والكلام في هذا الباب يقع في فصول الطهارة والحيض والرضاع.
جملة مسائل الخنثى تدور على نكتة واحدة، وهو أن تتمسك فيها باليقين، ونطرح الشك.
أما أحكامه في الطهارة، فلذلك في ثلاثة فصول: المس، واللمس، والإيلاج.
أما المس، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون ماسًا أو ممسوسًا، فإن كان ماسًا فلا يخلو إلا أن يكون من نفسه، أو من غيره.
فإن مسه من نفسه، نظر، فإن مس الدبر انتقض وضوؤه في الجديد.
وإن مس أحد المبالين لم ينتقض، لأنه إذا مس الذكر يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد، وإن مس القبل يحتمل أنه رجل، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما فعليه الوضوء، ولو مس أحدهما وصلى ثم مس الآخر لم يجز له ان يصلي صلاة أخرى، لأنا تيقنا انتقاض طهره حين جمع بينهما الان، بخلاف الابتداء.
ولو توضأ، ثم مس الآخر، فله أن يصلي، وإن تيقنا انتقاض طهره في أحد الصلاتين.
ولا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنهما حادثتان أمضيتا بالإجتهاد، ولم يدر عين ما وقع الخطأ فيه، فلا ينتقض ذلك إلا باليقين، كما لو صلى اربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، لا يلزمه إعادة شيء منها عند عامة أصحابنا، إلا عند الإمام أبي إسحاق الإسفرايني ﵀ عليه، وليس كما لو نسي صلاة
[ ١ / ٣٥١ ]
من صلاتين، حيث يلزمه إعادتهما، لأن هناك تحققنا اشتغال ذمته بالفرض، وما من صلاة شرع فيها، إلا ويحتمل أن الفرض غيره.
وفي مسألتنا عقد كل واحدة من الصلاتين على اعتقاد الصحة، ولم يظهر عين ما أخطأ فيها، وكذا لو صلى صلاتين ثم تيقن الحدث في إحداهما، يلزمه إعادتهما، لأن اشتغال ذمته بهما متيقن.
وفراغ ذمته عنهما مشكوك، وها هنا لم نتيقن الحدث في الصلاة الأولى.
فأما إذا مس الذكر أيامًا، ثم تبين أنه كان رجلا، هل يلزمه إعادة الصلاة في تلك الأيام؟
فيه جوابان ينبنيان على ما لو صلى إلى جهات مختلفة، ثم تبين له يقين الخطأ، فهل تلزمه إعادة تلك الصلوات أم لا؟
وفيه قولان.
وأما إذا مس فرج الغير، فلا يخلو، إما أن مسه من واضح أو مشكل، فإن مسه من واضح، فعليه الوضوء، سواء مس القبل، أو الذكر لأنه إما أن يطون رجلا أو امرأة، وأيهما كان ينتفض وضوؤه بمس الفرج، وإن كان الممسوس مشكلا.
فإن مس دبره فعلى ما ذكرنا، وإن مس أحد مباليه لم ينتقض، لأنه لو مس الذكر يحتمل أنهما امرأتان، وهو عضو زائد، وإن مس القبل، يحتمل أنهما رجلان، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما في المس انتقض وضوؤه لا محالة، وهكذا لو مس الذكر من مشكل والقبل من مشكل آخر ينتقض وضوؤه كما لو مسهما من واحد.
فأما إذا كان الخنثى ممسوسًا، فلا يخلو، إما أن يكون الماس واضحًا أو مشكلا، فإن كان واضحًا، إن مس الدبر فمعلوم، وإن مس أحد مباليه، فإن كان رجلا، ومس الذكر ينتقض، لأنه إن كان رجلا، فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد لمسها، وإن مس القبل، فلا شيء عليه، لاحتمال أنه كان
[ ١ / ٣٥٢ ]
رجلا، وذلك خرق فيه، وإن كان الماس امرأة، فإن مست القبل، فعليها الوضوء، لما ذكرنا في المعنى، وإن مست الذكر، فلا شيء عليها، لأنه يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد عليها.
فأما إذا كان الماس مشكلًا، فإن مس الدبر فعليه الوضوء، وإن مس أحد مباليه، فلا شيء عليه، لأنه إذا مس الذكر، يحتمل أنهما امرأتان، وإن مس القبل يحتمل أنهما رجلان، ولو جمع بينهما فعليه الوضوء.
فأما إذا كان خنثيان، مس أحدهما قبل صاحبه، ومس الآخر ذكره، فقد انتقض وضوء أحدهما لا بعينه، لأنهما إن كانا رجلين فقد انتقض وضوء ماس الذكر منهما، وإن كانا امرأتين فقد انقض وضوء ماس القبل، وإن كان أحدهما رجلا، والآخر امرأة، فوضوؤهما منتقض على تنزيل الأحوال كلها.
انتقاض وضوء أحدهما يقين، غير أنا لا نحكم بانتقاض طهارتهما، لما ذكرنا أنا نبني الحكم على اليقين، واليقين معدوم في حق كل واحد منهما، وهذا كما لو طار طائر، فقال رجل: إن كان هذا غرابا، فامرأته طالق، إلى آخره.
والخنثى لا يصلح أن يكون إماما في الصلاة بالخنثى حتى نقول: لا يجوز لأحدهما أن يفتدى بصاحبه، وأما الكلام في اللمس فلا يوجب ذلك انتقاض طهارته، سواء لمس رجلا أو امرأة، أو لمسه رجل أو امرأة، فإن لمسهما أو لمساه، حينئذ انتقض الوضوء لا محالة.
لأنه إما أن يكون رجلا أو امرأة، وأما الكلام في الإيلاج، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون مولجًا أو مولجًا فيه، فإن كان مولجًا فيه نظر في المولج.
فإن كان واضحًا إن أولج في دبره، فعليهما الغسل، وإن أولج في قبله فلا شيء على واحد منهما، لاحتمال أن الخنثي رجلا، وذلك شق فيه.
وإن كان المولج مشكلا فإن أولج في دبره فعلى المولج فيه الوضوء، لأنه خرج منه شيء، ولا شيء على المولج لاحتمال أنهما امرأتان وإن أولج في قبله، فلا شيء على واحد منهما لاحتمال أنهما رجلان، وذلك شق فيه.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فأما إذا كان الخنثى مولجًا، نظر في المولج فيه، فإن كان واضحًا ينتقض وضوؤه، لخروج الخارج منه رجلا كان أو امرأة، أولج في قبلها أو في دبرها.
فأما حكم المولج إن كان المولج فيه رجلا، فعليه الوضوء، لأنه إن كان رجلا، فقد لزمه الغسل، وإن كانت امرأة، فقد لزمها الوضوء بحكم الملامسة، والوضوء يقين، وإن كان المولج فيه امرأة، فلا وضوء على المولج أيضًا، سواء أولج في قبلها، أو دبرها لاحتمال أنه امرأة وذلك عضو زائد، وإن كان المولج فيه مشكلا، فقد ذكرنا حكمه، ولو أن خنثيان أولج أحدهما في دبر صاحبه، والآخر في قبله، فعلى المولج في دبره الوضوء، بخروج الخارج منه، وعلى المولج، في قبله، الوضوء، أيضا؛ لأنه إن كان امرأة، فقد خرج من قبلها شيء، وإن كان رجلا، فقد لزمه الغسل بإيلاجه في دبر صاحبه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (وما سوى ذلك من قيء أو رعاف).
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا أن خروج الخارج من غير السبيلين لا يوجب نقض الطهارة عندنا.
وقال أبو حنيفة: كل نجس سيال يخرج من باطن البدن، إلى ظاهره يوجب نقض الطهارة، مثل القيء، والرعاف ودم الفصد، والحجامة، وما وقف على فم المخرج فلا يوجب وإن خرج منه، ثم أخذ بقطن، ولم يسل، فإن كان بحيث إنه لو لم يؤخذ بالقطن لسال، يوجب نقض الطهارة وإلا فلا.
فأما القيء إن كان ملء الفم يوجب، ودونه لا يوجب، فإن دميت لثته، فإن كان الغالب الدم، فعليه الوضوء، وإن كان الغالب الريق، فلا وضوء عليه.
[ ١ / ٣٥٤ ]
والرعاف إن أخرج إلى ظاهر القصبة يوجبه، وإلا فلا.
والدليل على بطلان مذهبه ما روى أن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم، فدلكه بين أصبعيه، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل.
وعن ابن عباس: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك).
وعن ابن المسيب: أنه رعف، فمسح أنفه بصوفة، ثم صلى.
والمعنى فيه: أنه لو خرج منه ريح، لا يوجب نقض الطهارة، ومن مخرج الحدث يوجب ذلك، وأن الاعتبار بالمخرج من الخارج، والله أعلم بالصواب.
قال الشافعي: وليس في قهقهة المصلي، ولا فيما مست النار وضوء؛ لما روى عن النبي ﷺ أنه أكل كتف شاة، فصلى، ولم يتوضأ.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال القاضي حسين: أما القهقهة لا توجب نقض الوضوء في الصلاة، وخارج الصلاة.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال أبو حنيفة: في الصلاة يوجب نقض الوضوء فرضًا كان أو نفلًا، ووافقنا في صلاة الجنازة.
وقال الشيخ أبو طاهر الزيادي: لا يتصور الخلاف في هذا؛ لأنه إذا قهقه، فقد قال: تبطل صلاته، ووجد النافي خارج الصلاة، فلا يتصور وجود القهقهة في الصلاة، حتى تبطل الطهارة،
فإذا مست النار شيئا، فأكله لا يوجب الوضوء عندنا.
وعند داود: كل ما مسته النار يوجب، ويروون خبرًا فيه، وهو ما روي
[ ١ / ٣٥٧ ]
عن النبي ﷺ أنه قال: (توضئوا من أكل ما مسته النار، ولو كان من ثور أقط).
وهو محمول على اليد والفم، فقد يطلق الوضوء، ويراد به غسل اليد والفم، كما قال ﵇: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم).
وقال أحمد: أكل لحم الجزور يوجب دون غيره.
واستدل بما روى أنه ﵇ سئل، وقيل له أيصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا.
وقيل له: أيصلى في مرابط الغنم؟ فقال: نعم.
وقيل له: أنتوضأ من أكل الشاة؟ قال: لا.
قيل له: أنتوضأ من لحم الجزور؟ فقال: نعم.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وذاك محمول أيضًا على غسل اليد والفم، لما فيه من الدسومة، فخصه به لذلك، واستدل الشافعي على داود بما روى أن النبي ﷺ أكل كتف شاة فصلى، ولم يتوضأ.
قوله: (وكل ما يوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء).
قال الشافعي وكل ما أوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا في الملامسة واللمس، وقد ذكرنا حكمه قبل ذلك.
قال الشافعي: ومن استيقن الطهر، ثم شك في الحدث، أو استيقن الحدث، ثم شك في الطهر، فلا يزول اليقين بالشك.
قال القاضي حسين: هذا أحد دعائم الشرع، أن كل أصل تمهد وتحقق وجوده، وشك في زواله، نتمسك باليقين، فإذا ثبت هذا، أو أنه تيقن الطهارة، وشك في الحدث، أو تيقن في الحدث، وشك أنه هل توضأ أم لا؟
يبني على اليقين، سواء كان في الصلاة، طرأ ذلك الشك، أو خارج الصلاة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وقال مالك: إن طرأ في الصلاة مضى عليها، وإن طرأ خارج الصلاة يلزمه الوضوء.
ونحن نقيس على ما لو طرأ في الصلاة، ووافقنا فيما إذا كان على اليقين من الحدث، وشك في الطهارة أنه يبني على اليقين.
فرع.
قال صاحب التلخيص: لو تيقن الطهارة والحدث، وشك في أسبقهما.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فنقول له: قدم وهمك على ما قبل طلوع الفجر، فإن كنت متطهرًا، فأنت الآن محدث، وإن كنت محدثًا، فأنت الآن متطهرٌ.
قال القفال: هو استنبط هذه المسألة من جمع ابن سريج الخبرين في مس الذكر.
فإن بسرة روت أنه ﵇، قال: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ.
وروى طلق أنه قال ﵇ في ذاك الخبر: هل هو إلا بضعة منك.
قال ابن سريج: الأصل أن لا وضوء بمس الذكر، وخبرنا مخالف لذلك الأصل، وخبركم مطابق له، ويحتمل أن خبرنا ورد قبل خبركم، ناسخًا له، ثم خبركم ورد بعده، ونسخ خبرنا، فيؤدي إلى القول بالنسخ مرتين، ويحتمل أن خبركم ورد قبل خبرنا، موافقًا له، وخبرنا ورد ناسخًا لخبركم، فيؤدي إلى النسخ مرتين، فوجه الشبه بينهما أنا إن قدرنا سبق المطابق على المخالف، وصرنا إلى المخالف، فكذلك فيمن تيقن الحدث والطهر، وشك في أسبقهما، فأحذ بالمخالف الأصل الممهد عنده، حتى لو كان قبله متطهرًا يجعله محدثًا، ولو كان محدثًا يجعله متطهرًا.
[ ١ / ٣٦١ ]
فرع
إذا شك أنه هل نام، وتيقن الطهر، فهو متطهر، والأصل عدم النوم، فإن تيقن رؤيا رآها، وشك في النوم، فهو محدث، لأن الرؤيا لا تنفك عن النوم، فإن قيل: فهلا جعلتموه متطهرًا، على تقدير أنه نام قاعدًا، ورأى رؤيا؟
قلنا: لأنا لم نتحقق إلصاق مقعدته بالأرض، لو قال: نمت قاعدًا، ورأيت رؤيا، فهو متطهر أيضًا.
فرع
لو رأي منيا في ثوبه، فإن لبسه هو وغيره، فلا غسل عليه لاحتمال أنه مني غيره، وكذلك لو نام مع غيره فيه هكذا، وإن لم يكن لبسه غيره فيجب الغسل، وإعادة الصلاة من آخر يوم نام في ذلك الثوب، والاحتياط أن يعيد الصلاة من أول يوم نام في ذلك الثوب.
فرع
لو أن جماعة متناعسين في مكان، فسمع منهم صوت، وكل واحد منهم جعل الذنب على صاحبه، فلهم أن يصلوا منفردين ومقتدين بالغير، وأئمة للغير، لأن عنده أنه متطهر.
فأما إذا اقتدى بعضهم بالبعض.
قال صاحب (التلخيص) والداركي: لم يجز.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وهذا بناء على أصله أن الاجتهاد في حدث الغير لا يجوز، إذ ليس له أمرة على حدث الغير.
قال ابن الحداد: جاز اقتداء البعض بالبعض، وجوز الاجتهاد في حدث الغير، وفرع عليه.
وقال: لو كانوا خمسة، وأم كل واحد منهم في صلاة من الصلوات الخمس، فعلى كل واحد منهم أن يعيد آخر صلاة كان فيها، مأمومًا في الجملة على إمام العشاء إعادة المغرب، وعلى المأمومين في العشاء إعادة العشاء، والمعنى فيه ظاهر. والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٦٣ ]