قال الشافعي: يبدأ الجنب، فيغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء، ثم يخلل بها أصول شعره، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على جسده، حتى يعم جميع جسده وشعره وبشره، ويمر يديه على ما قدر عليه من جسده.
وروى نحو هذا عن رسول الله ﷺ.
قال: فإن ترك إمرار يديه على جسده، فلا يضره، وفي إفاضة النبي ﷺ الماء على جلده دليل على أنه إن لم يدلكه، أجزأه، وبقوله: إذا وجدت الماء، فأمسسه جلدك.
قال: وفي أمره الجنب المتيمم، إذا وجد الماء، اغتسل، ولم يأمره بوضوء، دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
قال القاضي حسين: ولم يذكر التسمية من أصحابنا من قال: إنما لم يذكر التسمية ها هنا، لأنه قد ذكرها في الوضوء، فاكتفى به ها هنا.
ومنهم من قال: إنما لم يذكرها، لأنه ليس بمستحب للجنب، لأنه يمنع من قراءة القرآن، بخلاف المحدث.
والصحيح أن يقال: يستحب له حسب ما يستحب للمحدث، لأنه يجوز للجنب التسمية، لا على قصد قراءة القرآن، فلهذا لم يذكرها.
قال القاضي ﵁: لا يستحب عندي، بل يجوز إن لم يقصد قراءة القرآن.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن نقول: بسم الله العظيم الحليم، الحمد لله على الإسلام، حتى لا يكون على نظم القرآن، ثم يغسل يديه ثلاثًا على ما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل ما به من الأذى من أسافل بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، يعني كاملا، ويتخير بين أن يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الاغتسال، لما روت ميمونة أن النبي ﷺ فعل هكذا.
وبين أن يقدمه على غسل البدن.
لما روت عائشة ﵂، أن النبي ﷺ فعل هكذا، وهذا الوضوء ليس بواجب في ظاهر المذهب.
وقال أبو ثورٍ: إن أحدث مع الجنابة يلزمه الوضوء.
يدل عليه قوله ﵇ للجنب المتيمم: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
ولم يأمره بالوضوء.
قال: ويدخل أصابعه العشر في الماء، أو يصب الماء على يديه، ويخلل بهما أصول الشعر ليسهل وصول الماء إلى باطن الشعور، فإن اتصال الماء في الجنابة إلى تحت الشعور واجب.
[ ١ / ٣٧٦ ]
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: تحت كل شعرة جنابة فبُلُّوا الشعر، وأنقوا البشرة»، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ويفيض الماء على الجسد ثلاثًا، ويمر الماء على ما قدر عليه من الجسد.
هذا كله بيان الأكمل والمستحب، والدلك ليس بواجب عندنا، خلافًا لمالك ﵀.
وقدر الفرض: إيصال الماء إلى جميع البدن مرة واحدة والدلك، وإمرار الماء ليس بشرط، وعند مالك ذلك واجب.
يدل عليه قوله ﵇: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت»، ولم يذكر الدلك وغيره.
قال المزني: وإن ترك الوضوء، للجنابة، والمضمضة، والاستنشاق، فقد أساء، ويجزئه، ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقد فرض الله ﷿، غسل الوجه من الحدث، كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة، فكيف يجزئه ترك المضمضة والاستنشاق من أحدهما، ولا يجزئه من الآخر.
قال القاضي حسين: سماه مسئا بترك هذه الأشياء، لأنها سنة مؤكدة، وبتاركها سمى مسيئا لا محالة.
وأمر باستئناف المضمضة والاستنشاق دون الوضوء لمعنيين:
أحدهما: أن الخلاف في المضمضة والاستنشاق مع أبي حنيفة، وذاك ظاهر حينئذ.
والخلاف في الوضوء مع أبي ثور، وهو لا يعد خلافه خلافًا لأنه نبغ بعده، والثاني: أن الماء قد وصل إلى أعضاء الطهارة، كما لو وصل إلى سائر البدن، ما عدا الأنف والفم، فأمر بإيصال الماء إليهما، حتى يصل إلى جميع البدن عمومًا، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وكذلك غسل المرأة إلا أنها تحتاج من غمر ضفائرها، حتى يبلغ الماء أصول الشعر أكثر مما يحتاج إليه الرجل.
وروى أن أم سلمة ﵂: سألت النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه، للغسل من الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء.
قال القاضي حسين: لا فرق بين غسل الرجل، وغسل المرأة، ومن كان منهما صاحب ضفيرة يحتاج إلى غمر ضفائره، إذا منع وصول الماء إلى البشرة
[ ١ / ٣٧٨ ]
وقال مالك: لا يجب ذلك للمرأة، واستدل بما روى عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنفقضه للغسل من الجنابة؟
قال: لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء.
قلنا: إنما لم يأمرها بنقضها، لأنها كانت منفرجة متجافية، فعلم النبي ﷺ أنه لا يمنع وصول الماء إلى البشرة، بدليل قوله ﵇: تحت كل شعرة جنابة. الخبر
قال المزني: وأحب أن يغلغل الماء في أصول الشعر، وكيفما وصل الماء إلى شعرها وبشرها أجزأها.
قال القاضي حسين: أي يحرك الماء في أصول الشعر، وكيف ما وصل الماء إلى أصول الشعر أجزأه.
قال المزني: وكذلك غسلها من الحيض والنفاس، ولما أمرها رسول الله ﷺ [بالغسل من الحيض] قال: خذي فرصة والفرصة القطعة من مسلك فتطهري بها، فقالت عائشة ﵂، تتبعي بها أثر الدم.
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال الشافعي: فإن لم تجد فطيبًا، فإن لم تفعل فالماء كاف.
قال القاضي حسين: غسل الحيض كغسل الجنابة، وهل يجب عليها إدخال الماء في الفرج، وإدخال الأصبع في الفرج، فيه أوجه:
أحدها: يجب فيهما، لأنه صار في حكم الظاهر.
والثاني: لا، لأنه يزيده فسادًا.
والثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة، لأنها نجاسة عينية، بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة يجب إيصال الماء إليه.
قال المزني: وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما.
قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيهما، لم يضره.
قال القاضي حسين: الترتيب في الغسل لا يجب، لأنه كعضو واحد، ولا ترتيب في عضو واحد في الوضوء، كذا هذا.
قوله: وإن أدخل الحائض أو الجنب أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيها لم يضره.
قال القاضي حسين: لأنك ذلك العضو ليس بنجس، وإن وجب غسله، هذا إذا لم ينو الغسل، فإن نوى الغسل، سنذكر حكمه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مقدم على قوله: وما بدأ.
وقوله: ولما أمرها رسول الله ﷺ الفصل.
إذا اغتسلت من الحيض تحتاج أن تستعمل فرصة من مسك، فتطهر بها في باطن فرجها، لتقطع رائحة أذى الحيض.
[ ١ / ٣٨٠ ]
والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لامرأة: اغتسلي ثم خذي فرصة من مسك فتطهري بها. فلم تعرف المرأة ذلك فسألته ثانيًا، فقال لها: ويحك تطهري بها.
فقالت عائشة: ففطنت لذلك، فأتيتها وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم.
والمستحب هو المسك، فإن لم تجد، فطيب آخر، فإن لم تجد، فالماء كاف.
فرع
قد ذكرنا أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء لا ينجس الماء، لأن يده لا تنجس بكونه محدثًا أو جنبًا، وإن وجب غسله.
[ ١ / ٣٨١ ]
لما روي أن النبي ﷺ، كان يمشي في بعض الأيام، فاستقبله أبو ذر الغفاري ﵁ فمد النبي ﷺ يده ليصافحه.
فقبض أبو ذر يده عن النبي ﷺ ﷺ وذهب واغتسل، ثم عاد معتذرًا إليه، وقال: يا رسول الله، إني ما كرهت مصافحتك، ولكني كنت جنبًا، فال له النبي ﷺ: أو علمت أن المؤمن لا يخبث، وأن المؤمن ليس ينجس؟ وفي رواية: إن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت عنهما خطاياهما، كما يتحات عن الشجرة ورقها.
فأما حكم الماء، هل يصير الماء مستعملا أم لا؟
إن لم ينو الطهارة لا يصير الماء مستعملًا.
فأما إذا نوى الطهارة أولا يذكر حكم المحدث، فإن المحدث إذا نوي الوضوء، لا يصير الماء مستعملا، حتى إذا فرغ من غسل الوجه، فإذا أراد غسل اليدين، فإن أدخلهما الإناء، هل يصير الماء مستعلما أم لا؟
ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يصير الماء مستعملا، لأنه قال: ثم يغرف غرفة، ويغسل بها يديه، فعطف على غسل اليدين.
ومن أصحابنا من قال: يصير الماء مستعملًا، لأنه تأدى به الفرض مرة.
وإن قلنا: يصير مستعملًا، فمن أي وقت يصير مستعملًا.
فيه وجهان:
أحدهما: من وقت ملاقاة يده أول جزء من الماء.
[ ١ / ٣٨٢ ]
والثاني: متى انفصل يده من الماء، فعلى هذا الماء الذي أخذه بيده، على الوجه الأول يكون مستعملًا.
وعلى الوجه الثاني: لا يكون مستعملًا.
وهكذا لو أخذ الماء بيمينه ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يمينه يصير مستعملًا.
ولو أخذ بكفه بنية أن يغسل به الذراع.
قال القاضي ﵀: بأنه يجوز، وفيه إشكال.
إذا قلنا: بأنه يصير الماء مستعملا إذا أدخل يده في الإناء، فالحيلة فيه أنه إن كان الإناء صغيرًا يفرغ منه الماء على كفهه، إذا بلغ إلى غسل اليدين في الطهارة، فإذا غسل الكف حينئذ يدخله في الإناء، ويأخذ الماء منه إلى أن يغسل باقي الأعضاء، ولا يضره ذلك.
أو أمر غيره بأن يصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بفيه، ويصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه، أو لحيته، إن كانت طويلة، ويعصره على يده، أو يوقفه عليه، حتى يتقاطر منه الماء على كفه، ويصير مغسولا، ثم يأخذ الماء من الإناء هذا كله في المحدث.
فأما إذا أراد الجنب أن يدخل يده في الإناء لا بنية رفع الجنابة، لا يصير الماء مستعملا.
وإن نوي ذلك، هل يصير الماء مستعملا؟ على ما ذكرنا من الاختلاف في المحدث، ولا يمكنه أن يأخذ الماء بفيه، ولكنه يمكنه أخذ الماء بطرف ثوبه، أو يأمر غيره أن يصب الماء على يده، ويمكنه أيضا أن يأخذ الماء بغير نية الجنابة، ثم بعد ذلك ينوي ذلك؛ حتى تصير يده مغسولة حالمًا نوى.
ثم لو أخذ الماء بعده لباقي الأعضاء لا يضره، ولا تتصور هذه الحيلة في حق المحدث، لأنه قد سبق نيته على غسل اليدين عند ابتداء غسل الوجه.
[ ١ / ٣٨٣ ]
فأما إذا كان الماء دون القلتين، وأراد الشروع فيه، إن لم ينو الجنابة، فلا يصير الماء مستعملا، وإن نوى يصير الماء مستعملًا، وهل ترتفع الجنابة عنه أم لا؟
ينبني على ما ذكرنا من الوجهين، في أنه متى صار الماء مستعملًا.
إن قلنا بالوجه الأول، لا ترتفع عنه الجنابة.
وإن قلنا بالوجه الثاني، ترتفع عنه الجنابة.
فأما إذا مقل في الماء غير ناو، بشيء، ثم نوى الجنابة لا خلاف أنه ترتفع جنابته، ويصير الماء مستعملًا.
فأما إذا شرع في الماء إلى السرة ثم نوى، لا خلاف أنه ترتفع الجنابة من أسافل بدنه.
فأما إذا مقل بعده في الماء، أو أخذ الماء بيده، وغسل باقي الأعضاء، فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهذان الوجهان إنما تكون في حقه لا في حق غيره، حتى لو جاء آخر، وأخذ منه الماء، فإنه يكون مستعملا في حقه وجهًا واحدًا، ولا يحصل به التطهير.
فأما إذا كانا جنبين أو ثلاثة أو أكثر، مقلوا في الماء ونووا، واتفقت نيتهم ترتفع عنهم الجنابة، ويصير الماء مستعملًا، كما قلنا في حق الواحد، وإن اختلفت نيتهم، ترتفع جنابة من سبقت نيته عنه، ويصير الماء مستعملا به، ولا ترتفع الجنابة عن الباقين.
[ ١ / ٣٨٤ ]