بَاب فتح السوَاد١
سَواد الْعرَاق فتحت٢ فِي زمن عمر عنْوَة ٣، وَصَارَت أراضيها ٤ للغانمين فاستطاب عمر ﵁ أنفسهم بِمَال عوضهم عَنْهَا٥، وَضرب عَلَيْهَا٦ خراجًا مَعْلُوما وَلَوْلَا أَن الْغَانِمين ملكوها لم يكن عمر رَضِي الله عَنهُ٧ يعوضهم عَنْهَا.
وَعند أبي حنيفَة: يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْعقار المغنوم٨ بَين أَن يقفها ٩ كَمَا فعل عمر بسواد الْعرَاق، وَبَين أَن يتْرك إِلَى الْكفَّار كَمَا فعل النَّبِي ﷺ بعقار١٠ مَكَّة، وَبَين أَن يقسمها بَين الْغَانِمين كالمنقول١١.
_________________
(١) السوَاد، جمَاعَة النّخل وَالشَّجر لخضرته واسوداده، وَقيل: إِنَّمَا ذَلِك لِأَن الخضرة تقَارب السوَاد وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: "وَفِي تَسْمِيَته سوادًا ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: لكثرته مَأْخُوذ من سَواد الْقَوْم إِذا كَثُرُوا وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي. وَالثَّانِي: لسواده بالزروع وَالْأَشْجَار لِأَن الخضرة ترى من الْبعد سوادًا ثمَّ تظهر الخضرة بالدنو مِنْهَا فَقَالَ الْمُسلمُونَ حِين أَقبلُوا من بَيَاض الفلاة مَا هَذَا السوَاد فَسَموهُ سوادًا. وَالثَّالِث: لِأَن الْعَرَب تجمع بَين الخضرة والسواد فِي الِاسْم". انْظُر: - سود - لِسَان الْعَرَب ٣/٢٢٥، كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٥٥.
(٢) فِي أ: (فتح) .
(٣) هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فتحت صلحا. انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٧٥، مَنَاقِب أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب لِابْنِ الْجَوْزِيّ ٩٢.
(٤) (أراضيها) سَاقِطَة من د.
(٥) (عَنْهَا) سَاقِطَة من د.
(٦) فِي د: (عَلَيْهِم) .
(٧) (﵃) سَاقِطَة من أ.
(٨) فِي أ: (المغنومة) .
(٩) فِي د: (يقفه) .
(١٠) فِي د: (بكفار) .
(١١) انْظُر: الْهِدَايَة ٢/١٤١، حَاشِيَة ابْن عابدين ٤/١٣٨.
[ ٣٤٢ ]
وَعِنْدنَا يقسم الْعقار كالمنقول١ ٢.
وَمَكَّة فتحت صلحا ٣، وَفِي سرد قصَّة الْفَتْح بَيَان أَنَّهَا مَفْتُوحَة٤ صلحا.
وَسَوَاد الْعرَاق قسمهَا عمر بَين الْغَانِمين ثمَّ عوضهم عَنْهَا باستطابة أنفسهم قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ٥ كَانَت بجيلة ربع النَّاس، فقسم لَهُم عمر ربع السوَاد فاستغلوا ٦ ثَلَاث سِنِين، قَالَ جرير: " فَقدمت على عمر، فَقَالَ عمر٧: لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسئوول لتركتكم على مَا قسم٨ لكم، وَلَكِنِّي أرى أَن تردوا على النَّاس فَفَعَلُوا ٩، وَإِنَّمَا فعل عمر ذَلِك١٠ خوفًا من أَن يشْتَغل النَّاس بالزراعة والحرث فيختل أَمر الْجِهَاد".
_________________
(١) وَعِنْدنَا يقسم الْعقار كالمنقول) سَاقِطَة من د.
(٢) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ٤/١١٦٧.
(٣) وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: "وَالَّذِي أرَاهُ أَن أَسْفَل مَكَّة دخله خَالِد بن الْوَلِيد عنْوَة، لِأَنَّهُ قوتل فقاتل وَقتل، وَأَعْلَى مَكَّة دخله الزبير بن الْعَوام صلحا، لأَنهم كفوا والتزموا شَرط أبي سُفْيَان فَكف عَنْهُم الزبير وَلم يقتل مِنْهُم أحدا". انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ٤٦٩، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٧٥.
(٤) فِي د: (فتحت) .
(٥) جرير بن عبد الله البَجلِيّ، من أَعْيَان الصَّحَابَة، كَانَ بديع الْحسن، كَامِل الْجمال، سكن الْكُوفَة ثمَّ سكن قرقياء، وَقدم رَسُولا من عَليّ إِلَى مُعَاوِيَة، توفّي سنة ٥١هـ، وَقيل ٥٤هـ. انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير ٢/٢١١، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٢/٥٠٢، سير أَعْلَام النبلاء ٢/٥٣٠.
(٦) فِي أ: (فاشتغلوا) .
(٧) (عمر) سَاقِطَة من أ.
(٨) فِي ظ: (على قسم) .
(٩) رَوَاهُ الشَّافِعِي. انْظُر: " مُخْتَصر الْمُزنِيّ - بَاب فتح السوَاد ٢٧٤، السّنَن الْكُبْرَى: كتاب السّير، بَاب السوَاد ٩/١٣٥.
(١٠) فِي د: (وَإِنَّمَا فعل ذَلِك عمر) .
[ ٣٤٣ ]
قَالَ جرير: " فعاضني عمر من حَقي نيفًا وَثَمَانِينَ دِينَارا وَمَعِي امْرَأَة يُقَال لَهَا أم كرز١ فَقَالَت: شهد أبي الْقَادِسِيَّة٢، وَأثبت٣ سَهْمه وَلَا أسلمه حَتَّى تملأ كفي دَنَانِير وفمي لآلئ، وتركبني نَاقَة حَمْرَاء، فَفعل عمر، فَتركت حَقّهَا.
وحد سَواد الْعرَاق من عبّادان٤ إِلَى الْموصل٥ طولا، وَمن الْقَادِسِيَّة٦ إِلَى حلوان٧ عرضا"٨.
_________________
(١) أم كُرزْ الْكَعْبِيَّة الْخُزَاعِيَّة المكية، لَهَا صُحْبَة أسلمت يَوْم الْحُدَيْبِيَة رَوَت عَن النَّبِي ﷺ وعنها عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد، وَغَيرهم. انْظُر: أَسد الغابة ٦/٣٨٢، الِاسْتِيعَاب ٤/٤٧٠، الْإِصَابَة ٤/٤٦٥، تَهْذِيب التَّهْذِيب ١٢/٤٧٧، خُلَاصَة تذهيب التَّهْذِيب ٣/٤٠٢. (الْقَادِسِيَّة) سَاقِطَة من ظ. وَكَانَت وقْعَة الْقَادِسِيَّة فِي السّنة الْخَامِسَة لِلْهِجْرَةِ، تولى قيادة الْجَيْش فِيهَا سعد ابْن أبي وَقاص. انْظُر: تَتِمَّة الْمُخْتَصر ١/٢٢١
(٢) فِي ظ: (وَثَبت) .
(٣) عبّادان: بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء، وَهِي جَزِيرَة مَشْهُورَة تَحت الْبَصْرَة منسوبة إِلَى عبّاد اَلحبطَي. انْظُر: مُعْجم مَا استعجم ٣/٩١٦، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٥٥.
(٤) المَوصْل: بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيَة، سميت بذلك لِأَنَّهَا وصلت بَين الْفُرَات ودجلة. انْظُر: مُعْجم مَا استعجم ٤/١٢٧٨.
(٥) الْقَادِسِيَّة: بِكَسْر الدَّال وَالسِّين وَتَشْديد الْيَاء بَينهَا وَبَين الْكُوفَة نَحْو مرحلَتَيْنِ، وَبَينهَا وَبَين بَغْدَاد نَحْو خمس مراحل. انْظُر: تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/١٠٦.
(٦) حُلوْان: بِضَم الْحَاء، وَإِسْكَان اللَّام وَهُوَ آخر حد السوَاد مِمَّا يَلِي الْمشرق نسب إِلَى حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة لِأَنَّهُ بناه. انْظُر: تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٨٦.
(٧) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٥١، الْمُهَذّب ٢/٢٦٥، شرح الْمحلي على الْمِنْهَاج ٤/٢٢٥.
[ ٣٤٤ ]
قَالَ السَّاجِي١: "هُوَ اثْنَان وَثَلَاثُونَ ألف ألف جريب"٢. وَقَالَ أَبُو عبيد٣: "سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف ألف جريب".
وَلَا يدْخل فِيهِ الْبَصْرَة٤ وَإِن كَانَت دَاخِلَة فِي حد السوَاد٥؛ لِأَنَّهَا كَانَت
_________________
(١) فِي ظ: (الشَّافِعِي) . وَهُوَ أَبُو يحي زَكَرِيَّا بن يحي الضَّبِّيّ الْبَصْرِيّ الشَّافِعِي، أَخذ عَن الرّبيع والمزني من أَئِمَّة الحَدِيث لَهُ كتاب اخْتِلَاف الْعلمَاء، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة ٣٠٧هـ. انْظُر: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١١/٨٣١، تذكرة الْحفاظ ٢/٧٠٩، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٣/٦٠١، سير أَعْلَام النبلاء ١٤/١٩٧، طَبَقَات الْعَبَّادِيّ ٦١، طَبَقَات الأسنوي ٢/٢٢.
(٢) الجريب: نوع من أَنْوَاع المقاييس، كَمَا هُوَ نوع من الأكيال المستخدمة فِي الْعرَاق فَهُوَ كيل عراقي مَعْرُوف، والجريب: قدر أَرْبَعَة أَقْفِزَة..وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الجريب من الأَرْض مِقْدَار مَعْلُوم الذرع والمساحة وَهُوَ عشرةأقفرة. وَقدره د. مُحَمَّد الخاروف بِأَنَّهُ يعادل ١٠٤٤٨ غرام. انْظُر: - جرب - تَهْذِيب اللُّغَة ١١/٥١، الْمَقَادِير فِي الفقة الإسلامي ٦٥، الْإِيضَاح والتبيان ٨٧.
(٣) فِي أ، د: (أبوعبيدة) وَمَا أثْبته مُوَافق لما فِي الْمُهَذّب. وَهُوَ أَبُو عبيد القاسم بن سَلام الْهَرَوِيّ من كبار عُلَمَاء الحَدِيث، وَالْفِقْه، وَالْأَدب من أهل هراء، رَحل إِلَى بَغْدَاد ومصر والحجاز، من مؤلفاته: الْغَرِيب المُصَنّف، وَالْأَمْوَال، والأمثال، والمقصور والممدود، وفضائل الْقُرْآن، ولد سنة ١٥٧ هـ وَتُوفِّي بِمَكَّة سنة٢٢٤ وَقيل غير ذَلِك. انْظُر: بغية الوعاة ٢/٢٥٣، تذكرة الْحفاظ ٢/٤١٧، الرسَالَة المستطرفة ٣٥، طَبَقَات الْحَنَابِلَة ١/٢٥٩، طَبَقَات السُّبْكِيّ ١/٢٧٠١، المزهر ٢/٤١١، نزهة الألباء ١٠٩.
(٤) الْبَصْرَة: الْبَلدة الْمَشْهُورَة مّصَرها عمر بن الْخطاب وفيهَا ثَلَاث لُغَات فتح الْبَاء وَضمّهَا كسرهَا أفصحهن الْفَتْح وَهُوَ الْمَشْهُور، يُقَال لِلْبَصْرَةِ قبَّة الْإِسْلَام وخزانة الْعَرَب، لم يعبد الصَّنَم قطّ على أرْضهَا. انْظُر: تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ٣/٣٧.
(٥) قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: حضرت الشَّيْخ أَبَا حَامِد الاسفراييني وَهُوَ يدرس تَحْدِيد السوَاد فِي كتاب الرَّهْن وَأدْخل فِيهِ الْبَصْرَة ثمَّ أقبل عَليّ وَقَالَ: هَكَذَا تَقول؟ قلت: لَا، قَالَ: وَلم؟ قلت لِأَنَّهَا كَانَت مواتًا أَحْيَاهُ الْمُسلمُونَ فَأقبل على أَصْحَابه وَقَالَ: عَلقُوا مَا يَقُول فَإِن أهل الْبَصْرَة أعرف بِالْبَصْرَةِ. قَالَ الشِّيرَازِيّ: إِن الْبَصْرَة لَيْسَ لَهَا حكم السوَاد إِلَّا فِي مَوَاضِع من شَرْقي دَخَلتهَا يُسمى الْفُرَات، وَمن غربي دَخَلتهَا نهر يعرف بنهر الْمرة. انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٥٤، الْمُهَذّب ٢/٢٦٥.
[ ٣٤٥ ]
أَرضًا سبخَة١ أَحْيَاهَا عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ٢ وَعتبَة بن غَزوَان٣ بعد الْفَتْح.
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيمَا فعل عمر بأراضي السوَاد ٤:
قَالَ ابْن سُرَيج: "بَاعهَا من أَهلهَا وَمَا يُؤْخَذ من الْخراج ثمن منجم يؤدون كل سنة شَيْئا بِدَلِيل أَن من زمن عمر٥ إِلَى زَمَاننَا تبَاع تِلْكَ الْأَرَاضِي وتبتاع من غير إِنْكَار أحد"٦.
_________________
(١) أَرضًا سبخَة: هِيَ المتغيرة التربة الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. انْظُر: النّظم المستعذب ٢/٢٦٥.
(٢) عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَبُو عبد الله الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي، قدم فِي وَفد ثَقِيف على النَّبِي ﷺ فِي سنة تسع فأسلموا، وَأمره عَلَيْهِم لما رأى من عقله وحرصه على الْخَيْر وَالدّين وَكَانَ أَصْغَر الْوَفْد سنا ثمَّ أقره أَبُو بكر على الطَّائِف ثمَّ عمر، ثمَّ اسْتَعْملهُ عمر على عُمان والبحرين ثمَّ قدمه على جَيش فَافْتتحَ توّج ومصرّها وَسكن الْبَصْرَة. انْظُر: الِاسْتِيعَاب ٣/٩١، تَارِيخ خَليفَة ١٤٩، سير أَعْلَام النبلاء ٢/٣٧٤، شذرات الذَّهَب ١/٣٦، الْمعرفَة والتاريخ ١/٢٧٣.
(٣) عتبَة بن غَزوَان بن جَابر بن وهيب أَبُو غَزوَان الْمَازِني، أسلم سَابِع سَبْعَة، فِي الْإِسْلَام، وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ شهد بَدْرًا والمشاهد، وَكَانَ أحد الرُّمَاة الْمَذْكُورين، وَمن أُمَرَاء الْغُزَاة، وَهُوَ الَّذِي اختط الْبَصْرَة وأنشأها توفّي سنة١٧هـ وَقيل مَاتَ سنة ١٥هـ. انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير ٦/٥٢٠، تَارِيخ بَغْدَاد١/١٥٥، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ١/٣١٩، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٦/٣٧٣، العقد الثمين ٦/١١، سير أَعْلَام النبلاء ١/٣٠٤.
(٤) قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْأَكْثَرُونَ، وَنَصّ عَلَيْهِ فِي كتاب الرَّهْن وَفِي سير الْوَاقِدِيّ أَنه وَقفهَا على الْمُسلمين. انْظُر: الْمُهَذّب ٢/٢٦٦، حلية الْعلمَاء ٧/٧٢٦، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٧٥.
(٥) فِي د: (عُثْمَان) .
(٦) (اُحْدُ) سَاقِطَة من د.
[ ٣٤٦ ]
فعلى هَذَا لَا يجوز١ أَن يُزَاد على مَا وضع عمر وَلَا ينقص.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ وَقفهَا عمر على الْمُسلمين وَالْخَرَاج الْمَضْرُوب عَلَيْهَا أُجْرَة٢ منجمة يؤدونها كل سنة نَص عَلَيْهِ فِي سير الْوَاقِدِيّ٣.
فَيجوز٤ أَن يُزَاد عَلَيْهَا وَينْقص عَنْهَا. فَإِن قُلْنَا إِنَّه كَانَ بيعا فَيجوز لأَهْلهَا بيعهَا ورهنها.
وَإِن قُلْنَا٥ كَانَ وَقفا لَا يجوز بيعهَا وَلَا هبتها وَلَا رَهنهَا وَإِنَّمَا تنقل من يَد إِلَى يَد وعَلى الْوَجْهَيْنِ يجوز إِجَارَتهَا.
فَإِن قيل إِذا جعلتموه بيعا كَيفَ يجوز البيع بِثمن إِلَى آجال غير مَعْلُومَة قُلْنَا قد ٦ يجوز للْإِمَام أَن يفعل فِي أَمْوَال الْكفَّار مَالا يجوز فِي أَمْوَال الْمُسلمين لما يرى٧ فِيهِ من الْمصلحَة.
فَإِن قُلْنَا إِنَّه وقف فَهَل يدْخل ٨ الْمنَازل فِي الْوَقْف فِيهِ وَجْهَان٩:
أَحدهمَا: يدْخل١٠ جَمِيعهَا فِي الْوَقْف.
_________________
(١) فِي أ: (يجوز) . (أُجْرَة) سَاقِطَة من أ.
(٢) كتاب لمُحَمد بن عمر بن وَاقد الأسمي، ولد بعد الْعشْرين ومئة. انْظُر: سير أَعْلَام النبلاء ٩/٤٥٤.
(٣) فِي أ: (يجوز) .
(٤) (قُلْنَا) سَاقِطَة من د.
(٥) (قد) سَاقِطَة من د.
(٦) فِي أ: (نرى) وَفِي د ممسوحة.
(٧) فِي ظ،: (دَاخل)
(٨) نظر: الْمُهَذّب ٢/٢٦٦، حلية الْعلمَاء ٧/٧٢٧.
(٩) فِي ظ، أ: (دَاخل) .
[ ٣٤٧ ]
وَالثَّانِي: لَا يدْخل١ فِيهِ إِلَّا الْمزَارِع، لِأَن دُخُولهَا فِي الْوَقْف يُؤَدِّي إِلَى خرابها فَأَما الثِّمَار الَّتِي فِيهَا فَهَل يجوز لمن هِيَ٢ فِي يَده الِانْتِفَاع بهَا فِيهِ وَجْهَان٣:
أَحدهمَا: لَا بل يَأْخُذهَا الإِمَام٤ فيبيعها ويصرفها ٥ فِي الْمصَالح.
وَالثَّانِي: يجوز لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَيْهِ كَمَا فِي الْمُسَاقَاة.
وَمَا يُؤْخَذ من هَذِه الْأَرَاضِي ٦ فلمصالح الْمُسلمين يجوز صرفهَا إِلَى أهل الْفَيْء وَالصَّدقَات والفقراء والأغنياء على مَا يرَاهُ الإِمَام من الأهم فالأهم.
وروى الشّعبِيّ٧ فِي قدر الْخراج أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ٨
_________________
(١) فِي أ: (لم يدْخل) .
(٢) فِي ظ: (لمن بَقِي) .
(٣) وَصحح النَّوَوِيّ الأول. انْظُر: الْمُهَذّب ٢/٢٦٦، حلية الْعلمَاء ٧/٧٢٧، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٧٥.
(٤) فِي د: (يَأْخُذهَا الإِمَام للْأَرْض) .
(٥) (يصرفهَا) مكررة فِي ظ.
(٦) فِي د: (الأَرْض) .
(٧) عَامر بن شرَاحِيل بن عبد ذِي كبار الشّعبِيّ الْحِمْيَرِي أَبُو عَمْرو، تَابِعِيّ يضْرب الْمثل بحفظه، ولد فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب، كَانَ علاّمة أهل الْكُوفَة فِي زَمَانه، ولد سنة ١٩هـ وَتُوفِّي سنة ١٠٣هـ وَقيل غير ذَلِك. انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/٦٥، تقريب التَّهْذِيب ١/٣٨٧، تَارِيخ بَغْدَاد ١٢/٢٢٧، تَهْذِيب ابْن عَسَاكِر ٧/١٤١، حلية الْأَوْلِيَاء ٤/٣١٠، سمط اللآلي ٧٥١، سير أَعْلَام النبلاء ٤/٢٩٤، صفة الصفوة ٣/٧٥، طَبَقَات ابْن سعد ٦/٢٤٦، طَبَقَات الشِّيرَازِيّ ٨٢، العبر ١/٩٦، اللّبَاب ٢/١٩٨، النُّجُوم الزاهرة ١/٢٥٣، وفيات الْأَعْيَان ٣/١٢، الْأَعْلَام ٣/٢٥١.
(٨) (﵁) سَاقِطَة من د، ظ.
[ ٣٤٨ ]
بعث عُثْمَان بن حنيف١ فَجعل على كل جريب شعير دِرْهَمَيْنِ، وعَلى جريب الْحِنْطَة٢ أَرْبَعَة دَرَاهِم وعَلى جريب الْقصب وَالشَّجر سِتَّة دَرَاهِم، وعَلى جريب الْكَرم ثَمَانِيَة دَرَاهِم وعَلى جريب النّخل عشرَة دَرَاهِم، وعَلى جريب الزَّيْتُون اثْنَي عشر درهما٣.
وروى أَبُو مجلز ٤ أَن عُثْمَان بن حنيف فرض على جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم وعَلى جريب النّخل ثَمَانِيَة ٥.
وَلَو أَرَادَ الإِمَام أَن يقف أَرضًا من الْغَنِيمَة الْيَوْم بِطيبَة أنفس الْغَانِمين أَو بِمَال يرضيهم بِهِ كَمَا فعل عمر ﵁ يجوز، وَمن لم يطب بِهِ نفسا فَهُوَ أَحَق بِمَالِه.
أما مَا فتحت من أراضيهم صلحا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
_________________
(١) عُثْمَان بن حُنيف بن واهب الْأنْصَارِيّ، أمه أم سهل بنت نَافِع صَحَابِيّ، لَهُ أَحَادِيث، كَانَ أحد من مسح السوَاد أَيَّام عمر. انْظُر: الِاسْتِيعَاب ٣/٨٩، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٦/١٤٦ خُلَاصَة تذهيب التَّهْذِيب ٣/٢١٣، سير أَعْلَام النبلاء ٢/٣٢٠، طَبَقَات خَليفَة ٨٦، ١٣٥، المعارف ٢٠٨.
(٢) فِي أ: (وعَلى كل جريب حِنْطَة) .
(٣) انْظُر: السّنَن الْكُبْرَى: كتاب السّير - بَاب قدر الْخراج الَّذِي وضع على السوَاد٩/١٣٦.
(٤) أَبُو مجلز لَاحق بن حميد وَيُقَال شعبه بن خَالِد بن كثير بن حُبَيْش السدُوسِي الْبَصْرِيّ الْأَعْوَر روى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَالْحسن بن عَليّ.. وَغَيرهم روى عَنهُ قَتَادَة، وَأنس ابْن سِيرِين وَجَمَاعَة، وثقة ابْن سعد وَالْعجلِي وَغَيرهم، مَاتَ سنة ١٠١ هـ وَقيل غير ذَلِك. انْظُر: تَهْذِيب التَّهْذِيب ١١/١٥١.
(٥) انْظُر: كتاب الْخراج ٣٩.
[ ٣٤٩ ]
أَحدهمَا١: أَن يصالحهم على أَن تكون الْأَرَاضِي للْكفَّار وهم يؤدون عَن كل جريب فِي كل سنة كَذَا فَهَذَا جَائِز٢ ٣، والمضروب عَلَيْهِم جِزْيَة بِشَرْط أَن يكون الْمَضْرُوب عَلَيْهِم قدرا يبلغ فِي حق كل حالم دِينَارا ٤ فَأكْثر ٥ ٦ وَلَا يُؤْخَذ من أَرَاضِي الصّبيان والنسوان والمجانين لِأَنَّهُ لَا جِزْيَة عَلَيْهِم.
وَهل يجب أَن يؤدوا ذَلِك عَن الْموَات؟ نظر:
إِن كَانُوا يمنعوننا عَنهُ يجب، وَإِن كَانُوا لَا يمنعوننا عَنهُ فَلَا يجب وَمن أَحْيَاهُ يملكهُ.
وَلَو أَنهم أحيوا مِنْهُ شَيْئا بعد الصُّلْح لَا يجب عَلَيْهِم أَن يؤدوا مِنْهُ إِلَّا أَن يشْتَرط عَلَيْهِم أَن يؤدوا ٧ عَمَّا يحيوا ٨ فَيجب. وَإِذا ٩ أَسْلمُوا يسْقط عَنْهُم ذَلِك١٠ بِالْإِسْلَامِ.
وَيجوز لَهُم بيع تِلْكَ ١١ الْأَرَاضِي ورهنها لِأَنَّهَا ملكهم.
وَلَو اشْترى مُسلم أَرضًا من تِلْكَ الْأَرَاضِي فَلَا خراج عَلَيْهِ ومصرف ذَلِك
_________________
(١) فِي ظ: (أحديهما) .
(٢) فِي د: (فِي كل سنة فَهُوَ جَائِز كَذَا) .
(٣) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٩١.
(٤) فِي ظ: (دِينَار) .
(٥) (فَأكْثر) سَاقِطَة من د، أ
(٦) أقل الْجِزْيَة دِينَار لكل سنة. انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٣١٢.
(٧) (مِنْهُ إِلَّا أَن يشْتَرط عَلَيْهِم أَن يؤدوا) سَاقِطَة من أ.
(٨) فِي د: (أحيوا) .
(٩) فِي د: (فَإِن) .
(١٠) فِي أ: (أسقط ذَلِك عَنْهُم) .
(١١) فِي ظ: (بِكُل) .
[ ٣٥٠ ]
المَال مصرف الْفَيْء لَا حق فِيهِ لأهل الصَّدقَات١.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: أَن يصالحهم على أَن تكون الْأَرَاضِي للْمُسلمين وهم يسكنونها ويؤدون كل سنة عَن كل جريب كَذَا فَهَذَا٢ جَائِز وَيكون إِجَارَة وَالْمَال الْمَضْرُوب عَلَيْهِم أُجْرَة الأَرْض، وَيجب عَلَيْهِم مَعَ تِلْكَ الْأُجْرَة الْجِزْيَة وَتجوز تِلْكَ الْأُجْرَة، قلت أَو كثرت، وَلَا يشْتَرط أَن يبلغ فِي حق كل حالم دِينَارا، وَيُؤْخَذ من أَرَاضِي الصّبيان والنسوان والمجانين وَيُؤْخَذ من الْموَات إِن٣ كَانُوا يمنعوننا عَنهُ وَإِلَّا فَلَا. وَلَا تسْقط تِلْكَ الْأُجْرَة عَنْهُم بِإِسْلَامِهِمْ٤ ٥، وَإِذا وكلوا مُسلما بإعطائه يجوز.
وَفِي الصُّورَة الأولى هُوَ كالتوكيل بِإِعْطَاء الْجِزْيَة، ومصرفه أَيْضا مصرف الْفَيْء وَلَا يجوز لَهُم بيعهَا وَلَا رَهنهَا لأَنهم لَا يملكونها.
وَلَو اسْتَأْجر مُسلم أَرضًا من هَذِه الْأَرَاضِي يجوز فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا لِأَن الرَّقَبَة إِن كَانَت لَهُم فَيجوز لَهُم إِجَارَتهَا وَإِن كَانَت للْمُسلمين فهم مكترون وَيجوز٦ الاكتراء٧ من الْمُكْتَرِي. وَالله أعلم ٨.
_________________
(١) (فَلَا خراج عَلَيْهِ ومصرف ذَلِك المَال مصرف الْفَيْء لَا حق فِيهِ لأهل الصَّدقَات) سَاقِطَة من أ.
(٢) فِي د: (فَهُوَ) .
(٣) فِي أ: (وَإِن) .
(٤) فِي أ، د: (بالاسلام) .
(٥) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٩١.
[ ٣٥١ ]