واعلم أن الطب يكون حقًا، والدليل عليه ما روى أن النبي ﷺ قال ما خلق الله داءً إلا خلق له دواء إلا السام.
وروى أنه قال ﵇: (خير ما تداويتم به الحجامة والمشي).
يعني: شرب شيء يمشي بطنه أي: يسهله.
وروى أنه قال ﵇: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر).
(لا عدوى): يعني، لا تتعدي العلة من شخص إلى شخص، وقد يتعدي إلى العضو من العضو.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وكذلك يتعدى البرص، والجذام من النسل إلى النسل.
وروى أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ إن بعيرًا جربًا دخل على إبلي، فأجرب إبلي، فقال النبي ﷺ: (من أجرب الأول).
(ولا هامة): الهامة: الطير الذي يكون في الخربة، ويصيح في الليل، وكانوا يتشائمون بذلك، فقال ﵇: (ولا هامة).
يعني: لا تتشائموا به، وكان النبي ﷺ: يجب الفأل الحسن، ويكره الطيرة.
(ولا صفر):
منهم من قال: لا تتشائموا بدخول صفر.
ومنهم من قال: صفر: دويبة تقع في المعدة، وتهيج الجوع، والجوع يحصل من خواء المعدة.
والله تعالى، يهيج الجوع في المعدة على الحقيقة.
فصل
وما عدا ذلك من ماء ورد أو شجر أو عرق ماء أو زعفران أو عصفر أو نبيذ أو ماء بل فيه خبز، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق، حتى يضاف إلى ما خالطه أو خرج منه، فلا يجوز التطهير به.
قال القاضي حسين: جعل الماء ثلاثة أقسام:
قسم: يجوز التوضؤ به بلا كراهية، كماء البحر وماء السماء، وأشباههما.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقسم: يجوز التوضؤ به، ولكن يكره مثل الماء المشمس.
وقسم: لا يجوز التوضؤ به؛ كهذه الأقسام التي نذكرها.
أما الماء إذا طرح فيه الورد، وكان يسيرًا بحيث لا يغير طعم الماء، ولا لونه، ولا ريحه فلا يضر، وإن كان متفتتا، ويتغير الماء به لم يجز، وما الشجر الذي عصر من العروق، ويخرج منه الماء، فلا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا صب ماء الورد في الماء، ينظر إن كان قدرًا لو كان له لون يظهر لونه في الماء، لا يجوز التوضؤ به.
وإن كان لو كان له لون لا يظهر، يجوز التوضؤ به، وهكذا نقول في الماء، المستعمل إذا صب في الماء المطلق.
قوله: (أو عرق) وقريء: (أو عرق) بالكسر.
قال القاضي حسين: فأما العرق فلا يجوز التوضؤ به.
ويتصور أن يحصل العرق كثيرًا، كما في الحجيج في وقت الموسم، فغنهم يدخلون بيت الله الحرام، ويسيل منهم العرق كثيرًا، وكذلك الدابة إذا عدت يسيل منها العرق كثيرًا.
وأما العرق: ماء الكرش لا يجوز التوضؤ منه
قال الشافعي: في المبسوط، من نحر جزورًا، وأخذ كرشه، واعتصر منه ماء لم يكن طهورًا، وذلك في العرب العرباء أنهم كانوا إذا أرادوا التلصص
[ ١ / ٢٠٢ ]
فإنهم يعطشون الإبل، ثم يوردونها الماء ويروونها، ويسدون فمها ومبالها، فإذا احتاجوا إلى الماء، فإنهم يفتحون عرقا على جانب اليسار يخرج منه الماء الصافي، ويشربون، وهذا الماء لا يجوز شربه إلا عند الضرورة.
قوله: (وما الزعفران):
قال القاضي حسين: أما ماء الزعفران لا يجوز التوضؤ به، ثم ينظر، فإن كان الزعفران يسيرًا، بحيث إنه لا يتغير الماء به، فيجوز التوضؤ به، فأما إذا تغير الماء به، إما طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به.
وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما دام رقته باقية، ويجري على أعضائه ولم يكن عن أبي حنيفة نص في هذا، ولكن حكى عن أبي يوسف هذا.
ولا يجوز التوضؤ بالعصفر إذا استخرج منه الماء، أو يكون العصفر طرح في الماء حتى يتغير الماء بذلك.
ولا يجوز التوضؤ بالنبيذ مسكرًا كان أو غير مسكر، وسواء كان متخذًا من التمر أو غيره.
وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بجميع الأنبذة.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقال: أبو يوسف: لا يجوز التوضء بنيذ التمر.
وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات:
في رواية: يجمع بين التوضؤ بنبيذ التمر، وبين التيمم
روى نوح بن مريم، هذا عنه.
ورواية أخرى: لا يجوز التوضؤ بنيذ الخمر، وهذا روايه أبي يوسف.
والرواية المشهور في الكتاب رواية محمد بن الحسن.
أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، ولا يجمع بين التيمم، وبين ذلك.
وقالوا: إنما يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، دون سائر الأنبذة، وإنما يجوز إذا لم يكن مسكرا، فأما إذا كان مسكرا لا يجوز التوضؤ به، وإنما يجوز إذا كان مطبوخا لا نيئا، وإنما يجوز إذا كان مسافرا عادمًا للماء هكذا.
وحكي عن المتأخرين منهم، قال: يجوز التوضؤ به إذا كان على حوالي البلد وقال أيضا: إذا كان نيئا يجوز التوضوء به.
[ ١ / ٢٠٤ ]
قلنا: المسألة مبنية على أن النبيذ يكون نجسًا بدليل ما روي عن (عمر) وابن عمر، أنهما قالا: النبيذ يكون نجسًا.
قوله: (أو ماء بُلَّ فيه خبز).
قال القاضي حسين: أما الماء الذي بل فيه الخبز، ينظر إن كان الخبز يسيرًا طرح فيه، يجوز التوضؤ به، وإن كان كثيرًا بحيث يغير طعمه أو لونه أو ريحه، لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك الدقيق لو طرح في الماء ينظر، فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ به.
وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو طرح الرَّقادُ أو النُّخالة في القمقمة.
فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ فيه، وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به،
فأمَّا إذا كان أسفل الماء كدرًا، وأعلاه صافيًا يجوز التوضؤ بالماء الصافي دون الكدر.
قوله: «أو غير مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به».
قال القاضي حسين: معناه كل ما يضاف إلى ما استخرج منه، أو يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقال الشافعي: كل ماء خلق الله تعالى على هيئته لم تدخله صنعة آدمي، يجوز التوضؤ به.
فأما الماء الذي يكون متغيرًا بالتراب من منبعه، لا خلاف أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا.
وكذلك إن تغير بأن ينبت فيه طحلب يجوز التوضؤ به.
هذا كله إذا كان الماء صافيًا أو كدرًا، ولكن يجري الماء على أعضاء الطهارة.
فأما إذا كان ثخينًا، بحيث إنه لا يجري على أعضائه لا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي التراب في الماء، وتغير الماء به.
هل يجوز التوضؤ به أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا.
والثاني: يجوز ذلك.
فأما الماء إذا جرى على حجر النورة، والزرنيخ، وكان متغيرًا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو كان الماء متغير لطول المكث في مقره، يجوز التوضؤ به، لأن الماء لابد له من مكان يستقر فيه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فأما إذا ألقى النورة والزرنيخ في الماء، وتغير الماء، ينظر فإن كانت النورة طبخت ثم طرحت في الماء، وتغير الماء به، لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف.
فأما إذا لم يكن مطبوخًا ترتب على المسألة الأولى، وهو تغير الماء بالتراب الذي ألقي فيه، وها هنا أولى ألا يجوز التوضؤ به، والفرق أن التراب يكون طهورًا بخلاف النورة.
وهكذا نقول في الماء الذي خرج من معدن الطيب، وكان الماء أسود أو أحمر، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي الكافور في الماء وتغير الماء به، فإن كان لا ينماع في الماء، يجوز التوضؤ به، وإن تغير الماء به، لأن ذلك تغير مجاورة، لا تغير مخالطة، كما لو تغير الماء بأن تطرح جيفة على شط نهر، وتروح الماء به، يجوز التوضؤ به، فأما إذا كان الكافور يتفتت في الماء، فإن تغير الماء به لا يجوز التوضؤ به، فأما القطران على نوعين:
نوع ينماع في الماء، ويتغير الماء به، فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان لا ينماع في الماء بحيث أن فيه دسومة تعلو الماء ولا تمازجه، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا طرح فيه الملح، وتغير الماء به.
قال صاحب (التلخيص): إن كان الملح مائيًا، يجوز الوضؤ به، وإن كان جبليًا لا يجوز التوضؤ به.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال الشيخ القفال: لا يجوز التوضؤ به.
فأما ماء الملاحة، هل يجوز التوضؤ به أم لا؟
قال صاب التلخيص: يجوز التوضؤ به.
وقال الشيخ القفال، لا يجوز؛ لأن هذا لا يكون ماء، بل يكون عينًا، خلق الله تعالى، فيها منفعة للخلق، وليس كالماء بدليل أن طبعه يخالف الماء، لأن الماء يتجمد في الشتاء، ويذوب في الصيف، وأما ماء الملاحة يذوب في الشتاء، ويتجمد في الصيف، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا تغير بأوراق الأشجار، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا كالتراب.
والثاني: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا بخلاف التراب.
والثالث: أنه يفصل، فإذا كان خريفيا، يجوز التوضؤ به، وإذا كان ربيعيا لا يجوز التوضؤ به، لأن له رطوبة تمازج الماء، بخلاف ما إذا كان خريفيا، فلو وقعت الثمار في الماء، وتغير الماء، لأجل ذلك لا يجوز التوضؤ به قولا واحدًا، لأنه يمكن صون الماء عن الثمار غالبًا.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقل ما يوجد أن تكون الأشجار المثمرة مغروسة على حافات الأنهار.