلوات التي صلتها خلف المرأة أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه تبين أنه امرأة، واقتداء المرأة بالمرأة جائز.
والثاني: بلى لأن التردد حالة الاقتداء موجود والشك في صحة الاقتداء ثابت، فيلزمها القضاء، لأن الاقتداء مع الشك لا يصح إن قلنا هناك، لا يلزمها القضاء، ها هنا تقضى صوم ثمانية أيام.
وإن قلنا هنا: يلزمها القضاء، فها هنا تقضي صوم خمسة عشر يومًا لأن الشك والتردد في صحته حالة الأداء موجود.
وقال أبو بكر القفال: القولان ينبنيان على المبتدأة، إذا ردت إلى يوم وليلة، أو إلى ست أو سبع، فهل يلزمها الاحتياط من ذلك الوقت، إلى تمام خمسة عشر يومًا، أم لا؟
وفيه قولان:
إن قلنا هناك: يلزمها الاحتياط، ها هنا تصوم خمسة عشر يومًا قضاء.
وإن قلنا: لا يلزمها الاحتياط، فها هنا تقضي صوم ثمانية أيام، وهذا البناء أولى؛ لأن الشافعي قال: وهكذا تفعل في كل شهر، والمبتدأة هي التي تفعل هكذا، فإلحاقها بالمبتدأة أولى لهذا المعنى.
إذا ثبت هذا نقول: في الشهر الأول تغتسل، وتصلي في زمان النقاء، رجاء ألا يعود الدم ثانيًا.
[ ١ / ٥٩٢ ]
فأما في الشهر الثاني: إن قلنا إنها ترد إلى يوم وليلة، فيجعل لها يوم وليلة حيضًا، والباقي طهرًا، سواء قلنا: إن الدماء تلفق أو لا تلفق.
وإن قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع، هذا يبني على أن الدماء تلفق أم لا؟ إن قلنا إنها لا تلفق ينظر فيه.
إن قلنا: إنها ترد إلى تسع، فيجعل لها سبعة أيام حيضًا، والباقي طهرًا، وإن قلنا: إنها ترد إلى ست، فيجعل لها خمسة أيام حيضًا، لأن يوم السادس يوم النقاء، وإنما يجعل زمان النقاء حيضًا، إذا تقدمه أقل الحيض، ويتأخره أقل الحيض، وها هنا لم يتأخر أقل الحيض، لأنا جعلنا ما وراءه طهرًا.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق، هذا يبني على أن الدماء تلفق من أيام خمسة عشر، أو من أيام المردود إليه.
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، إن رددناها إلى سبع يجعل لها يوم الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر والثالث عشر حيضًا، والباقي يكون طهرًا.
وإن رددناها إلى ست يجعل لها يوم الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر حيضًا، والباقي يكون طهرًا.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق من أيام المردود إليه، إن رددناها إلى سبع يجعل لها أربعة أيام حيضا، اليوم الأول والثالث والخامس والسابع، وإن رددناها إلى ست يجعل لها ثلاثة أيام حيضًا، اليوم الأول والثالث والخامس.
فأما إذا رات يومين دما، ويومين طهرًا، إن لم تجاوز خمسة عشر يومًا.
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق يكون الكل حيضًا.
وإن قلنا: إنها تلفق، فيكون زمان الدم حيضًا، وزمان النقاء طهرًا، وإن جاوز خمسة عشر يومًا.
[ ١ / ٥٩٣ ]
إن قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة يجعل لها يوم وليلة حيضًا، سواء قلنا: إنها تلفق أم لا تلفق.
وإن قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع، هذا ينبني على أن الدماء تلفق أم لا. إن قلنا: إنها لا تلفق، يجعل لها ستة أيام حيضًا، سواء قلنا: إنها ترد إلى سبع، أو إلى ست، لما ذكرنا من المعنى من قبل.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق من أيام خمسة عشر، أو من الأيام المردود إليها، إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، ينظر فيه.
إن قلنا: إنها ترد إلى سبع، فيكون لها سبعة أيام حيضًا، اليوم الأول والثاني والخامس والسادس والتاسع والعاشر والثالث عشر، وإن رددناها إلى ست، فيكون لها ستة أيام حيضًا، اليوم الأول والثاني والخامس والسادس والتاسع والعاشر.
وإن قلنا: إنها تلفق من أيام المردود إليه.
إن قلنا: إنها ترد إلى سبع، فيكون لها أربعة أيام حيضًا، الأول والثاني والخامس والسادس، وهكذا لو قلنا، إنها ترد إلى ست.
فأما إذا رأت يومًا دمًا وليلة طهرًا، فإن لم تجاوز خمسة عشر يومًا.
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيكون الكل حيضًا.
وإن قلنا: إنها تلفق، فتكون الأيام حيضًا، والليالي طهرًا.
فإما إذا جاوز خمسة عشر يومًا لا يخلو إما أن قلنا إنها ترد إلى يوم وليلة، أو قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع.
إن قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة هذا يبني على أن الدماء تلفق أم لا تلفق، فلا يكون لها حيض بيقين، إلا على قول من يقول: إن أقل الحيض يوم، فيكون لها يوم حيض.
[ ١ / ٥٩٤ ]
وإن قلنا، إ الدماء تلفق، فهذا ينبني على أن الدماء هل تلفق من أيام خمسة عشر، أو من أيام المردود إليه.
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فيكون لها يومان حيضًا.
وإن قلنا: إنها تلفق من المردود إليه، فالصحيح أنه لا يكون لها حيض، لأن الحيض لا ينقص عن يوم وليلة.
وقال الشيخ أبو بكر المحمودي: لها يومان حيض؛ لأني أستحي أن أقول في امرأة ترى الدم طول عمرها، ولا يكون لها شيء منه حيضًا.
قال القفال: الدليل يعمل العجائب، والأحكام إنما تنبني على الدلائل لا على الاستحياء.
فأما إن قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع، هذا ينبني على أن الدماء تلفق أو لا تلفق. إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيكون لها سبعة أيام، وست ليالي حيضًا إن رددناها إلى سبع.
وإن رددناها إلى ست، فيكون لها ستة أيام، وخمس ليال حيضًا وإن قلنا: إنها تلفق، هذا ينبني على أن الدماء تلفق من أيام خمسة عشر، أو من أيام المردود، وفيه قولان.
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، إن رددناها إلى سبعة يكون لها أربعة عشر يومًا حيضًا، سوى لياليهن.
وإن رددناها إلى ست يكون لها اثنى عشر يومًا حيضًا، سوى لياليهن.
وإن قلنا: إنها تلفق من أيام المردود إليه، إن قلنا إنها ترد إلى سبعة يكون لها سبعة أيام حيضة، سوى لياليهن.
وإن قلنا: إنها ترد إلى ست يكون لها ستة أيام حيضًا، سوى لياليهن، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٩٥ ]
هذا كله كلام فيما إذا كانت مبتدأة.
فأما إذا كانت معتادة، مثل ان كانت عادتها أن ترى كل شهر خمسة أيام دمًا، فجاءها شهر، ورأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا لا يخلو إما أن جاوز خمسة عشر يومًأ، أو لم يجاوزها.
فإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، هذا ينبني على أنَّ الدماء هل تلفق أم لا؟
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فحيضها خمسة أيام متتابعات، وهي أيام عادتها فحسب، والباقي يكون استحاضة إلى آخر الشهر.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق، هذا ينبني على أنها من أيام خمسة عشر، أو من أيام المردودة.
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فحيضها يكون خمسة أيام: اليوم الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع.
وإن قلنا: إنها تلفق من أيام المردودة، فحيضها يكون ثلاثة أيام: اليوم الأول والثالث والخامس.
فأما إذا كانت عادتها أن ترى كل شهر خمسة أيام دمًا، فجاءها شهر، ورأت يومًا طهرًا، ويومًا دمًا، فلا يخلو إما أن انقطع على خمسة عشر يومًا، أو جاوز ذلك.
فإن انقطع على ذلك، إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فحيضها يكون ثلاثة عشر يومًا من يوم الثاني إلى آخر يوم الرابع عشر، فاليوم الأول والخامس عشر يكونان من أيام الطهر، لأنه لم يتخللا بين دمي الحيض.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق، فيوم الدم حيض، ويوم النقاء طهر.
فأما إذا جاوز خمسة عشر يومًا، هذا يبني على أن العادة، هل تثبت بمرة واحدة، أم لا؟
وفيه قولان:
[ ١ / ٥٩٦ ]
إن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، هذا يبني على أن الدماء، هل تلفق أم لا؟
وفيه قولان:
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيكون لها ثلاثة أيام حيضًا، اليوم الثاني والرابع، لأنها رأت فيهما الدم واليوم الثالث، لأنه تخلل بين دمي الحيض، فأما اليوم الأول والخامس لم يتخللا بين دمي الحيض، فيجعلان طهرًا.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق، هذا يبني على أن الدماء هل تلفق من أيام خمسة عشر، أو من أيام المردودة، وفيه قولان:
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فحيضها يكون أربعة أيام: اليوم الثاني والرابع والسادس والثامن، لأنها لم تصر منتقلة من عادة إلى عادة أخرى، حتى يلتقط لها خمسة أيام حيضًا من أيام خمسة عشر، وفي في الأول كانت طاهرًا.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق من أيام المردود إليها، فيكون حيضها يومين: الثاني والرابع.
فأما إذا قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، هذا يبني على أن الدماء هل تلفق أم لا؟
إن قلنا: إنها لا تلفق، فيكون حيضها خمسة أيام من أول يوم الثاني إلى آخر يوم السادس.
وإن قلنا: إنها تلفق، هذا يبني على أن الدماء تلفق من أيام خمسة عشر، أو من المردودة إليها.
إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فحيضها يكون خمسة أيام اليوم الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر.
[ ١ / ٥٩٧ ]
وإن قلنا: إنها تلفق من أيام المردودة إليها فحيضها يكون ثلاثة أيام: اليوم الثاني والرابع والسادس.
فرع:
إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا، قد ذكرنا أنها صارت مستحاضة مبتدأة كانت أو معتادة، سواء كان الدم الذي رأت في اليوم الخامس عشر متصلا بالدم الذي رأت في اليوم السادس عشر أو كان منفصلًا عنه.
وقال محمد ابن بنت الشافعي: إن كان متصلا به، فكما زعمتم، وإن كان منفصلا عنه، فيجعل الكل حيضًا عنده.
بيانه على قوله: أنها لو رأت يومًا دمًا، ويومًا طهرًا، وجاوز خمسة عشر، فيكون حيضها خمسة عشر يومًا، لأن الدم الذي رأت في اليوم الخامس عشر غير متصل بدم في اليوم السادس عشر.
فأما إذا رات يومين دمًا، ويومًا طهرًا، فيكون حيضها أربعة عشر يومًا، ولو رأت يومين دمًا، ويومين طهرًا، فيكون حيضها أربعة عشر يومًا أيضًا، ولو رأت ثلاثة أيام دمًا، وثلاثة أيام طهرًا، فيكون حيضها خمسة عشر يومًا، لو رأت أربعة أياما دمًا، وأربعة أيام طهرًا، فيكون حيضها اثنى عشر يومًا.
ولو رأت خمسة أيام دمًا، وخمسة أيام طهرًا، فيكون حيضها خمسة عشر يومًا.
ولو رأت ستة أيام دمًا، وستة أيام طهرًا، فتكون مستحاضة، لأن الدم الذي رأت في اليوم الخامس عشر اتصل بالذي رأت في السادس عشر.
[ ١ / ٥٩٨ ]
مسألة تبتلى بها النساء غالبًا.
وصورتها أن ترى امرأة كل شهر خمسة أيام دمًا، فجاءها شهر، ورأت فيه خمسة أيام دمًا، وانقطع على عادتها، ثم عاودها الدم في ذلك الشهر، فلا يخلو إما أن عاودها بعد مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، أو عاودها قبل مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم الأول.
فإن عاودها بعد مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم فلا يخلو إما ان تخلل بين الدمين أقل الطهر أم لا.
فإن تخلل بينهما أقل الطهر، مثل إن عاودها الدم في اليوم الحادي والعشري من ابتداء الدم، أو فيما وراء ذلك من يوم الثاني والعشرين وأكثر، فإنه يكون حيضًا، آخر يبتدأ له حكم نفسه، ويقتطع حكمه عن الأول، ويجعل كما لو كانا شهرًا وشهرين.
فإما أن يتخلل بينهما أقل الطهر، مثل أن عاودها الدم في اليوم السادس عشر إلى يوم العشرين من ابتداء الدم، فيكون ذلك دم فساد تتوضأ لكل فريضة، ولا تغتسل، لأنه لا يمكن أن تجعل ذلك حيضًا آخر، لأنه لم يتخلل بينهما أقل الطهر، ولا يمكن التلفيق بينه، وبين الدم الأول، لأن التلفيق إنما يتصور في الدم الذي يوجد في زمان أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا.
فأما إذا عاودها الدم قبل مضى خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، مثل إن عاودها الدم في اليوم الحادي عشر، أو الثاني عشر، أو الخامس عشر من ابتداء الدم، فلا يخلو إما أن انقطع على خمسة عشر يومًا من ابتداء دم الأول، أو لم ينقطع على ذلك، فإن انقطع على خمسة عشر يومًا من دم الأول، فهذا ينبني على قولي التلفيق إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيكون زمان الدماء حيضًا وزمان النقاء طُهرًا.
[ ١ / ٥٩٩ ]
فأما إذا جاوز خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فتكون مستحاضة ترد إلى عادتها القديمة، وهي خمسة أيام من كل شهر.
فأما إذا كانت عادتها أن ترى كل شهر سبعة أيام، فجاءها شهر ورأت خمسة أيام دمًا، ثم انقطع الدم، ثم عاودها الدم، فلا يخلو إما أن يكون عاودها بعد مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، أو قبل مضى خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فإن عاودها بعد مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فإن تخلل بين الدمين أقل الطهر، فيكون لها حيضتان في هذا الشهر، وقد ذكرناه.
وإن لم يتخلل بينهما أقل الطهر، فالثاني يكون دما فساد، وقد بينا من قبل فأما إذا عاودها الدم قبل مضي خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فإن انقطع على خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فهذا ينبني على قول التلفيق، وقد ذكرناه.
وإن لم ينقطع على خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، هذا ينبني على أن الدماء هل تلفق أم لا؟
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، ويتصور فيما إذا عاودها بعد انقضاء سبعة أيام من ابتداء الدم، فيكو لها خمسة أيام حيضا الخمسة الأول.
وإن قلنا: إن الدماء تلفق إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فيكون لها سبعة أيام حيضًا الخمسة الأولى، وتلتقط يومين بعده من الأيام التي رأت فيها الدم.
وإن قلنا: إنها تلفق من الأيام المردودة إليها، فيكون لها خمسة أيام حيضًا.
فأما إذا عاودها الدم يوم السابع، إن انقطع على خمسة عشر يومًا من ابتداء الدم، فيبني على قولي التلفيق، وإن جاوز على ذلك.
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيكون لها سبعة أيام متتابعات حيضًا، وإنما جعلنا اليوم السادس، وإن لم تر فيه الدم حيضًا، لأنه تخلل بين دمي الحيض.
[ ١ / ٦٠٠ ]
وإن قلنا: إن الدماء تلفق، إن قلنا: إنها تلفق من أيام خمسة عشر، فيكون لها سبعة أيام حيضًا، الخمسة الأولى، واليوم السابع والثامن.
وإن قلنا: إنها تلفق من الأيا المردودة إليها، فيكون لها ستة أيام حيضًا، الخمسة الأولى واليوم السابع.
[ ١ / ٦٠١ ]
فصل:
لا خلاف أن أكثر الحيض عندنا خمسة عشر يومًا.
فأما أقل الحيض، قال ها هنا: يوم وليلة.
وقال في موضع آخر: إنه يوم اختلف أصحابنا فيه.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه يوم وليلة.
والثاني: أنه يوم، لأن هذا أمر مبناه على الوجود، فربما وجد الشافعي نسوة ثقات يخبرنه بأن النساء قد يحض يومًا دون الليلة فأخذ بقولهن.
ومنهم من قال: قول واحد: أقل الحيض يوم وليلة، وهو الصحيح، وما نص عليه في الموضع الذي ذكر أنه يوم ذلك مطلق، وما نص عليه ها هنا مقيد فيحمل المطلق على المقيد.
وقال أبو حنيفة: أكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام.
والدليل عليه ما روى عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه - أنه قال: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، وما زاد على ذلك، فهو استحاضة فأما أكثر النفاس، فإنه يكون ستين يومًا، ولا نهاية أقله عندنا.
وقال أبو حنيفة: أكثره أربعون يومًا.
واختلف الرواية عنه في أقله، في رواية أحد عشر يومًا، وفي رواية خمسة وعشرون يومًا.
وقال المزني: أقل النفاس أربعة أيام.
[ ١ / ٦٠٢ ]
وقال: إنما قلت ذلك؛ لأني وجدت أن أكثر النفاس يكون أربعة أضعاف أكثر الحيض وجب أن يكون أربعة أمثال أقل الحيض اعتبارًا به.