العامي إذا قلد المفتي، هل يسمى هذا مقلدًا أم لا؟
قال الشيخ ﵁ وأرضاه، عامة أصحابنا على أنه يكون مقلدًا، وحكي عن الأستاذ أبي القاسم الإمام، ولعله حكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الإسفرايني ﵀ عليهما أن العامي إذا سأل فقيها عن مسألة فلا نسميه مقلدًا، لأنه اجتهد حتى ميز بين مذهب وبين مذهب، وميز بين الفقهاء والجهال، وميز ين الأفقه والأورع، فإنه بذل جهده، وطاقة وسعه بما أمكنه ذلك، فيكون هذا كالعالم إذا عرف المسائل بالدلائل، فلا يكون مقلدًا، كذلك هذا مثله.
فأما العالم فرضه أن يعمل بعلم نفسه، ولا يجوز له أن يعمل بقول الغير ويقلده، لأن العالم له آلة الدرك والاجتهاد.
ونعني بالعالم: أن يكون عالما بالكتاب والسنة، وأقاويل الصحابة، وآثار التابعين، وإجماع المسلمين، واختلافهم، ووجوه القياس، ولسان العرب.
[ ١ / ١٣٩ ]
فأما الكتاب: ينبغي ان يعرف ناسخه ومنسوخه،
[ ١ / ١٤٠ ]
وخاصه،
[ ١ / ١٤٥ ]
وعامه،
[ ١ / ١٤٦ ]
ومطلقه،
[ ١ / ١٤٨ ]
ومقيده،
[ ١ / ١٤٩ ]
ومجمله ومفسره، وأقاويل الصحابة والأخبار عن النبي ﷺ، ويعرف كيفية ترتيب الكتاب على السنة، والسنة على الكتاب، ويعرف وجوه القياس، ولكن إنما يشترط هذه الشرائط أن يعلم جُلَّ هذه الأشياء ومعظمها، ولا يتصوَّر في زماننا أن يكون شخص يتعلم هذه العلوم.
فإذا بلغ الرجل محل الاجتهاد، فله أن يجتهد في المسائل، ويفتي على ما أدى اجتهاده إليه من جهة نفسه، وليس للعالم أن يقلد الغير ليفتي الغير قولًا واحدًا، فلو وقعت له حادثة ينظر إن كان في الوقت سعة، فليس له أن يقلد الغير قولا واحدًا، فأما إذا كان في الوقت ضيق، وخاف فوته، وأشكل عليه ذلك، هل يجوز له أن يقلد العالم أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له أن يقلد الغير.
وحكي عن ابن سريج، أنه قال: لو نزلت بي نازلة، وضاق وقتها،
[ ١ / ١٥٠ ]
وخفت فوت الواجب علي فيها، فلي أن أقلد من هو في مثل حالي، ولأنه إذا لم يتفرغ إلى معرفته بالدليل، ويفوت الفريضة عن وقتها يجعله كالعامي في هذه الحادثة، فجاز له التقليد، فإذا قلت له التقليد فإنه يقلده.
ولا يجب عليه القضاء بعد ذلك، وإن بان من بعد أنه كان مخطئًا، لأن الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد.
وحكي أن ابن سريج كان يقلد الملاحين في القبلة.
والوجه الثاني: ليس له أن يقلد الغير؛ لأن له آلة الدرك والاجتهاد، وبخلاف العامي، فعلى هذا يصلي على التخمين، وعليه القضاء، كمن اشتبه عليه جهة القبلة، وصلى إلى جهة من غير دليل، فيجب عليه القضاء، وإن بان من بعد أنه كان مصيبًا.
وكذلك الأعمى إذا لم يجد من يدله على القِبلة، وصلى إلى جهة عليه القضاء كيف ما كان.
[ ١ / ١٥١ ]