من جاز تصرفه فيما يوكل فيه جاز توكيله، وجاز وكالته، ومن لا يجوز تصرفه لا يجوز توكيله، ولا يجوز وكالته إلا الصبي المميز؛ فإنه تصحّ وكالته في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية.
ويجوز التوكيل في حقوق الآدميين من العقود والفسوخ والطلاق والعتاق وإثبات الحقوق واستيفائها والإبراء منها، وفي الإقرار وجهان، وفي تملك المباحات -كالصيد والحشيش والماء- قولان، ولا يجوز التوكيل في الظهار والأيْمان، وفي الرجعة وجهان.
وأمّا حقوق الله ﷿؛ فما كان منها عبادة لا يجوز التوكيل فيها إلا في الزكاة والحج، وما كان منها حدًّا يجوز التوكيل في استيفائه دون إثباته.
وما جاز التوكيل فيه جاز مع حضور الموكّل ومع غيبته. وقيل: لا يجوز في استيفاء القصاص وحدّ القذف مع غيبة الموكل. وقيل: يجوز. وقيل: فيه قولان.
ولا تصحّ الوكالة إلا بالإيجاب والقبول، ويجوز القبول فيه بالقول والفعل، ويجوز القبول على الفور وعلى التراخي.
ولا يجوز عقد الوكالة على شرط مستقبل، فإن عقد على شرطٍ، ووجد الشرط، فتصرّف الوكيل؛ نفذ تصرفه، وإن وكّله في الحال وعلّق التصرف على شرط جاز، وإن وكّل في خصومةٍ أو استيفاءِ حق لم يعتبر رضا الموكل عليه، وإن وكّل في حق لم يجز للوكيل أن يجعل ذلك إلى غيره إلا أن يأذن له فيه، أو كان ذلك
[ ١٠٨ ]
مما لا يتولى مثله بنفسه، أو لا يتمكن منه لكثرته.
وإن وكّل نفسين لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف إلا أن يجعل الموكل ذلك إليه، وإن وكله في البيع لم يجز له أن يبيع من نفسه. وقيل: إن نصّ له على ذلك جاز، وليس بشيء.
ويجوز أن يبيع من ابنه ومكاتبه. وقيل: لا يجوز.
وإن وكّل عبدًا لغيره في شراء نفسه له من مولاه فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
ولا يجوز للوكيل أن يبيع بدون ثمنِ المثل، ولا بثمنٍ مؤجل، ولا بغير نقد البلد، إلا أن ينصّ له على ذلك كله، وإن قال: بع بألف درهم، فباع بألف دينار لم يصحّ، وإن قال: بع بألف، فباع بألفين صحّ، إلا أن ينهاه، وإن قال: بع بألف، فباع بألف وثوب فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز، وإن قال بع بألف مؤجل، فباع بألف حالّ جاز، إلا أن ينهاه، أو كان الثمن مما يستضر بحفظه في الحال، وإن قال: اشتر بألف حالّ، فاشترى بألف مؤجل جاز. وقيل: لا يجوز، وإن قال: اشتر عبدًا بمائة، فاشترى عبدًا يساوي مائة بما دون المائة جاز، وإن قال: اشتر عبدًا بمائة، فاشترى عبدًا بمائتين وهو يساوي لم يجز، وإن دفع إليه ألفًا وقال: ابتع بعينها عبدًا، فابتاع في ذمته لم يصحّ، وإن قال: ابتع في ذمتك، وأنقد الألف فيه، فابتاع بعينها؛ فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح، وإن قال: بع بيعًا فاسدًا، فباع بيعًا فاسدًا أو صحيحًا لم يجز، وإن قال: اشتر بهذا الدينار شاة، فاشترى شاتين تساوي كل واحدةٍ منهما دينارًا كان الجميع له. وقيل: للوكيل شاة بنصف دينار، وإن أمره ببيع عبد أو شراء عبد لم يجز أن يعقد على نصفه، وإن أمره أن يشتري شيئًا موصوفًا لم يجز أن يشتري معيبًا، فإن لم يعلم ثم علم ردّه، وإن وكل في شراء شيء بعينه فاشتراه، ثم وجد به عيبًا؛ فالمنصوص أنه يرد، وإن وكّله في البيع من زيد، فباع من عمرو؛ لم يجز، وإن وكل في البيع في سوق، فباع في غيرها جاز، وإن وكّله في البيع سلم المبيع، ولم يقبض الثمن. وقيل: يقبض، وإن وكّله في تثبيت دين فثبته لم يجز له قبضه، وإن وكّله في قبضه فجحد من عليه الحق فقد قيل: يثبته. وقيل: لا يثبته، وإن وكّله في كل قليل وكثير لم يجز، وإن وكّله في شراء عبد ولم يذكر نوعه لم يصح التوكيل، وإن ذكر نوعه ولم يقدّر الثمن لم يصح، وإن ذكر النوع وقدّر
[ ١٠٩ ]
الثمن ولم يصف العبد فالأشبه أنه لا يصح. وقيل: يصح.
وما يتلف في يد الوكيل من غير تفريط لا يلزمه ضمانه، والقول في الهلاك وما يُدّعى عليه من الخيانة قوله، وإن كان متطوعًا فالقول في الرد قوله، وإن كان بجعل فقد قيل: القول قوله. وقيل: القول قول الموكل.
وإن اختلفا فقال: أذنت لك في بيع حالّ، فقال: بل في بيع مؤجّل، أو قال في الشراء: بعشرة، وقال: بل بعشرين؛ فالقول قول الموكل، فإن اختلفا في البيع وقبض الثمن فادّعاه الوكيل وأنكر الموكل، أو قال الوكيل: اشتريته بعشرين، وقال الموكل: بل بعشرة؛ ففيه قولان.
وإن وكّله في قضاء دين، فقضاه في غيبة الموكل ولم يشهد، فأنكر الغريم؛ ضمن. وقيل: لا يضمن، وليس بشيء، وإن أشهد شاهدين ظاهرهما العدالة أو شاهدًا واحدًا فقد قيل: يضمن. وقيل: لا يضمن، وإن قضاه بمحضر الموكل ولم يشهد فقد قيل: يضمن. وقيل: لا يضمن.
وإن وكّله في الإيداع، فأودع ولم يشهد؛ لم يضمن. وقيل: يضمن. وإن كان عليه حق لرجل، فجاء رجل وادّعى أنه وكيله فصدّقه؛ جاز له الدفع، ولا يجب، وإن قال: أنا وارثه فصدّقه وجب الدفع، وإن قال: أحالني عليك فصدّقه فقد قيل: يجب الدفع. وقيل: لا يجب، وإن جاء صاحب الحق فأنكر وجب على الدافع الضمان.
وللوكيل أن يعزل نفسه متى شاء، وللموكل أن يعزله إذا شاء، فإن عزله ولم يعلم الوكيل انعزل في أحد القولين دون الآخر، وإن خرج الوكيل أو الموكل على أن يكون من أهل التصرف بالموت أو الجنون أو الإغماء انفسخت الوكالة، وإن وكّل عبدًا في شيء ثم أعتقه احتمل أن يعزل، ويحتمل أن لا ينعزل.
وإن تعدّى الوكيل انفسخت الوكالة. وقيل: لا تنفسخ.