إذا رأت الدم بعد استكمال تسع سنين، وجاوز الدم خمسة عشر يومًا.
ففيه قولان إذا رأت الدم على لون واحد:
أحدهما: ترد إلى يوم واحد؛ لأنه حيض بيقين، والحيض لا يكون أقل من يوم وليلة.
والثاني: أنها ترد إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع.
وهذا إنما يكون في الشهر الثاني.
فأما في الشهر الأول، إذا رأت الدم فإنها تترك الصوم والصلاة، رجاء أن ينقطع الدم على خمسة عشر يومًا.
فإذا زاد على ذلك، حينئذ تغتسل، وتصلي في آخر الشهر.
ثم في الشهر الثاني، فيه قولان:
إن قلنا: إنها ترد إلى أقل الحيض.
فإذا مضى يوم وليلة تغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
وتقضي صلاة أربعة عشر يومًا من الشهر.
وإن قلنا: إنها ترد إلى غالب عادات النساء.
إن ردت إلى الست، إذا مضت ستة أيام تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، ونقضي صلاة تسعة أيام من الشهر الأول.
وإن قلنا: ترد إلى سبعة أيام، فإذا مضت سبعة أيام تغتسل، وتصلي، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، وتقضي صلاة ثمانية أيام من الشهر الأول.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وحكى البويطي عن الشافعي قولا آخر: أنها ترد إلى أقل الحيض، وأقل الطهر فيجعل لها من أول كل شهر يومًا وليلة حيضًا، وخمسة عشر يومًا طهرًا، ثم يومًا وليلة حيضًا، ثم خمسة عشر طهرًا، والأول أحوط.
فإذا قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة، أو إلى ست أو سبع، لا خلاف أن ذلك القدر من الزمان لها حيض بيقين، فتترك الصلاة والصوم في ذلك الزمان، وما جاوز الخمسة عشر من الزمان يكون لها طهرًا بيقين يلزمها الصلاة والصوم فيها، ويأتيها زوجها فيه.
فأما ما زاد على يوم وليلة، أو على ست أو سبع إلى تمام خمسة عشر يومًا، ماذا حكمه؟
فيه قولان:
أحدهما: أنه تستعمل الاحتياط فيها، فتصلي، وتصوم وتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، ولا يأتيها زوجها.
وإنما قلنا: لا تقضي الصلاة، لأنها إن كانت حائضًا فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا، فقد أدت الفريضة.
وإنما قلنا: بأنها تقضي الصوم احتياطًا، لاحتمال أنها تكون حائضًا، ولا يصح منها ذلك الصوم.
والقول الثاني: أنها لا تستعمل الاحتمال فتصلي، وتصوم، ويأتيها زوجها، ولا يلزمها قضاء شيء من العبادات، كما في الزمان الزائد على خمسة عشر يومًا.
قال المزني: والصفرة والكدرة في أيام الحيض، حيض ثم إذا ذهب ذلك، اغتسلت وصلت، وإن كان الدم مبتدئًا لا معرفة لها به، أمسكت عن الصلاة، ثم إذا جاوزت خمسة عشر يومًا استيقنت أنها مستحاضة، وأشكل وقت الحيض عليها من الاستحاضة، فلا يجوز لها أن تترك الصلاة إلا أقل ما تحيض له النساء، وذلك يوم وليلة، فعليها أن تغتسل وتقضي الصلاة أربعة عشر يومًا.
[ ١ / ٥٦١ ]
قال الشافعي: وأكثر الحيض خمسة عشر، وأكثر النفاس ستون يومًا.
قال الشافعي: الذي يبتلي بالمذى، فلا ينقطع مثل المستحاضة، يتوضأ لكل صلاة فريضة بعد غسل فرجه وتعصيبه.
قال القاضي حسين: إذا رأت الدم على أي لون كان، وانقطع على خمسة عشر يومًا، فإن الكل يكون حيضًا.
وإن زادت على ذلك، فقد ذكرنا حكمه.
وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو إسحاق المروزي، إن الصفرة في أيام العادة ليست حيضًا.
وقيل بأن أبا إسحاق المروزي رجع عن ذلك.
وقال: الصفرة والكدرة في زمان إمكان الحيض حيض؛ لأنه وجد لذلك نصا من الشافعي في كتاب العدة، فعلى هذا إذا رأت خمسة أيام دمًا أسود، وخمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أصفر، وانقطع على خمسة عشر يومًا، فإن عندنا وعند أبي إسحاق الكل يكون حيضًا، لأن الصفرة وجدت في زمان إمكان الحيض، وبمثله لو رأت خمسة ايام دمًا أصفر، فإنه يكون حيضًا وجد في زمان إمكان الحيض، لأنه قد تخلل بينهما أقل الطهر.
وفرع أصحابنا على قول أبي سعيد، وقالوا: إن الصفرة والكدرة عنده إنما لا تكون حيضًا، إذا لم يتقدمه دم قوى.
فأما إذا تقدمه دم قوي، فإنه يكون حيضًا، ثم اختلفوا في مقدار الدم القوى.
منهم من قال: يشترط فيه أن يرى يومًا وليلة دما قويًا، ثم ترى الصفرة والكدرة حتى تجعل الكل حيضًا، لأن الدم القوي إذا لم يكن له حكم الحيض بانفرداه لا يستتبع غيره في الحكم، نظيره إذا كان بين رجلين ثلاثون من الغنم مختلطًا، ولكل واحد منهما مائة من الغنم على الانفراد، فلا يثبت بينهما حكم الخلطة.
[ ١ / ٥٦٢ ]
فأما إذا كان بينهم أربعون من الغنم خلطة، ولكل واحد منهمنا مائة من الغنم، حينئذ يثبت بينهما حكم الخلطة في الكل لما ذكرنا من المعنى.
ومنهم من قال: ينبغي أن يتقدمه دم قوي، وإن كان لحظة.
ومنهم من قال: ينبغي أن يتقدمه دم قوي، ويتأخر عنه دم قوي، ثم اختلفوا فيه.
منهم من قال /: ينبغي أن يتقدمه دم قوي يوما وليلة ويتأخر عنه هكذا. ومنهم من يعتبر من الدم القوي لحظة في الابتداء، ولحظة من الانتهاء فحسب.
فرع
إذا رأت خمسة صفرة، وخمسة كدرة، وخمسة سودًا.
على مذهب أبي إسحاق، والإصطخري: حيضها في أيام السواد؛ لأنهما يعتبران بقدر الدم القوي.
وعلى مذهب الأصحاب: الكل حيض، فعلى هذا: إذا رأت عشرة أيام دمًا، أحمر، وعشرة أيام دمًا أصفر، ورأت في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم يجعل لها عشرة أيام من كل شهر حيضًا عندنا وعندهما، والباقي طهرًا.
وإن لم يتكرر في الشهر الثاني.
وقلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة هكذا.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فإنها ترد إلى غالب عادات النساء، أو إلى يوم وليلة، وقد ذكرنا فيه قولين.
وعندهما: حيضها عشرة أيام فحسب.
فأما إذا رأت أولا عشرة أيام دمًا أصفر، ثم رأت عشرة أيام دمًا أحمر، أو
[ ١ / ٥٦٣ ]
أسود، ورأت في الشهر الباقي هكذا، واستمر بها الدم في الشهر الثالث عندنا، هذا بناء على أن ابتداء الدم هل يترك أم لا؟
وقد ذكرنا من قبل:
وعندهما: لا تجعل أيام الصفرة حيضًا، بل يكون حيضها أيام الحمرة إذا رأت الحمرة، أو السواد إن رأت السواد.
فصل:
المعتادة إن كانت عادتها أن ترى في كل شهر خمسة أيام دمًا أسود، والباقي يكون طهرًا، فجاء شهر، ورأت خمسة أيام دمًا أسود وطبق بها الدم إلى آخر الشهر أسود، فإنها ترد إلى عادتها، وهي خمسة أيام، إذ لا يمكنها التمييز في هذه الحالة.
فأما إذا رأت عشرة أيام دمًا أسود، وانقطع على ذلك، فإن تكرر هكذا في الشهر الثاني، فقد تغيرت عادتها، وانتقلت من خمسة إلى عشرة، وإن لم يتكرر في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فذاك.
وإن قلنا: إنها لم تثب بمرة واحدة، فإنها ترد إلى عادتها الأصلية، وهي خمسة أيام في أول كل شهر.
فأما إذا رأت عشرة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر هكذا، فهذه امرأة اجتمع لها التمييز والعادة، وأيهما يقدم.
فيه قولان:
أحدهما: التمييز يقدم على العادة، لأن ذاك دليل على نفس الدم.
والثاني: العادة تقدم على التمييز؛ لأنها مستقيمة متيقنة.
[ ١ / ٥٦٤ ]
وقال أبو حنيفة: لا يعمل بالتمييز لا في هذا المحل، ولا في محل ما، بل ينظر فيه.
فإن كانت معتادة، فإنها ترد إلى عادتها، وإن كانت مبتدأة، فإنها ترد إلى أكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده.
وهذا كله كلام فيما إذا كانت لها عادة واحدة مستقيمة.
فأما إذا كانت لها عادات مختلفة، فلا يخلو إما أن يكون لها دور مستقيم، ومناوبة لا تختلف، أو لم يكن لها دور مستقيم.
فإن كان لها دور مستقيم، مثل أن رأت الدم شهرًا ثلاثة أيام، وشهرًا خمسة أيام وشهرًا سبعة أيام، ثم استقامت عادتها على هذا التفسير، واستقرت، وإنما تستقيم تلك في ستة أشهر ليحصل تكرار العادات مرتين، وكذا لو رأت في شهرينن ثلاثة ثلاثة، وفي شهرين خمسة خمسة، وفي شهرين سبعة سبعة.
واستقرت على ذلك، فحصل لها دور مستقيم في سنة كاملة.
إذا ثبت هذا، فلو جاءها شهر، واستمر بها الدم ماذا حكمه؟
فيه قولان:
أحدهما: يرد إلى ما كانت حيضتها قبل شهر الاستحاضة.
فإن كانت حيضتها قبل شهر الاستحاضة، سبعة أيام، فإذا ترد إلى سبعة في كل شهر بعده.
وإن كانت خمسة فترد إلى خمسة.
وإن كانت ثلاثة فترد إلى ثلاثة.
والباقي من الشهر بعد مضي هذه العادات طهر.
والقول الثاني: أنها ترد إلى دورها المستقيم، ومناوبتها التي لا تختلف، فعلى هذا إن كانت عادتها قبل الشهر الذي استحيضت فيه ثلاثة، فيجعل لها
[ ١ / ٥٦٥ ]
في هذا الشهر خمسة أيام حيضًا، والباقي طهرًا، وفي الشهر الثالث تستأنف، ويجعل لها ثلاثة أيام حيضًا، ثم في الشهر الثاني خمسة أيام حيضًا على هذا القياس.
فأما إذا لم يكن لها دور مستقيم، ومثل أن ترى شهرًا ثلاثة أيام حيضًا، وشهرًا تسعة أيام حيضة وشهرًا خمسًا، وربما تقدم السبعة على الثلاثة، وربما يتكرر الثلاثة في شهرين متواليين.
وربما يتوسط بينهما عادة أخرى.
فإذا جاءها شهرًا واستمر بها الدم.
فها هنا ول واحد: أنها ترد إلى عادتها قبل شهر الاستحاضة لا محالة.
فإن كان عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة خمسة أيام، فيجعل لها من كل شهر خمسة أيام حيضًا، والباقية طهرًا.
وعلى هذا القياس أبدًا إن قلنا في القسم الأول، إنها ترد إلى دورها المستقيم على الترتيب، فإنها لا تستعمل الاحتياط.
وإن قلنا بأنها ترد إلى حيضتها قبل شهر الاستحاضة، كما قلنا في القسم الثاني.
هل تستعمل الاحتياط أم لا؟
فيه جوابان ينبنيان على المبتدأة.
إن قلنا: ترد إلى يوم وليلة، أو إلى ست وسبع، هل تستعمل الاحتياط من ذلك الوقت إلى تمام خمسة عشر أم لا؟
وفيه قولان:
إن قلنا هناك: لا تستعمل الاحتياط فهذا مثله.
وإن قلنا هناك: تستعمل الاحتياط، فها هنا تستعمل الاحتياط من أقل عادتها إلى أكثر عادتها في قضاء الصوم والصلاة.
[ ١ / ٥٦٦ ]
بيانه: أنها لو كانت حيضتها قبل أشهر الاستحاضة سبعة أيام، ففي هذا الشهر رددناها إلى سبعة أيام، فإذا مضت سبعة أيام من الشهر الذي استحيضت فيه، فإنها تغتسل، وتقضي الصلاة من أقل عادتها، وهو ثلاثة أيام إلى أكثر عادتها، وهوسبعة أيام لاحتمال أن دمها قد انقطع على ثلاثة أيام، والباقي يكون استحاضة، وتقضي صوم سبعة أيام احيتاطًا؛ لأن الحائض تقضي الصوم في جميع الأحوال.
وإن كانت عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة خمسة أيام، فرددناها في شهر الاستحاضة إلى الخمسة.
فإذا مضت خمسة أيام منه تغتسل وتصلي.
فإذا مضت يومان بعده إلى تمام السبعة تغتسل هنا، وتصلي، وتقضي الصلاة من أقل عادتها، وهو الثلاث إلى أوسط عادتها، وهو الخمسة، ولا تقضي الصلاة من الخمسة إلى السبعة، لأنها إن كانت حائضًا في تلك المدة فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا في تلك المدة، فقد أدت الصلوات بالطهارة، وتقضي صوم سبعة أيام لا محالة، ولا يأتيها زوجها إلى تمام سبعة أيام احتياطًا، وإن كانت عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة ثلاثة أيام، فإنا نردها إلى الثلاثة في شهر الاستحاضة، فإذا مضت الثلاثة تغتسل ثانيًا وتصلي.
ثم إذا مضت سبعة أيام تغتسل ثانيًا، ولا تقضي شيئًا من الصلوات، لأنها إن كانت حائضًا، فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا، فقد أدت فريضة الوقت، بالطهارة بعد مضي ثلاثة أيام من الشهر، ولكن تقضى الصوم كله احتياطًا، لاحتمال أنها تكون حائضًا إلى تمام سبعة أيام، ولا يصح منها الصوم في زمان الحيض وكذا لا يأتيها زوجها إلى تمام سبعة أيام احتياطًا، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٦٧ ]