بسم الله الرحمن الرحيم
قال القاضي الإمام ﵁: الصلاة في اللغة على وجوه: منها ما يكون بمعنى الدعاء، كقوله تعالى: (وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)، أي ادع لهم، والدليل عليه قول الشاعر:
وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم
يعني: دعا لدنِّها، ونفث كي لا يعان، يعني: لا يصيبه العين.
وقوله: «وارتسم» أي: ختم.
ومنها: أن الصلاة تكون للتعظيم والتواضع، يقال: صلى فلان لفلان إذا عظمه، لأن الصلاة مشتق من الصلا، وهو ظهر الإنسان، فكان الواحد من العرب إذا دخل على واحد من الملوك والجبابرة، فإنه يحني ظهره له تواضعًا له وتعظيمًا له.
وقيل: معنى قول المسلمين: (اللهم صل على محمد)، أي: عظم محمدًا في الدنيا والآخرة.
في الدنيا: بإعلاء كلمته، وإظهار دعوته، وكمال شريعته وتكثير أمته.
وفي الآخرة، يرفع درجاته، وتكثير مثوباته، وتبليغه المقام المحمود الذي وعد به.
[ ٢ / ٦١١ ]
والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الناس: الدعاء.
والدليل عليه قوله تعالى [صلوا عليه وسلموا تسليما] أي ادعوا له.
إن قلنا: إن الصلاة بمعنى الدعاء إنما تسمى الصلاة الشرعية صلاة؛ لأنها تشتمل على الدعاء، ولا تنفك عنه، والعرب تسمي الشيء باسم ما يتضمنه، كما قال الله تعالى (وقرآن الفجر) أراد به صلاة الفجر، وإنما سماها قرآنا، لأنها لا تنفك عن قراءة القرآن فيها.
وقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) أراد به الخطبة، وإنما سماها قرآنا، لأنها لا تخلو عن قراءة القرآن، كذا هذا.
وإن قلنا: إن الصلاة في اللغة بمعنى التعظيم والتواضع فإنما تسمى الصلاة الشرعية صلاة، لأن الإنسان يحني فيها ظهره في الركوع والسجود تعظيمًا لله تعالى وتواضعًا له سميت صلاة لهذا المعى.
والصلاة في الشرع عبارة عن أركان مخصوصة، وأفعال معلومة وأذكار معهودة. والأصل في وجوب الصلاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) وقوله تعالى: (ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة).
والسنة قوله ﷺ: بني الإسلام على خمس، الحديث إلى آخره.
وقوله ﵇: الصلاة عماد الدين، فمن تركها متعمدًا فقد كفر.
[ ٢ / ٦١٢ ]
وقوله ﵇: العهد ما بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها كفر.
وأما الإجماع، فهو معقد لدن عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا خلفهم عن سلفهم على وجوب أصل الصلاة، وإن اختلفوا في تفاصيلها وأحكامها.
ثم هي مؤقتة بمواقيت لا يجوز إخراجها عنها، والدليل عليه قوله تعالى:
[ ٢ / ٦١٣ ]
(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا) أي: واجبًا مؤقتا.
وقوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون) وقوله تعالى: (حين تمسون) أراد به صلاة المغرب والعشاء.
وحين تصبحون أراد به: صلاة الصبح وعشيا، اراد به: العصر، وحين تظهرون أراد به الظهر.
وقيل: حين تمسون العصر وعشيا العشائين.
وقوله تعالى:) أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (يدخل فيه صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وقوله: (وقرآن الفجر) اراد به: صلاة الصبح.
وقوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفى النهار) أراد بأحد طرفيه: الصبح والظهر، وبالآخر العصر والمغرب، (وزلفا من الليل) أراد به: صلاة العشاء، والدليل عليه من جهة الخبر ما روى اب عباس أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل عند باب الكعبة مرتين.
وفي رواية: أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين، فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس.
وفي رواية: حين زاغت الشمس، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله، والمغرب حين غربت الشمس. وفي رواية: حين حل فطر الصائم، والعشاء حين غاب الشفق، والصبح حين طلع الفجر الصادق، وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، والعصر حي صار ظل كل شيء مثليه، والمغرب في الوقت الذي صلاه في اليوم الأول، والعشاء حين ذهب ثلث الليل.
[ ٢ / ٦١٤ ]
وفي رواية: حين ذهب نصف الليل، والصبح حين أسفر، ثم قال: هذا وقتك ووقت الأنبياء، والوقت ما بين هذين.
والدليل عليه ما روى أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن مواقيت الصلاة فقال له: أقم عندنا، فأقام الأعرابي عنده، فصلى به النبي ﵇ يومين مثل مثل ما صلى به جبريل ﵇، ثم قال: أين السائل عن مواقيت الصلاة فتمثل الأعرابي قائمًا، وقال: ها أنذا يا رسول الله فقال ﵇: الوقت ما بين هذين.
إذا ثبت هذا قول: الصلاة مقدرة محصورة بخمس صلوات، والدليل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: مثلكم ومثل الصلوات الخمس، كرجل على باب داره نهر جار يغتسل منه كل يوم خمس مرات، أيبقى ذلك من درته شيئًا، قالوا: لا، قال: فذلكم الصلوات الخمس.
وهذا معنى قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات، أراد بالحسنات الصلوات الخمس، يعني يكفرن السيئات.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وكان في أول ما فرض الله ﷿، خمسين صلاة واجبة على ما روى في قصة المعراج، فردت من خمسين إلى خمسة من حيث العدد، لا من حيث الثواب لما روى عنه ﵇ أنه قال: الحسنة بعشر أمثالها الحديث.
قال المزني: قال الشافعي: والوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة ..
قال القاضي حسين: قوله: الوقت للصلاة وقتان، إنما بدا ببيان المواقيت لأن وجوب الصلاة يتعلق بدخولها ويفوت بخروجها، فقال: الوقت للصلاة وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة، أراد بوقت المقام والرفاهية، وقت المقيم المترفه الذي لم يحدث له معنى بحال، ووقت العذر: وقت المسافرين في الجمع، ووقت الممطور في المطر، ووقت الضرورة وقت من وجب عليه الصلاة في آخر الوقت بإدراك جزء منه بارتفاع العوارض فيه من الجنون والإغما والكفر والصغر، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، واعترض عليه ابو بكر الفارسي.
وقال: لما قال: الوقت للصلاة وقتا، فحصره بوقتين، ثم ذلك ثلاثة أوقات.
وقيل: هو ال يزال ينتقد على المزني حتى صنف كتابًاا وسماه كتاب المنتقد على المزني قلنا: قد قيل، إن هذا غاية في البلاغة فإن العرب إذا ذكروا جملة تنقسم أقسامًا يقسمونها قسمين، ثم يقسمون كل قسم منها قسمين أو أكثر، كما يقال: من في البلدة، فيقال: في البلدة أهلها وغير أهلها، فيقال: من غير أهلها؟ فيقال أهل نيسابور، ومرو وأهل هراة وبلخ، فكذا ها هنا، كأن المزني، قال: الوقت وقتان، وقت مقام ورفاهية، ووقت غير مقام ورفاهية ثم ذاك ينقسم إلى وقت معذور غير مضطر، ووقت معذور مضطر.
[ ٢ / ٦١٦ ]
قال المزني: فإذا زالت الشمس، فهو أول من وقت الظهر والأذان، ثم لا يزال وقت الظهر قائًمًا، حتى يصير ظل كل شيء مثله.
قال القاضي حسين: إنما بدأ الشافعي ﵀ ببيان وقت الظهر اقتداء بجبريل ﵇ في بيان المواقيت للنبي ﷺ وتبركًا بالنبي ﵇ في بيان المواقيت للاعرابي، ولأن تلك أول صلاة وجبت بعد طلوع الشمس، لقوله تعالى (لدلوك الشمس)، ووقت الظهر يدخل بزوال الشمس.
قال الشافعي: ﵀ ومعرفة زوال الشمس يقرب في البلاد الحارة ويبعد في البلاد الباردة، وإنما قال هكذا، لأنه قد قيل: في بلاد الحارة في (صنعاء اليمن) في الصيف الصائفن إذا استوت الشمس، في كبد السماء، لم يبق للشيء ظل ألبتة في هذه البلاد، إذا كانت على خط الاستواء في أطول يوم في السنة، بل يقع ظل الرجل تحت قدمه، وتقع الشمس في جوانب البيت، ولا يبقى لجانب ظل، وتقع الشمس في أسفل البئر، ولا يبقي لجوانبه ظل.
فعلى هذا في هذا اليوم إذا زالت الشمس وظهر للشيء أدنى ظل فقد دخل وقت صلاة الظهر.
فأما في سائر الأيام في البلاد الحارة، أو في جميع الأيام في البلاد الباردة التي هي على بعد من خط الاستواء، فإنما يمكن معرفة الزوال بأن ينصب شيئا له سمك في الأرض، فإذا طلعت الشمس وقع ظل كل شيء من جانب المغرب، ثم مهما زاد للشمس، ارتفاعا ازداد الظل انتقاصا وتقلصًا إلى وقت الزوال، فطريق معرفته أن يخط على الخشبة خطوطًا، ثم ينظر فيها، فمهما كان الظل في النقصان علم أنه لم تزل الشمس فإذا استوت الشمس يقف لحظة لا يطهر فيه شيء من النقصان ثم يأخذ في الزيادة والتحول نحو الشمال، فإذا زاد على ما وقف عليه أدني زيادة وتحول، فقد دخل وقت الظهر، ثم لا يزال وقت الظهر قائمًا حتى يصير ظل كل شيء مثله وأراد به من محل الإزدياد مثل المقياس،
[ ٢ / ٦١٧ ]
حتى لو كان ظل الباقي وقت الزوال ذراعًا، والمقياس سبعة أذرع، فإذا صار الظل ثمانية أذرع، فقد فات وقت الظهر، ويمكن لكل أحد أن يعرف ذلك بنفسه، فإن قامة كل إنسان تكون سبعة أقدام بقدمه، ولكن القدم الأول تحسبه من نصف القدم.
وللظهر أربعة أوقات:
وقت الفضيلة، ووقت الاختيار، ووقت الجواز، ووقت العذر، فإذا صار ظل كل شيء مثل نصفه، فالنصف الأول منه وقت الفضيلة، والنصف الآخر منه وقت الاختيار ثم من ذلك الوقت إلى أن صار ظل كل شيء مثله من حين ما زالت الشمس وقت الجواز.
وأما وقت العذر إذا جمع بين الظهر والعصر في وقت العصر.
قوله: فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة، فقد دخل وقت العصر والأذان، ثم لا يزال وقت العصر قائمًا، حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فمن جاوزه، فقد فاته وقت الاختيار ولا يجوز أن أقوله فاتته، لأن النبي ﷺ قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر.
لا يزال وقت العصر قائمًا إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
قال القاضي حسين: إنما اعتبر هذه الزيادة لتحقق خروج وقت الظهر، ودخول وقت العصر، إذ لا يتحقق ذلك إلا بزيادة شيء، ولو صلى الظهر في ذلك الوقت يكون قضاء.
وقال المزني ومالك وعبد الله بن المبارك، لا يخرج وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ويمضي قدر إمكان أن يصلي فيه أربع ركعات، ولكن يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، حتى لو أن رجلين صليًا في ذلك الوقت: أحدهما: العصر والآخر الظهر، يكون كل واحد منهما مؤديًا ولا يكون قاضيًا، واحتجوا في ذلك بما روى أن جبريل ﵇ صلى،
[ ٢ / ٦١٨ ]
بالنبي ﵇ في اليوم الأول العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، دل على أن ذلك القدر من الوقت وقت لكل الصلاتين.
قلنا: أراد به صلى في اليوم الأول العصر يعني شرع فيها بعد ما صار ظل كل شيء مثله، وباليوم الثاني يعني بعد ما فرغ من صلاة الظهر صار ظل كل شيء مثله، ومثله يجوز كما يقال: دخلت الدار حين خرج فلان يعني: عقيب خروجه منها، كذا هذا مثله، ثم لا يزال وقت العصر قائمًا إلى غروب الشمس، وللعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز ووقت كراهية، ووقت عذر.
أما إذا صار ظل كل شيء مثليه، يزول وقت الفضيلة والاختيار، لأن وقت الفضيلة يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ومثل نصفه، ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز من غير كراهية يمتد إلى أن تصفر الشمس، ووقت الجواز مع الكراهية يمتد إلى أن تغرب الشمس، وسماها النبي ﷺ صلاة المنافقين، ووقت العذر إذا صلى الظهر والعصر في وقت الظهر.
وقال أبو حنيفة: يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وخالفه فيه صاحباه، وحكى عن أبي يوسف،، أنه قال: صاحبنا لم يرض مخالفة الرسول ﵇، حتى خالف جبريل ﵇.
ووقت الظهر عند أبي حنيفة أطول من وقت العصر، لأنه يجعل وقت الظهر على ما جعله الشافعي وقتًا للظهر، ووقتًا للعصر فضيلة واختيارًا
وعندنا وقت العصر أطول، والدليل عليه إمامة جبريل للنبي ﷺ وقد ذكرنا أنه لو صلى بعد أن اصفرت الشمس، فإنه يكون أداء ولكن يكون مكروهًا، وقال الإصطخري: إنها تكون قضاء، واستدل بقوله﵇:
[ ٢ / ٦١٩ ]
تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم إلى أن تكاد الشمس تغرب ثم يقوم وينقر أربع نقرات لا يذكر الله تعالى إلا قليلًا.
ولنا قوله ﵇: من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، والله أعلم.
قال المزني: فإذا غربت الشمس، فهو وقت المغرب والأذان، ولا وقت للمغرب إلا وقت واحد، فإذا غاب الشفق الأحمر، وهي الحمرة فهي أول وقت العشاء الآخرة والأذان، ثم لا يزال وقت العشاء قائمًا، حتى يذهب ثلث الليل.
قال القاضي حسين: إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب، وفي الجديد له وقت واحد، وإنما يعرف ذلك بالعقل، وهو أن يمضي بعد غروب قدر أذان وإقامة، وثلاث ركعات بسور قصار، وركعتين خفيفتين، وفي إمكان الطهارة وجهان، والدليل عليه حيث جبريل ﵇ على ما يمر، وقال في القديم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، إنه يمتد وقتها إلى غيبوبة الشفق، إلا أن الخلاف يبقى أيضا بيننا، وبين أبي حنيفة على هذا القول، لأن الشفق عندنا هو الحمرة، وعنده هو البياض، وذاك يسقط بعد الحمرة، فعلى هذا للمغرب أربعة أوقات من غروب الشمس إلى انتصاف الوقت:
فالنصف الأول منه: وقت فضيلة:
والنصف الأخير منه: وقت الاختيار ثم بعده وقت الجواز إلى غيبوبة الشفق، ووقت العذر إذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فإن قيل: لا يجوز أن يقال: إن للمغرب وقتًا واحدًا؛ لأنه يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب وم شرط صحة الجمع أن يقع أداء الصلاتين في وقت إحداهما دل على أن وقت المغرب يمتد أكثر مما وصفتم، حين كان يصح الجمع فيه بين الصلاتين.
قلنا: أما على القول القديم لا يتأتي على ما قلناه. هذا السؤال.
واما على قوله الجديد فيه جوابان:
أحدهما: أن نقول: لا نسلم أن شرط صحة الجمع ما ذكرتم، بل شرط صحة الجمع أن يؤمر بأداء إحدى الصلاتين في وقتها، ثم يوجد أداء الأخرى عقيبها فحسب.
وجواب آخر نقول: عندنا وقت المغرب يمتد إلى أن يصلي خمس ركعات متوسطات، ويمكنه الجمع بينهما في هذا الوقت بأن يصلي المغرب ثلاث ركعات ويصلي العشاء ركعتين إن كان مسافرًا، ولا يصلي السنة حتى يقع الكل في وقت المغرب، وإن كان مقيمًا يقع بعض صلاة العشاء في الوقت، فيجعل كما لو وقع الكل في الوقت في أحد الوجهين عندنا على ما سنذكره من بعد إن شاء الله ﷿ فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة، فهو أول وقت العشاءا الآخرة، والأذان إذا غاب الشفق يدخل وقت العشاء قائمًا إلى أن يطلع الفجر، الصادق.
والتعجيل فيه أفضل أم التأخير؟
فيه قولان:
أحدهما: التعجيل فيه أفضل كما في سائر الصلوات.
والثاني: أن التأخير فيه أفضل لقوله ﵇، لولا أن أشق على أمتي لأمرتههم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وفي رواية: إلى نصف الليل.
إذا قلنا: إن التأخير أفضل ففيه قولان آخران:
أحدهما: أنه يؤخر إلى ثلث الليل.
والثاني: أنه يؤخر إلى نصف الليل.
وللعشاء أربعة أوقات:
وقت الفضيلة، ووقت الاختيار، ووقت الجواز، ووقت العذر.
أما وقت الفضيلة يمتد إلى سدس الليل.
إذا قلنا: إن التأخير أفضل إلى ثلث الليل، فوقت الاختيار يمتد إلى ثلث الليل.
وإن قلنا: إن التأخير أفضل إلى نصف الليل، فوقت الفضيلة يمتد إلى ربع الليل، ووقت الاختيار يمتد إلى نصف الليل، ثم بعد ذلك يمتد وقت الجواز إلى طلوع الفجر، ووقت العذر إذا جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، ولو صلى في نحر السحر يكون أداء.
وقال الإصطخري: إنه يكون قضاء.
قوله: إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الصبح.
قال القاضي حسين: والفجر فجران:
الأول: يسمى الفجر الكاذب، فإنه يكون مستطيلا كذنب السرحان، ثم يعقبه ظلام أظلم ما يكون.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
والثاني: يسمى الفجر الصادق، ويكون مستطيرًا، وينتشر في الآفاق، ويزداد البياض إلى أن تطلع الشمس، ويتعلق به الأحكام، ولهذا قال النبي ﷺ، لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا، حتى يطلع الفجر المستطير، ثم يمتد وقت الصبح إلى أن تطلع الشمس، وللصبح ثلاثة أوقات: من أول طلوع الفجر إلى الأسفار، ووقت الفضيلة، ووقت الاختيار.
أحدهما: في النصف الأول منه.
والآخر: في النصف الثاني بعده إلى طلوع الشمس وقت الجواز.
فرع:
فهذه الأوقات التي ذكرنا هل هي وقت للدخول في الصلاة، أو للدخول والخروج؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه وقت للدخول فيه دون الخروج.
والثاني: انه وقت لهما جميعًا، فعلى هذا لا خلاف في أنه لو افتتح الصلاة في أول الوقت، وطول القراءة حتى بلغ الوقت آخره، ثم يسلم قبل خروج الوقت، فهل يصير به عاصيًا أم لا؟
فيه وجهان:
إن قلنا: إن الوقت وقت للدخول دون الخروج فإنه لا يصير به عاصيًا.
وإن قلنا: إنه وقت للدخول والخروج، فإنه يصير به عاصيًا، والدليل على الوجه الأول: ما روى أن أبا بكر الصديق صلى بالناس صلاة الصبح، وطول
[ ٢ / ٦٢٣ ]
القراءة، فلما فرغ من الصلاة قال له عمر: ما كدت تسلم حتى كاد حاجب الشمس أن يطلع، فقال: لو طلعت الشمس ما وجدتا غافلين.
ولأنه روى أن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب.
وهل تكون قضاء أو أداء.؟
ينظر فيه، فإن صلى ركعة في الوقت، ثم خرج الوقت فالظاهر من المذهب أن الكل أداء لقوله ﵇: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأنا أجمعنا على أن المسافر إذا صلى ركعة، فخرج وقت الصلاة، له أن يقصر الصلاة على القول الذي قلنا: إنه لو نسي صلاة في الحضر، فتذكرها في السفر يلزمه إتمامها.
وفيه وجه آخر: أن الركعة المفعولة خارج الوقت تكون قضاء، لأنه يستحيل أن يصلي خارج الوقت وتكون أداء، وقد يجوز أن تتبعض عبادة واحدة في الأداء والقضاء كالصوم، فإنه لو شرع في صوم النفل، ثم نذر الإتمام في خلال اليوم، فيصير الباقي فرضًا، والصحيح هو الأول.
فأما إذا صلى في الوقت أقل من ركعة، فإنه يكون قضاء على ظاهر المذهب، لأن النبي ﷺ خص الركعة بالذكر.
قال القاضي ﵀: يحتمل وجهين، بناء على أنه إذا أدرك المعذور من وقت العصر قدر تحريمة، هل تلزمه صلاة العصر أم لا؟
إن قلنا هناك: تلزمه صلاة العصر، فها هنا تكون أداءً، وإلا فلا.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
قال المزني: ولا أذان إلا بعد دخول وقت الصلاة خلا صلاة الصبح، فإنه يؤذن لها بليل، وليس ذلك بقياس، ولكن اتبعنا فيه النبي ﷺ لقوله: (إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم).
ثم لا يزال وقت الصبح قائمًا بعد الفجر ما لم يسفر، فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة منها، فقد خرج وقتها، فاعتمد في ذلك على إمامة جبريل بالنبي ﷺ ولما روى عن رسول الله ﷺ في ذلك.
قال القاضي حسين: إنما أراد بقوله: ليس بقياس، يعني على سائر الصلوات لا أنه مخالف للقياس، لأنه يقتضي ذلك قياسًا من قبل أن الناس لا يكونون مستعدين لصلاة الصبح، بل كانوا نائمين، وبعضهم محدث، وبعضهم جنب، والأذان شرع للإعلام.
فقلنا: بأنه يؤذن قبل دخول الوقت، حتى ينتبه الناس، ويتوضأ المحدث، ويغتسل الجنب حتى يحوزوا فضلية أول الوقت، ولا تفوتهم تلك الفضيلة، بخلاف سائر الصلوات فإن الغالب م حال الناس أن يكونوا أيقاظًا منتبهين، ويكونوا مستعدين للصلاة، والقائلون قليلون، وأيضا إنما ينامون استراحة في ثياب البذلة، ولا ينزعون الثياب، بخلاف زمان الليل، فلهذا لا يؤذن في سائر الصلوات بل دخول وقتها.
وقال أبو حنيفة: لا يؤذن قبل الوقت، والدليل عليه قوله ﵇: إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشروا حتى ينادي ابن أم مكتوم.
دل على جوازه، والمعنى فيه ما بينا من قبل، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
قال: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، فإذا أغمي على رجل، فأفاق، وطهرت امرأة، من حيض أو نفاس، وأسلم نصراني، وبلغ صبي قبل مغيب الشمس بركعة أعادوا الظهر والعصر، وكذلك قبل الفجر بركعة، أعادوا المغرب والعشاء، وكذلك قبل الشمس بركعة، أعادوا الصبح، وذلك وقت إدراك الصلوات في العذر والضرورات، واحتج بأن النبي ﷺ، قال: من أدرك ركعة من العصر، قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فقد ادرك الصبح، وأنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة، فدل على أن وقتهما للضرورات واحد، وقد قال الشافعي، إن أدرك الإحرام في وقت الاخرة، صلاهما جميعًا.
قال المزني: ليس هذا عندي بشيء، وزعم الشافعي أن من أدرك من الجمعة ركعة بسجدتين، أتمها جمعة، ومن أدرك منها سجدة أتمها ظهرًا لقول النبي ﷺ: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة.
ومعنى قوله عندي إن لم تفته، وإذا لم تفته صلاها جمعة، والركعة عند الشافعي بسجدتين.
قال المزني: قلت: وكذلك قوله ﵇: من أدرك من الصلاة ركعة، قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، لا يكون مدركًا لها إلا بكمال سجدتين فكيف يكون مدركًا لها، والظهر معها بإحرام قبل المغيب؟ فأحد قوليه يقضي على الآخر.
قوله: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة.
قال القاضي حسين: المزني لم يذكر تفسير العذر، واقتصر على تفسير وقت الضرورة، فوقت العذر هو وقت الظهر للعصر، والعصر للظهر، والمغرب
[ ٢ / ٦٢٦ ]
للعشاء والعشاء للمغرب، عند الجمع بينهما وقد ذكرنا، فإذا أراد الجمع بين الصلاتين فهو بالخيار بين أن يقدم العصر، ويصليها في وقت الظهر، وبين أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويصليهما في وقت العصر، فإذا نقل العصر إلى الظهر، وجمع بينهما في وقت الظهر، فالترتيب فيه شرط، فينبغي أن يصلي الظهر أولا، ثم العصر حتى لو قدم العصر على الظهر لا يجوز.
وإنما قلنا ذلك لأن صلاة العصر أديت في غير وقتها، إنما تكون تبعًا لصلاة الظهر، فلابد من سبق المتبوع لتتحقق التبعية، وكذلك تشترط فيه الموالاة، وهو ألا يفصل بينهما إلا قدر إقامة، ولو فصل بينهما أكثر من ذلك لا يصح الجمع، لأنه انقطع نظم الجمع، ويكون وقت الظهر وقت العصر إلا قدر ركعتين من أول وقت الظهر إذا أراد القصر، وكان مسافرًا، أو قدر أربع ركعات إذا أراد الإتمام.
فأما إذا أراد أن ينقل الظهر إلى العصر، ويصليهما في وقت العصر بالجمع، فيجب عليه أن ينوي ذلك قبل خروج وقت الظهر، كي لا يصير عاصيًا به، وهل يشترط فيه الترتيب أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى لأنه لما أخر صلاة الظهر إلى وقت، فقد جعل هذا الوقت وقتًا للظهر، فصار كما لو جمع بينهما في وقت الظهر.
والثاني: لا لأن ها هنا صلاة العصر أديت في وقتها لا تكون تبعًا لغيرها، فلا يشترط فيه الترتيب، وفي الموالاة أيضا وجهان، إلا أنه إن ترك الوالاة لا يحصل له ثواب الجمع فعلى هذا إن قلنا: إن الترتيب فيه ليس بشرط، فيكون جمع وقت العصر وقتًا للظهر.
وإن قلنا: إن الترتيب فيه شرط، فيكون جميع وقت العصر وقتًا للظهر إلا قدر ركعتين، أو أربع ركعات من آخر وقت العصر على ما بينا.
وفيه وجه آخر: أن جميع وقت العصر وقت لصلاة الظهر إلا قدر ركعة واحدة من آخر وقت العصر، لأنه إذا أدرك ركعة، فقد أدرك وقت العصر كله.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
فأما وقت الضرورة وهو الوقت الذي يصير الشخص فيه من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال العذر، مثل الكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والحائض إذا طهرت، والمغمى عليه إذا زال إغماؤه في آخر وقت العصر، أو في آخر وقت العشاء، أو في آخر وقت الصبح، والله أعلم بالصواب.
فأما إذا زالت هذه الأعذار قبيل غروب الشمس، وبقي من الوقت قدر ركعة صار مدركًا للعصر.
وفي اشتراط إمكان الطهارة قولان:
وإذا قلنا: إنه يصير مدركًا للعصر، فهل يصير مدركًا للظهر، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى لأنهما صلاتان يتفق وقتهما في وقت العذر، فكذا في وقت الضرورة.
والثاني: لا، لأنه لم يدرك شيئا من وقت الظهر، فلا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه الصبح، فعلى هذا لا يصير مدركًا للظهر إلا بإدراك خمس ركعات من آخر وقت العصر.
وفي إمكان الطهارة قولان:
أحدهما: بلى يشترط إمكانها، لأن الصلاة لا تصح بدونها.
والثاني: لا؛ إذ ليس من ضرورة صحة الصلاة وجود الطهارة في الوقت، فعلى هذا إذا أدرك خمس ركعات من آخر وقت العصر، وقلنا: إنه يصير مدركًا للظهر والعصر معًا، فأربعة منها تجعل للظهر، والخامسة للعصر، أو على عكسه، فعلى وجهين:
أحدهما: للظهر؛ لأنها السابقة.
والثاني: للعصر، والخامسة للظهر لأنها تبع للعصر في هذا الموضع.
وفائدة الخلاف تظهر في المغرب مع العشاء إن قلنا الأربعة للعصر لم يصر مدركًا، للمغرب هناك إلا بإدراك خمس ركعات من آخر وقت العصر.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وإن قلنا: هي للظهر، فيصير مدركًا للمغرب بإدراك أربع ركعات.
فأما إذا أدرك من آخر وقت العصر قدر تحريمه، أو ما دون الركعة، فهل يصير مدركًا للعصر أم لا؟
فعلى قولين:
أحدهما: بلى لأنه أدرك حرمة الوقت.
والثاني: لا وبه قال أبو حنيفة والمزني، لأنه ليس بصلاة وفي الخبر ركعة مذكورة لا غير.
فإذا قلنا: يصير مدركًا، ففي إمكان الطهارة قولان.
وهل يصير مدركًا للظهر أم لا؟ فعلى قولي:
إن قلنا: لا يصير مدركًا للظهر بهذا القدر، فعلى هذا يصير مدركًا لها إذا أدرك من آخر وقت العصر قدر أربع ركعات وتحريمة، وفي إمكان الطهارة قولان، ثم في كيفيته وجهان:
أحدهما: يجعل أربع ركعات للظهر، والتحريمة للعصر.
والثاني: على العكس منها.
وفائدته أيضا تظهر في المغرب والعشاء، وذاك معلوم فخرج من هذه الجملة ثمانية أقوال:
أحدهما: تلزمه الصلاتان بإدراك تحريمة.
والثاني: بإدراك تحريمة وطهارة.
والثالث: بإدراك أربع ركعات وتحريمة.
والرابع: بإدراك أربع ركعات وتحريمة وطهارة.
والخامس: بإدراك ركعة.
والسادس: بإدراك ركعة وطهارة.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
والسابع: بإدراك خمس ركعات.
والثامن: بإدراك خمس ركعات، وإمكان الطهارة، وهكذا الأقوال الثمانية في المغرب والعشاء إذا أدرك قبل طلوع الفجر، شيئًا من الوقت على التفصيل، الذي ذكرنا.
وفيه أربعة أقوال أخر:
التاسع: يصير مدركًا لها بإدراك ثلاث ركعات وتحريمة.
والعاشر: بإدراك ثلاث ركعات، وتحريمة، وإمكان الطهارة.
والحادي عشر: بإدراك أربع ركعات.
والثاني عشر: بإدراك أربع ركعات وطهارة، وإنما يحصل فيه اثنا عشر قولا، لما ذكرنا من الوجهين، إذا أدرك خمس ركعات، في آخر وقت العصر، فهل يكون اربع ركعات للعصر وواحدة للظهر، أو على عكسه؟
وفائدته تظهر في المغرب والعشاء حتى يحصل فيه هذه الأقوال.
فأما في صلاة الصبح إذا أدرك شيئًا من وقت الصبح قبل طلوع الشمس بماذا يصير مدركًا لها؟
فيه أربعة أقوال:
في قول: يصير مدركًا لها بقدر تحريمة.
وفي قول: بقدر تحريمة، وإمكان طهارة.
وفي قول: بقدر ركعة.
وفي قول: بقدر ركعة وإمكان طهارة.
هذا كله كلام فيما إذا وجد زوال الأعذار في آخر الوقت.
فأما في أول الوقت إذا مضى مه شيء، ثم وجدت الأعذار مثل أن جن، العاقل، وحاضت المرأة، أو نفست أو أغمي عليه.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
قال أبو يحيى البلخي من أصحابنا: حكمه حكم آخر الوقت حرفا بحرف حتى لو أدرك من أواخر الوقت قدر ركعة ثم طرأ عليه العذر يلزمه الظهر، وفي العصر قولان، ولو أدرك ما دون الركعة، فعلى قولين.
والصحيح أنه لا يصير مدركًا للصلاة ما لم يدرك قدر الإمكان من فعل صلاة تامة، وهو قدر ما يصلي أربع ركعات حتى يصير مدركًا لها؛ لأنه استقر عليه الفرض، فلا يسقط عنه بعارض العذر، ولا تلزمه صلاة الثانية أيضًا، والفرق بين هذا، وبين آخر الوقت أن في آخر الوقت يمكنه عقد الصلاة في الوقت، والبناء عليه بعد خروج الوقت، فجاز أن يقال: إنه يلزمه ذلك بإدراك ركعة وما دونها.
فأما في أول الوقت بخلافه، لأنه لا يمكنه البناء عليه، ولا يمكنه الشرع فيها قبل دخول الوقت، فافترقا لهذا المعنى، وزان مسئلتنا منه أنه لو زال العذر قبيل غروب الشمس، ولم يبق سليم الحال إلى إمكان فعل الصلاة بأن عاوده العذر بعد غروب الشمس فلا جرم.
قلنا: لا يلزمه شيء، لأن الإمكان شرط الاستقرار على ما بينا؛ فعلى هذا لو عاوده العذر بعد إمكان الصلاتين، ثبتتا في ذمته إلى أن يزول العذر ثانيًا، وإن عاوده بعد إمكان أحدهما ثبتت تلك الصلاة في ذمته لا غير.
وقال أبو حنيفة: إن أدرك من آخر وقت العصر قدر تحريمة لا يصير مدركًا لها، ولو أدرك قدر ركعة يصير مدركًا للعصر دون الظهر، فنقول: كل من لزمه عصر يومه لزمه ظهر يومه.
دليله: من لم يكن به عذر، أو كان ولكن زال بعد ما صار ظل كل شيء مثله، ونصف مثله والأصل مركب.
واختار المزني القول الذي قلنا: إنه لا يصير مدركًا للعصر بقدر تحريمة، واحتج بقوله ﵇: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.
[ ٢ / ٦٣١ ]
النبي ﷺ قيده بإدراك ركعة لا غير، وقال أيضًا بأن الإنسان لا يصير مدركًا للجمعة بما دون الركعة، وإنما يصير المسبوق مدركًا للجمعة بركعة كاملة.
قلنا: أما الخبر نحمله على أنه إذا أدرك ركعة من العصر تكون صلاته أداء لا قضاء، ولو أدرك منه دون ذلك يصير قضاء على ما ذكرنا من قبل.
وأما الجمعة نقول في الفرق بينهما أن الإدراك إدراكان: إدراك إسقاط وإدراك إلزام.
فأما إدراك الإسقاط يشترط فيه كمال المدرك، ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركًا للدركعة، لأن ذاك إدراك إسقاط، لأنه يسقط به عن نفسه القيام والقراءة، بل يشترط فيه كمال المدرك، وهو أن يدرك الركوع هكذا في إدراك الجمعة إدراك إسقاط؛ لأنه أراد به إسقاط ركعتين عن نفسه، فيشترط فيه كمال المدرك وهو ركعة تامة.
وأما إدراك الإلزام لا يشترط فيه كمال المدرك، وسواء فيه بين اليسير والكثير احتياطًا للعبادات، كما لو اقتدى المسافر بالمقيم، فيلزمه الإتمام، سواء أدرك ركعة أو دونها، فكذا فيما نحن فيه إدراك إلزام، فسوى فيه بين القليل والكثير، فإن قيل: أليس أن المزني قال في أول الفصل: إذا أغمي على رجل فأفاق قبل مغيب الشمس، بركعة أعاد الظهر والعصر، ثم قال في آخره: إن أدرك الإحرام في وقت الآخر صلاهما جميعًا، وهذا ركاكة في اللفظ بل الأولى أن نقلب القصة، ونقول: إن أدرك ركعة صلاهما، وإن أدرك تحريمة أعادهما.
قال القاضي ﵁: ليس هذا تحلل من جهته؛ لأنه لم يرد به أن يصليهما في الوقت، وإنما أراد به في الموضعين أن يصليهما خارج الوقت، ويكون الكل قضاء، لأنه لا يمكنه الاشتغال بالصلاة في الوقت، سواء أدرك ركعة، أو ما دون الركعة لوجوب الاغتسال، أو الطهارة عليه.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
فرع:
لو طلع الشمس في صلاة الصبح لا يبطلها عندنا.
وقال أبو حنيفة: طلوع الشمس في خلال الصلاة يبطلها، سواء كانت الصلاة نقلا أو فرضًا، وسواء طلعت الشمس قبل فراغه عن التشهد، وقبل السلام.
ووافقنا في أن غروب الشمس في خلال الصلاة لا يبطلها، فنقول: صلاة وجدت في إحدى طرفي النهار، فخروج الوقت فيها لا يبطلها قياسا على ما لو وجدت في الطرف الآخر.
فرع:
إذا أغمي على إنسان إغماء يستغرق جميع وقت العذر والضرورة تسقط تلك الصلاة عنه؛ بيانه بأنه لو أغمي عليه قبيل الزوال وأفاق بعد غروب الشمس سقط عنه صلاة الظهر والعصر، وكذا لو أغمي عليه قبيل غروب الشمس وزال عنه بعد طلوع الفجر سقط عنه صلاة المغرب والعشاء وهكذا لو أغمي عليه قبيل طلوع الفجر، وزال عنه بعد طلوع الشمس يسقط عنه صلاة الصبح.
وقال أبو حنيفة: إن استوعب الإغماء يومًا وليلة يسقط عنه الصلوات الخمس، وإن كان دون ذلك لا يسقط عنه شيء منها، ثم اختلفوا فيه.
منهم من اعتبر الزمان الذي يجب فيه الصلوات الخمس، ومنهم من اعتبر قدر مضي يوم وليلة بيانه لو أغمي عليه قبيل الزوال بلحظة، ثم زال عنه الإغماء بعد طلوع الشمس بلحظة إن راعينا القول الأول قالوا: لا يلزمه شيء من صلوات الخمس، وإن راعينا القول الثاني قالوا: يلزمه الكل، ولا خلاف أنه لو زال عنه بعيد الزوال، من اليوم الثاني لا يلزمه شيء من الصلوات لوجود كلا المعنيين.
فصل:
الصلاة تجب بأول الوقت عندنا، حتى لو أدرك قدر إمكان الفعل من أول الوقت فلم يفعل حتى مات لقي الله تعالى، والفرض في ذمته.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وفي إمكان الطهارة وجهان، وهل يعصي بترك الفعل في أول زمان الإمكان أم لا؟ إذا مات فوجهان:
أحدهما: بلى، كما في الحج.
والثاني: لا؛ لأن آخر الوقت معلوم فلا ينسب إلى التفريط بالتأخر، بخلاف الحج، فإن آخر العمر غير معلوم، فالتأخير فيه إنما يجوز بشرط السلامة ولا خلاف أنه لو درك من أول الوقت دون قدر إمكان فعل الصلاة لا يلزمه شيء حتى لو مات لا يصير عاصيًا، ولا فرض في ذمته.
وقال أبو حنيفة: لا تجبر الصلاة بأول الوقت ولو أداها يسقط عنه الفرض، ثم اختلفوا فيه.
منهم من قال: إنها إذا أديت في أول الوقت وقعت نفلًا، لكنها يسقط بها الفرض وهي تمنع وجوب الفرض.
وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى يعيش الإنسان مائة سنة لا يصلي لله فيه فرضًا، ولا يؤاخذ به، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يصير النفل فرضًا في الأصول في إسقاط الفرض.
ومنهم من قال: وقعت موقوفًا، فإن بقي إلى آخر وقت الصلاة تبين أنها وقعت فرضًا، وإن مات تبين أنها وقعت نفلًا.
ومنهم من قال: يجب في جزء من أجزاء الوقت من أوله إلى آخره، فإذا أداها وقعت فرضًا، كالمعسر إذا حج وقع فرضًا، وإن لم يكن واجبًا عليه. ومنهم من قال: يتعين عليه بفعله، كالأشياء الثلاثة في الكفارة، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٦٣٤ ]