الإجارة بيعٌ تصحّ ممن يصحّ منه البيع، وتصحّ بلفظ الإجارة والبيع،
[ ١٢٢ ]
وتصحّ على كل منفعة مباحة.
وفي استئجار الكلب للصيد، والفحل للضراب، والدراهم والدنانير؛ وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز في جميع ذلك.
ولا يصحّ على منفعةٍ محرمة؛ كالغناء، والزمر، وحمل الخمر.
وتصحّ الإجارة على منفعةِ عين معينة؛ كاستئجار الدار للسكنى، والمرأة للرضاع، والرجل للحج والبيع والشراء، والدابة للركوب.
وتصحّ على منفعةٍ في الذمة؛ كالإستئجار لتحصيل الحج، وتحصيل حمولة في مكان، فإن كان على منفعةِ عينٍ لم يجز إلا على عينٍ يمكن استيفاء المنفعة منها، فإن استأجر أرضًا للزراعة لم يجز حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه؛ كماء النهر، والمد بالبصرة، والثلج والمطر في الجبل، فإن كان بمصر لم يجز حتى تروى الأرض بالزيادة.
ولا يجوز إلا على عينٍ معروفة، فإن لم يعرف إلا بالرؤية -كالعقار- لم يجز حتى يرى.
ولا يجوز إلا على منفعةٍ معلومة القدر، فإن كانت مما لا يتقدر إلا بالعمل -كالحج، والركوب إلى مكان- قدّر به، وإن كان مما لا يتقدر إلا بالزمان -كالسكنى، والرضاع، والتطيين- قدّر به، وإن كان مما يتقدّر بهما -كالخياطة، والبناء- قدّر بأحدهما.
ويجوز أن يعقد على مدةٍ تبقى فيها العين في أصحّ القولين، ولا يجوز أكثر من سنة في الآخر. وقيل: فيه قول ثالث؛ إلى ثلاثين سنة، فإن قال: أجّرتك كل شهر بدرهم بطل. وقيل: يصح في الشهر الأول.
ولا يجوز إلا على منفعةٍ معلومة الصفة، وإن كان معلومًا بالعرف -كالسكنى، واللبس- حمل العقد عليه، وإن لم يكن معلومًا بالعرف وصفه؛ كحمل الحديد والقطن، والبناء بالجص والآجُرّ والطين واللبن، وإن لم يعرف بالوصف لكثرة التفاوت -كالمحمل، والراكب، والصبي في الرضاع- لم يجز حتى يرى.
وما عقد على مدة لا يجوز فيه شرط الخيار، وفي خيار المجلس وجهان، وما عقد على عملٍ معين يثبت فيه الخياران. وقيل: لا يثبتان. وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط، ولا يجوز إلا معجّلا، ويتصل الشروع في الاستيفاء بالعقد، فإن أطلق وقال: أجّرتك شهرًا لم يصح، ولا تجوز الإجارة إلا على أجرةٍ معلومة الجنس والقدر والصفة، فإن استأجر بالطعمة والكسوة لم
[ ١٢٣ ]
يصحّ، وإن عقد على مال جُزاف (١) جاز. وقيل: فيه قولان؛ كرأس مال السلم.
وإن أجّر منفعة بمنفعة جاز.
وتجب الأجرة بنفس العقد إلا أن يشترط فيها الأجل، فيجب في محله. وإن كان العقد على مدّة فسلّم العين، ومضت المدة، أو على عمل معين، فسلم العين، ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء؛ استقرّت الأجرة، ووجب رد العين، وإن كانت الإجارة فاسدة استقرّت أجرة المثل وما يحتاج إليه للتمكين من الانتفاع؛ كمفتاح الدار، وزمام الجمل، والحزام، والقتب (٢)، فهو على المكري، وما يحتاج إليه لكمال الانتفاع -كالدلو، والحبل، والمحمل، والغطاء- فهو على المستأجر. وفي كسح (٣) البئر وتنقية البالوعة وجهان.
وعلى المكري الإشالة، والحطّ، وإركاب الشيخ، وإبراك الجمل للمرأة.
وللمكتري أن يستوفي المنفعة بالمعروف.
وإن اكترى أرضًا ليزرع الحنطة زرع مثلها، وإن استأجر دابة ليركبها أركبها مثله، وإن أكل بعض الزاد وقيمته تختلف في المنازل جاز أن يبدله، فإن لم تختلف ففيه قولان، فإن اكترى دابة إلى مكان فجاوزه لزمه المسمّى في المكان وأجرة المثل لما زاد، وإن حمل عليها أكثر مما شرط فتلفت وهي في يده ضمن قيمتها، وإن كان صاحبها معها ضمن نصف القيمة في أحد القولين، والقسط في الآخر.
وللمكتري أن يكري ما اكتراه بعد قبض العين، ولا يجوز أن يكري قبل القبض من غير المكري في أصح القولين، ويجوز من المكري في أصحّ الوجهين، وإن تلفت العين المستأجرة انفسخت الإجارة فيما بقي دون ما مضى. وقيل: فيما مضى قولان.
فإن وجد به عيبًا، أو حدث به عيب؛ ثبت له خيار الفسخ، فإن فسخ لزمه أجرة ما مضى، فإن كانت دارًا فانهدمت، أو أرضًا فانقطع ماؤها؛ ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ. والثاني: يثبت له خيار الفسخ.
وإن غصب العين حتى انقضت المدة فهو كالمبيع إذا أتلف قبل القبض، وقد بينّاه في
_________________
(١) الجِزاف والجَزْف: المجهول القدر، مكيلًا كان أو موزونًا. لسان العرب ٩/ ٢٧.
(٢) القَتَب: إكاف البعير: لسان العرب ١٠/ ٦٦.
(٣) الكَسْح: الكَنْس: كَسَحَ البئرَ يكسَحُه كسْحًا: كَنَسَه. لسان العرب ٢/ ٥٧١.
[ ١٢٤ ]
البيع.
وإن مات الصبي الذي وقعت الإجارة على إرضاعه انفسخ العقد على المنصوص. وقيل: فيه قول آخر: أنه لا ينفسخ، فإن (١) تراضيا على إرضاع غيره جاز، وإن تشاحا فسخ، وإن مات الأجير في الحج عنه، أو أحصر قبل الإحرام؛ لم يستحق شيئًا من الأجرة، وإن كان بعد الفراغ من الأركان استحق الأجرة، وعليه دم لما بقي، وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان استحقّ بقدر ما عمل، ويستأجر المستأجر من يستأنف الحج عنه، وإن هرب المكري والعقد على منفعة ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ والإبقاء، وإن كان العقد على مدة انفسخ بمضي الوقت حالا فحالا، وإن كان على عملٍ لم ينفسخ، فإذا قدر عليه طالبه به، وإن هرب الجَمَّال وترك الجِمَال وفيها فضلٌ بِيع ما فضل، وأنفق عليها، فإن لم يكن فيها فضل اقترض عليه، فإن أمر الحاكم المستأجر أن ينفق عليها قرضًا جاز في أصحّ القولين.
ويقبل قوله في النفقة بالمعروف، وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد رجع. وقيل: لا يرجع. وإن مات أحد المتكاريين والعين المستأجرة باقية لم يبطل العقد، وإن هلكت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير عدوان لم يضمن.
وإن انقضت الإجارة لزم المستأجر ردّ العين، وعليه مؤنة الرد. وقيل: يجب ذلك على المؤجر، فإن اختلفا في الرد فالقول قول المؤجر، وإن هلك العين التي استؤجر على العمل فيها في يد الأجير؛ فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له لم يضمنه، وإن كان في غير ملك المستأجر ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يضمن، ويستحق الأجرة لما عمل في ملك المستأجر إلى أن هلكت، ولا يستحق لما عمل في غير ملكه، وإن اختلف المستأجر والأجير المشترك في ردّ العين فقد قيل: القول قول الأجير. وقيل: القول قول المستأجر.
وإن باع المكري العين من المكتري جاز، ولم تنفسخ الإجارة، بل يستوفي ما بقي بحكم العقد، وإن باع من غيره لم يصحّ في أحد القولين، ويصحّ في الآخر، ويستوفي المستأجر ما بقي، فإن لم يعلم المشتري بالإجارة ثبت له الخيار، وإن كان عبدًا فأعتقه عتق، ويلزم المولى للعبد أقلّ الأمرين من أجرته أو نفقته، وإن أجّر العين من غير مستأجر لم يجز، وإن أجّرها من المستأجر جاز في
_________________
(١) في المطبوع: (إن)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة].
[ ١٢٥ ]
أظهر القولين، وإن انقضت مدّة الإجارة وفي الأرض زرع، فإن كان بتفريط من المستأجر جاز إجباره على قلعه وتسوية الأرض، وجاز تركه بأجرة، وإن لم يكن بتفريطٍ منه فقد قيل: يجوز إجباره. وقيل: لا يجوز، وإن كانت الإجارة على عملٍ في الذمة جاز بلفظ السَّلَم، فإن عقد بلفظ السلم اعتبر فيه قبض الأجرة في المجلس، وإن عقد بلفظ الإجارة فقد قيل: يعتبر. وقيل: لا يعتبر، ولا تستقرّ الأجرة في هذه الإجارة إلا بالعمل.
ويجوز أن يعقد على عملٍ معجّل ومؤجّل.
وإن هلكت العين أو غصبت لم تنفسخ الإجارة، بل يطالب بالبذل، وإن هرب المكري اكتري عليه، فإن تعذّر ذلك ثبت للمكتري الخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن يجده، وإذا دفع إليه ثوبًا فقطعه قميصًا فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تقطعه قباء فعليك الأرش، وقال الخيّاط: بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة؛ تحالفا على ظاهر المذهب، ولا يستحق الخياط الأجرة، وهل يلزم أرش النقص؟ فيه قولان: