إِذا حاصر الإِمَام قلعة فَترك أَهلهَا على حكم حَاكم جَازَ١؛ لِأَن بني قُرَيْظَة نزلُوا على حكم سعد بن معَاذ٢ فَحكم بقتل رِجَالهمْ وَسبي نِسَائِهِم وذراريهم، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: "لقد حكمت بِحكم الْملك" ٣.
وَيجب أَن يكون الْحَاكِم حرا مُسلما ذكرا ٤ عَاقِلا بَالغا عدلا عَالما ٥ ٦؛ لِأَنَّهُ ولَايَة كولاية الْقَضَاء.
وَيجوز أَن يكون أعمى لِأَن مَا يُوجب الحكم بَينهم٧ مَشْهُور يدْرك بِالسَّمَاعِ كَالشَّهَادَةِ فِيمَا طَرِيقه الاستفاضة تصح من الْأَعْمَى وَيكرهُ أَن يكون الْحَاكِم حسن الرَّأْي فيهم ٨ وَلَكِن يجوز حكمه لِأَنَّهُ عدل فِي الدّين.
_________________
(١) رَاجع جزئيات هَذَا الْفَصْل: الْمُهَذّب ٢/٢٣٩، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٩١.
(٢) سعد بن معَاذ بن النُّعْمَان بن امْرِئ الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل، أَبُو عَمْرو الْأنْصَارِيّ، البدري، اهتز الْعَرْش لمَوْته. انْظُر: التَّارِيخ الْكَبِير ٤/٦٥، تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ١/٢١٤، الْجرْح وَالتَّعْدِيل ٤/٩٣، سير أَعْلَام النبلاء ١/٢٧٩.
(٣) مُتَّفق عَلَيْهِ. انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ: كتاب الْجِهَاد وَالسير - بَاب إِذا نزل الْعَدو على حكم رجل ٤/٨١، صَحِيح مُسلم: كتاب الْجِهَاد وَالسير - بَاب جَوَاز قتال من نقض الْعَهْد وَجَوَاز إِنْزَال أهل الْحصن على حكم حَاكم عدل أهل للْحكم ٣/١٣٨٩.
(٤) فِي أ: (أَن يكون الْحَاكِم مُسلما حرا ذكرا) .
(٥) (عَالما) سَاقِطَة من ظ.
(٦) قَالَ النَّوَوِيّ: "وأطلقوا أَنه يشْتَرط كَونه عَالما وَرُبمَا قَالُوا فَقِيها وَرُبمَا قَالُوا مُجْتَهدا "، قَالَ الإِمَام: "وَلَا أظنهم شرطُوا أَوْصَاف الِاجْتِهَاد الْمُعْتَبرَة فِي الْمُفْتِي ولعلهم أَرَادوا التهدي إِلَى طلب الصّلاح وَمَا فِيهِ النّظر للْمُسلمين". نظر رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٩١.
(٧) (بَينهم) سَاقِطَة من د.
(٨) فِي أ: (مِنْهُم) .
[ ٣٣٩ ]
وَإِن نزلُوا على حكم حَاكم يختاره الإِمَام جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يخْتَار إِلَّا من يجوز حكمه١، وَإِن نزلُوا على حكم حَاكم يختارونه لم يجز إِلَّا أَن يشْتَرط أَن يكون على الصِّفَات الَّتِي ذَكرنَاهَا.
وَإِن نزلُوا على حكم اثْنَيْنِ جَازَ٢؛ لِأَنَّهُ تحكيم٣ فِي مصلحَة طريقها الرَّأْي فَجَاز أَن يَجْعَل إِلَى اثْنَيْنِ كالتحكيم ٤ فِي اخْتِيَار الإِمَام، وَإِن نزلُوا على حكم من لَا يجوز حكمه ردوا إِلَى القلعة.
وَكَذَلِكَ لَو نزلُوا على حكم حَاكم فَمَاتَ، أَو على حكم اثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحدهمَا، ردوا إِلَى القلعة ٥ وَلَا يحكم الْحَاكِم إِلَّا بِمَا فِيهِ الْحَظ للْمُسلمين من الْقَتْل٦ أَو الاسترقاق أَو الْمَنّ أَو الْفِدَاء٧ ٨.
وَإِن ٩ حكم بِعقد الذِّمَّة، وَأخذ الْجِزْيَة فَفِيهِ وَجْهَان١٠:
أَحدهمَا: يجوز لأَنهم نزلُوا على حكمه.
_________________
(١) فِي د: (لِأَنَّهُ عدل فِي الدّين، وَإِن نزلُوا على حكم حَاكم يختاره الإِمَام جَازَ، لِأَنَّهُ لَا يخْتَار إِلَّا من يجوز حكمه) سَاقِطَة من د.
(٢) فِي ظ: (يجوز) .
(٣) فِي أ: (يحكم) .
(٤) فِي أ: (كالتحكم) .
(٥) (وَكَذَلِكَ لَو نزلُوا على حكم حَاكم فَمَاتَ أَو على حكم اثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحدهمَا ردوا إِلَى القلعة) سَاقِطَة من ظ.
(٦) (من الْقَتْل) سَاقِطَة من أ.
(٧) فِي أ، د: (من الْقَتْل والاسترقاق والمن وَالْفِدَاء) .
(٨) قَالَ النَّوَوِيّ: "وَحكى الرَّوْيَانِيّ وَجها أَنه لَا يجوز الحكم بالمن على جَمِيعهم وَاسْتَغْرَبَهُ". انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٩٢.
(٩) فِي د: (فَإِن) .
(١٠) فِي د: (قَولَانِ) .
[ ٣٤٠ ]
وَالثَّانِي: لَا يجوز لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة فَلَا يجوز من غير رضاهم.
وَإِن حكم الْحَاكِم أَن من أسلم مِنْهُم اسْترق وَمن أَقَامَ على الْكفْر قتل جَازَ، ثمَّ إِن١ أَرَادَ الإِمَام أَن يسترق من حكم بقتْله لم يجز لِأَنَّهُ لم ينزل٢ على هَذَا الشَّرْط، وَإِن حكم عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ ثمَّ رَأْي الإِمَام أَن يمن عَلَيْهِم جَازَ٣؛ لِأَن سعد بن معَاذ حكم بقتل رجال بني قُرَيْظَة.
وَسَأَلَ ثَابت بن قيس الْأنْصَارِيّ أَن يهب لَهُ الزبير بن باطا الْيَهُودِيّ ٤. فوهبه ٥ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٦.
وَإِن حكم باسترقاقهم لم يجز أَن يمن عَلَيْهِم إِلَّا بِرِضا الْغَانِمين لأَنهم صَارُوا مَالا لَهُم٧.
وَإِن حكم بِمَا لَا يُوَافق الشَّرْع مثل أَن يحكم ٨ بقتل الصّبيان والنسوان لم ينفذ لَو اسْتَنْزَلَهُمْ على أَن مَا يقْضِي الله فِيكُم يقدمهُ لم يجز لأَنهم لَا يعْرفُونَ حكم الله ﷿.
رُوِيَ عَن بُرَيْدَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "وَإِن حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تنزل على حكم الله فَلَا تنزلهم على حكم الله وَلَكِن أنزلهم على حكمك فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله فيهم أم لَا" ٩ وَالله أعلم١٠ ١١.
_________________
(١) (إِن) سَاقِطَة من د، ظ.
(٢) فِي د: (لِأَنَّهُ نزل) .
(٣) (جَازَ) سَاقِطَة من د.
(٤) والقصة تقدّمت ص.
(٥) فِي ظ: (فوهب) .
(٦) انْظُر: السّنَن الْكُبْرَى: كتاب السّير - بَاب مَا يَفْعَله بِالرِّجَالِ الْبَالِغين مِنْهُم ٩/٦٦.
(٧) فِي أ: (امالا لَهُم) .
(٨) فِي د، أ: (ان حكم) .
(٩) انْظُر: صَحِيح مُسلم: كتاب الْجِهَاد وَالسير - بَاب تأمير الإِمَام الْأُمَرَاء على الْبعُوث ٣/١٣٥٨.
(١٠) (وَالله أعلم) سَاقِطَة من د.
(١١) والقصة تقدّمت فِي ص.
[ ٣٤١ ]