السلم صنفٌ من البيع، وينعقد بجميع ألفاظ البيع، وينعقد بلفظ السلم، ويثبت فيه خيار المجلس، ولا يثبت فيه خيار الشرط.
ومن شرطه: أن يسلم رأس المال في المجلس، فإن كان في الذمة بيّن صفته وقدره، وإن كان معينًا لم يفتقر إلى ذكر صفته وقدره في أصح القولين.
ولا يصحّ السلم إلا في مالٍ يُضبط بالصفة؛ كالأثمان، والحبوب، والأدِقَّة، والمائعات، والحيوان، والرقيق، واللحوم، والبقول، والأصواف، والأشعار، والقطن، والإبريسم، والثياب، والرصاص، والنحاس، والحديد، والأحجار، والأخشاب، والعطر، والأدوية (١)، وغير ذلك مما يُضبط بالصفة، ولا يجوز حتى يُضبط بالصفات التي تختلف بها الأغراض عند أهل الخبرة، فإن شَرَطَ فيها الأجود لم يصح، وإن شرط الأردأ فعلى قولين.
وما لا يُضبط بالصفة فلا يجوز فيه السلم؛ كالجواهر، والحيوان الحامل، وما دخلته
_________________
(١) في المطبوع: (والأودية). والتصويب من كفاية النبيه. [معدّه للشاملة].
[ ٩٧ ]
النار؛ كالخبز، والشواء، وما يجمع أجناسًا مختلفة؛ كالقِسِيِّ (١)، والنبل المَرِيش، والغالية (٢)، والنَدّ، والخِفَاف (٣)، والثوب المصبوغ، فإن أسلم في ثوبٍ صُبغ غزلُه، ثم نُسج، أو في ثوبِ قطنٍ سَداه (٤) إبريسم؛ جاز. وإن أسلم في الرؤوس ففيه قولان. وإن أسلم في المخيض وفيه الماء لم يجز. وإن أسلم في الجُبن وفيه الإنفحَة (٥)، أو في خلِّ التمر وفيه الماء؛ جاز. وإن أسلم في الجلود، والرق؛ لم يجز. وإن أسلم في الورَق جاز. وإن أسلم في آنية مختلفة الأعلى والأوسط والأسفل -كالأباريق، والأَسْطال، الضيقة الرؤوس، والمنارات (٦) - لم يصحّ، فإن كان فيما لا يختلف -كالهاون، والسطل المربع- جاز.
ولا يجوز السلم إلا في قدر معلوم.
ويجوز فيما يُكال بالكيل والوزن، وفيما يوزن بالوزن، وفيما يُذرع بالذرع، وفيما يُعدّ بالعد، فإن كان ذلك مما يختلف -كالبيض، والجوز، واللوز، والقثاء (٧)، والبطيخ- لم يجز السلم فيه إلا وزنًا. وقيل: يجوز في الجوز واللوز كيلًا. وإن أسلم في مؤجّل لم يجز إلا إلى أجل معلوم. وإن أسلم في جنسٍ إلى أجلين، أو في جنسين إلى أجل؛ جاز في أصح القولين، فإن أسلم حالًّا لم يفتقر إلى بيان الموضع، ويستحق التسليم في موضع العقد. وإن أسلم مؤخرًا في موضع لا يصلح للتسليم وجب بيانه وموضع التسليم، وإن كان في موضع يصلح فيه التسليم فقد قيل: لا يجب بيانه، ويجب التسليم في موضع العقد. وقيل فيه قولان: أحدهما: يجب بيانه. والثاني: لا يجب. ولا يصحّ إلا فيما يعمّ وجوده، ويضمن انقطاعه، فإن أسلم فيما لا يعمّ -كالصيد في موضعٍ لا يكثر فيه، أو في جارية وأختها-، أو أسلم (٨) فيما لا يؤمن
_________________
(١) القِسِيّ: هو ثوب يخالطه الحرير، منسوب إلى بلاد يقال لها: القس. مختار الصحاح ٥٣٤.
(٢) الغالية: هي ما ركب من عنبر ومسك ومعهما دهن وعود وكافور، ومثلها الند: بفتح النون مسك وعنبر وعود خلط من غير دهن.
(٣) خف ونعل، وركبا من ظهارة وبطانة وحشو. انظر: نهاية المحتاج شرح المنهاج، في كتاب السلم.
(٤) في المطبوع: (ساده). والتصويب من كفاية النبيه، وتحرير ألفاظ التنبيه، والنظم المستعذب. [معده للشاملة].
(٥) الإنفخة: بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة. لا تكون إلا لذي كرش، وهي شيء يستخرج من بطن ذَيْه، أصفر، يُعصر في صوفة مبتلة في اللبن، فيغلظ كالجبن: لسان العرب ٢/ ٦٢٤.
(٦) في كفاية النبيه وتحرير ألفاظ التنبيه: (منائر)، وقالا: الأقيس: (مناور)؛ لأنه من النور. [معده للشاملة].
(٧) القثاء: الخيار: مختار الصحاح ص ٥٢١.
(٨) في المطبوع: (وإن أسلم)، والتصويب من كفاية النبيه. [معدّه للشاملة].
[ ٩٨ ]
انقطاعه -كثمرةِ قريةٍ بعينها، أو على مكيال بعينه، أو على وزنه صخرة محله (١) -؛ ففيه قولان: أصحهما: أنّ المشتري بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن يوجد. والثاني: أنه ينفسخ العقد.
ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض، ولا التولية، ولا الشركة.
وإذا أحضر المسلم فيه على الصفة التي يتناولها العقد أو أجود منه وجب عليه قبوله. وقيل: إن كان الأجود من نوع آخر -كالمعقلي عن البرني- لم يجز قبوله. وإن أحضره قبل المحل ولم يكن عليه ضرر في قبضه لزمه قبوله. وإن قبض ثم ادّعى أنه غلط عليه في الكيل والوزن لم يقبل في أصحّ القولين. وإن دفع إليه جزافًا فادّعى أنه أنقص من حقه فالقول قوله.
وإن وجد بما قبض عيبًا رده، ويطالب ببدله. وإن حدث عنده عيب آخر طالب بالأرش. وإن أنكر المسلم إليه وقال: الذي سلمت إليك غيره فالقول قول المسلم إليه مع يمينه.