روى أنه قال ﵊: إنما جعل الإمام ليؤتم به، لا تختلفوا عليه. ثم المأموم لا يخلو إما أن يكون مسبوقًأ، أو موافقًا، فإن كان موافقًا، فخالف إمامه، فلا يخلو إما ان خالفه بالتقدم، أو التأخر.
فإن خالفه بالتأخر، فلا يخلو إما أن يكون معذورًا، أو غير معذور.
فإن كان غير معذور وتأخر عن الإمام، ما حكمه؟
نص على أنه إذا سبق الإمام بركين بطلت صلاته، وهل يعد الاعتدال من الركوع في هذا المعنى ركنا، أو لا يعد ركنا حتى يهوي إلى السجود؟
فعلى وجهين، فخرج من هذا أن المأموم إذا مكث في القيام حتى ركع الإمام ورفع رأسه من الركوع، وسجد بطلت صلاته، فقبل أن يسجد بعد الاعتدال من الركوع هل تبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لأن الاعتدال من الركوع ركن كما أن الركوع ركن.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بركن مقصود، وإنما هو للفصل بين الركوع والسجود، فعلى هذا تبطل صلاة المأموم، المتخلف بحصول الامام في السجود، وقبل ان يرفع رأسه منه أم لا تبطل قبل أن يرفع رأسه من السجود؟
[ ٢ / ١٠٥١ ]
قال ﵁: يحتمل وجهين:
أحدهما: تبطل قبل أن يرفع راسه من السجود، ولأنه انتقل إلى ركن السجود بوضع الجبهة على الأرض.
والثاني: لا؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال إلى الركن الآخر، كما قلنا على أحد الوجهين في الاعتدال من الركوع لا يتم قبل الهوي إلى السجود، فعلى هذا ما لم يرفع رأسه من السجود لا تبطل صلاة المأموم القائم خلفه، وإن كان معذورا فلا خلاف أنه يعدو خلف إمامه، ويجرى على نظم صلاة نفسه ما دام سبقه بثلاثة أركان، فإن سبقه بأربعة أركان وأكثر، ففيه وجهان:
أحدهما: يجري على نظم صلاة نفسه أيضا، ويعدو خلفه، ثم إذا سلم الإمام يكمل ما عليه.
والثاني: هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه منفردًا، وبين أن يعدو خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ففي الأركان الثلاثة وجهان:
أحدهما: إذا ركع الإمام وسجد، فلو بقي قاذمًا حتى رفع رأسه من السجود الأول، فقد وجدت المخالفة في ثلاثة أركان، وإن ركع قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود الأول، فلم يسبقع بثلاثة أركان.
والوجه الثاني: لم يرفع رأسه من السجدة الثانية، وهو في القيام، فقد سبقه بثلاثة اركان، ولو كان في الركوع لم يسبقه بثلاثة أركان، ولو خالفه بالتقدم، فلا يخلو إما أن يخالفه بالتقدم في المكان او في الأفعال.
فإن خالفه بالتقدم في المكان، فقد ذكرنا فيه قولين:
وإن خالفه بالتقدم في الأفعال، فلا خلاف أنه إذا تقدم عليه بركن تام متعمدًا تبطل صلاته، وذلك بأن يركع قبل الإمام، ويرفع رأسه من الركوع، والإمام قائم.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
فأما إذا ركع قبل الإمام، وبقي في الركوع حتى هوى الإمام إلى الركوع لا تبطل صلاته، فقد أساء حتى لو كان يتقدم على الإمام في كل ركن لا يضر صلاته إذا صبر، حتى جامعه الإمام في ذلك الركن حتى لو ركع قبل الامام، وبقي فيه حتى ركع الامام، ورفع رأسه من الركوع قبل الامام، وبقي معتدلا حتى اعتدل الامام، ثم قبله صحت صلاته، وقد أساء.
روى عن النبي ﷺ قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو قال: رأس خنزير.
فإن قيل: الامام لو سبق بركن واحد لا تبطل صلاته، والمأموم لو سبقه بركن واحد، قلتم تبطل صلاته ما الفرق؟
قلنا: لأن الامام مبتوع وأبدا المتبوع يتقدم على التابع، ولهذا تقدمه في الموقف، وأيضا الإمام سبقه بركن واحد، بخلاف المأموم، فإنه تابع، ومن شان التابع أن يجري على أثر المتبوع، كما في الموقف لو وقف بين يديه لا صلاة له، فالمستحب للمأموم أن يتابعه في جميع أركان الصلاة، فإنه يأتي بها بعد الإمام، فلو أتى بها قبله، فقد ذكرنا حكمه.
وإن أتى به مع الإمام يجزيء.
وأما لو كبر قبله، أو معه لا يجوز وجهًا واحدًا، ولو قدر إمامه راكعًا بشيء أحس به يشبه انتقال الإمام إلى الركوع، فركع على هذا التقدير لم يكره، وعليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع مع الإمام.
ولو قدر إمامه رافعًا رأسه من الركوع، فرفع رأسه، وإذا الإمام يعد في الركوع عليه أن يعود، وإن لم يعد لم تبطل صلاته في ظاهر المذهب.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
وفيه وجه آخر: أنه لو لم يعد تبطل صلاته في مسألة قالها الشافعي ﵀ عليه لو رفع رأسه من السجود يتنفل، فعليه أن يعود، لم يعد بطلت صلاته كذا ها هنا.
ومن قال بالزوال يجيب عن هذه المسألة بأنه لم يرفع رأسه لأجل قطع السجدة، وإنما رفع لحاجته، وها هنا رفع بنية قطع السجود والركوع.
ولو عاد والإمام في الارتفاع، فالمذهب أنه يتابع الإمام، ولا يكمل العود إلى الركوع.
وقيل: إن فيه وجهًا آخر: يعود إلى الركوع، ولا يمكث فيه حتى لو مكث فيه تبطل صلاته، فأما إذا رفع رأسه من الركوع والسجود متعمدًا عالمًا بأن الإمام ثابت فيه لم يجز له ان يعود إليه، فإن عاد بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعًا أو سجودًا متعمدًا في الصلاة.
ولو ترك قراءة الفاتحة متعمدًا حتى ركع الإمام المذهب أنه يخرج نفسه عن متابعته.
ولو نسي القراءة حتى ركع الإمام، وهو في القيام فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يتابعه في الركوع، ولا تحسب له تلك الركعة.
والثاني: حكمه حكم المعذور.
والثالث: حكمه حكم المعذور، ولو ركع مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي القراءة فيه وجهان:
أحدهما: يتابع الإمام، ولا يعود إلى القيام لأجل القراءة، فإن عاد كان المتخلف عن الامام بغير عذر حتى تبطل صلاته إذا سبقه الامام بركنين على التفصيل الذي ذكرناه.
والوجه الثاني: يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ويجعل كالمتخلف عن الامام بالعذر إذ النسيان عذر ظاهر لقلة إمكان الاحتراز عنه.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
ولو كان الإمام مسرعًا في القراءة بعد أن يأتي بالحروف، والمأموم كان يبطيء في القراءة، وتخلف عنه بهذا العذر يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بالعذر.
وإن كان المأموم موسوسًا، يردد الحروف والكلمات، ففرغ الإمام عن القراءة وهو بعد فيها.
قال ﵁: لا نجعل هذا عذرًا، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر. ولو ركع الامام وهو في خلال السورة، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطع السورة حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
وهكذا إذا رفع الإمام رأسه من الركوع وهو في تسبيحات الركوع، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطعها حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
فاما المسبوق ببعض الصلاة إن وجد الامام في الركوع، فعليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح، ويهوى إلى الركوع، فلو اشتغل بالقراءة حكمه المتخلف عن الإمام بغير عذر.
وقيل: إنه إن قرأ، وأدرك الامام بعد فراغه من الركوع لا تصح صلاته، وإن أدركه في الركوع، فعلى وجهين.
فأما إذا وجد الإمام في القيام، غير أنه كما فرغ من تكبيرة الافتتاح هوي الإمام إلى الركوع عليه أن يتابعه، فإن تخلف واشتغل بالقراءة، فحكمه حكم المتخلف بغير عذر، ولو وجد الإمام في خلال القيام اختلف أصحابنا على طريقين:
منهم من قال- وهو اختيار الشيخ أبي زيد: يكبر للافتتاح، ولا يشتغل بدعاء الاستفتاح، بل يقرأ الفاتحة، لأنها فرض.
ودعاء الاستفتاح سنة، والاشتغال بالفرض أولى، ثم إن أكمل الفاتحة قبل أن يهوي الإمام إلى الركوع، فذاك، وإن هوي إلى الركوع، وهو في خلال الفاتحة، فعليه أن يقطع الفاتحة، ويتابع الإمام.
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
فإن تخلف عن الإمام لإكمال الفاتحة، حكمه حكم المتخلف بغير عذر، فعلى هذا لو اشتغل بدعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو بعد لم يقرأ الفاتحة عليه أن يقرأ من الفاتحة، بقدر ما قرأ من دعاء الاستفتاح، لأنه أدرك محلها، فافترضت عليه قراءتها، كجميع القراءة في حق الموافق، وحكمه حكم المتخلف عن الامام بغير بعذر لأنه انتسب إلى التفريط إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح.
قال ﵁: هذا عندي إذا كان هو عالمًا بالحكم، وأن الفرض عليه الاشتغال بالفاتحة دون دعاء الاستفتاح، فإن كان جاهلا يجب أن يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بعذر.
ومن أصحابنا من قال: عليه أن يشتغل بقراءة الفاتحة، كما قلنا: إنه لا يقطعها حتى يكملها، وإن هوى الإمام إلى الركوع، وهو في خلالها متخلف لإكمالها يجعل المتخلف عنه بالعذر.
وعلى هذه الطريقة: لو قرأ دعاء الاستفتاح عليه أن يقرأ جميع الفاتحة، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر.
ومن أصحابنا من قال: المسبوق ببعض الصلاة إذا أدرك الامام في القيام يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه في جملة المعقود صلاته، كالفاتحة، وعند هذا القائل إذا هوى الامام إلى الركوع يتابعه فيه، سواء كان قبل افتتاح الفاتحة، أو في خلالها.
فرع
قد ذكرنا أن المسبوق ببعض الصلاة، المستحب له أن يقوم لقضاء ما فاته بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، فلو أتي الإمام بتسليمة واحدة لا يجوز للمسبوق أن يقرأ شيئا من التشهد، إن لم يكن ذلك محل تشهده، وإن كان محل تشهده بأن كان مسبوقًا بركعتين، فلا بأس أن يقرأ التشهد بعد تسليمته الأولى.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
فرع
إذا سلم الإمام فقال بعض المأمومين: سلمت عن ركعة واحدة أو عن ثلاث، وكانت الصلاة ذات أربع ركعات، بطلت صلاة المأموم بهذا الكلام، وينظر في الإمام إن دخلته شبهته بما سمعه من المأموم، فعليه أن يقوم ويتمم الصلاة، ويسجد للسهو، وإن مكث بعد أن داخلته شبهة، أو تكلم بكلام بطلت صلاته وإن لم تقع له شبهة فصلاته تامة، وإن دخلته شبهة بعد أن كان الفصل قريبًا بنى، وإن طال فعلى قولين.
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
فصل
قال المزني: قال: وإن صلى رجل في طرف المسجد، والإمام في طرفه، ولم تتصل الصفوف بينه وبينه، أو فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام أجزأه ذلك.
صلى أبو هريرة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد.
قال القاضي حسين: إذا اتسعت بقعته فوقف الإمام في طرف منه، والمأموم في طرف آخر صحت صلاته مقتديًا به، وإن طالت المسافة حتى بلغ ألف ذراع فأكثر، لأن خطة المسجد تجمعهم، وخطة المسجد في حكم شيء واحد، وسواء كان الإمام في المحراب، والمأموم في صحن المسجد، أو على العكس، وسواء كان الامام في الصحن، والمأموم على السطح، أو على العكس، وسواء كان الإمام في بئر، أو على منارة في المسجد أو على عكسه، وسواء وقف الامام في بيت في المسجد، والمأموم خارج البيت، أو على العكس، وإذا كان في صحن المسجد دكة وقف المأموم عليها، والامام على مستوى الأرض، أو وقف الامام عليها والمأموم على مستوي الأرض جاز، وإلا أن الأولى عند اختلاف المصلى أن يقوم الامام على المكان المرتفع دون المأموم.
روى أن النبي ﷺ وهو على المنبر، والناس خلفه، وهو على الأرض، وتمام الحديث ما روى أنه ﵇ في بدء الأمر كان إذا خطب الناس يستند إلى جذع نخلة في المسجد يابسة، وهي التي تسمى اليوم الحناتة، فجاءت امرأة، وقالت: يا رسول الله، إني اشتريت غلامًا نجارًا، فلو أذنت لي حتى أتخذ لك منبرًا تجلس عليه، وتخطب الناس، فأذن لها فيه، فاتخذ منبرًا له ثلاث درجات، ووضع في المسجد، فدخل النبي ﷺ وجاوز الجذغ ليصعد المنبر، فحن الجذع حنين الوالهة فرجع النبي ﷺ واحتضنها وسارها بشيء فسكتت، وعاد إلى المنبر ثم قال، خيرتها بين أن يرد الله تعالى، إليها شبابها فتورق وتثمر، وبين أن تكون شجرة في الجنة، ثم خطب
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
النبي ﷺ على المنبر، وصلى عليه، فكان إذا بلغ السجود يضيق به المكان، فينزل إلى الأرض، ويسجد عليها، ثم يسعد المنبر، فدل أن المستحب أن يكون الإمام على المكان المرتفع.
ولو كان مساجد وقفوا متفرقة، وألصق البعض بالبعض، مثل أن يكون في البلاد الكبيرة كـ (نيسابور)، وغيرها، وقف الإمام في مسجد، والمأموم في مسجد آخر جاز بعد أن كان يسمع صوت الإمام لو كان هناك من يعلمه بأفعال الإمام فأما خارج المسجد إن كان في صحراء، أو قاع مستوي، أو أرض مملوكة لواحد، ووقف الإمام في طرف، والمأموم في طرف آخر، وبينهما قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وهكذا لو وقف صف آخر خلف الصف الأول على مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وصف خلف الصف الثاني على هذه المسافة جاز، وإن امتدت الصفوف، حتى بلغت فرسخًا، وأكثروا الإمام في مثل هذه الصورة يطول الأركان، حتى يتصل خبر انتقاله من ركن إلى ركن إلى الصف الأخير جاز، وإنما أخذ الشافعي، ﵀ عنه هذا التقدير من فعل النبي ﷺ في صلاة الخوف، صدع الناس صدعين جعلهم طائفتين، وتنحى طائفة بقدر غلوة سهم، وصلى بهم، وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا القدر، فلم يجد الشافعي ﵀ لهذا أصلا سوى ما قلناه فقدر به، إذ لابد من نوع تقدير، ثم هذا على جهة التقريب، دون التحديد، إذ ليس فيه نص، ولا توقيف، وإن كان قاعًا مملوكة بجماعة، فعلى وجهين:
أحدهما: حكمه حكم الموات، والمملوكة لمالك واحد لا يعتبر فيه اتصال الصفوف
والثاني: يعتبر فيه اتصال الصفوف لاختلاف الملك، ويجعل اختلاف الملاك كاختلاف البنيان، والسطوح المستوية المملوكة لملاك كثيرين على هذين الوجهين.
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
فأما المملوكة لمالك واحد، فكالموات، وإذا كان مختلفة منقسمة إلى الصعود والهبوط، هل يعتبر فيها اتصال الصفوف؟
قال ﵁: يحتمل وجهين بناء على المملوكة لملاك كثيرين، إذا كانت مستوية الأطراف.
إن قلنا: يعتبر فيها اتصال الصفوف لاختلاف الأملاك لم يعتبر ها هنا لعدم اختلف الأملاك. وإن قلنا: لا يعتبر فيها اتصال الصفوف لاستواء البقاع، اعتبر ها هنا لاختلافها.
فأما إذا كان الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد نظر، فإن كان بينهما حائل من جدار، أو باب مردود لم يصح اقتداؤه به، وإن وقف في الجانب الذي كان باب المسجد إليه وراء المسجد، والباب مفتوح، نظر فإن كان متصلا بالصف بأن كانت العتبة رقيقة، والصف الأخير ممتد إليها، أو كانت العتبة عريضة ووقف عليها واحد، فصلاته صحيحة، وإن كان متصلا بالمسجد غير متصل بالصف بأن كان بينه وبين الصف الذي يليه أكثر مما يكون بين الصفين بأن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، أو كانت رقيقة، والصف الأخير في أقصى المسجد، أو في الصحن، فعلى وجهين:
أحدهما: تصح صلاته مقتديٍا بالامام لاتصاله بالمسجد.
والثاني: لا؛ لانفصاله عن الصف وإذا وقف متصلا بالمسجد، وصححنا صلاته خلف الامام في المسجد، أو وقف متصلا بالصف في المسجد فوقف خلفه صف آخر، نظر فإن كان بينهما شارع أو نهر كبير لابد من اتصال ذلك الصف به، وإن كان وراء المسجد خطة مستوية من موات، أو أرض مملوكة لمالك واحد، فوقف صف منه على ثلاثمائة ذراع جاز.
ولو وقف خلف ذلك الصف صف آخر على ثلاثمائة ذراع جاز، ويجعل المتصل بالمسجد في حق الذي وقفوا خارج المسجد منزلة الإمام
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
ولو تقدم عليه صف لم يجز، ولو تأخر عنه صفوف جاز على الوجه الذي ذكرنا.
ولو كان هناك نهر كبير يزيد على ما يكون بين الصفين، فهو قاطع للصفوف على الظهر من المذهب، ولا يجوز أن يقتدي بالامام من وقف من الجناب الاخر من النهر، وإن كان للنهر قنطرة وقف عليها واحد متصلا بالواقف على باب المسجد، ووقف خلف الواقف على القنطرة صفوف جاز، ولو وقف على باب المسجد واحد متصلا بالواقف، ووقف خلفه آخر حتى انجز الصف إلى ما انجز حتى إلى بيوت ودو وأبنية جاز، وإن وقف على يمين المسجد إن كان هناك حائل من جدار، أو نهر كبير، أو شارع أو تخاجيل المسجد، وإن كان ينظر إلى الامام لم يصح اقتداؤه بالامام في المسجد، وإن كان هناك باب مفتوح، فوقف متصلا بالمسجد، وألصق منكبه بمنكب مصل في المسجد بأن كانت العتبة رقيقة وامتدت الصفوف إلى العتبة جاز، وإن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، فعلى الوجهين، ثم إذا وقف بجنبه آخر حتى انجر الصف إلى ما انجر جاز، ولو وقف متباعدًا عنه إن كان يشقهم نهر، أو شارع لم يجز حتى يلصق المنكب بالمنكب، وإن كان لا يشقهم نهر ولا شارع وقف متباعدا منه على ثلاثمائة ذراع جاز، ولو وقف أمامه لا يجوز، وهو كالامام يجوز لمن صلى خلفه، ولا يجوز لمن صلى فيه، ولو وقفوا متلاصقين المناكب بالمناكب حتى دخلوا بيوتا، وأبنية جاز، ولو وقف امامه لا يجوز، فالبيوت أو الصفوف في الدار تفرد كل واحد منهما بحكمه، حتى لو وقفوا في صفة أو في بيت، وبين الامام والمأمومين قدر ثلاثمائة ذراع جاز، وإن وقف الامام في الصحن، والمأموم في الصفة، أو على العكس لم يجز، حتى تتصل الصفوف، فلا يكون بينهما أكثر مما يكون بين الصفين، وصحن الدار حكمه حكم الموات، والأرض المملوكة لمالك واحد، ولو كان بجنب المسجد حجرة، منخفضة السطح فوقف على سطحها، واقتدى بالامام في المسجد إن كان الصف الذي يليه في المسجد لا يحاذى بدنه جزءا من بدن واحد منهم لا تصح صلاته، وإن كان
[ ٢ / ١٠٦١ ]
يحاذي رأس واحد منهم ساقه، ولم يكن بينهما أكثر ما يكون بين الصفين صحت صلاته، وحكم المدارس والرباطات والخانات المسبلة حكم البيوت والدور يعتبر اتصال الصفوف فيها عند اختلاف البنيان، ولا يعتبر عند اتفاقها.
قال المزني: قال: فإن صلى قرب المسجد، وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء بالمسجد، لا حائل دونه، فيصلي منقطعا عن المسجد أو فنائه، على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة أو نحو ذلك، فإذا جاوز ذلك، لم يجزه، وكذلك الصحراء، والسفينة، والامام في أخرى، ولو أجزت أبعد من هذا، أجزت أن يصلي على ميل.
ومذهب عطاء أن يصلي بصلاة الامام من علمها، ولا أقول بهذا.
قال المزني: قلت أنا: قد أجاز القرب في الإبل بلا تأقيت، وهو عندي أولى، لأن التأقيت لا يدرك إلا بخير.
قال الشافعي: فإن صلى في دار قرب المسجد، لم يجزه، إلا بأن تتصل الصفوف، ولا حائل بينه وبينها، فأما في علوها، فلا يجزيء بحال، لأنها بائنة من المسجد، وروى عن عائشة ﵂، أن نسوة صلين في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الامام فإنكن دونه في حجاب.
قال القاضي حسين: وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء من المسجد لا حائل دونه، فيصلي منقطعًا عن المسجد، أو فنائه على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، أو نحو ذلك.
صورة المسالة مسجد على بسط من الأرض، وينتهي حد المسجد إلى خط معلوم، فوقف الامام في المسجد، والمأموم في جد المسجد على ثلاثمائة ذراع جاز، وإن كان من الامام على قدر خمسمائة ذراع، وهذا من كلام الشافعي
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
﵀ دليل على اختلاف الأملاك لا تجعل كاختلاف الأبنية، لأن الخطة مختلفة في هذه الصورة، بعضها مسجد، والبعض ليس بمسجد.
وقول الشافعي: أو فنائه منهم من قال: أراد بالفناء صحن المسجد.
ومنهم من قال: أراد به حريم المسجد.
وهو الموضع الذي قرب من المسجد متصلا فيه، يلقى فيه ثلج المسجد وغيره، وليس بمسجد حتى لا يحرم للجنب المكث فيه، فعلى هذا إذا وقف في الفناء على هذه المسافة صحت صلاته مقتديًا بالامام، وإن كان هو من خطة المسجد على خمسمائة ذراع، وحصل من هذا أن فناء المسجد هل يجرى به مجرى المسجد في هذا المعنى؟ فوجهان:
وأما السفينة في البحر حكمها حكم الدار والخان، وإذا كان في البحر سفينتان، وقف الإمام في إحديهما، والمأموم في أخرى، وإن كانت مسقفتين فحكمهما حكم بيتين، ولا بد من اتصال الصفوف، وإن كانتا غير مسقفتين، فحكمهما حكم دكتين، لا يعتبر اتصال الصفوف بينهما، فعلى هذا لو كان في الموات، أو في صحن دار دكة، أو دكتان، وأكثر، فحكم الدكك حكم الصحن، ولا يختلف به شيئا.
فأما إذا كان في المسجد نهر، فإن حفر فيه بعد ما جعل المسجد مسجدًا، فإنه لا يجوز، ولكن لايمنع الاتصال، حتى لو وقف الامام على جانب، والمأموم على جانب آخر من النهر جاز، وإن حفر قبل أن يجعل مسجدًا إن كان صغيرًا فهكذا، وإن كان كبيرًا، فعلى وجهين:
وقول الشافعي: ولو أجزت أبعد من هذا أجزت إلى ميل، أشار إلى أنه لا بد من تقريب، وإلا عدل في التقريبات، هذا الذي قلته إذ لو جوزت أكثر من ذلك لجوزت أن يقف من الامام على ميل وميلين، ومثل هذا لا يعرف اقتداء في العادة.
ثم إن المزني ﵀ أنكر هذا التقريب، وقال: أجاز الشافعي
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
﵀ القرب بلا تأقيت، وهو عندي أولى؛ لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر وهذا غير صحيح لأن القرب مجهول، ومختلف في العادة، والتقريب الذي ذكر في غير الإملاء أبعد عن الجهالة، وأقرب إلى العادة، فكان أولى بالمصير إليه.
وقال عطاء: الاعتبار بعلمه وجهله بأفعال الإمام، إن كان عالمًا بأفعال إمامه، صح الاقتداء به، اختلف البنيان أو اتفق، قربت المسافة أو بعدت، والدليل على فساد قوله ما روى أن نسوة كن يصلين في حجرة النبي ﷺ بصلاة الإمام في المسجد.
وقالت عائشة ﵄: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب.
قال المزني: قال الشافعي ﵀، ومن خرج من إمامه الإمام، فأتم لنفسه لم يبين أن يعيد من قبل أن الرجل خرج من صلاة معاذ بعد ما افتتح معه، فصلى لنفسه وأعلم النبي ﷺ بذلك، فلم نعلمه أمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قيل: علق الشافعي ﵀ القول في جواز الخروج من صلاة الإمام، ومال إلى أنه جائز ها هنا.
واختلف أصحابنا فيه على طرق.
فمنهم من قال: له أن يخرج نفسه من صلاة الإمام عند العذر قولا واحدًا، وإن لم يكن عذر فقولان.
ومنهم من قال: لا يخرج نفسه من صلاة الإمام، إن لم يكن له عذر وإن وقع له عذر فعلى قولين:
ومنهم من أطلق القولين.
وجه قولنا: يجوز أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه ما روينا في خبر معاذ، فرفع تلك الحكاية إلى النبي، فلم ينكر على ذلك
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
الرجل، ولأن في الاقتداء اكتساب الفضيلة، لا غير، وفي تركها ترك الفضيلة وتركها لا يوجب بطلان الصلاة، كترك السورة والتسبيحات، وغيرها من هيئات الصلاة.
ووجه قولنا: لا يخرج نفسه عن صلاة الإمام، أنه يؤدي إلى المخالفة، وتغيير صفة الصلاة، فمنع منه.
فرع
لو اقتدى برجل في ليلة ظلماء، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه أنه هل تأخر عنه أو تقدم عليه؟ ننظر فإن جاء وراء الإمام صحت صلاته، لأن الأصل ألا يتقدم عليه، وإن جاء قدام الامام لا تصح صلاته، لأن الأصل أنه لا يتأخر عنه.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]