بَاب المبارزة١
رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ٢ أَنه بارز يَوْم الخَنْدَق عَمْرو ابْن عبدود٣ ٤.
وَرُوِيَ أَنه خرج يَوْم بدر من صف الْكفَّار عَتبه بن ربيعَة ٥ وَشَيْبَة ابْن ربيعَة ٦ والوليد بن عتبَة ٧ ودعوا إِلَى المبارزة فَخرج إِلَيْهِم فتية من الْأَنْصَار عَوْف ٨ ومعوّذ ٩ ابْنا الْحَارِث وأمهما عفراء وَعبد الله ابْن
_________________
(١) المبارزة: أصل البروز الظُّهُور فِي البرَاز وَهُوَ الْمَكَان الفضاء الْوَاسِع وَهُوَ هَهُنَا ظُهُور المتحاربين بَين الصفين لايستتران بِغَيْرِهِمَا من أهل الْحَرْب. انْظُر: النّظم المستعذب ٢/٢٣٨.
(٢) فِي ظ: (﵇) .
(٣) عَمْرو بن عبدود العامري، من بني لؤَي من قُرَيْش، فَارس قُرَيْش وشجاعها فِي الْجَاهِلِيَّة، أدْرك الْإِسْلَام وَلم يسلم، عَاشَ إِلَى أَن كَانَت وقْعَة الخَنْدَق فحضرها وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ فَقتله عَليّ بن أبي طَالب. انْظُر: الْأَعْلَام ٥/٨١.
(٤) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. انْظُر: الْمُسْتَدْرك: كتاب الْمَغَازِي ٣/٣٢.
(٥) عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس أَبُو الْوَلِيد، كَبِير قُرَيْش وَأحد ساداتها فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانَ مَوْصُوفا بِالرَّأْيِ والحلم وَالْفضل، توَسط للصلح فِي حَرْب الْفجار وَقد رَضِي الْفَرِيقَانِ بِحكمِهِ، أدْرك الْإِسْلَام وَلم يسلم وَشهد بَدْرًا وَقتل فِيهَا، وَقَتله عبيده بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب. انْظُر: المحبر ١٦٠، المعارف ٧٢، ١٥٧، الْأَعْلَام ٤/٢٠٠.
(٦) شيبَة بن ربيعَة بن عبد شمس من زعماء قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة، كَانَ معاديًا للرسول ﷺ، وَحضر بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين وَقتل فِيهَا قَتله حَمْزَة بن عبد الْمطلب. انْظُر: المحبر ١٦٠، ١٦٢، المعارف ٧٢، ١٥٦، الْأَعْلَام ٣/١٨١.
(٧) الْوَلِيد بن عتبَة بن ربيعَة، قتل يَوْم بدر، قَتله عَليّ بن أبي طَالب. انْظُر: السِّيرَة النَّبَوِيَّة لِابْنِ هِشَام ٢/٦٢٥، ٧٠٩.
(٨) عَوْف بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن عفراء، شهد الْعقبَة وبدرًا وَاسْتشْهدَ. انْظُر: أَسد الغابة ٤/١٢، الِاسْتِيعَاب ٣/١٥٩، تَارِيخ خَليفَة ٦١، سيرة ابْن اسحاق ٣٠٩، طَبَقَات ابْن سعد ٣/٤٩٢، طَبَقَات خَليفَة ٩٠.
(٩) معوذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن عفراء، وَهُوَ وَالِد الرّبيع بنت معوذ، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين، وَهُوَ الَّذِي قيل: إِنَّه ضرب أَبَا جهل هُوَ وَأَخُوهُ عَوْف حَتَّى أثخناه وَعطف هُوَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا. انْظُر: أَسد الغابة ٤/٤٦٤، الْإِصَابَة ٣/٤٣٠، تَارِيخ خَليفَة ٦١، سيرة ابْن إِسْحَاق ٣٠٩، سير أَعْلَام النبلاء ٢/٣٥٩، طَبَقَات ابْن سعد ٣/٤٩٢، طَبَقَات خَليفَة ٩٠، المعارف ٥٩٧.
[ ٣٢٩ ]
رَوَاحَة١ فَقَالُوا من أَنْتُم قَالُوا رَهْط من الْأَنْصَار قَالُوا مالنا بكم حَاجَة، ثمَّ نَادَى مناديهم يَا مُحَمَّد أخرج إِلَيْنَا أكفاءنا من قَومنَا، فَأمر النَّبِي ﷺ عُبَيْدَة بن الْحَارِث٢، وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب٣ وَعلي بن أبي طَالب بِالْخرُوجِ إِلَيْهِم فَخَرجُوا وقتلوهم ٤.
_________________
(١) عبد الله بن رَوَاحه بن ثَعْلَبَة بن امريء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة، شهد بَدْرًا والعقبة، كَانَ شَاعِر رَسُول ﷺ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَبهَا قتل. انْظُر: أَسد الغابة ٣/١٣٠، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ١/٢٦٥، تَهْذِيب التَّهْذِيب ٥/٢١٢، تَهْذِيب ابْن عَسَاكِر ٧/٣٩٠، حلية الْأَوْلِيَاء ١/١١٨، سير أَعْلَام النبلاء ١/٢٣٠، كنز الْعمَّال ١٣/٤٤٩، مجمع الزَّوَائِد ٩/٣١٦.
(٢) عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب بن عبد منَاف أَبُو الْحَارِث، من أبطال قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام ولد بِمَكَّة، وَأسلم قبل دُخُول النَّبِي ﷺ دَار الأرقم، شهد بَدْرًا وَقتل فِيهَا. انْظُر: أَسد الغابة ٣/٤٤٩، الاصابة ٢/٤٤٢، المحبر ١١٦، الْأَعْلَام ٤/١٩٨.
(٣) حَمْزَة بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي سيد الشُّهَدَاء عَم رَسُول الله ﷺ وَأَخُوهُ من الرضَاعَة، أسلم فِي السّنة الثَّانِيَة من الْبعْثَة، قَتله وَحشِي يَوْم أحد. انْظُر: أَسد الغابة ١/٥٢٨، الِاسْتِيعَاب ١/٢٧٠، الْإِصَابَة ١/٣٥٣، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ١/١٦٨، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٣/٢١٢، سير أَعْلَام النبلاء ١/١٧١، شذرات الذَّهَب ١/١٠، العقد الثمين ٤/٢٢٧، مجمع الزَّوَائِد ٩/٢٦٦.
(٤) قَالَ ابْن حجر: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَليّ، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ مُخْتَصرا، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ من حَدِيث قيس بن عباد عَن أبي ذَر. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ: كتاب التَّفْسِير - تَفْسِير سُورَة الْحَج ٦/١٢٣، صَحِيح مُسلم: كتاب التَّفْسِير - بَاب فِي قَوْله هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم ٤/٢٣٢٣، سنَن أبي دَاوُد: كتاب الْجِهَاد - بَاب فِي المبارزة ٣/٥٢، تَلْخِيص الحبير ٤/١٠٥.
[ ٣٣٠ ]
تجوز المبارزة فِي الْحَرْب لمن كَانَ شجاعًا، وَكَذَلِكَ الْإِعْلَام وَهُوَ أَن يتعمم بعمامة سَوْدَاء، أَو يتعصب بعصابة حَمْرَاء، أَو يُعلم فرسه سَوَاء فعل بِإِذن الإِمَام أَو دون إِذْنه١ فَإِن ابْني عفراء وَعبد الله بن رَوَاحَة خَرجُوا يَوْم بدر بِغَيْر إِذن النَّبِي ﷺ فَلم يُنكر عَلَيْهِم وَأعلم حَمْزَة يَوْم بدر. وَعند أبي حنيفَة لَا يجوز البرَاز إِلَّا بِإِذن الإِمَام٢.
وَإِذا خرج مُشْرك ودعا إِلَى المبارزة فالمستحب٣ أَن يبرز إِلَيْهِ مُسلم ٤؛ لِأَنَّهُ إِذا لم يبرز تضعف قُلُوب الْمُؤمنِينَ ويجترئ الْكفَّار عَلَيْهِم وَهل يجوز للضعيف أَن يبارز فِيهِ وَجْهَان ٥:
أَحدهمَا: يجوز لِأَن التَّغْرِير بِالنَّفسِ فِي الْجِهَاد جَائِز كَمَا يجوز للضعيف أَن يُجَاهد.
وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَن الْمَقْصُود من المبارزة إِظْهَار الْقُوَّة وَذَلِكَ٦ لَا يحصل من الضَّعِيف.
فَإِن بارز مُسلم مُشْركًا نظر٧:
إِن لم يكن بَينهمَا شَرط جَازَ لكل وَاحِد من الْمُسلمين أَن يَرْمِي الْمُشرك لِأَنَّهُ حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ.
_________________
(١) وَالْمُسْتَحب أَن لَا يبارز إِلَّا بِإِذن الإِمَام فَإِن بارز من غير إِذْنه جَازَ وَقيل لَا يجوز وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز. انْظُر: حلية الْعلمَاء ٧/٦٥٧، الْمُهَذّب ٢/٢٣٨، الْبَيَان الورقة ١٦ من كتاب السّير.
(٢) لم أَجِدهُ فِيمَا توفر لدي من مراجع.
(٣) فِي ظ: (يسْتَحبّ) .
(٤) انْظُر: الْبَيَان الورقة ١٥ من كتاب السّير، الْمُهَذّب ٢/٢٣٨.
(٥) وَالصَّحِيح أَنه يجوز، وَقَالَ العمراني جَازَ وَكره. أنظر: الْبَيَان الورقة ١٦ من كتاب السّير، الْمُهَذّب ٢/٢٣٨.
(٦) (وَذَلِكَ) سَاقِطَة من أ.
(٧) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١١٤٢، الْمُهَذّب ٢/٢٣٨، التَّنْبِيه ١٤٣، الْبَيَان الورقة ١٦من كتاب السّير، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٤، كِفَايَة النبيه الورقة ١٣ من كتاب السّير.
[ ٣٣١ ]
وَإِن شرطا١ أَن لَا يعينهما غَيرهمَا لَا يجوز لإحدى الطَّائِفَتَيْنِ أَن يعين مبارزه ماداما يتقاتلان.
فَإِن أثخن٢ الْكَافِر الْمُسلم وَأَرَادَ ٣ قَتله على الْمُسلمين استنقاذ الْمُسلم وَلَهُم قتل الْكَافِر؛ لِأَن ٤ الشَّرْط أَن لَا يُعينهُ حَال٥ الْقِتَال وَقد ارْتَفع الْقِتَال ٦ وَكَذَلِكَ لَو قتل الْمُسلم ٧ وَولى أوترك قِتَاله فهرب أَو هرب الْمُسلم مِنْهُ جَازَ قَتله.
لِأَن الْأمان قد ارْتَفع ٨ بترك الْقِتَال إِلَّا أَن يكون الشَّرْط أَنه آمن إِلَى أَن يرجع إِلَى الصَّفّ فَلَا يتَعَرَّض لَهُ مَا لم يصل إِلَى الصَّفّ فَإِن ولى عَنهُ الْمُسلم فَتَبِعَهُ ليَقْتُلهُ أَو ترك قتال الْمُسلم وَقصد صف ٩ الْمُسلمين جَازَ قَتله، لِأَنَّهُ نقض الْأمان.
وَلَو١٠ خرج الْمُشْركُونَ لإعانة صَاحبهمْ كَانَ حَقًا على الْمُسلمين أَن يعينوا صَاحبهمْ، ثمَّ نظر:
إِن اسْتَعَانَ الْمُشرك المبارز١١ بِأَصْحَابِهِ أَو بَدَأَ الْمُشْركُونَ بمعاونته فَلم يمنعهُم فقد نقض الْأمان فللمسلمين قتل المبارز والأعوان جَمِيعًا.
وَإِن١٢ لم يستعن بهم وَكَانَ يمنعهُم فَلم يقبلُوا مِنْهُ قتلوا الأعوان دون المبارز ١٣ لِأَن المبارز على أَمَانه.
_________________
(١) فِي د: (وَإِن شَرط) .
(٢) فِي ي: (فَإِذا عَن) .
(٣) (وَأَرَادَ) مكررة فِي د.
(٤) فِي أ: (وَلِأَن) .
(٥) فِي ظ، أ (حَالَة) .
(٦) (الْقِتَال) سَاقِطَة من ظ.
(٧) فِي أ: (لَو قتل الْمُسلم الْكَافِر) .
(٨) فِي د: (انْقَطع) .
(٩) فِي أ: (بصف) .
(١٠) فِي د، أ: (فَلَو) .
(١١) فِي د: (بالمبارزة)، فِي أ: (المبارزة) .
(١٢) فِي د: (فَإِن) .
(١٣) فِي أ: (المبارزة) .
[ ٣٣٢ ]
فصل: إِذا أسر الْكفَّار مُسلما ثمَّ أَطْلقُوهُ من غير شَرط
إِذا أسر الْكفَّار مُسلما ثمَّ أَطْلقُوهُ من غير شَرط فَلهُ أَن يغتالهم فِي النَّفس وَالْمَال جَمِيعًا لأَنهم لَا أَمَان لَهُم١.
وَإِن أَطْلقُوهُ على أَنه فِي أَمَان مِنْهُم وَلم يستأمنوه فَالْمَذْهَب أَنهم فِي أَمَانه لَا يجوز أَن يغتالهم لأَنهم لما أمنوه، كَانُوا هم٢ فِي أَمَان مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي هُرَيْرَة٣ لَا أَمَان لَهُم وَله ٤ أَن يغتالهم لأَنهم لم يستأمنوه٥.
وَلَو قَالُوا لَهُ٦ لَا نطلقك حَتَّى تحلف أَن لَا تخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام فَحلف وأطلقوه ٧ فمهما أمكنه ٨ الْخُرُوج يجب عَلَيْهِ أَن يخرج وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ ٩؛ لِأَن يَمِينه
_________________
(١) انْظُر: نِهَايَة الْمُحْتَاج ٨/٧٨، مُغنِي الْمُحْتَاج ٤/٢٣٩، شرح روض الطَّالِب ٤/٢٠٥. (هم) سَاقِطَة من د، ظ.
(٢) أَبُو عَليّ الْحسن بن الْحُسَيْن بن أبي هُرَيْرَة، أحد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة من أَصْحَاب الْوُجُوه، درس على أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج ثمَّ على أبي إِسْحَاق الْمروزِي، صنف التَّعْلِيق الْكَبِير على مُخْتَصر الْمُزنِيّ، وعلق عَلَيْهِ الشَّرْح أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ، قَالَ الأسنوي وَله تَعْلِيق آخر فِي مُجَلد ضخم وهما قَلِيلا الْوُجُود، توفّي سنة ٣٤٥ هـ وَقيل سنة ٣٤٦هـ. انْظُر: تَارِيخ بَغْدَاد ٧/٢٩٨، طَبَقَات ابْن قَاضِي شُهْبَة ١/٩٩، طَبَقَات الشِّيرَازِيّ ١٢١، طَبَقَات الأسنوي ٢/٥١٨ طَبَقَات ابْن هِدَايَة الله ٢/٧٢، طَبَقَات الْعَبَّادِيّ ٧٧، النُّجُوم الزاهرة ٣/٣١٦، الْأَعْلَام ٢/١٨٨، الْفَتْح الْمُبين ١/١٩٣.
(٣) (لَهُ) سَاقِطَة م د.
(٤) انْظُر: الْمُهَذّب ٢/٢٤٤، الْبَيَان ٨/ الورقة ٢٥ من كتاب السّير، رَوْضَة الطالبين ٢٨٢، كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠٣.
(٥) فِي أ: (وَلَو قَالَ لَا نطلقك) .
(٦) فِي أ: (فأطلقوه) .
(٧) فِي د: (فمهما أمكن) .
(٨) انْظُر: الْمُهَذّب ٢/٢٤٤، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢١٢.
[ ٣٣٣ ]
كَانَ يَمِين مكره وَلَا ينْعَقد١ كَمَا لَو أَخذ اللُّصُوص رجلا وَقَالُوا لَا نَتْرُكك حَتَّى تحلف أَن لَا تخبر بمكاننا أحدا فَحلف فَتَرَكُوهُ ٢ فَأخْبر بمكانهم لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.
وَإِن كَانَ حلف بِالطَّلَاق لَا يَقع إِلَّا أَنه إِذا خرج إِلَى دَار السَّلَام لَا يجوز أَن يغتالهم بِنَفس وَلَا مَال لأَنهم أمنوه وَكَانُوا ٣ فِي أَمَان مِنْهُ إِلَّا أَن يجْعَلُوا الْأمان لَهُ ٤ دون أنفسهم فَلهُ أَن يغتالهم. وَلَو كَانَ لمُسلم عين مَال فِي أَيْديهم فَلهُ أَخذهَا لِترد إِلَى الْمَالِك سَوَاء شرطُوا لَهُم فِي أَمَان مِنْهُ أَو لم يشرطوا٥ ثمَّ هَل ٦ تكون تِلْكَ الْعين مَضْمُونَة عَلَيْهِ ٧؟
من أَصْحَابنَا من قَالَ فِيهِ قَولَانِ كَمَا لَو أَخذ الْمَغْصُوب من الْغَاصِب ليرد إِلَى الْمَالِك.
وَقَالَ ٨ الشَّيْخ الْقفال ٩ رَحمَه الله١٠: "لَا يضمن هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ لم
_________________
(١) فِي أ: (فَلَا) .
(٢) فِي د: (وتركوه) .
(٣) فِي ط: (فَكَانُوا) .
(٤) (لَهُ) سَاقِطَة من د، ظ.
(٥) فِي ظ: (أَو لم يشترطوا) .
(٦) فِي د: (وَهل) .
(٧) انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٣، مُغنِي الْمُحْتَاج ٤/٢٤.
(٨) فِي د: (قَالَ) .
(٩) أَبُو بكر عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله الْمروزِي الْخُرَاسَانِي، سمي بالقفال لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل الأقفال، كَانَ وحيد زَمَانه فقهًا وحفظا وورعا وزهدا، صَاحب طَريقَة الخراسانيين فِي الْفِقْه من أَصْحَابه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ، وَالْقَاضِي حُسَيْن توفّي سنة ٤١٧هـ. انْظُر: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١٢/٢١، سير أَعْلَام النبلاء ١٧/٤٠٥، طَبَقَات الأسنوي ٢/٢٩٨ طَبَقَات ابْن هِدَايَة الله ١٣٤، طَبَقَات الْعَبَّادِيّ ١٠٥.
(١٠) (﵀) سَاقِطَة من د، أ.
[ ٣٣٤ ]
يكن مَضْمُونا على الْحَرْبِيّ فَلَا ضَمَان على من أَخذ مِنْهُ بِخِلَاف الْمَغْصُوب فَإِنَّهُ مَضْمُون على الْغَاصِب فَيجب الضَّمَان على من أَخذ مِنْهُ.
وَلَو حلف ابْتِدَاء من غير تحليفهم أَنه لَا يخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام نظر. إِن كَانَ مُطلقًا يلْزمه أَن يخرج وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ حلف مُخْتَارًا "١ وَإِن كَانَ مَحْبُوسًا حلف أَنه إِن أطلق لَا يخرج، فَإِذا٢ خرج هَل تلْزمهُ الْكَفَّارَة٣ فِيهِ وَجْهَان٤:
أَحدهمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ يَمِين إِكْرَاه فَلَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة٥.
وَالثَّانِي: تلْزمهُ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ حلف مبتدئًا فَكَانَ مُخْتَارًا.
وَلَو أَطْلقُوهُ على أَنه إِذا خرج إِلَى دَار الْإِسْلَام ٦ عَاد إِلَيْهِم فَإِذا أُتِي إِلَى دَار الْإِسْلَام لَا يجوز أَن يعود إِلَيْهِم وَلَا يَدعه الإِمَام أَن يعود إِلَيْهِم، لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ للإكراه ٧.
_________________
(١) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠١.
(٢) فِي أ: (وَإِذا) .
(٣) (الْكَفَّارَة) سَاقِطَة من د.
(٤) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠١، الْمُهَذّب ٢/٢٤٤، الْبَيَان ٨/ الورقة ٢٦ من كتاب السّير حلية الْعلمَاء ٧/٦٧٣.
(٥) فِي ظ، أ (أَحدهمَا: أَنه يَمِين إِكْرَاه فَلَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة) .
(٦) (إِلَى دَار الْإِسْلَام) سَاقِطَة من د.
(٧) انْظُر: مُخْتَصر الْمُزنِيّ ٢٧٥، كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠٤، الْمُهَذّب٢/٢٤٤.
[ ٣٣٥ ]
وَقَالَ الزُّهْرِيّ١ ٢ وَالْأَوْزَاعِيّ٣ ٤ يجب أَن يعود حَتَّى لَا يصير ذَلِك ذَرِيعَة لحبس الْأُسَارَى.
وَلَو شرطُوا عَلَيْهِ أَن يعود أَو يبْعَث ٥ إِلَيْهِم مَالا لَا يجوز أَن يعود وَلَا يجب أَن يبْعَث المَال وَيسْتَحب أَن يبْعَث المَال٦.
_________________
(١) مُحَمَّد بن مُسلم بن عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ، كَانَ من أحفظ أهل زَمَانه وَأَحْسَنهمْ سياقا لمتون الْأَخْبَار فَقِيها فَاضلا من تَابِعِيّ أهل الْمَدِينَة، ولد سنة ٥٠هـ توفّي سنة ١٢٤، وَقيل ١٢٣هـ وَقيل ١٢٥هـ. انْظُر: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٩/٣٤٠، تذكرة الْحفاظ ١/١٠٨، تَارِيخ ابْن شاهين ٢٧٦، تقريب التَّهْذِيب٢/٢٠٧، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ١/ ٩٠، الْجرْح وَالتَّعْدِيل٨/٧١، حلية الْأَوْلِيَاء ٣/٣٦٠، سير أَعْلَام النبلاء ٥/٣٢٦، شذرات الذَّهَب ١/٦٢، طَبَقَات الشِّيرَازِيّ ٤٨، طَبَقَات الْحفاظ ٤٩، طَبَقَات الْقُرَّاء ٢/٢٦٢، الْمعرفَة والتاريخ ١/٦٢، المعارف ٢٢٧، مُعْجم الشُّعَرَاء للمرزباني ٤١٣، النُّجُوم الزاهرة ١/٢٩٤، وفيات الْأَعْيَان ٤/٧٧.
(٢) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠٤.
(٣) أَبُو عمر عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن مُحَمَّد وَقيل يحمد الْأَوْزَاعِيّ، الدِّمَشْقِي شيخ الْإِسْلَام وعالم أهل الشَّام، كَانَ ثِقَة مَأْمُونا فَاضلا خيرا، كثير الحَدِيث وَالْعلم وَالْفِقْه، وَكَانَ عابدًا زاهدًا ورعًا، ولد سنة ٨٨هـ وَقيل سنة ٩٣ هـ توفّي فِي سنة ١٥٧هـ وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ توفّي سنة ١٥١هـ. انْظُر: الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ١٠/١١٥، تَهْذِيب التَّهْذِيب ٦/٢٣٨، تذكرة الْحفاظ ١/١٧٨، طَبَقَات الْحفاظ ٨٥، علل الحَدِيث لِابْنِ الْمَدِينِيّ ٣٤، ميزَان الِاعْتِدَال ٢/٥٨٠، مشاهير عُلَمَاء الْأَمْصَار١٨٠، الْمعرفَة والتاريخ ٢/٣٩، العبر ١/١٧٤، وفيات الْأَعْيَان ٣/١٢٧.
(٤) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠٤، الْبَيَان ٨/ الورقة ٢٦ من كتاب السّير.
(٥) فِي د: (وَيبْعَث) .
(٦) قَالَ العمراني: "وَإِن أَطْلقُوهُ على أَن ينفذ إِلَيْهِم من دَار الْإِسْلَام مَالا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فَإِن لم ينفذهُ إِلَيْهِم عَاد إِلَيْهِم، فَهَل يلْزمه إيفاد المَال إِلَيْهِم اخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يلْزمه لِأَنَّهُ ضَمَان مَال بِغَيْر حق إِلَّا أَن الْمُسْتَحبّ أَن ينفذهُ إِلَيْهِم ليَكُون ذَلِك طَرِيقا إِلَى إِطْلَاق الأسرى وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد أَكثر أَصْحَابنَا يلْزمه إيفاد المَال إِلَيْهِم لِأَن فِيهِ مصلحَة لِأَنَّهُ إِذا لم ينفذهُ إِلَيْهِم لم يثقوا بقول الْأُسَارَى فِي ذَلِك وَلم يطلقوهم". انْظُر: الْبَيَان ٨/الورقة ٢٦ من كتاب السّير.
[ ٣٣٦ ]
وَعند الزُّهْرِيّ والأوزعي يجب أَن يعود أَو يبْعَث١ المَال٢.
وَلَو٣ اشْترى الْأَسير/ من الْكفَّار شَيْئا بأضعاف ثمنه أَو بِمثل ثمنه أَو باعوا مِنْهُ فرسا ليركبه وَيَأْتِي بِهِ ٤ دَار الْإِسْلَام /نظر.
إِن اشْتَرَاهُ ٥ طَوْعًا لزمَه جَمِيع الثّمن ٦.
فَإِذا دخل دَار الْإِسْلَام إِن شَاءَ ردّ وَإِن شَاءَ أجَاز وَأعْطى الثّمن.
وَقيل يَصح وَيلْزمهُ الثّمن قولا وَاحِدًا لِأَنَّهُ مُعَاملَة مَعَ أهل الشّرك فَيجوز فِيهَا مَالا يجوز فِي مُعَاملَة الْمُسلمين.
وَفِدَاء الْأَسير جَائِز فَلَو ٧ قَالَ أَسِير أطلقني على كَذَا فَفعل، وَقَالَ الْكَافِر افتد نَفسك على هَذَا المَال فَفعل لزم، لِأَنَّهُ غير مكره فَلَو قَالَ مُسلم لكَافِر: أطلق أسيرك وَلَك عليّ ألف فَأَطْلقهُ يجب عَلَيْهِ الْألف كَمَا لَو قَالَ أعتق أم ولدك على ألف فَفعل ٨ يجب الْألف وَمن فدى أَسِيرًا بِمَال من غير مَسْأَلَة الْأَسير لَا يرجع على
_________________
(١) فِي أ: (وَيبْعَث) .
(٢) انْظُر: المراجع الْمُتَقَدّمَة عَن الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ الصفحة السَّابِقَة.
(٣) فِي ظ: (فَلَو) .
(٤) (بِهِ) سَاقِطَة من د، أ.
(٥) فِي د، أ: (اشْترى) .
(٦) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ١٢٠٩، مُغنِي الْمُحْتَاج ٤/٢٤٠.
(٧) فِي أ: (وَلَو) .
(٨) (فَفعل لزم، لِأَنَّهُ غير مكره، فَلَو قَالَ مُسلم لكَافِر: أطلق أسيرك وَلَك علىّ ألف فَأَطْلقهُ يجب عَلَيْهِ الْألف، كَمَا لَو قَالَ أعتق أم ولدك على ألف فَفعل) سَاقِطَة من ظ.
[ ٣٣٧ ]
الْأَسير بِشَيْء وَلَو قَالَ الْأَسير أفدني بِكَذَا بِشَرْط أَن يرجع عَلَيْهِ١ بفدىِ٢.
وَإِن لم يشْتَرط٣ الرُّجُوع هَل يرجع؟ فِيهِ وَجْهَان: أصَحهمَا يرجع. وَلَو فدى الْأَسير نَفسه بِمَال ثمَّ استولى عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ هَل يرد إِلَى الْأَسير؟ فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: يرد لِأَنَّهُ كَانَ مقهورًا فِي أَدَائِهِ كَمَا لَو غصبوا من مُسلم شَيْئا ثمَّ استولى عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ يجب رده.
_________________
(١) (عَلَيْهِ) سَاقِطَة من أ.
(٢) فِي ظ: (بِشَرْط أَن يرجع ففدى يرجع عَلَيْهِ) .
(٣) فِي د: (لم يشرط) .
[ ٣٣٨ ]