فصل: لَو أَن علجًا كَافِرًا دلّ الإِمَام على قلعة
لَو أَن علجًا١ كَافِرًا دلّ الإِمَام على قلعة على أَنه إِن فتحهَا يُعْطِيهِ جَارِيَة سَمَّاهَا فعقد الإِمَام مَعَه٢ هَذَا العقد، أَو ابْتَدَأَ الإِمَام فَقَالَ للعلج٣ إِن دللتني على حصن كَذَا فلك مِنْهُ جَارِيَة سمّى أَو لم يسمّ يجوز، وَإِن كَانَت ٤ الْجَارِيَة مَجْهُولَة غير مَقْدُور عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يتَسَامَح فِي الْمُعَامَلَة مَعَ الْكفَّار بِمَا لَا يتَسَامَح مَعَ غَيرهم٥.
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ للعلج دلَّنِي على الْحصن وَلَك ثلث مَا فِيهِ جَازَ. وَإِنَّمَا يجوز هَذَا العقد إِذا كَانَ الْبَدَل٦ الْمَشْرُوط لَهُ مِمَّا يدله٧ عَلَيْهِ.
فَإِن شَرط لَهُ من عِنْد نَفسه شَيْئا لَا يجوز مَعَ الْجَهَالَة مثل أَن يَقُول أدلك ٨ على حصن كَذَا على أَن تُعْطِينِي جَارِيَة من عنْدك، أَو قَالَ الإِمَام إِن دللتني فلك ثلث مَالِي لَا يجوز.
فَإِن شَرط لَهُ شَيْئا مَعْلُوما فَقَالَ: إِن دللتني فلك مائَة دِينَار يجوز وَيُعْطِيه من بَيت المَال. وَإِن كَانَ الدَّال مُسلما فَقَالَ أدلك على أَن تُعْطِينِي جَارِيَة مِنْهَا
_________________
(١) العلج: الرجل الشَّديد الغليظ، وَيُقَال للرجل الْقوي الضخم من الْكفَّار علج. انْظُر: - علج - لِسَان الْعَرَب ٢/٣٢٦.
(٢) فِي د: (فعقد مَعَه الإِمَام) .
(٣) (للعلج) سَاقِطَة من د.
(٤) (وَإِن كَانَت) مكررة فِي ظ.
(٥) قَالَ النَّوَوِيّ: وَلَو شَرط العلج أَو الإِمَام جَارِيَة مُبْهمَة جَازَ على الصَّحِيح. انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٥.
(٦) (الْبَدَل) سَاقِطَة من ظ.
(٧) فِي ظ: (مِمَّا يدل لَهُ عَلَيْهِ) .
(٨) فِي ظ: (ذَلِك أولك) .
[ ٣٢٢ ]
أَو ثلث١ مَا فِيهَا هَل يجوز؟ فِيهِ وَجْهَان٢:
أَحدهمَا: يجوز كَمَا لَو كَانَ الدَّال كَافِرًا.
وَالثَّانِي: لَا يجوز، لِأَن هَذَا عقد فِيهِ أَنْوَاع من الْغرَر، فَلَا يجوز مثله مَعَ الْمُسلمين،: إِنَّمَا يجوز مَعَ الْكفَّار كعقد الذِّمَّة.
وَلِأَنَّهُ يفترض على الْمُسلم الدّلَالَة٣ فَلَا يجوز لَهُ أَخذ الْعِوَض عَلَيْهِ كَمَا لَا يجوز اسْتِئْجَار الْمُسلم على الْجِهَاد.
فَإِذا عقد هَذَا العقد مَعَ العلج فَإِن لم يفتح الْحصن لَا شَيْء للعلج٤ ٥؛ لِأَن تَقْدِيره من دلَّنِي على الْحصن وفتحته فَلهُ مِنْهُ٦ جَارِيَة؛ لِأَنَّهُ لَا يقدر على تَسْلِيمهَا إِلَّا بِالْفَتْح.
فَإِن فتح الْحصن وَلم يجد فِيهِ٧ تِلْكَ الْجَارِيَة فَلَا شَيْء للعلج، لِأَن الْمَشْرُوط
_________________
(١) فِي د: (مِنْهَا وَثلث) .
(٢) قَالَ النَّوَوِيّ: أصَحهمَا عِنْد الإِمَام لَا يجوز انْظُر: الْوَجِيز ٢/ ١٩٥، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٥.
(٣) فِي د: (لِأَنَّهُ يفْرض الْمُسلم على الدّلَالَة) .
(٤) فِي د: (لَا شَيْء عَلَيْهِ للعلج) .
(٥) قَالَ الشِّيرَازِيّ: وَإِن قَالَ من دلَّنِي على القلعة الْفُلَانِيَّة فَلهُ مِنْهَا جَارِيَة فدله عَلَيْهَا وَلم تفتح لم يسْتَحق شَيْئا وَقيل يرْضخ لَهُ وَلَيْسَ بِشَيْء. قَالَ ابْن الرّفْعَة: وَمحل الْخلاف إِذا أطلق العقد أما إِذا شَرط لَهُ مِنْهَا جَارِيَة إِذا فتحت فَلم يفتح لم يسْتَحق شَيْئا قطعا. انْظُر: التَّنْبِيه ١٤٣، كِفَايَة النبيه الورقة ١٩ من كتاب السّير.
(٦) فِي أ، ظ: (مِنْهَا) .
(٧) فِي ظ، أ (فِيهَا) .
[ ٣٢٣ ]
لَهُ١ مَعْدُوم وَإِن وجدهَا دَفعهَا إِلَى العلج وَلَا حق فِيهَا للغانمين وَلَا لأهل الْخمس لِأَنَّهُ اسْتحقَّهَا بِسَبَب قبل الْفَتْح، فَإِن وجدهَا وَقد أسلمت نظر:
إِن أسلمت قبل الظفر لَا تسلم إِلَيْهِ لِأَن إسْلَامهَا يمْنَع استرقاقها٢ وَيُعْطى قيمتهَا من بَيت المَال٣؛ لِأَن النَّبِي ﷺ صَالح أهل مَكَّة على أَن يرد إِلَيْهِم من جَاءَهُ ٤ مِنْهُم فَمَنعه الله من رد النِّسَاء، وَأمر برد مهورهن٥. وَإِن أسلمت بعد الظفر عَلَيْهَا فَهِيَ رقيقَة نظر٦:
إِن كَانَ قد أسلم العلج أَو كَانَ الدَّال مُسلما وجوزنا هَذَا العقد مَعَ الْمُسلم تسلم الْجَارِيَة إِلَيْهِ.
وَإِن لم يسلم٧ العلج: إِن ٨ قُلْنَا يجوز للْكَافِرِ أَن يَشْتَرِي العَبْد الْمُسلم تسلم إِلَيْهِ وَيجْبر على إِزَالَة الْملك عَنْهَا.
وَإِن قُلْنَا لَا يجوز للْكَافِرِ شِرَاء العَبْد الْمُسلم لَا يدْفع الْجَارِيَة إِلَيْهِ وَيُعْطى قيمتهَا من بَيت المَال.
_________________
(١) فِي ظ: (بِهِ) .
(٢) قَالَ النَّوَوِيّ: وَعَن ابْن سُرَيج أَن فِيهِ قولا أَنَّهَا تسلم إِلَى العلج لِأَنَّهُ اسْتحقَّهَا قبل الْإِسْلَام وَالْمذهب الأول. انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٨.
(٣) وَقيل يعْطى أُجْرَة مثل وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الإِمَام، وَإِعْطَاء الْقيمَة هُوَ الْأَصَح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور. انْظُر: مُغنِي الْمُحْتَاج ٤/٢٤١.
(٤) فِي د: (جَاءَ) .
(٥) انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ: بَاب مَا يجوز من الشُّرُوط فِي الْإِسْلَام وَالْأَحْكَام والمبايعة ٣/٢٤٧.
(٦) انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٨، مُغنِي الْمُحْتَاج ٤/٢٤١.
(٧) فِي ظ: (تسلم) .
(٨) فِي ظ: (فَإِن) .
[ ٣٢٤ ]
وَإِن أسلم العلج بعد ذَلِك لَا يسْتَحق؛ لِأَنَّهُ أسلم بعد مَا انْتقل حَقه إِلَى الْقيمَة١.
وَإِن مَاتَت الْجَارِيَة نظر٢، إِن مَاتَت بعد الظفر أعطي العلج قيمتهَا.
وَإِن مَاتَت قبل الظفر فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: يعْطى إِلَيْهِ٣ قيمتهَا كَمَا لَو كَانَت قد أسلمت.
وَالثَّانِي: لَا يُعْطي لِأَنَّهُ لم يقدر ٤ عَلَيْهَا كَمَا لَو ٥ لم يكن فِيهِ ٦ جَارِيَة. هَذَا إِذا فتح الْحصن عنْوَة فَأَما إِذا صَالح الإِمَام أهل الْحصن نظر٧:
إِن كَانَت هَذِه الْجَارِيَة خَارِجَة عَن الْأمان مثل إِن صَالحهمْ على أَن يكون صَاحب الْحصن وَأَهله فِي أَمَان وَالْبَاقُونَ سبي وَهَذِه الْجَارِيَة لَيست من أهل صَاحب الْحصن سلمت إِلَى العلج.
وَإِن كَانَت هَذِه الْجَارِيَة من ٨ أهل صَاحب الْحصن ٩ يُقَال للعلج أترضى بِجَارِيَة أُخْرَى من الْحصن أَو بِقِيمَة الْجَارِيَة، فَإِن رَضِي أعطي وَإِن لم يرض يُقَال لصَاحب الْحصن أترضى بِقِيمَة الْجَارِيَة، فَإِن رَضِي١٠ أعطي من بَيت المَال وأمضى الصُّلْح وسلمت الْجَارِيَة إِلَى العلج. وَإِن لم يرض يُقَال لصَاحب الْحصن أعطيناك مَا صالحنا عَلَيْهِ غَيْرك من قبل فَإِن لم تسلمها ننبذ١١ إِلَيْك عَهْدك فَارْجِع
_________________
(١) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ٩٧٦.
(٢) انْظُر: رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٦، نِهَايَة الْمُحْتَاج ٨/٧٩، كِفَايَة النبيه الورقة ١٩ من كتاب السّير.
(٣) (إِلَيْهِ) سَاقِطَة من د.
(٤) فِي د: (لَا يقدر) .
(٥) (لم) سَاقِطَة من أ.
(٦) فِي ظ، أ (فِيهَا) .
(٧) انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ٩٧٩، رَوْضَة الطالبين ١٠/٢٨٨.
(٨) (من) سَاقِطَة من ظ.
(٩) (سلمت إِلَى العلج، وَإِن كَانَت هَذِه الْجَارِيَة من أهل صَاحب الْحصن) سَاقِطَة من أ.
(١٠) (أعطي وَإِن لم يرض يُقَال لصَاحب الْحصن أترضى بِقِيمَة الْجَارِيَة فَإِن رَضِي) سَاقِطَة من ظ.
(١١) فِي د: (نبذ) .
[ ٣٢٥ ]
إِلَى الْحصن وأغلق الْبَاب فَإِذا رَجَعَ وفتحنا الْحصن تسلم١ الْجَارِيَة إِلَى العلج كَمَا سبق وَإِن لم يحصل الْفَتْح٢ هَل تجب الْقيمَة للعلج فِيهِ قَولَانِ٣:
أَحدهمَا: بلَى لِأَن الإِمَام قد ظفر بهَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَح لَا يجب لِأَن الِاسْتِيلَاء لم يتم كَمَا لَو لم يفتح أصلا.
يخرج من هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه ٤ يجوز تَبْدِيل الْمُؤمن: فَإنَّا عرضنَا على صَاحب الْحصن أَن يعوضه عَن الْجَارِيَة. وَأَنه يجوز عقد الْأمان لمجهولي الْعدَد معلومي الْحَال: فَإِذا صالحنا صَاحب الْحصن على أَن يكون أَهله فِي أَمَان وَإِن لم نَعْرِف عَددهمْ. وَكَذَلِكَ يجوز لمعلومي الْعدَد مجهولي الْحَال مثل أَن يُصَالح أهل الْحصن على أَن يكون مائَة نفر مِنْهُم فِي أَمَان ثمَّ يعينهم صَاحب الْحصن فَإِن عد مائَة ٥ وَلم يعد نَفسه جَازَ قَتله ٦.
_________________
(١) فِي د: (فَإِذا رَجَعَ فَإِذا فتح تسلم الْجَارِيَة) وَفِي أ: (فَإِذا رَجَعَ ثمَّ فتحنا) . (كَمَا سبق وَإِن لم يحصل الْفَتْح) سَاقِطَة من د.
(٢) قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: "وَإِن لم نفتح القلعة وعدنا عَنْهَا فَلَا شَيْء للدليل وَيسْتَحب أَن لَو رضخ لَهُ من سهم الْمصَالح وَإِن لم يجب". انْظُر: كتاب السّير من الْحَاوِي ٩٨٠.
(٣) (أَنه) سَاقِطَة من أ.
(٤) فِي د: (فَإِن عدهما بِهِ) .
(٥) انْظُر: حَاشِيَة القليوبي ٤/٢٢٧.
[ ٣٢٦ ]