فلو أجمعوا على شيء إلا واحدًا، لا يكون إجماعًا، فإذا مات ذلك الواحد، وهم استداموا على ذلك، فالآن بعد موته صار إجماعًا، فأما إذا كان في زماني عامي، ثم صار فقيهًا، أو كان صبيًا ترعرع، وتفقه في الدين، فإذا بلغ وخالف، هل يعد خلافه خلافا أم لا؟
فيه وجهان: بناء على الأصل الذي ذكرنا، هل يشترط انقراض العصر أم لا؟
والدليل عليه ما روى أن ابن عباس كان تلميذ زيد بن ثابت، فلما تعلم الفرائض، وبلغ وصار من أهل الاجتهاد أخذ زمام بغلة زيد بن ثابت في بعض الأوقات، وقال له أنزل أبا هلك، فإن الذي احصى رمل عالج لم يجعل في المال نصفا وثلاثين.
فقاله له زيد: خل زمام بغلتي، ما أجرأك على الله
فأما إذا ولد ولد بعد إجماعهم وتفقه هل يعد خلافه خلافًا؟
يترتب على ما لو كان صبيا موجودًا، ثم تفقه إن قلنا هناك: لا يعد خلافه خلافا، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
[ ١ / ١٧٩ ]
فصل
قال القاضي: قد ذكرنا ان الإجماع يكون حجة، وقد ذكرنا اختلاف الصحابة في مسألة.
فلو أنهم اختلفوا في مسألة وصاروا فرقتين، ينظر فإن كانوا سواء في العدد، فلا يرجح أحدهما على صاحبه.
ولو كان في إحدى الفرقتين كثرة، هل يرجح بذلك على الآخر؟
فعلى قوله القديم: يقع به الاحتجاج، ويقدم على الآخر.
ولو كان في إحدى الفرقتين أبو بكر، وعمر وعثمان.
قال الشافعي تقدم تلك الفرقة على الفرقة التي لم يكن فيها واحد، من هؤلاء الخلفاء، وسكت عن قول علي.
فمن أصحابنا من قال: إنما سكت عن قول علي، لأنه ذكر الأكثر فاكتفي به عن ذكر الأقل، ويجوز أن يذكر معظم الشيء، ويكون ذلك قائمًا مقام الكل.
كما قال تعالى: (فك رقبة) الآية.
والرقبة: اسم لعضو مخصوص، ثم عبر بها عن الكل.
وكما روى أنه ﵇ قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تختلفوا عليه. الحديث، ولم يذكر جميع أفعال الصلاة كذا ها هنا.
[ ١ / ١٨٠ ]
وجواب آخر: نقول: إنما سكت عن قول علي ﵁، لأنه يزن إلى الشيعة والتشيع فينفي التهمة عن نفسه حتى لا تأثم الناس بسببه والدليل على هذا قوله رحمة الله عليه:
إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
ومقدمة هذا البيت:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى .. واهتف بقاعد خيفها والناهضِ
سحرا إذا فاض الحجيج إلى مني فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
والجواب الثالث: إنما ذكر قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، على وجه الاحتجاج، لأن قول هؤلاء صدر عن إجماع المسلمين، فإن المسلمين كانوا مجتمعين في الآراء والهمم، وكانوا متفقين على كلمة واحدة، فالاحتجاج إنما وقع بكثرة المسلمين الذين وافقوهم.
وأما قول علي ﵁ لم يصدر عن جماعة المسلمين، لأنه لما آل الأمر إليه خرج من دار الهجرة إلى الكوفة، وخالفوه، ونابذوه، وقاتله أكثرهم، فلم يصدر قوله عن جماعة المسلمين، فلم يقع الاحتجاج بقوله لهذا المعنى، لا لأنه لم يكن من الخفاء الراشدين.
فإذا الترجيح بماذا يقع.؟
[ ١ / ١٨١ ]
إن قلنا: الترجيح يقع بقول الخليفة، فقول علي يكون حجة كقول أبي بكر، وعمر.
وإن قلنا: الترجيح يقع بكثرة الجماعة من المسلمين، فلا يقع الترجيح بقول علي، فلو كان في إحدي الفرقتين أبو بكر، والأخرى عمر، تقدم الطائفة التي فيهم ابو بكر على عمر، ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي، على الترتيب الذي كانوا في الاستخلاف
فإن كان في إحدى الفرقتين خليفة، وفي الأخرى كثرة.
قال ﵁ في الدرس العام، قول الخليفة يقدم على الكثرة، وقد قال في الدرس: التلخيص فيه وجهان.
هذا كله في قول الصحابي.
فأما الكلام في قول التابعين، فيجب أن تعلم أن إجماع كل عصر من لدن رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة يكون حجة مقطوعًا بها على مذهب عامة العلماء.
وقال بعض الناس/ إجماع الصحابة يكون حجة، وأما إجماع غيرهم لا يكون حجة، لأن لهم فضيلة المشاهدة للوحي، وفضيلة مشاهدة النبي ﷺ
قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه) الآية.
وهذا لا يصح لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية.
مدح هذه الأمة بهذا، فلو كان بهم مخالفة لما أخفوا ذلك الشيء الذي يخالف النص، ويدل عليه قوله ﵇: إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة.
[ ١ / ١٨٢ ]
وما روينا من الأخبار قبل ذلك.
هذا دليل على صحة ما قلناه، فأما التابعي إذا قال قولًا، وانتشر فيما بينهم، وانقرضوا وماتوا على ذلك، هل ذلك حجة كالصحابي أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون حجة كقول الصحابي.
والثاني: لا يكون حجة.
فأما التابعي إذا قال قولًا، ولم يكن معه قياس خفي، فالمذهب: أن القياس الجلي مقدم على قوله بخلاف الصحابي، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ١٨٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
مختصر المزني
قال حدثنا الحسن بن محمد بن يزيد، قال حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، قال: الحسن بن محمد بن عاصم قال المزني: اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي، ﵀ ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٨٥ ]