إذا غصب شيئًا له قيمة ضمنه بالغصب، ويلزمه ردّه، فإن كان خيطًا فخاط به جرح حيوان لا يؤكل، وهو مما له حرمة، وخيف من نزعه الضرر لم (١) يلزمه رده، وإن خاط به جرح حيوان يؤكل ففيه قولان.
وإن كان لوحا فأدخله في سفينة وهي في اللجّة وفي السفينة مال لغير الغاصب أو حيوان لم
_________________
(١) في المطبوع: (ولم)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة].
[ ١١٣ ]
ينزع، وإن كان فيها مال للغاصب فقد قيل: ينزع. وقيل: لا ينزع. وإن أدخل ساجا (١) في بناء فعفن فيه لم ينزع.
وإن تلف المغصوب عنده أو أتلفه؛ فإن كان مما له مثل ضمنه بمثله، وإن أعوزه المثل أو وجده بأكثر من ثمن المثل ضمنه بقيمة المثل وقت المحاكمة والتأدية. وقيل: يضمنه بقيمة المثل أكثر ما يكون من حين القبض إلى وقت المحاكمة بالقيمة. وقيل: عليه قيمة أكثر مما كانت من حين القبض إلى حين تعذر المثل، وإن لم يكن له مثلٌ ضمنه بقيمته أكثر مما كانت حين الغصب إلى التلف، وتجب قيمته من نقد البلد في البلد الذي غصب فيه. وقيل: إن كان حُليًّا من ذهب ضمن العين بمثل وزنها من جنسها، وضمن الصنعة بقيمتها، وليس بشيء.
وإن ذهب المغصوب من اليد ولم يتلف -بأن كان عبدًا فأبق- ضمن البدل، فإذا عاد رد واسترجع البدل، وإن نقص من عينه شيء -بأن تلف بعضه-، أو أحدث فيه ما نقص به قيمته -بأن كان مائعًا فأغلاه، أو فحلا فأنزاه (٢) على بهيمة- فنقصت قيمته؛ ضمن أرش ما نقص، وإن تلف بعضه ونقص قيمة الباقي -كمثل أن يغصب زوجي خف قيمتهما (٣) عشرة، فضاع أحدهما، وصار قيمة الباقي درهمين- لزمه قيمة التالف وأرش ما نقص، وهو ثمانية. وقيل: يلزمه درهمان، وإن كان عبدًا فقطع يده لزمه أكثر الأمر من أرش ما نقص، أو نصف قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين قطع اليد، وإن أحدث فيه فعلا نقص به وخيف عليه الفساد في الثاني -بأن كان حنطة فَبَلَّها (٤)، أو زيتًا فخلطه بالماء وخيف عليه الفساد- استحق عليه مثل طعامه وزيته. وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: أنه يأخذه وأرش ما نقص، وإن كان له منفعة ضمن أجرته للمدة التي أقام في يده، وإن كانت جارية فوطئها مكرهة ضمن مهرها، وإن طاوعته لم يلزمه في ظاهر المذهب. وقيل: يلزمه، فإن زاد في يده -بأن سمن، أو تعلم صنعة، أو ولدت الجارية ولدًا- ضمن ذلك كله، فإن سمن ثم
_________________
(١) أي: طينًا، من سجَّ سطحَه يسجُّه سجًّا إذا طيّنه: لسان العرب ٢/ ٢٩٥.
(٢) نزا: وثب، وبابه عدا ونَزَوَانًا أيضًا بفتحتين: مختار الصحاح: ٦٥٦.
(٣) في المطبوع: (قيمتها)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة].
(٤) في المطبوع: (قبلها)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة].
[ ١١٤ ]
هزل ثم سمن ثم هزل يضمن أرش السمنين. وقيل: يضمن أكثرهما قيمة، وإن خلط المغصوب مما لا يتميز -كالحنطة إذا خلطها بالحنطة، والزيت بالزيت- فإن كان مثله لزمه مثل مَكِيلَته منه، وإن خلطه بأجود منه فهو بالخيار بين أن يدفع إليه مكيلته (١) منه، وبين أن يدفع إليه مثل ماله. وقيل: يُجبر على الدفع إليه منه، وإن خلطه بأردأ منه فالمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ حقه منه، وبين أن يأخذ مثل ماله، وإن خلط الزيت بالشَّيْرَج وتراضيا (٢) على الدفع منه جاز، وإن امتنع أحدهما لم يجبر، وإن أحدث فيه عينًا -بأن كان ثوبًا فصبغه- فإن لم تزد قيمتهما ولم تنقص صار الغاصب شريكًا له بقدر الصبغ، فإن أراد الغاصب قلع الصبغ لم يمنع، وإن أراد صاحب الثوب قلع الصبغ وامتنع الغاصب أجبر. وقيل: لا يجبر، وهو الأصح، وإن وهب الصبغ من صاحب الثوب فقد قيل: يجبر عليه. وقيل: لا يجبر، وهو الأصحّ، وإن زادت قيمة الثوب والصبغ كان الزيادة بينهما، فإن أراد صاحب الصبغ قلعه لم يجز حتى يضمن لصاحب الثوب ما ينقص، وإن نقص قيمة الثوب حسب النقصان على الصبغ، وإن عمل فيه عملًا زادت به قيمته -بأن قصّر الثوب، أو عمل من الخشب أبوابًا فهو متبرع بعمله، ولا حق له فيما زاد، فإن غصب دراهم فاشترى سلعة في ذمته، ونقد الدراهم في ثمنها وربح؛ رد مثل الدراهم. وفيه قول آخر: أنه يلزمه ردها مع الربح، والأول أصح. وإن غصب شيئًا وباعه كان للمالك أن يضمن من شاء منهما، فإن علم المشتري بالغصب فضمنه لم يرجع على الغاصب، وإن لم يعلم فما التزم ضمانه بالبيع لم يرجع به؛ كقيمة العين والإجزاء، وما لم يلتزم ضمانه ولم يحصل له به منفعة -كقيمة الولد، ونقصان الولادة- يرجع به على الغاصب، وما حصل له به منفعة -كالمهر، والأجرة، وأرش البكارة- فقال في القديم: يرجع. وقال في الجديد: لا يرجع، وإن ضمن الغاصب فكل ما يرجع به المشتري على الغاصب لم يرجع به الغاصب، وكل ما لم يرجع به يرجع، وإن كان المغصوب طعامًا فأطعمه إنسانًا، فإن قال: هو مغصوب فضمن الغاصب رجع به، وإن ضمن الآكل لم يرجع، وإن قال: هو لي، فضمن الغاصب لم يرجع به على الآكل
_________________
(١) في المطبوع: (مكيلة)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة].
(٢) في المطبوع: (تراضيا)، والتصويب من كفاية النبيه. [معده للشاملة]
[ ١١٥ ]
وإن ضمن الآكل رجع في أحد القولين، ولا يرجع في الآخر، وهو الأصح، وإن قدمه إليه ولم يقل: هو لي، أو مغصوب، فضمن الآكل؛ رجع في أحد القولين دون الآخر، وإن ضمن الغاصب؛ فإن قلنا: لا يرجع الآكل على الغاصب رجع الغاصب، وإن قلنا: يرجع الآكل لم يرجع، وإن أطعم المغصوب منه وهو يعلم برئ الغاصب، وإن لم يعلم ففيه قولان: أحدهما: يبرأ. والثاني: لا يبرأ.
وإن رهن المغصوب منه من الغاصب لم يبرأ من الضمان، وإن أودعه إياه فقد قيل: يبرأ. وقيل: لا يبرأ.
وإن فتح قفصًا عن طائر فوقف ثم طار لم يضمن، وإن طار عقيب الفتح ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يضمن، وإن فتح زقًّا فيه مائع فاندفق ما فيه ضمن، وإن بقي ساعة ثم وقع بالريح فسال ما فيه لم يضمن، وإن كان ما فيه جامدًا فذاب بالشمس وخرج ضمن. وقيل: لا يضمن، وليس بشيء، وإن سقى أرضه فأسرف حتى هلك أرض غيره، أو أجّج نارًا على سطحه فأسرف حتى تعدّى إلى سطح غيره؛ ضمن، فإن غصب حرًّا على نفسه لزمه تخليته، فإن استوفى منفعته ضمن الأجرة، وإن حبسه مدة ضمن. وقيل: لا يضمن، وإن غصب كلبًا فيه منفعة لزمه رده، وإن غصب خمرًا من ذمي وجب ردها عليه، وإن أتلفها لم يضمن، وإن غصبها من مسلم أراق، فإن صارت خلًّا رده، وإن غصب جلد ميتة ردّه، فإن دبغه فقد قيل: يرد. وقيل: لا يرد. وإن غصب عصيرًا فصار خمرا، ثم صار خلًّا؛ ردّه وما نقص من قيمة العصير. وقيل: يرد الخل، ويضمن مثله من العصير وأرش ما نقص، وليس بشيء. وإن غصب صليبًا أو مزمارًا فكسره لم يضمن الأرش. وإن اختلفا في ردّ المغصوب فالقول قول المغصوب منه، وإن اختلفا في قيمته فالقول قول الغاصب.