لو تقشط جلدة من ذراعه فلا يخلو: إما أن تبقى متدلية؛ أو صارت ملتصقة.
فإن بقيت متدلية واندملت وجب غسل كلا وجهيها، وما حواليها على الموضع الذي تقشطت منه.
فأما إذا التصقت بآخر فلا يخلو: إما أن التصقت بالذراع؛ أو بالساعد.
إن التصقت بالذراع، ولم يبق بينهما فرج وجب غسله ظاهرًا؛ إذ لا يمكن غسل باطنها.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وإن بقي بينهما فرجة وجب غسل ما تحته من الذراع، وغسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا.
وإن التصقت بالعضد، ولم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وما زاد عليه لا يجب غسله، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما تحته من الذراع، ويجب غسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا إلى محل الفرض، وما وراء ذلك يجب غسل الجلدة باطنًا، لأنه كان من ظاهر الذراع.
فأما إذا تقشطت جلدة عضده، فإن بقيت متدلية، أو التصقت بلحم العضد فلا يجب غسله، وإن التصقت بلحم الذراع، فإن لم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما كان من الذراع، ولا يجب غسل الجلدة، لا ظاهرًا ولا باطنًا إلا الطرف الذي التصق بالذراع، فإنه يجب غسله بدل ما تحته من البشرة.
ثم يمس برأسه ثلاثًا، والكلام فيه في فصلين:
أحدهما: في بيان أقل ما يجزئ.
والثاني: في بيان الأكمل والمستحب. وأما أقل ما يجزيء عندنا ما ينطلق عليه اس المسح، ولو كان قدر رأس
[ ١ / ٢٧١ ]
إبرة، كما قال الشافعي في أرش الموضحة، فإنه يجب إذا أوضحه، قدر رأس إبرة، كذا هذا.
ومن أصحابنا من قال: أقل ما يجزيء مسح شعرات، كما في المحرم إذا أراد التحلل، فلا يحصل له ذلك إلا بحلق ثلاث شعرات.
[ ١ / ٢٧٢ ]
والصحيح هو الأول، لأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم) (والباء) للتبعيض، ولا تقتضي التقدير، بخلاف ما في الحج، لأن هناك قال: (ولا تحلقوا رءوسكم).
يعني: شعور رءوسكم.
وأقل الجمع الصحيح ثلاث.
ولا فرق بين أن يمسح بيده، أو يأخذ خرقة مبتلة، أو خشبة مبتلة، ويمسح بهما رأسه، وكذا لا فرق بين أن سمح ظاهر الشعر، أو يترك ذاك، ويمسح البشرة.
بخلاف ما قلنا في الوجه: أنه لو ترك ظاهر الشعور وغسل البشرة إنه لا يجوز.
والفرق بينهما: أن الوجه اسم لما يواجه الإنسان به غيره، وذاك يقع على ظاهر الشعور، والرأس: اسم لما ترأس واعتلى.
وهذا وقع على الكل، فإذا مسح على الشعر، فلا يخلو إما إن طال شعره، واسترسل عن حد الرأس، أم لا يسترسل، فإن نزل عن حد الرأس مثل الذوائب، وغيرها، فلو مسح على رأسه لا يجوز، ولو مسح على أصول الشعر، جاز، ولو مسح على ما هو منه في حد الرأس، لكنه زائل عن المنبت فوجهان:
[ ١ / ٢٧٣ ]
أحدهما: يجوز؛ لأنه في حد الرأس ..
والثاني: لا؛ لأنه زائل عن المنبت، فصار كالنازل عن حد الرأس.
فأما إذا طال شعره، وكان مستويًا، ولم يزل عن المنبت، فمسح عليه جاز، ولو زال عن المنبت، ولم ينزل عن حد الرأس، فوجهان:
فأما إذا كان شعره جمة، مثل شعر الزنج، وكان بحيث لو مد يمتد، فلو مده ومسح على رأسه لا يجوز.
ولو لم يرده ومسح عليه، فيه وجهان:
الصحيح: أنه لا يجوز كالذؤابة.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز.
فرع
لو غسل رأسه بدل المسح.
المذهب: أنه يجوز، ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز، لأنه فرضه المسح، فلا يسقط بالغسل، كما لو مسح الأعضاء المغسولة لا يسقط الفرض عنه.
[ ١ / ٢٧٤ ]
والفرق بينهما: أن الغسل يتضمن المسح، وزيادة.
فقلنا: بأنه يقوم مقام المسح بخلاف المسح، فإنه لا يتضمن الغسل.
فقلنا: بأنه يبقى الفرض عليه.
فأما إذا وضع يده المبتلة على الرأس، فلم يمرها، عليه.
المذهب: أنه يجوز.
وقال (القفال): إنه لا يحصل المسح ما لم يمر يده عليه، وكذا لو قطر الماء على رأسه، إن سال حصل المسح، وإن لم يسل الماء:
عامة أصحابنا على أنه حصل المسح به.
وقال (القفال): إنه لا يحصل، ويشترط فعل المسح أو معناه.
وكذا المرأة لو وضعت يدها المبتلة على الوقاية، ووصل البلل إلى شعرها، إن مرت يدها عليه، وكانت خفيفة أو كثيفة، ووصل الماء إلى الشعور حصل المسح، وإن لم تمرر اليد عليه، ولكن صارت الشعور مبتلة عند عامة أصحابنا هكذا.
وقال (القفال): لا يحصل بها المسح.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فرع
لو مسح برأسه، ثم حلق الشعور، أو غسل يديه، ثم قلم الأظافير، أو قطعت يداه، أو كشطت جلدة يديه، ولم يكن عليه نجاسة لم تجب عليه الإعادة، بخلاف ما لو نزع الخف حيث يجب عليه غسل الرجلين، أو الوضوء، لأن ذاك بدل عن الرجلين.
فإذا نزع الخف بعد طهر المبدل، والأصل، فسقط حكم البدل، بخلاف ما نحن فيه.
فأما إذا كان بعض رأسه محلوقًا دون البعض، فهو بالخيار بين أن يمسح على الشعور، أو على موضع الحلق أيضًا، كما ذكرنا من قبل، هذا كله كلام في الوجوب عندنا.
وقال مالك: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه واليدين في التيمم.
ونحن نقول: إنه مسح بالماء، فلا يلزمه استيعاب بالمسح، دليله المسح الخفين.
وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب، والدليل عليه الآية و(الباء) للتبعيض؛ ولأن المقادير لا تؤخذ قياسًا، ولا اجتهادًا.
وقال أحمد: لو مسح على المشاوذ جاز.
لما روى أنه - ﵇ - جهز جيشًا، فأمرهم بالمسح على المشاوذ، والتساخين وهي الخفاف.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قلنا: نحمله على ما إذا مسح تحتها، ولا يرفعه من الرأس، بدليل الآية والله أعلم بالصواب.
فأما الكلام في الاستحباب، فمسح جميع الرأس سنة، وكيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه، ويمرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه.
ويعده مرة واحدة، ويفعل ذلك مرتين أخريين؛ لأنه إذا أمرهما إلى آخر الرأس، فقد ابتل به باطن شعور مقدم الرأس، وظاهر شغور مؤخر الرأس، فيحتاج إلى أن يعيد اليدين إلى الموضع الذي بدأ منه، حتى يبتل باطن شعور مؤخر الرأس، وظاهر شعور مقدمه ويحصل مسح الرأس، بخلاف ما قلنا في المشي بين الصفا والمروة: إنه لا يشترط فيه الذهاب والرجوع؛ لأن المقصود منه المشي بينهما، وقد حصل بالذهاب المشي، وعندنا التكرار فيه شرط كل مرة بماء جديد.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بشرط، ثم قال في رواية: يمسح مرة واحدة، وقال في رواية: يمسح ثلاث مرات بماء واحد.
دليلنا: أن نقيس هذا على سائر الأعضاء.
قوله: (ثم يمسح أذنيه).
قال القاضي حسين: مسح الأذنين سنة مستحبة عندنا، يمسحها ثلاثًا، ظاهرهما وباطنهما بماء جديد.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وكيفيته: أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمر إبهاميه على ظاهرهما، ثلاث مرات.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بسنة، ولا يمسح الأذنان بماء جديد، بل يمسحان بالماء الذي يمسح به الرأس.
وأما مسح العنق لم ترد فيه سنة، وقد قيل: فيه وجهان.
إن قلنا: يسن ذلك: يمسح بالماء الذي يمسح به الأذنان تبعًا لهما، لقوله ﵇: (مسح العنق أمان من الغل)
[ ١ / ٢٧٨ ]
قوله: (ثم يغسل رجليه)
قال القاضي حسين: غسل الرجلين واجب عندنا مع الكعبين.
وقال زفر: غسل الرجلين واجب إلى الكعبين.
كما قال في اليدين.
وقالت الشيعة: إن فرضهما المسح دون الغسل.
وقال أهل الظاهر: يجمع بين الغسل والمسح فيهما.
وقال ابن جرير الطبري: يتخير فيهما بين المسح والغسل.
والدليل على الكل ما روى أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) ولا نشك أنه غسل الرجلين، وما مسح عليهما.
إذا ثبت أن غسل الرجلين مع الكعبين واجب عندنا.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الكعبان: هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، ولكل رجل كعبان.
وقال أبو يوسف: الكعبان هما الناتئان عند ظهر القدم.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وهذا لا يصح لما روى عن أبي هريرة أنه قال: كنا نلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، في الصلاة.
وإنما يتحقق إلصاق الكعب بالكعب على قوله.
قوله: (ويخلل بين أصابعهما)
قال القاضي حسين: أصابع الرجلين لا يخلو إما أن تكون منفرجة، أو كانت منضدة بعضها على بعض.
فإن كانت منفرجة بحيث يصل الماء إليه عند الصب.
فالتخليل مسنون فيه، وليس بواجب، وإن كانت منضدة بعضها على بعض، بحيث لا يتخللها الماء بالصب، فالتخليل واجب فيه إذا أمكن إيصال الماء إليه من غير جرح وشق، وكيفيته أن يخلل بخنصره اليسرى، ويبدأ في التخليل بخنصر رجله اليمني من أسفل، ويختم رجله اليسرى.
[ ١ / ٢٨١ ]
والدليل على أن التخليل سنة ما روى عن النبي ﷺ، أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار).
وروى عن لقيط بن صبرة، أنه قال: يا رسول الله، علمني الوضوء، فقال: أسبغ وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فترفق، وخلل بين أصابعك.
وإسباغ الوضوء سنة، وإطالة الغرة، وهو أن يستوعب جميع الوجه، بالغسل ن ويغسل جزءا من الرأس معه، ويغسل اليدين إلى المنكبين، والرجلين إلى الركبتين.
لما روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أمتي تبعث يومَ
[ ١ / ٢٨٢ ]
القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل).
قال الشافعي: وأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه، وإن لم يفعل ففيها قولان:
قال: يجزيه في أحدهما، ولا يجزيه في الآخر.
قال المزني: قلت (أنا) (يجزيه) أشبه بقوله؛ لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الرأس من الرأس، فكذلك يلزمه ألا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه.
قال القاضي حسين: لا خلاف أنَّ ما كان من شعور اللحية بحذاء الوجه من الخدين، والأنف وغيره يجب غسله، فأما ما استرسل من اللحية بحذاء الصدر ففيه قولان:
أحدهما: يجب غسله، لأن اسم الوجه من المواجهة، وذلك يقع عليه
[ ١ / ٢٨٣ ]
بخلاف ما يتساقط عن حد الرأس، لأن الرأس اسم لما يترأس، وذلك لا يقع عليه هذا الاسم.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني:
أنه لا يجب غسله، واحتجَّا بأن ما نزل عن حد الرأس لا يعطي له حكم الرأس، حتى لا يجوز المسح عليه، فكذا ما نزل عن حد الوجه مثله.
والجواب عنه ما ذكرنا.
ثم نقول: ما نزل عن حد الرأس قد يعطي له حكم الرأس في حق الحلق والتقصير للمحرم، فكذلك ما نزل عن الوجه وجه أن يعطي له حكم الوجه بها، وهو الغسل، لأن الاحتياط في الموضعين إنما يكون بما ذكرنا.
قال الشافعي: وإن غسل وجهه مرة، ولم يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ولم يكن فيهما قدر، وغسل ذراعيه مرة مرة، ومسح بعض رأسه بيده، أو ببعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه، واحتج بأن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته.
قال الشافعي: والنزعتان من الرأس، وغسل رجليه مرة مرة، وعم بكل مرة ما غسل أجزأه، واحتج بأن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله ﵎ صلاة إلا به) ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم ﷺ.
قال: وفي تركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة.
قال القاضي حسين: أراد به ذكر فرائض الوضوء، وهي سبعة بالنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب.
وفي التتابع قولان:
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال في القديم، وهو مذهب مالك: إنه واجب، وقال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة: إنه لا يجب.
وأما سننه اثنتا عشرة:
التسمية، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والسواك في وجه، والتيامن، والتثليث، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية، وتخليل أصابع الرجلين، وأن يقول في آخره: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك).
فإن قيل: الشافعي أدخل في تضاعيف الكلام ما ليس منه؛ لأنه ذكر فرائض الوضوء، ثم احتج في (الوسط) بالخبر.
وقال أيضًا: النزعتان من الرأس، ثم قال: ويغسل رجليه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قلنا: هذا سائغ في كلام العرب يدل عليه قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم).
فالأول خطاب الحاضرين.
والثاني خطاب للغائبين، وكما قال الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
ثم احتجَّ بأن النبي ﷺ: «توضأ مرة مرة » الخبر.
من أصحابنا من قال: إنما فعله في مجالس؛ لأنه لو فعله ثلاث مرات في مجلس واحد لأدى ذلك إلى غسل كل عضوٍ ست مرات، وهذا بدعة، لما روي عن النبي ﷺ، أنه قال: «من زاد عن الثلاث فقد أساء واعتدى وظلم».
ومنهم من قال: إنما فعله في مجلسٍ واحد، ولا يكون بدعة في حقه؛ لأنه جلس معلمًا الأحكام للناس، بخلاف غير النبي.
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال: (وفي تركه أن يتمضمض، أو يستنشق) أراد به بيان المضمضة والاستنشاق، وأنهما سنتان في الوضوء، وفي الغسل من الجنابة.
وقال أحمد بن حنبل وابن أبي ليلى: إنهما واجبتان فيهما.
وقال أبو ثور وإسحاقُ: الاستنشاق واجب فيهما دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة: هما واجبتان في الغسل، سنتان في الوضوء.
قال الشافعي: وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان، ولا من الرأس، فيجزي مسحه عليهما؛ فهما سنة على حيالهما، واحتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما من الرأس ولا على ما وراءهما مما يلي منابت الشعر من الرأس إليهما، ولا على ما يليهما إلى العنق مسح- وهو إلى الرأس أقرب- كانت الأذنان من الرأس أبعد.
قال المزني: لو كانتا من الرأس أجزأ من حج - حلقهما عن تقصير الرأس؛ فصح أنهما سنة على حيالهما.
قال القاضي حسين: فإن قيل: أخل المزني في نقله حيث قال: فيغسلان وجواب النفي بالفاء يكون منصوبًا، وعلامة النصب فيه إسقاط النون كقوله تعالى: (ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا).
قلنا يجوز بالرفع أيضا كقوله: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون).
[ ١ / ٢٨٧ ]
والثاني: أنه ما أخرج هذا الكلام مخرج النهي، ولكن أخرجه مخرج الاحتجاج، يعني: إنه لو كانتا من الوجه لغسلتا، ولو كانتا من الرأس لجاز المسح عليهما من مسح الرأس.
واحتج به على مالك، حيث قال: إنهما من الوجه، بعدم وجوب غسلهما مع الوجه، وعلى أبي حنيفة حيث قال: الأذنان من الرأس، ولا يجوز المسح عليهما عن مسح الرأس.
قال على ﵁: ظاهرهما من الرأس، فلا يجوز المسح عليهما، وباطنهما من الوجه، واحتج أيضا بأن البياض المستدير حوالي الأذنين أقرب إلى الرأس خلقة ومساحة من الأذنين، ثم ذاك ليس من الرأس، فهذا أولى.
واحتج المزني أيضًا بأنهما لو كانت من الرأس لاكتفى بحلقهما في الإحرام، إلا أنهم يقولون: إنما لا يجزي عن حلق الرأس، لأن عندنا يشترط حلق ربع الرأس، وذلك دونه.
قلنا: وجب أنه لو كمل معه حلق ربع الرأس يجوز، ومع ذلك لا يجوز عندكم.
قال الشافعي: والفرق بين ما يجزيء من مسح بعض الرأس، ولا يجزئ إلا مسح كل الوجه في التيمم: أن مسح الوجه بدل من الغسل يقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل لا بدل من غيره.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا، حيث قال: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه في التيمم، إن مسح الوجه هناك بدل عن الغسل فيقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل، وليس ببدل عن غيره، فأني يستويان؟
قال الشافعي: وإن فرق وضوءه، وغسله، أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر، ﵄.
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال القاضي حسين: التفريق فيهما إن كان يسيرًا جاز، وإن كان كثيرًا متفاحشًا، فإن كان لعذر بأن نفد ماؤه، فطلب أو خاف من سبع أو عدو فهرب وما في معناه فإنه يكون عفوًا.
وإن لم يكن بعذر، ففيه قولان على ما ذكرنا.
أحدهما: يكون عفوًا، لأن هذا معنى لا يضاد الوضوء بعد الفراغ، فصار كالأكل، وعكسه الحدث، واحتج فيه أيضا بابن عمر أنه كان في سوق المدينة، فتوضأ، فانتهي إلى المسح على الخفين، فمرت به جنازة، فقام وتبعها، ثم أتى المصلي، ودعاء بماء، ومسح به على الخفين، وكان بين المصلي بالمدينة وسوقها أكثر من زمان الجفاف، فدل على أنه يكون جائزًا.
والثاني: لا يكون عفوا قياسًا على الصلاة، وحد التفاحش منه إذا مضى زمان يحصل فيه الجفاف حال اعتدال الهواء.
[ ١ / ٢٨٩ ]
إن قلنا: لا يكون عفوًا فلا كلام، وإن قلنا: يكون عفوًا، فهل يحتاج فيه إلى تجديد النية أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن النية إنما شرعت للتمييز بين العادة والعبادة، وإذا طال الفصل فلا يحصل ذلك.
والثاني: لا؛ لأن أصل النية حكمه باق، والاستدامة فيها ليس بشرط.
إن قلنا: لا يحتاج إلى تجديد النية، فلا كلام.
وإن قلنا: يحتاج إلى تجديد النية، فإذا نوى، فهل يبني على ما مضى أم يستأنف؟
فيه وجهان، بناء على أنه لو فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان على ما ذكرنا.
قال الشافعي: لو بدأ بذراعيه قبل وجهه رجع إلى ذراعيه، فغسلها؛ حتى يكونا بعد وجهه؛ حتى يأتي الوضوء ولاء، كما ذكره الله ﵎، قال:
[ ١ / ٢٩٠ ]
(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وهكذا قرأه المزني: (إلى الكعبين) فإن صلى بالوضوء على غير ولاء، رجع فبني على الولاء من وضوئه، وأعاد الصلاة واحتج بقول الله ﷿: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فبدأ رسول الله ﷺ بالصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله به، قال: وإن قدم يسرى قبل يمني، أجزأه، قال أبو إبراهيم: إن قدم الوضوء، وأخر يعيد الوضوء والصلاة.
قال القاضي حسين: الترتيب عندنا واجب في الوضوء، حتى لو نكس الطهارة بأن غسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه يحصل له غسل الوجه فحسب، حتى لو توضأ أربع مرات منكوسًا حصل له الطهارة، ولو غسل وجهه ويديه ورجليه، ثم مسح برأسه حصل له غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، ويلزمه غسل الرجلين ثانيًا، وعلى هذا القياس نظائره.
فرع
لو دخل في الماء، وانغمس فيه، وخرج ينظر؛ فإن أقام فيه ريثما يجري الماء على أعضائه أربع مرات صحت طهارته، وإن مكث دون ذلك.
هل تصح طهارته أم لا؟
فيه وجهان: بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم يحل أعضاء الطهارة.
[ ١ / ٢٩١ ]
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل جميع البدن بدليل أنه لا يجوز له مس المصحف بسائر الأعضاء غير أعضاء الطهارة.
كما لا يجوز له مسه بأعضاء الطهارة، إلا أنه لا يكلف غسل جميع البدن في الوضوء، لما فيه من المشقة والتعب.
والوجه الثاني: أن الحدث يحل أعضاء الطهارة فحسب، وإنما لا يجوز له مسح المصحف بسائر الأعضاء لاتصاله بأعضاء الطهارة.
إن قلنا: إن الحديث يحل جميع البدن، فيصح طهارته هناك؛ لأنه أتي بالأفضل وهو الغسل، ولا مدخل للترتيب فيه، فعلى هذا لو ترك لمعة من جميع البدن لا يصح وضوؤه.
وإن قلنا بالوجه الثاني، لا يصح وضوؤه إلا أنه يحصل له غسل الوجه فحسب؛ لأن الترتيب واجب عليهن وغسل سائر الأعضاء غير واجب، فلا يسقط الواجب بغير الواجب، وهكذا لو قام تحت المئزاب حتى انصب الماء
[ ١ / ٢٩٢ ]
عليه، فإن كان بدفعات ومكث تحته قدر ما يجري الماء على أعضائه أربع مرات فلا كلام، وإن جري الماء على أعضائه دفعة واحدة، في حالة واحدة ينبني على ما ذكرنا من الوجهين.
وهكذا لو وضع هامته على الأرض، وأمر غيره بأن يصب الماء على رجليه، على ما ذكرنا من التفصيل، فأما إذا أمر أربعة نفر بأن يغسل كل واحد منهم عضوًا من أعضاء طهارته دفعة واحدة، فيه وجهان:
أحدهما: يصح وضوؤه؛ لأنه لم يقدم اليدين على الوجه، والبعض على البعض.
والثاني: لا لعدم الترتيب، وكذلك لو استأجر رجلين ليحجا عنه، أحدهما حج الفرض، والآخر حج النفل، فحجا في سنة واحدة، وكذا في نظائرهما من رمي الجمر على ما سنذكره في موضعه، والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فرع
إذا أحدث الرجل، ثم أجنب.
اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يلزمه الوضوء والغسل، لأن موجب الطهرين مختلف، فصار كما لو قتل المحرم صيدًا مملوكًا في الحرم يلزمه القيمة لمالكه، والجزاء لله تعالى، وهذا مذهب أبي ثور.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه الغسل لا غير، ويدخل الصغرى في الكبرى؛ لأنها من جنسها، كما يدخل الحج على العمرة.
ومنهم من قال: ما يتشاكل منهما يتداخل، وهو أصل الغسل، وما لا يتشاكل مهما لا يتداخل، حتى وجب عليه غسل جميع الأعضاء مرة واحدة، ويجب عليه مراعاة الترتيب في أعضاء الطهارة، كما لو قرن بين الحج والعمرة، ما يتشاكل منهما يتداخل، وما انفرد به أحدهما مثل الوقوف بعرفة يلزمه إتيانه، كذا ها هنا.
فأما إذا أجنب، ولم يحدث، وإنما يتصور هكذا بأن نام قاعدًا ممكنًا مقعدته من الأرض، فاحتلم أو لف خرقة على جميع أعضائه، ثم أدخل الفرج في فرج أحد حتى حصل التقاء الختانين، فإنه يصير جنبا لا محدثًا لا خلاف أنه يلزمه غسل جميع الأعضاء دون الوضوء.
فأما إذا أجنب ثم أحدث؛ هذه تنبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يتداخلان، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يتداخلان، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك الكبرى لا يستقر عليه حكمها، فجاز أن تدخل على الصغرى، كما لو أدخل الحج على العمرة، جاز.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وها هنا الكبرى استقر عليه حكمها، فلا تدخل عليها الصغرى، كما لو أدخل العمرة على الحج لا يجوز في قول.
فرع ابن الحداد على هذا، وقال: لو أن جنبًا اغتسل جميع بدنه إلا الرجلين، ثم أحدث فعليه غسل الأعضاء الثلاثة مرتبًا، وغسل الرجلين كيف شاء، وهذا إنما كان على مذهب من لا يحكم بطروء الحدث على الجنابة.
فأما على المذهب الاخر يجب عليه غسل الرجلين لأجل الجنابة والوضوء كاملا مرتبًا، وفي وجه يجب الوضوء مرة واحدة مرتبًا، ولا يجب غسل الرجلين لأجل الجنابة.
قال القفال: الترتيب واجب في الوضوء، إلا في ثلاث مسائل:
إحدهما: هذه.
والثانية: لو رأي على ثوبه بللًا.
قال: هو بالخيار بين أن يقدر أنه مذي أو ودي أو بول، ويتوضأ، ويغسل الثوب، وبين أن يجعله منيا، ويغتسل ولا يغسل الثوب، فلو توضأ، ولم يغسل الثوب، وصلى فيه لا يجوز إلا أنه لا يجب عليه الترتيب في الوضوء، لاحتمال أنه ربما يكون منيا، ولا وضوء عليه مرتبًا، فقد تيقن غسل الأعضاء في الجملة، وشك في الترتيب.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الثالثة: الخنثى المشكل لو أولج ذكره في دبر رجل، فعلى المولج فيه الوضوء، ولا يجب عليه فيه الترتيب لاحتمال أن الخنثي كان رجلًا، وعليه غسل الأعضاء غير مرتب، إلا أنه رجع عن هاتين المسألتين، وقال: الأصل شغل ذمته بالصلاة، فإذا أتى بوضوء غير مرتب، فقد تحققنا أنه ما أتي بطهارة، لأن المولج إن كان رجلا فعليه الغسل، وهو ما أتي به، وإن كان امرأة فعليه الوضوء مرتبًا، وما أتي به.
فرع
لو أن جنبًا غسل جميع أعضاء وضوئه، ثم أحدث فعليه غسل باقي الأعضاء بلا خلاف، وعليه غسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب في وجه.
وفي وجه: مرتين: أحدهما مرتبًا، والآخر غير مرتب.
وفي وجه: مرة واحدة مرتبًا.
فأما إذا غسل جميع بدنه، إلا الأعضاء الأربعة، ثم أحدث غسل باقي البدن عن الجنابة، وغسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب لأجل الحدث.
فرع
محدث ظن أنه كان جنبًا فاغتسل، فإن راعي فيه الترتيب فلا كلام، وإلا فوجهان بناء على أن الحدث يحل جميع البدن، أو يحل أعضاء الطهارة، وقد ذكرناه.
فأما الجنب إذا ظن أنه كان محدثا، واغتسل بنية رفع الحدث، الصحيح أنه جائز، ولعل هذا أيضًا بناء على أن الحدث يحل جميع البدن أم لا؟
[ ١ / ٢٩٦ ]
إن قلنا: يحل جميع البدن، صحت طهارته، وإلا فلا، لأن باقي الأعضاء لم يغسله بنية الفرض، فلم يحسب له عن الفرض، وما أتي بالترتيب في غسل الأعضاء الأربعة، فلا يحسب له عن الوضوء.
فرع
لو نسي الترتيب، فيه قولان:
في الجديد: لا يجوز الوضوء.
في القديم: جاز.
فيخرج من مسألة نسيان قراءة الفاتحة في الصلاة، وفيه قولان:
قال في الجديد: لاتصح الصلاة.
وقال في القديم: صحت.
وهكذا لو تيمم، ونسي الماء في رحله. وفي القديم: جاز، وفي الجديد: لا يجوز.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وإنما قال في القديم: لما روى أن عمر ﵁ كان يصلي، وترك قراءة الفاتحة في ركعة، فلما فرغ منها قيل له ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن قال: فلا بأس إذا.
هكذا كله بيان مذهبنًا في الترتيب.
وقال أبو حنيفة: الترتيب ليس بواجب.
والدليل عليه ظاهر القرآن، حيث أمر بالبداية بغسل الوجه فالظاهر أن ما بدأ الله تعالى به قولا يلزمنا البداية به فعلا؛ كما في الصفا والمروة.
قوله: (وتقديم اليمني على اليسرى)
قال القاضي حسين: ويستحب تقديم اليمني على اليسرى في البدن والرجلين.
وقال أحمد: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأنهما في حكم عضو واحد، والله تعالى جمع بينهما بالذكر، وعد أعضاء الوضوء أربعة لا ستة، والترتيب ليس بشرط في العضو الواحد.
قال الشافعي: ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، ولا الحواشي والجلد، ولا الخريطة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا العلاقة
[ ١ / ٢٩٨ ]
ولا الخريطة، ولا الصندوق، ولا الغلاف، فلو حمل المصحف بالعلاقة، قيل: فيه وجهان.
والصحيح أنه لا يجوز، ولو كان في عدل محكم وحمل العدل، فيه وجهان.
فأما مس كتب أخبار النبي ﷺ وحمله يجوز للمحدث، لأنه كلام، وهكذا كتب الفقه والتعاليق إذا كان فيها آيات من القرآن يجوز للمحدث حملها، لأنه لا يقصد بها القرآن.
فأما كتب التفاسير، فإن كتب على رسم القرآن بخط جلي، وكتب التفسير تحته بخط رقيق مقرمط، لا يجوز للمحدث مسه، وإن كتبت برسم التصانيف جاز.
فأما كتبه القرآن، هل يجوز للمحدث؟
[ ١ / ٢٩٩ ]
ينظر، فإن وضع المصحف على حجر، فلا يجوز.
وإن وضعه على الأرض، فإن مست يده الحواشي والكاغد لا يجوز، وإلا فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يوجد المس باليد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن القلم متصل بيده، وهكذا إذا وضع المصحف على الرجل، وقلب الأوراق بالخشب، فيه وجهان.
فأما الصبيان، فإنهم يمكنون من حمل الألواح مع الحدث، وهل يمكنون من حمل المصاحف مع الحدث، أم يكلفون الطهارة؟
فيه وجهان:
أحدهما: تلزمهم الطهارة، كما إذا أرادوا الصلاة.
والثاني: لا؛ لعدم التكليف في حقهم.
وأما البالغ له أيضا حمل الألواح مع الحدث؛ لأنه لا يقصد به حمل القرآن، بل إنما يكتب عليه القرآن لأجل الحفظ لا للإثبات.
وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جوز في حق الصبي لأجل الضرورة، ولا ضرورة في حق البالغ، فأما الطراز على الثوب، أو ما يكتب على المصلي من آيات القرآن، ونقش الخواتيم، فللمحدث مسه إذا لم يقصد به إثبات القرآن، بل المقصود منه النقش.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فأما التعاويذ يكره للمحدث حمله، وفي الدراهم المكتوب عليها: (قل هو الله أحد)، وجهان.
وما يكتب على الحلاوى والأطعمة، فلا بأس بأكله، لو كتب على الجدار شيء، أو نقش على الخشب، فللمحدث مسه، فأما إحراق تلك الخشبة لا يجوز، لأن فيه إهانته.
فأما تعليم القرآن للكافر إن توسم فيه آثار الميل إلى الإسلام جاز له ذلك، وإلا فلا يجوز.
ولا يجوز حمل المصحف إلى دار الكفر، لما روى أن النبي ﷺ، نهي عن ذلك، ويجوز أن يكتب رقعة إلى الكفار فيها آية من القرآن.
كتب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم (الشام) كتابصا؛ فيه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية، ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام؛ لأن فيه تهاونًا به. هذا كله تفريع على مذهبنا.
[ ١ / ٣٠١ ]
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، وهذا لا يصح لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون).
قال الشافعي: ولا يمتنع من قراءة القرآن إلا جنبًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للجنب أن يقرأ شيئا من القرآن، وإن قل، ولو قرأ عصي الله تعالى ويأثم إذا قصد القرآن، فإذا قصد التبرك لافتتاح الأم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) جاز.
أو ذكر الحمد على جهة الشكر، أو قال عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
أو عند الخاتمة: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، وإلى آخره جاز.
وقال أبو حنيفة في رواية: له أن يقرأ ما دون الآية.
وفي رواية: ما دون ثلاث آيات، وفي رواية: ما لم يدخل في حد الإعجاز، وهذا لا يصح.
لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن).
فأما الحائض فلا تقرأ القرآن، وإن قل في ظاهر المذهب، كالجنب.
وقال أبو ثور: قال أبو عبد الله: للحائض أن تقرأ القرآن.
[ ١ / ٣٠٢ ]
منهم من قال: أراد به مالكًا، ومنهم من قال: أراد به الشافعي.
ومنهم من قال أراد به أحمد، لأنه يكني هؤلاء بأبي عبد الله، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها قراءة شيء من القرآن كالجنب.
والثاني جاز، لأن الحيض ربما يمتد إلى زمان طويل، أو كانت معلمة، فيؤدي إلى انقطاع كسبها لو منعناها عن القراءة، وربما تنسي في هذه المدة بخلاف مدة الجنابة، إلا أن هذا لا يصح، لأنه يمكنها أن تستخلف في التعليم، وتطالع في المصحف، ولا تقرأ كي لا ينقطع كسبها، ولا تنساه.
يجوز للمحدث قراءة التوراة والإنجيل، وما نسخ من القرآن من سورة الحمد، وهو قوله: اللهم إنا نستعينك إلى آخره.
وقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم). ومن قوله: (أنا الرحمن، وهي الرحم شققت الرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته).
ومن قوله: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). والدليل على أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن ما روى أن عبد الله بن رواحة اتهمته امرأته بأنه قد ألم بجارية له، فقالت: إن لم تجامعها فاقرأ القرآن، فأخذ يقرأ:
[ ١ / ٣٠٣ ]
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
إلى آخر الأبيات، فقالت: صدقت وكذبت عيناي.
واتفقوا على أن قراءة القرآن حرام غير جائز للجنب.
فرع
المستحب للمتوضي ألا يستعين بأحد على وضوئه، لما روى عنه ﵇ أنه قال: أما أنا فلا أستعين بأحد على وضوئي
[ ١ / ٣٠٤ ]
وكان ﵇، لا يكل أمر وضوئه، ولا يكل صدقته إلى الغير.
ولو استعان جاز، لما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت أسكب له الوضوء. وروى عن أنس مثل ذلك
فرع
المستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما روى عن ميمونة أنها قالت: توضأ النبي ﷺ فأتيته بمنديل لينشف به أعضاء الوضوء فردني، ونفض يديه.
ولو نشف جاز، لما روى عن عائشة، ﵂ أنها قالت: كان للنبي ﷺ خرقة ينشف بها أعضاء الوضوء.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فرع
إذا كان لرجل قدمان على ساق أو يدان على منكب، قال: كانا أسفل الكعبين والمرفقين لا خلاف أنه يجب غسلهما، كالإصبع الزائدة، وإن كانا فوق الكعبين، أو فوق المرفقين، فلا يجب غسلهما.
فرع
إذا كان على أعضاء طهارته ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل الشمع والشحم الذائب، ودهن السندروس، وعين الجبر وعين الحناء لا يصح وضوؤه، لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.
فأما أن الحناء والمداد وسائر الأدهان لا يمنع صحة الوضوء، لأن هذا الأشياء لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، وإنما تمنع ثوبته عليها، والشرط هو المرور، وقد وجد.
فأما قرار الماء على البشرة فليس بشرط، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٠٦ ]