قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقال لرسوله - ﷺ-: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
خلق الله- تعالى- الخلق، وكلهم الشرائع، وبعث الأنبياء﵈- قضاة؛ ليحكموا بينهم.
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
القضاء: فرض على الكفاية، وكان الخلفاء بعد رسول اللهﷺ- يبعثون العلماء
[ ٨ / ١٦٦ ]
إلى النواحي؛ للقضاء بين الناس؛ فيجب على الإمام في كل زمان أن يبعث إلى كل ناحية قاضيًا؛ يقضي بينهم؛ فينتصف للمظلومين من الظالمين، ويقوم بتزويج الأيامى، ورعاية حقوق الأيتام، وأمر الأوقاف، وغير ذلك من أمور الشرع.
ثم على أهل الناحية طاعته فيما دعاهم إليه فيما يوافق الشرع.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
ويشترط أن يكون القاضي مسلمًا، مكلفًا، ذكرًا، عدلًا، مجتهدًا؛ لأن الكافر والفاسق والعبد والصغير لما لم يكونوا من أهل الشهادة؛ لنقصان حالهم، مع أن الشهادة دون القضاء فأولى ألا يكونوا من أهل القضاء؛ وهو فرق الشهادة.
ولا يجوز تولية المرأة؛ لما روي عن أبي بكرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
ولأنه لا بد للقاضي من مجالسة الرجال، والعلماء، والشهود، والخصوم. والمرأة ممنوعة عن ذلك؛ لما فيها من الفتنة.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضية فيما يقبل شهادتها فيه.
ولا يجوز أن يكون القاضي أعمى، ولا أخرس؛ لأن الأعمى لا يعرف الخصوم والشهود، والأخرس لا يفهم منه ما يقول، والصمم لا يمنع القضاء إذا كان يسمع لوصيح له فإن لم يسمع أصلًا، لا يجوز أن يكون قاضيًا.
[ ٨ / ١٦٧ ]
ولا يجوز أن يكون جاهلًا بطرق الأحكام.
روي عن رسول اللهﷺ قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به وأما اللذان في النار، فرجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار".
ويشترط أن يكون من أهل الاجتهاد، عالمًا بالكتاب والسنة، وأقاويل السلف من إجماعهم واختلافهم، ولسان العرب، ووجوه القياس.
وعند أبي حنيفة: يجوز للعامي أن يتقلد القضاء؛ فيسأل أهل العلم، ويقضي.
وبالاتفاق: لا يجوز أن يقلد فيفتي، كذلك لا يجوز أن يقضي بالتقليد، وهل يشترط أن يكون كاتبًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النبيﷺ- لم يكن يكتب.
والثاني: يشترط، وعدم الكتابة للنبيﷺ- كان معجزة.
ويكره: أن يكون القاضي جبارًا يهابه الخصم؛ فلا يتمكن من استيفاء حجته، وأن يكون ضعيفًا يطمع كل واحد في حيفه.
ولو أن الإمام قلد القضاء من لم يجتمع فيه هذه الخصال- لا يجوز، ولا يصير قاضيًا.
أما إذا جعل التولية إلى والي الإقليم؛ وهو غير صالح للقضاء- جاز؛ لأنه سفيره.
[ ٨ / ١٦٨ ]
والمتولي للأحكام هو القاضي، ويكون واليًا من جهة الإمام.
وإذا لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحدًا، يجب على الإمام أن يوليه، ويجبره عليه. ويجب عليه أن يطلبه؛ لأنه فرض تعين عليه، وإن كان هناك من يصلح للقضاء غيره، يختار الإمام أفضلهم، وأورعهم، وقلده القضاء؛ فإن قلد غيره ممن هو دونه، ولكنه صالح للقضاء، جاز.
ولو امتنعوا جميعًا عن الدخول فيه، أثموا؛ كما لو تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل يجوز للإمام أن يجبر واحدًا منهم على الدخول فيه، أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه فرض على الكفاية، فلو أجبرناه عليه التحق بفرض العين.
والثاني: يجوز؛ لأنا لو تركناهم، لتعطل أمر القضاء.
وهل يستحب لمن يصلح للقضاء طلب القضاء، أم لا؟
نظر: إن كان هناك من هو أصلح منه، يكره له الطلب. فإن كان الأصلح لا يتولاه، فيستحب له الطلب، وإن لم يكن الآخر أصلح منه، بل كان دونه يستحب له الطلب إذا علم من نفسه القيام بحقوقه.
وإن كان الآخر مثله؛ نظر: إن كان عالمًا حامل الذكر، وإذا تولى القضاء اشتهر، وانتشر علمه- يستحب له الطلب، وإن كان مشهورًا فإن كانت له كفاية يكره له الدخول فيه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ-: "من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين".
[ ٨ / ١٦٩ ]
وإن كان فقيرًا لا كفاية له، فنرجو أن يكون بسبب القضاء له كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لأنه يكتسب الكفاية بسبب مباح.
وإذا ولى الإمام رجلًا قضاء بلد كتب له كتاب العهد، وذكر فيه ما يحتاج إليه القاضي أن يتولاه، فإن النبيﷺ- كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى "اليمين" والخلفاء من بعده كانوا يكتبون لمن ولوه.
ثم إن كان البلد بعيدًا، أشهد على التولية شاهدين، وقرأ عليهما كتاب العهد، والشاهدان يخرجان معه؛ فيشهدان بذلك.
وإن كان البلد قريبًا؛ ينتشر الخبر إليه، ويستفيض قبل قدومه- فهل يجب الإشهاد، أم لا؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجب الإشهاد.
وقال الإصطخري: لا يجب، ويثبت بالاستفاضة. هذا كما لو اختلفوا في النكاح، والعتق، والوقف هل يثبت بالاستفاضة، أم لا؟
وإذا أراد القاضي الخروج، سأل من كان في هذا البلد من أهل ولايته عن حال البلد، على علم بحال البلد وأهله.
ويستحب: أن يدخل [البلد] يوم الاثنين؛ لأن النبيﷺ- دخل المدينة يوم الاثنين.
ويستحب: أن ينزل وسط الولاية، وفي وسط البلد؛ ليتساوى الناس في القرب [منه] فإذا دخل أمر مناديًا، ينادي: ألا إن فلان بن فلان حضر قاضيًا؛ فاحضروا لسماع العهد. فإذا اجتمعوا، قرأ عليهم العهد، وقعد للقضاء.
ويجلس للحكم في مكان بارز للناس؛ يراه كل أحد، لا يكون دونه حجاب، إلا أن يزدحم الناس عليه؛ فيجعل بينه وبينهم حجابًا ونوابًا تدخل عليه الخصوم؛ على الترتيب، ويوصيه بذلك.
[ ٨ / ١٧٠ ]
روي عن عمرو بن مرة، عن رسول الله- صلى الله عليهو سلم- قال: "من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين؛ فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم- احتجب الله دون حاجته- وخلته وفقره".
ويستحب: أن يكون المجلس فسيحًا؛ لا يتأذى بضيقه الخصوم، ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز.
ويكره للقاضي أن يتخذ حاجبًا إلا لحاجة، ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبًا، فإن يرفأ كان حاجب عمر﵁- وقنبر كان حاجب علي﵁- ولأن الإمام ينظر في المصالح؛ فتدعوه الحاجة إلى أن يجعل لكل مصلحة وقتًا لا يدخل عليه فيه كل أحد.
[ ٨ / ١٧١ ]
وأول ما يدخل ينظر في أمر [المحبوسين، ويأمر مناديًا ينادي: ألا من له خصم محبوس، فليحضر. ثم من أقر من] المحبوسين أنه حبس بحق رده إلى الحبس، ومن ذكر أنه مظلوم؛ نظر: إن كان حبسه القاضي تعزيرًا، لا يقبل قول المحبوس: إني مظلوم؛ وإن كان حبسه بدعوى مدع، سأل حابسه أن يعيد الدعوى والبينة على حقه، فإن فعل رده إلى الحبس، وإلا أطلقه.
فإن قال: حبست في دين وأنا مفلس، فإن أثبت إعساره أطلق، وإلا رد إلى الحبس؛ وإن كان الذي حبسه غائبًا هل يطلقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يطلقه؛ لأن الأصل أن لا حبس عليه، ويستحب أن يكفله.
والثاني: لا يطلقه؛ لأن الظاهر أنه حبس بحق.
ثم ينظر في أمر الأوصياء والأمناء، ثم في اللقطة، والضوال، والأوقاف العامة، وغيرها من المصالح؛ يقدم الأهم فالأهم؛ لأنه ليس لها مستحق متعين.
ويستحب ألا يقضي في المسجد، وهل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكره، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النبيﷺ كان يقضي في المسجد.
والثاني- وهو الأصح-: يكره؛ لكثرة الغاشية، وارتفاع الأصوات، وحضور الحيض، والكفار. والنبيﷺ كان يقضي في المسجد؛ لأن مجلسه كان مصونًا، لم يكن يكثر فيه الصخب واللدد.
هذا إذا استوطن المسجد للقضاء؛ فإن اتفقت قضية أو قضيتان، فلا يكره.
والتحليف في المسجد فيما يعظم خطره مشروع؛ كما لاعن النبيﷺ- بين العجلاني وزوجته في المسجد.
وإقامة الحد في المسجد أشد كراهية من القضاء؛ لأنه لا يخلو عن رفع الأصوات، ولا يؤمن من تلويث المسجد.
ويستحب أن يجلس القاضي للقضاء في مكان نزه إن كان صيفًا لا يكون حارًا، وإن كان شتاء لا يكون باردًا يؤذيه الحر والبر، ولا يكون مهبًا للرياح.
[ ٨ / ١٧٢ ]
ولا يقضي في حال الغضب؛ لما روي عن أبي بكرة قال: سمعت النبيﷺ - يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان".
وهذا إذا كان غضبه لغير حق الله تعالى، فإن غضب في حكمه لله- تعالى- فلا بأس بإمضائه.
وكذلك كل حال يتغير فيها عقله أو خلقه بجوع أو فرط شبع أو مرض أو خوف أو حزن أو فرح أو نعاس أو ملالة أو مدافعة الأخبثين يمنع من القضاء فيهما؛ بحيث تثوب إليه طبيعته أو عقله.
ولو قضى في حالة من هذه الأحوال، صح حكمه.
ولو عين للقضاء يومًا، أو يومين، أو وقتًا من النهار- جاز: فإن وقع لإنسان خصومة في غير ذلك الوقت، لا يجوز أن يؤخر، إلا أن يكون مشتغلًا بصلاة، أو أكل، أو مهم، لا بأس بالتأخير إلى الفراغ منه.
ويكره للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه؛ لأنه لا يؤمن أن يحابى في البيع؛ فيميل قلبه إلى من حاباه، بل يوكل وكيلًا مجهولًا يبيع له ويشتري. فإن عرف أنه وكيله، استبدله بمن لا يعرف؛ وإن لم يجد من يتولى عنه، تولى بنفسه، لأنه لا بد له منه.
ثم إذا وقعت لمن بايعه خصومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه؛ حذرًا من أن يميل إليه.
[ ٨ / ١٧٣ ]
ويحرم عليه أن يرتشي:
روي عن أبي هريرة قال: "لعن رسول اللهﷺ- الراشي والمرتشي في الحكم".
وروي عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمين فلما سرت قليلًا أرسل في أثري؛ فرددت إليه فقال: "أتدري لما بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة؛ لهذا دعوتك، فامض لأمرك".
ولا يقبل القاضي هدية ممن لم يكن له عادة أن يهدي إليه قبل الولاية.
وكذلك الساعي على الصدقات.
روي عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول اللهﷺ- رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لي، قالﷺ- "فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه؛ فينظر أيهدي له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته".
وإن أهدى إليه هذا الذي لم يكن له عادة، فهل له أن يملكها؟
نظر: إن أثاب عليه جاز أن يتملك، وإن لم يثب نظر: إن لم يكن من أهل ولايته جاز أن يتملك مع الكراهية، وإن كان من أهل ولايته فوجهان.
وإن كانت له عادة بأن يهدي إليه قبل الولاية لرحم أو مودة- نظر: إن كانت له في الحال خصومة لا يجوز أن يقبلها- وعليه ردها، فإن لم يقبله جعله في بيت المال، ولا يجوز له أن يتملكه.
فإن لم يكن له خصومة، نظر: إن كانت هذه الهدية أكثر مما كان يهدي إليه من قبل، أو أرفع- لم يجز قبولها؛ كهدية من لم يكن يهدي من قبل.
[ ٨ / ١٧٤ ]
وإن لم يكن أكثر ولا أرفع، جاز قبولها؛ والأولى: ألا يقبل؛ لجواز أن يكون بين يدي خصومة، فإن قبل أثابه عليه.
ولا يستحب للقاضي التخلف عن الولائم إذا دعي إليها، خصوصًا وليمة العرس، والختان، ولا يخص بالإجابة قومًا دون قوم؛ لأن تخصيص بعضهم بالإجابة ميل وترك للعدل.
إن كثرت الولائم، وقطعته عن الحكم، ترك الحضور في حق الجميع؛ لأن ترك القضاء يستضر به جميع المسلمين.
ويكره أن يجيب إلى دعوى خص بها القاضي، أو خص بها الأغنياء دون الفقراء؛ فإن دعي جيرانه؛ وهو منهم، أو دعي العلماء؛ والقاضي منهم- لم يكره الإجابة. وفي حال الخصومة لا يجوز أن يدعو أحد الخصمين إلى ضيافته، ولا أن يجيب واحدًا من الخصمين، ولا أن يجيبهما إذا دعواه؛ لأنه ربما يزيد أحدهما في الإكرام؛ فيميل إليه.
ولا يدع عبادة المريض، وشهود الجنائز، واستقبال القادم؛ لأنه سنة، ولا يجب التعميم فيه؛ بخلاف إجابة الوليمة؛ لأنه إذا خص قومًا بالإجابة فيها، لا يؤمن من أن يميل إليهم في الحكم.
فصل في رزق القاضي
روي عن عائشة﵂- قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق﵁- قال: "لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين؛ فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه".
إذا أخذ القاضي على لاقضاء رزقًا من بيت المال؛ نظر: إن لم يتعين عليه القضاء، يستحب ألا يأخذ إن كان له كفاية، فإن أخذ جاز. وإن تعين عليه؛ نظر: إن كانت له كفاية، فلا يجوز أن يأخذ عليه شيئًا؛ لأنه يؤدي فرضًا تعين عليه؛ فلا يجوز أن يأخذ عليه مالًا من غير ضوررة.
وإن لم يكن له كفاية، فله أن يأخذ كفايته؛ فإن أبا بكر﵁- لما ولي الخلافة خرج- وتحت يده رزقه- فقيل: ما هذا؟ قال: أنا كاسب أهلي. فقالوا: لا يصح هذا مع الخلافة. فاجتمعت الصحابة، وقدروا له كل يوم درهمين.
[ ٨ / ١٧٥ ]
وقال عمر: أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم: ﴿مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وبعث عمر عمار بن ياسر واليًا، وعبد الله بن مسعود قاضيًا، وعثمان بن حنيف ناسخًان وفرض لهم كل يوم شاة؛ فيجوز للإمام وللقاضي أن يأخذ من بيت المال، إن كان معسرًا ما يكفيه وعياله مما يحتاج إليه من: النفقة، والكسوة اللائقة بحاله؛ من: العمامة، والذراعة؛ والخف.
ويتخذ الإمام منه الخيل والغلمان والدار الواسعة. ولا تعتبر مؤنة الإمام في زماننا بمؤنة النبيﷺ- والخلفاء الراشدين من بعده؛ لأن النبيﷺ- كان منصورًا بالرعب، وكان الإسلام غضًا في زمان الخلفاء الراشدين، ويهابهم الناس؛ لبقاء أثر النبوة في وقتهم، وقد تغيرت الأمور والقلوب بعدهم. فلو لم يتكلف الإمام ما ذكرنا، وعاش بين الناس كواحد منهم- لم يكن مطاعًا، وتعطلت أمور الشريعة.
ويجعل القاضي لمن يحتاج إليه من الكاتب والأعوان رزقًا؛ لأنه يحتاج إليهم؛ لإحضار الخصوم، ويجعل لقراطيسه شيئًا منها؛ لأنه يحتاج إليها لكتبة المحاضر والسجلات.
ويجوز أن يتخذ سجنًا؛ فإن عمر﵁- اشترى دارًا بـ"مكة" بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنًا، ولأنه يحتاج إليه للتأديب، ولاستيفاء الحق ممن يماطل.
فصل
روي عن معاذ﵁- أن النبيﷺ- لما بعثه إلى "اليمن" قال: "كيف تقضي؟ قال: بما في كتاب الله قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله؛ قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي؛ فقال النبيﷺ": "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله".
ويجب على القاضي أن يقضي بكتاب الله ﷿؛ فإن لم يجد الواقعة في كتاب الله، فبسنة رسول الله؛ فإن لم يجد في السنة، يجتهد. وكذلك المفتي؛ يجب أن يفتي بالكتاب،
[ ٨ / ١٧٦ ]
ثم بالسنة، ثم يجتهد.
روي عن عمرو بن العاص؛ أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر".
وليس المراد منه: أن المخطئ يستحق الأجر على الخطأ، إنما يستحقه على الاجتهاد، فالمصيب اجتهد فأصاب؛ فاستحق أجرين: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة. والمخطئ اجتهد ولم يصب؛ فاستحق أجرًا على الاجتهاد، ووزر الخطأ عنه موضوع.
وأصول الدين أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
وقيل: هي الكتاب، والسنة فسحسب، والإجماع والقياس فروعهما؛ فإن الإجماع إنما يكون حجة إذا كان صدوره عن كتاب الله أو سنة، والقياس إنما يكون حجة إذا كان مردودًا إلى أصل من الكتاب أو السنة.
ولا يجوز الحكم بالاستحسان من غير دليل.
[ ٨ / ١٧٧ ]
وعند أبي حنيفة: القول بالاستحسان مقدم على القياس، وعلى الخبر؛ إذا كان من الآحاد. وهذا لا يصح؛ لأن القول بالاستحسان تحكيم الهوى، وتسليط كل إنسان على ما يشتهي، ولو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين؛ فيكون فيه نصب شرع آخر.
فإن قيل: [أليس] قد استحسن الشافعي في مواضع؛ فقال: وحسن أن يضع إصبعيه في أذنيه في الآذان، واستحسن الاستحلاف بالمصحف. وقال: ومراسيل ابن المسيب حسن. قلنا: هذا الاستحسان بالقياس؛ لأن الآذان لإعلام الناس، فإذا وضع المؤذن إصبعيه في أذنيه خرج الصوت من منفذ واحد، وكان أعلى.
واستحسن اليمين بالمصحف؛ لأن اليمين للرد والزجر.
فإذا وضع المصحف في حجره، كان أبلغ في الزجر.
واستحسن مراسيل ابن المسيب؛ لأنه لا يروي خبرًا مرسلًا إلا ويرويه غيره مسندًا.
والاستحسان نوعان: واجب بالاتفاق؛ وهو أن يكون بدليل من: الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس.
والنوع الثاني: استحسان على مخالفة الدليل؛ وهو أن يكون الشيء محظورًا بدليل شرعي، وعادة الناس إباحته؛ فلا يجوز المصير إلى العادة؛ خلافًا لأبي حنيفة. فهذا هو الاستحسان [بغير القياس] الذي ننكره.
إذا ثبت أن الاستحسان بغير القياس لا يجوز، والقياس نوعان: جلي، وخفي.
[ ٨ / ١٧٩ ]
فالجلي: ما وافق الأصل في العلة، وشرطها. وعبر عنه بعضنا؛ فقال: ما زال عنه عوارض الشبه. والاحتمال، وعلم علة الأصل فيه، وزال الطمع عن تجويز أن علة الأصل غيرها هذا كما قال الله- تعالى- في حد الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وكان العبد فيه بمعنى الأمة.
وقال النبيﷺ-: "من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه". وكانت الأمة في معناه.
والقياس الخفي: هو قياس الشبه؛ وهو أن الفرع يتجاذبه أصلان؛ فيلحق بأكثرهما شبهًا؛ لأن كثرة الشبه بمنزلة كثرة الشواهد.
كما أنا نقيس المختلعة في أنه لا يلحقها الطلاق على المنقضية عدتها؛ لأن شبهها بالمنقضية عدتها أكثر، وهم يلحقونها بالرجعية.
وكذلك نقيس الإخوة على [بني الأعمام] في عدم استحقاق النفقة، وألا يعتق بعضهم على بعض؛ لأن شبه الإخوة ببني الأعمام أكثر. وهم يقيسونهم على الوالدين والمولودين.
ويستحب للقاضي إذا وقعت حادثة أن يشاور فيها أهل العلم؛ لأن رسول الله ﷺ
[ ٨ / ١٨٠ ]
أمره الله- تعالى- أن يشاور أهل العلم فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال الحسن: إن كان النبيﷺ- لغنيًا عن مشاورتهم، ولكن أراد بذلك أن يستن بذلك الحكام بعده. ولا يشاور إذا نزل به المشكل إلا أمينًا مجتهدًا، ثم لا يقلده، وإن كان أعلم منه، بل يجتهد رأيه؛ فما لاح له بالدليل قضى به، وإن لم يتضح له أخره حتى يتضح.
وعند ابن سريج: إذا ضاق الوقت؛ بأن كان الحكم بين مسافرين؛ وهم على الخروج للقاضي أن يقلد غيره، ويحكم بينهم؛ كما قال في القبلة إذا خاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد: قلد وصلى.
ويستحب أن يجمع أهل المذاهب المختلفة في مجلس حكمه؛ حتى إذا وقعت حادثة مختلف فيها، ذكر كل واحد منهم دليل مذهبه، فينظر القاضي في الدليل؛ فيقضي بما هو أرجح عنده.
وإن لم يكن ممن يعرف الدليل، ويعقل القياس- فلا يجوز أن يكون قاضيًا، ولا يجوز للإمام أن يقلد رجلًا القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٢] والحق: ما دل عليه الدليل؛ فإن قلده على هذا الشرط، لم تصح التولية.
فإذا قضى القاضي باجتهاده، ثم بان أنه أخطأ- نظر: إن بان له الخطأ بنص كتاب، أو سنة، أو إجماع أو قياس جلي- يجب عليه رد قضائه.
روي أن عمر﵁- كتب إلى أبي موسى الأشعري: لا يمنعك قضاء قضيته، ثم راجعت فيه نفسك؛ فهديت لرشده أن تنقضه؛ فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
فإن بان له الخطأ بقياس خفي لا ينقضه شيء؛ فإن وقعت تلك الحادثة مرة أخرى، حكم بما لاح له من بعد؛ فإن عمر بن الخطاب قضى في الحد بمائة قضية مختلفة وكذلك إذا رفع إليه قضاء قاض آخر فوجده مخالفًا لنص كتاب، أو سنة، أو قياس جلي، أو إجماع- ينقضه.
[ ٨ / ١٨١ ]
وإن كان مخالفًا لقياس خفي لا ينقضه، إلا أنه لا يتبع قضاء من كان قبله ما لم يرفع إليه، فإذا رفع إليه نقضه إذا كان مخالفًا للدليل، وله أن ينقض قضاء نفسه؛ وإن لم يرفع إليه.
وقال الشيخ أبو حامد: يجوز أن يتتبع قضاء في من قبله، من غير أن يرفع إليه.
أما إذا كان القاضي قبله ممن لا يصلح للقضاء ينقض أحكامه كلها؛ أصاب أم أخطأ؛ لأنه حكم ممن لا يجوز له القضاء. وإذا وقع حكم الحاكم مخالفًا للقياس الجلي نقضه.
وإن كان مخالفًا لقول بعض أهل العلم عندنا؛ حتى قال الشافعي: لو حكم حاكم بفراق امرأة المفقود، أو بوقوع الفرقة في اللعان بأقل من خمس كلمات، أو سقوط الحد عمن وطئ الأم بالنكاح ينقض قضاؤه.
وعند أبي حنيفة: إذا كان حكمه موافقًا لقول بعض أهل العلم لا ينقض، ثم ناقض؛ فقال: إذا قضى بالشاهد الواحد، ويمين المدعي، أو بدأ في القسامة بيمين المدعي، أو حكم ببطلان السعاية في عتق الشريك- قال: ينقض قضاؤه.
فصل فيما على القاضي في الخصوم
روي عن علي - ﵇- قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر".
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: آس بين الناس في مدخلك ومجلسك، ولحظك ولفظك، ولا تكن بحيث يطمع الشريف في حيفك، وييأس الضعيف من عدلك.
يجب على القاضي أن يسوي بين الخصوم في المدخل والنظر إليهم، ولا يخص أحد الخصمين بالنظر إليه، وطلاقة الوجه. فإذا دخلا وسلما أجابهما، وإن سلم أحدهما لا يجيب حتى يسلم الآخر؛ فيجيبهما؛ حتى لا يقع في قلب الآخر أنه يميل. ولا بأس أن يقول ل للآخر. سلم فإذا سلم أجابهما. ويسوي بينهما في المجلس، [فلا يجلس] أحدهما بجنبه، والآخر بين يديه، وإن كان أحدهما شريفًا والآخر وضيعًا، بل يجلسهما بين يديه؛
[ ٨ / ١٨٢ ]
فإن كانا شريفين، فلا بأس أن يجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. والأولى أن يجلسا بين يديه؛ توقيرًا لحكم الله تعالى.
وإن كان أحد الخصمين مسلمًا، والآخر ذميًا، فهل يجوز أن يجلس المسلم بجنبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لقول عمر﵁-: "أس بين الناس"، وكما يجب التسوية بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما.
والثاني: يجوز؛ لما روي أن عليًا﵇- جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، وقال: لو كان خصمي مسلمًا لجلست إلى جنبه، ولكني سمعت رسول اللهﷺ- يقول: "لا تساووهم في المجلس".
وإذا جلس الخصمان بين يديه، فله أن يسكت؛ حتى يتكلم واحد منهما، وله أن يقول للمدعي، إن علمه: تكلم، وإن لم يعلمه يقول: فليتكلم الطالب منكما؛ فإن ادعى كل واحد منهما أنه المدعي، فإن سبق أحدهما فهو المدعي.
وإن لم يعلم السابق، سأل القاضي عونه عمن أحضره، فمن أحضره العون فهو المدعي عليه، وإن حضرا بأنفسهما يقرع بينهما؛ فمن خرجت قرعته، ابتدأ الدعوى.
وإذا تكلما ينصت إلى كلامهما، ولا ينهرهما، ولا يلقن أحد الخصمين حجة، ولا شاهدًا شهادة، ويجوز أن يستفسر.
فالتلقين: أن يقول: قل: كذا، والاستفسار: أن يدعي قتلًا؛ فيقول: كيف قتل عمدًا أو خطأً؟ أو يدي دراهم؛ فيقول: هروية أو نيسابورية؟ صحاح أو مكسرة؟
وإذا ادعى أحدهما دعوى غير صحيحة، فهل له أن يلقنه كيف يدعي؟ فيه وجهان:
أحدهما- قاله الإصطخري-: يجوز؛ لأنه لا ضرر على الآخر في تصحيح دعواه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ينكسر قلب الآخر؛ فلا يتمكن من استيفاء حجته، وله أن يؤدي عن أحدهما ما عليه؛ لأن فيه نفعًا لهما، وله أن يشفع لأحدهما؛ لأن الإجابة إلى المشفوع إليه إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل.
وإن مال قلبه إلى أحدهما، فأحب أن يفلج ولم يظهر ذلك بقول ولا فعل- فلا حرج
[ ٨ / ١٨٣ ]
عليه؛ لأنه لا يمكنه التسوية بينهما في المحبة وميل القلب.
وإذا ظهر من أحد الخصمين لدد ينهاه، فإن عاد زجره؛ وهو أن يهدده، فإن أصر عليه ضربه؛ تعزيرًا أو تأديبًا، وحبسه.
وإذا حضر جماعة من الخصوم، قدم الأسبق فالأسبق في سماع دعواهم، فإن جاءوا معًا أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قدمه. وإن ثبت السبق لأحدهم؛ فقدم السابق غيره على نفسه- جاز؛ لأن ذلك حقه فله تركه.
وإن حضر مسافرون ومقيمون؛ نظر: إن قل المسافرون فلا بأس أن يبدأ بحكمهم؛ وإن جاءوا من بعد. ونعني بالمسافر: من شد رحله ليخرج، ولو تأخر حكمه تخلف عن القافلة.
وإن كثر عدد المسافرين، لم يبدأ بهم؛ لأنه يتضرر به الآخرون، بل يقدم الأسبق أو يقرع، إن جاءوا معًا.
وإن ادعى رجل دعاوى في مجلس واحد، يسمعها القاضي إن لم يكن ثم غيره؛ سواء ادعى على واحد، أو على جماعة. فإن كان قد حضر غيره، فلا يسمع للسابق الدعوى إلا على واحد، وتؤخر دعواه على غيره؛ حتى لا يتضرر به الآخرون، وهل يسمع له على ذلك الواحد أكثر من دعوى واحدة؟ فيه وجهان.
وإن كان لقوم دعاوى على واحد، يجوز سماع دعواهم في مجلس واحد؛ واحدًا بعد واحد.
وإن كان الخصم أعجميًا؛ لا يعرف القاضي لسانه، أو كان الشاهد أعجميًا- فلا بد من مترجمين يترجمان كلامه للقاضي، ويجب أن يكونا عدلين؛ لأنهما ينقلان قولًا إلى القاضي لا يعرفه القاضي؛ كالشاهدين.
وإن كان الحق مما يثبت بشاهد وامرأتين، يقبل في الترجمة شاهد وامرأتان.
قال شيخنا الإمام﵀-: وجب ألا يقبل إلا رجلان؛ كما لا تثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحق مالًا؛ حتى لو كان الخصم امرأة أعجمية، يشترط أن يترجم قولها رجلان.
ولو كان الشاهدان أعجميين؛ لا يعرف القاضي لسانهما؛ فترجم القاضي قولهما- هل
[ ٨ / ١٨٤ ]
يكتفي بمترجمين، أم لا بد من أربعة على قول كل واحد مترجمان؟ فعلى قولين؛ كما في شهود الفرع.
وإن كان في الزنا، هل يكتفي برجلين، أو يشترط أربعة؟
فيه قولان؛ بناءً على أن الإقرار بالزنا هل يثبت برجلين؟ فيه قولان.
وعند أبي حنيفة: يكتفى بمترجم واحد.
وإن كان القاضي أصم، هل يكتفي بمستمع واحد؟ أم يشترط اثنان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط اثنان؛ كالمترجم.
والثاني: يكتفي بواحد؛ بخلاف المترجم؛ لأن في الترجمة لا يعرف الخصم لسان المترجم، وفي الاستماع يعرف ما يقوله المستمع، وإن خالف أمكنه الرد عليه.
فإن كان الخصمان أصمين، يشترط أن يكون المستمع اثنين، وهل يجوز أن يكون المترجم أعمى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كالشاهد.
والثاني: يجوز؛ لأنه يستمع ويترجم، والقاضي يراه؛ فلا يحتاج فيه إلى إشارة إلى شخص؛ كما يسمع شهادته فيما لا يحتاج فيه إلى إشارة إلى شخص؛ كما يسمع شهدته فيما لا يحتاج فيه إلى عبارة وإشارة.
وينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل؛ وهم الرسل الذين يبعثهم إلى المزكين حتى يرجع إليهم في معرفة أحوال الشهود إذا اشتبه عليه حالهم.
وينبغي أن يكون المزكون عدولًا جامعين للأمانة؛ في الطعمة، لا يأكلون الحرام، وفي الأنفس لا يرتكبون الكبائر، وافري العقول، براء من الشحناء والعصبية؛ حتى لا يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية غير عدل.
ولا يسألون أحوال الشهود من أعدائهم؛ فيظهرون القبيح ويخفون الجميل، ولا من خواص أصدقائهم؛ فيظهرون الجميل ويخفون القبيح، ويكونون بحيثلا يعرفهم الناس فيحترزون بين أيديهم عن إظهار ما يوجب الحرج.
وكذلك الرسل الذين يبعثهم إلى المزكين، ينبغي أن يكونوا أمناء لا يعرفهم الناس،
[ ٨ / ١٨٥ ]
ولا ينبغي أن يتخذ شهودًا معينين لا تقبل شهادة غيرهم؛ لأنه فيه تضييق الأمر على الناس.
وإذا شهد عند القاضي شاهد علم عدالته قبل شهادته، وإن علم فسقه لم يقبل شهادته؛ فيعمل في العدالة والفسق بعلمه، ولا يجب تعديله بعد علمه؛ وإن سأل الخصم.
وعند أبي حنيفة: إذا سأل الخصم عليه، [وجب] تعديله، وإن كان عنده عدلًا.
وإن خفي على الحاكم عدالته، فلا يحكم بشهادته؛ حتى تثبت عنده عدالته.
ويكتب في معرفته إلى المزكين. وإن جهل إسلامه لا يعمل في إسلامه بظاهر الدار؛ كما يعمل في إسلام اللقيط؛ لأن أعرابيًا شهد عند النبيﷺ- برؤية الهلال، فلم يحكم بشهادته؛ حتى سأل عن إسلامه.
ولأنه يتعلق بشهادته إيجاب حق على غيره؛ فيرجع في إسلامه إلى قوله؛ لأن النبيﷺ- رجع إلى قول الأعرابي في الإسلام.
وإن جهل حريته، فهل يثبت بقوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ كما يثبت الإسلام بقوله.
والثاني: لا يثبت؛ لأن الكافر يملك الإسلام بنفسه؛ فيقبل إقراره به، والعبد لا يملك الحرية بنفسه؛ فلم يقبل إقراره بها.
ثم إذا ثبت إسلامه وحريته، ففي العدالة لا يعتمد قوله.
ويكتب إلى المزكين، وإذا كتب إلى المزكين يكتب اسم الشاهد، وكنيته، واسم أبيه وجده؛ لأنه قد يكون معروفًا بالكنية والجد، ويكتب حليته وصنعته ومسكنه ومصلاه وسوقه؛ لئلا يشتبه بغيره.
وإن كان معروفًا كتب بقدر ما يعرفه ويذكر المشهود له، والمشهود عليه، وقدر المال الذي يشهد به؛ لأنه قد يكون عدوًا للمشهود عليه؛ فلا يقبل شهادته عليه، وقد يكون شريكًا للمشهود له؛ فلا يقبل شهادته له، وقد يكون المال كثيرًا؛ فيحتاط فيه أكثر مما يحتاط في القليل؛ كما يغلظ فيه اليمين؛ فيكتب جميع هذه الأشياء؛ حتى يحتاط المزكى فيه. ثم المزكي يسأل عن حاله جيرانه وأهل حرفته، ومن عامله، وصاحبه في السفر، ولا يسأل أحدًا عن حاله؛ حتى يخبره بالمشهود له وعليه، وبقدر ما شهد به من المال.
[ ٨ / ١٨٦ ]
روي أن شاهدين شهدا عند عمر بن الخطاب﵁- فقال لهما: إني لا أعرفكما، ولا يضركما ألا أعرفكما، ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل. فقال له عمر بن الخطاب ﵁: كيف تعرفهما؟ قال: بالصلاح والسداد والأمانة. فقال: أكنت جارًا لهما تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما؟ قال: لا. قال: هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال؟ قال: لا. قال: فهل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا. قال: أنت لا تعرفهما، ائتيا بمن يعرفكما.
وثلاث شهادات يشترط أن يكون الشاهدان فيها من أهل الخبرة بالأحوال الباطنة، والشهادة على العدالة، وعلى الإفلاس، وعلى أن هذا وارث فلان لا يعرف له وارثًا سواه، وذلك لأن طباع الناس مجبولة على إخفاء ما يكون فيهم من أسباب الجرح، وعلى إخفاء المال. وقد يتزوج الرجل في بلاد الغربة؛ فيحدث له أولاد؛ فلا يعرف هذه الأحوال منه إلا من يطلع على بواطن أموره.
وهنا في التعديل لا يقبل إلا ممن تقدمت معرفته، وطالت خبرته.
أما الجرح: فيقبل ممن لم تتقدم معرفته؛ لأنه لا يشهد في الجرح إلا بما شاهد، أو سمع، أو استفاض عنه؛ ولا يقبل الجرح ولا التعديل إلا من رجلين عدلين.
وعند أبي حنيفة: يقبل من واحد.
وإذا كتب القاضي إلى المزكين، يخفي كتاب كل واحد من المزكين عن الآخر؛ حتى لا يتفقا على شيء تقليدا.
وكذلك أصحاب المسائل يجب أن يكونا اثنين، ويعطى إلى كل واحد رقعة؛ يخفى عن كل واحد ما دفع إلى الآخر. ثم إذا عدله اثنان، فهو عدل، وتظهر عدالته. وإذا جرحه اثنان، فهو مجروح، ولا يظهر الجرح سترًا عليه.
ولو جرحه واحد وعدله واحد، لا يقدم أحدهما حتى يجتمع اثنان على الجرح، أو على التعديل؛ فيحكم به.
ولو عدله اثنان، وجرحه اثنان كان الجرح أولى؛ لأن عند الجارح زيادة علم، والعدالة تكون على الظاهر؛ حتى لو جرحه اثنان، وعدله مائة- كان الجرح مقدمًا، ولا يقبل الجرح من الجارح وإن كان فقيهًا؛ حتى يبين سبب الجرح فينظر فيه الحاكم برأيه؛ لأن الناس
[ ٨ / ١٨٧ ]
يتفاوتون فيه: فمنهم من يفسق الغير ويكفره بالتأويل؛ وذلك لا يوجب رد الشهادة.
وإذا عدل الشاهد لا يحتاج إلى بيان سببه؛ لأن أسباب العدالة لا تحصى، ولا يقبل القاضي التعديل بالكتبة؛ حتى يخبره أصحاب المسائل مواجهة.
وقال أبو يوسف: تقبل الكتبة؛ وهو اختيار شيخنا القاضي﵀- وعليه الحكام. واختلف أصحابنا: في أن القاضي يحكم بالجرح والتعديل بقول أصحاب المسائل، أو بقول المزكين، وأن المراد من قول الشافعي ﵁: ولا تقبل المسألة عنه، ولا تعديله ولا جرحه إلا من اثنين منهم.
قال أبو إسحاق: المراد منه: المزكون، والقاضي يحكم بقول المزكي، فعلى هذا يجوز أن يكون صاحب المسائل واحدًا؛ فإذا عاد بالجرح، توقف الحاكم، ولا يستدعي الجارح؛ لأن فيه فضيحة الشاهد، بل يقول للخصم: زد في الشهود، وإن عاد بالتعديل لم يحكم به بل يدعو المزكي؛ فيسأله حتى يخبره مشاهدة؛ بأن الدعوى عدلته، هذا لئلا يوافق اسم اسمًا أو نسب نسبًا، ولا يقبل إلا من اثنين.
وقال الإصطخري: المراد منه: أصحاب المسائل، والقاضي يحكم بشهادتهم، ويشترط أن يكونا اثنين، ويسألهم القاضي سرًا، فإن أخبروه بالجرح لم يظهره.
وإن أخبروه بالتعديل سرًا، ثم حضر الشهود أخبروه علانية بتعديلهم، وإنما يسأل سرًا؛ ليكون أستر للمسئول عنه إن نسب إلى الجرح.
فإن كان عدلًا أظهره، ليعلم أن المعدل هذا لا يوافق اسم اسمًا، ولا نسب نسبًا.
قال الشافعي﵀-: ولا يقبل الجرح إلا بالمعاينة، أو بالسماع. أراد به: أن القاضي إذا استدعى الجارح؛ وسأله عن الجرح، أو صاحب المسألة إذا سأل وأخبر بالجرح، فلا يقبل إلا ممن يضيفه إلى نفسه ويقول: رأيته يزني ويشرب، أو يضيف إلى سماع؛ فيقول: سمعته يقر بالزنا أو بالشرب أو بالقذف، أو يستفيض ذلك منه؛ فيحصل به العلم.
أما إذا قال: بلغني عنه كذا، أو قيل لي: إنه يفعل كذا، أو يقول كذا- فلا يجوز أن يشهد به؛ لأن الله- تعالى- يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].\
قال الشافعي: ولا يقبل التعديل؛ حتى يقول: عدل علي ولي.
وقال أبو إسحاق: لا يقبل تعديله؛ حتى يقول: عدل علي ولي.
[ ٨ / ١٨٨ ]
وقال: لأن مجرد قوله: هو عدل- لا يقتضي العدالة على الإطلاق [لأنه قد يكون عدلًا في بعض أشياء دون بعض، وعلى بعض الناس دون بعض؛ فلا يثبت عدالته على الإطلاق] إلا بهذا اللفظ.
ومن أصحابنا من قال- وهو قول الإصطخري، وهو الأصح-: إنه ليس بشرط، والشافعي﵀- ذكر على سبيل الاستحباب للمبالغة في التعديل؛ لأنه يجوز أن يكون عدلًا عليه وله، ولا يكون عدلًا على المشهود عليه؛ بأن يكون عدوًا له، ولا يكون عدلًا للمشهود له؛ بأن يكون ولدًا له.
وقيل: معناه: أن التعديل لا يقبل إلا ممن تقبل شهادته له، والجرح لا يقبل ممن تقبل شهادته عليه؛ فيعني بقوله: عدل علي ولي أي: ليس بيني وبينه ولادة تمنع قبول شهادته لي، ولا عداوة تمنع قبول شهادته علي. وهل يشترط من المزكي لفظ الشهادة؛ فيقول: أشهد أنه عدل؟ فيه وجهان.
وإذا ثبتت عدالة الشاهد، ثم شهد بعده بزمان قريب بحق آخر، يحكم بشهادته، ولا يعدل ثانيًا.
وإن شهد بعده بزمان طويل، ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم بشهادته؛ لأن الأصل بقاء العدالة.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يحكم؛ حتى يعيد السؤال عن عدالته؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال.
وإذا شهد مجهول العدالة، فقال المشهود عليه: هو عدل- هل يجوز للحاكم أن يحكم بشهادته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن البحث عن العدالة لحق المشهود عليه، وقد أقر هو بعدالته.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الحكم بشهادته حكم بعدالته، فلا يثبت بقول الواحد؛ ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق الله تعالى؛ ولهذا لو رضي المشهود عليه بشهادة الفاسق، لم يجز الحكم بشهادته.
وإذا رأى القاضي في الشهود خفة عقل، أو ارتاب فيهم- يستحب أن يفرقهم في أداء الشهادة، ويسأل كل واحد منهم على الانفراد عن اليوم الذي تحمل فيه، وعن مكانه وعمن كان فيه؛ ليستدل به على صدقهم، ويقف على عورة إن كانت في شهادتهم، ويعظهم ويخوفهم.
[ ٨ / ١٨٩ ]
وإن سأل الخصم تفريقهم، فرقهم؛ لأنه ربما يعرف فيهم ما لا يعرفه القاضي.
وإن كانوا جامعين للعفاف والعقل، فلا يفرقهم، وإن فرق بمسألة الخصم فلا بأس.
فصل في استحباب تعيين القاضي كاتبًا له
ينبغي للقاضي أن يجعل كاتبًا أمينًا لكتبة السجلات والمحاضر، ويثبت حجج الخصوم وشهاداتهم، ويعطي أجرة الكاتب، وثمن القرطاس من بيت المال. فإن لم يكن في بيت المال مال يقول للمدعي: إن أتيت بصحيفة أكتب فيها خصومتك وشهادة شهودك، وإلا فلا أكرهك عليه، غير أني لا أسمع شهادة شهودك إن لم تأت به؛ لأني ربما أنسى شهادتهم عند الحاجة.
وإذا ثبت عند القاضي حق بإقرار، أو بنكول المدعى عليه ويمين المدعي- فيسأله المحكوم له أن يشهد على ما ثبت عنده، لزمه أن يشهد؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر المحكوم عليه. وإن ثبت بالبينة فسأل المدعي الإشهاد؛ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب له؛ لأن له بينة، فلا يجب بينة أخرى.
والثاني: يجب؛ لأن في إشهاده تعديلًا للبينة، وإثباتًا للحق.
فإن لم يكن عنده قرطاس من بيت المال ولم يأت به المحكوم له، لا يلزمه أن يكتب.
وإن كان عنده قرطاس في بيت المال أو أتى به صاحب الحق- هل يلزمه أن يكتب المحضر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزم؛ لأنه وثيقة بالحق؛ كالإشهاد.
والثاني: لا يجب؛ لأن الحق يثبت باليمين أو بالبينة، لا بالمحضر.
ويثبت القاضي في كل خصومة أسماء الشهود وأنسابهم وحليتهم. فإذا كانت الخصومة بين رجلين لا يعرفهما القاضي، كتب أسماءهما وأنسابهما وحليتهما، ويتولى القاضي بنفسه ضم نسخ الشهادات والمحاضر، ويعضها حيث لا يصل غيره إليها؛ حتى لا تغير ولا يزاد فيها ولا ينقص، ويجعل ما كان من حجج الخصمين وشهادتهما في مكان واحد مترجمة بأسمائهم مؤرخة بتاريخ ذلك اليوم والشهر والسنة مختومة ويفرد خصومات كل شهر. فإذا مضت سنة،
[ ٨ / ١٩٠ ]
عزلها، وكتب عليها: خصومات سنة كذا وختمها، وكل نسخة يثبتها لنفسه يكتب للمشهود له مثلها، إلا أنه لا يختم على نسخة المشهود له. فإذا احتاج إلى شيء مما عنده من النسخ لا يفتحها؛ حتى ينظر إلى ختمه وعلامته، وإذا فتحها لا يعمل بما فيها، وإن وجدها مختومة بختمه مكتوبة بخطه حتى يذكرها؛ لأن الخط يشبه الخط كما لا يجوز أن يشهد على خطه إذا لم يذكر.
وعند أبي يوسف: يجوز أن يحكم ويشهد إذا رأى خطه، وإن لم يذكر ويشهد عنده شاهدان: أنك حكمت بكذا، لا يحكم بشهادتهما، ولا يلزمه الحق بقولهما، حتى يذكر أو يعيد الخصم الدعوى والشهادة؛ فيحكم ثانيًا.
أما إذا شهد شاهدان عند حاكم آخر؛ بأن القاضي فلان بن فلان حكم بكذا- يجب عليه قبول شهادتهما والحكم بقولهما. وإن علم أن فلانًا القاضي لم يحفظ حكمه.
أما إذا كان ذلك القاضي أنكر حكمه، لا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بشهادتهما؛ إذا علم أن الأول أنكر حكمه وقيل: إن علم أن الأول قد توقف عن الحكم به؛ فإن لم يتذكر، لا يجوز للثاني أن يقضي به، وكذا لو شهد شهود الفرع عند القاضي، ثم شهد شاهدان أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة، فلا يجوز أن يحكم بشهادة الفرع.
فلو تذكر القاضي حكمه، فقال المدعي: حلف المدعى عليه أنه لا يعرف حكمكما، يحلف.
قال: يحتمل وجهين.
أما في رواية الحديث: إذا نسي الراوي الحديث، يجوز أن يقبل ممن سمع منه
كان سهيل بن أبي صالح يروي عن أبيه، عن أبي هريرة؛ فأصابته شجة؛ فنسي الحديث- وكان قد سمع منه ربيعة فكان يقول: أخبرني ربيعة عني؛ أني أخبرته عن أبي هريرة﵁- عن رسول اللهﷺ-.
وكذلك يجوز رواية الحديث عن كتاب إذا رآه بخطه، ولم يغب عنه الكتاب يجوز وإن لم يذكره؛ بخلاف الشهادة؛ لأنه يشدد الأمر في الشهادة ما لا يشدد في الرواية؛ بدليل أنه يقبل في الرواية: حدثني فلان عن فلان، ولا يقبل ذلك في الشهادة.
[ ٨ / ١٩١ ]
فصل في قضاء القاضي بعلم نفسه
لا خلاف أن على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه؛ مثل: أن ادعى رجل على رجل آخر حقًا، وأقام عليه بينة؛ والقاضي يعلم أنه قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا؛ وقد رآه القاضي حيًا بعده، أو ادعى نكاح امرأة، وقد سمعه القاضي طلقها- لا يجوز أن يقضي به؛ وإن أقام عليه شهودًا. وهل يجوز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه؛ مثل: أن ادعى عليه ألفًا؛ وقد رآه القاضي أقرضه، أو سمع المدعى عليه أقر به؟ ففيه قولان:
أصحهما- وبه قال أبو يوسف ومحمد-: يجوز أن يقضي بعلمه؛ وهو اختيار المزني؛ لأنه لما جاز أن يحكم بشهادة الشهود؛ وهو من قولهم على ظن فلان- يجوز بما رأه وسمعه؛ وهو منه على علم أولى.
قال الشافعي ﵀ في كتاب "الرسالة": أقضي بعلمي" وهو أقوى من شاهدين أو بشاهدين أو بشاهد وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين، وبشاهد ويمين؛ وهو أقوى من النكول ورد اليمين.
والقول الثاني: لا يقضي بعلمه؛ وهو قول ابن أبي ليلى؛ لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء؛ ولم يوجد، وكذلك لا يقضي لولده؛ لتمكن التهمة منه.
وإن قلنا: لا يقضي بعلمه، هل يجعل علمه كشاهد واحد؛ حتى إذا أقام شاهدًا واحدًا، يجب الحكم به؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما لو ادعى عند قاض آخر؛ فشهد هذا القاضي مع ذلك الشاهد- يجب الحكم به.
والثاني: لا؛ لأجل التهمة، وهذا في المال.
أما في العقوبات؛ نظر: إن كانت العقوبة من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف- هل يحكم فيه بعلم نفسه؟ يرتب على المال: إن قلنا هناك: لا يقضي فهاهنا أولى، وإلا فقولان. والفرق: أن العقوبات تندرئ بالشبهة؛ فيحتاط لدرئها.
وإن كانت العقوبة من حقوق الله- تعالى- كحد الزنا، والشرب، وقطع السرق- يرتب على حقوق العباد: إن قلنا هناك: لا يقضي بعلم نفسه فهاهنا أولى، وإلا فقولان. والفرق: أن مبنى حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة، ولا فرق على القولين؛ بين أن يحصل
[ ٨ / ١٩٢ ]
العلم للقاضي في بلد ولايته، أو زمان ولايته، أو في غيره.
وقال أبو حنيفة: إن حصل له العلم في بلد ولايته، أو في زمان ولايته- له أن يقضي بعلمه، وإلا فلا.
قلنا: العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال، فوجب ألا يختلف الحكم باختلافهما.
فصل في قضاء القاضي لنفسه أو أحد أقاربه
ولا يجوز للقاضي أن يقضي لولده، ولا لأحد من أولاد أولاده وإن سفلوا؛ كما لا يقضي لنفسه.
وكذلك لا يقضي لأحد من آبائه وأجداده وإن علوا؛ كما لا تقبل شهادته لهم. وإن وقعت لولده أو لوالده خصومة، رده إلى خليفته؛ كما لو كانت الخصومة بين القاضي وغيره، تحاكما إلى الخليفة.
ويجوز أن يحكم على ولده وعلى والده؛ كما يقبل شهادته عليه.
وإذا ادعى رجل شيئًا على ابن القاضي، يجوز أن يحلف ابنه؛ لأنه ليس بحكم، بل قطع للخصومة. فلو أقام المدعي على ابنه بينة سمعها، فإن أتى ابنه برفع لا يسمعه، بل يبعثه إلى خليفته.
وإذا تحاكم إليه والده مع ولده، فحكم لأحدهما على الآخر- لا يجوز؛ كما لو حكم له على أجنبي.
ولو شهد عند القاضي ابنه، هل تسمع شهادته؟
فيه وجهان؛ وكذلك المزكي إذا زكى ولده، هل يقبل تزكيته؟ فيه وجهان.
وإذا استخلف في أعماله والده أو ولده، يجوز؛ لأنهما يجريان مجرى نفسه.
وإذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضيًا، لم يجز أن يختار ولده أو والده؛ كما لا يجوز أن يختار نفسه.
ولو أقر القاضي في حال القضاء؛ بأني حكمت لفلان بكذا- يقبل؛ لأنه يملك الإنشاء؛ فكان إقراره كالإنشاء؛ حتى لو قال القاضي: نساء هذه القرية طوالق، أو عبيدهم أحرار؛ على سبيل الحكم - يحكم به.
[ ٨ / ١٩٣ ]
أما إذا قال في غير ولايته، أو قال بعد العزل: كنت حكمت لفلان بكذا- لم يقبل؛ لأنه لا يملك الحكم، ولا يكون شاهدًا على فعل نفسه.
أما إذا لم يضف الحكم إلى نفسه، بل قال: أشهد أن هذا ملك فلان- يقبل، وكذلك لو قال: اشهد أن فلانًا أقر في مجلسي بكذا- فإنه يقبل؛ لأن هذه شهادة على الإقرار وعلى الملك، لا على الحكم؛ كالقسام إذا قسم مالًا بين رجلين، ثم شهد لأحدهما؛ بأن هذا نصيب فلان- يقبل.
ولو قال: أنا قسمت لم يقبل، ولو قال: أشهد أن حاكمًا عدلًا حكم بكذا، فيه وجهان:
أحدهما: يقبل؛ لأنه لم يضف الحكم إلى نفسه، والظاهر أنه يريد حكم غيره.
والثاني: لا يقبل؛ لاحتمال أنه يريد حكم نفسه، فلابد من البيان؛ لتزول الريبة.
ولو ادعى رجل على القاضي حقًا يرفعه إلى خليفته؛ ليحكم بينهما، ولو ادعى عليه أنه ظلمني في الحكم، أو حكم علي بباطل يريد: تغريمه ما أتلف- لا يسمع، ولا يحلف إلا ببينة تقوم عليه؛ كما لو ادعى على الشاهد؛ أنه شهد بغير حق في طلاق أو عتق، يريد: تغريمه ما أتلف عليه بشهادته- لا يسمع ولا يحلف؛ لأن القاضي أمين الشرع، وكذلك الشاهد. ولو سمع عليه مثل هذه الدعوى، لم يعجز أحد عن مثله، ويؤدي ذلك إلى امتناع القضاة عن القضاء والشهود عن الشهادة.
ولو ادعى عليه رجل بعد العزل؛ أنه أخذ مني مالًا بغير حق، أو أقرضه كذا- دعاه القاضي الثاني وحلفه.
وإن ادعى أنه حكم علي بشهادة عبدين أو فاسقين- ففيه وجهان:
أحدهما: يحضره ويسأله، فإن قال: حكمت عليه بشهادة حرين عدلين، حلفه عليه؛ كما لو ادعى على المودع خيانة حلفه، وإن كان أمينًا.
والثاني: لا يحضر- وهو المذهب- ولا يحلفه إلا بسنة؛ لأنه كان أمين الشرع، والظاهر أنه حكم بحق.
وإن ادعى خطأ في الحكم؛ فإن لم يكن للاجتهاد فيه مساغ نقضه وإن كان للاجتهاد فيه مساغ؛ مثل: أن حكم عليه بثمن الكلب، أو بضمان ما أتلف على الذمي من الخمر- لم ينقضه.
[ ٨ / ١٩٤ ]
فصل في الاستخلاف في القضاء
لا يتولى أحد القضاء إلا بتولية الإمام، أو بتولية من فوض إليه الإمام. وإذا ولى الإمام رجلًا قضاء بلد، لا يجوز أن يقضي، ولا أن يسمع بينة، ولا أن يكاتب قاضيًا في حكم في غير عمله.
وهل يجوز له أن يستخلف في ولايته؟ نظر: إن [كان] أذن له الإمام في الاستخلاف، يجوز أن يستخلف. ويستحب للإمام أن يأذن لمن ولاه في الاستخلاف، وإن نهاه عن الاستخلاف، لا يجوز أن يستخلف. وإن أطلق التولية؛ نظر: إن كان ما ولاه يمكنه النظر في جميعه بنفسه، لا يجوز له أن يستخلف؛ على ظاهر المذهب؛ لأن الذي ولاه لم يرض بنظر غيره.
وقال الإصطخري: يجوز له أن يستخلف؛ لأن الإمام نصبه للنظر في المصالح؛ فيجوز له أن ينظر فيها بنفسه وبغيره؛ كالإمام يجوز له أن يستخلف.
وإن كان ما ولاه لا يقدر أن يقضي فيه بنفسه؛ لكثرته- فيجوز أن يستخلف في القدر الذي لا يمكنه القيام بنفسه؛ لأن الإمام لما ولاه ما لا يمكنه أن يقوم به، يتضمن ذلك إذنًا في الاستخلاف؛ كما لو دفع ثوبًا إلى بزاز ليبيعه، يتضمن ذلك إذنًا في الدفع إلى من يتأدى عليه. فعلى هذا: هل يجوز له أن يستخلف فيما يمكنه القيام فيه بنفسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لما جاز أن يستخلف في البعض، جاز أن يستخلف في الكل.
والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ لن مطلق التولية لا يتضمن الإذن في الاستخلاف فيما ي مكنه [فيه] القيام بنفسه.
أما إذا مرض القاضي، أو أراد [أن يغيب عن البلد؛ لشغل- جاز له أن يستخلف وجهًا واحدًا.
ولو أراد] أن يستخلف في أمر خاص من سماع بينة، أو تحليف، أو لعان بين الزوجين- قيل: هو على ما ذكرنا من الاختلاف.
وقال الشيخ القفال- وهو الأصح-: يجوز وجهًا واحدًا- وإن لم يكن مأذونًا في الاستخلاف؛ لأن القاضي لا يستغني عن ذلك.
ولو ولى الإمام رجلين قضاء بلد واحد؛ نظر: إن عين لكل واحد طرفًا من البلد، لا
[ ٨ / ١٩٥ ]
يشاركه فيه الآخر، أو جعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الثاني في حق آخر، أو إلى أحدهما في زمان، والآخر في زمان آخر- جاز. وإن جعل إليهم في مكان واحد، وحق واحد، وزمان واحد- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لما يكون فيه من الاختلاف؛ وهو أن يدعو كل واحد رجلًا واحدًا؛ فلا يمكنه إجابتهما؛ كالإمام الأعظم لا يجوز أن يكون إلا واحدًا.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز قاضيان في بلدين.
فعلى هذا إذا جاءه رسول كل واحد [منهما] يدعواته، يجيب الأسبق منهما، وإذا جاءا معًا يقرع بينهما.
فصل في التحكيم
ولو أن رجلين حكمًا رجلًا ممن يصلح أن يكون حاكمًا؛ ليحكم بينهما- هل ينفذ حكمه، أم لا؟ نظر: إن كانت خصومتهما في المال، ففيه قولان:
أحدهما: ينفذ؛ لما روي أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم.
والثاني: لا ينفذ؛ لأنه غير مولى من جهة الإمام؛ ففي تنفيذ حكمه وقوع الخلاف.
واختلفوا في محل القولين.
منهم من قال: محل القولين إذا لم يكن في البدل قاض، فإن كان فيه قاض لم يجز.
ومنهم من قال: محل القولين إذا كان في البدل قاض؛ فإن لم يكن، يجوز؛ لأجل الضرورة.
ومنهم من قال: في الحالين قولان.
فإن قلنا: يجوز، إنما يجوز إذا كان المحكم مجتهدًا، فإن لم يكن لا يجوز حكمه، وإذا جوزناه مع القاضي فينفذ حكمه. وإن كان رأيه بخلاف رأي القاضي، وإذا جوزنا؛ فبأي شيء يلزم حكمه؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزم بتراضيهما بعد الحكم؛ لأنه لا ولاية له؛ فلا يلزم حكمه إلا بالتراضي؛
[ ٨ / ١٩٦ ]
حتى لو طلبا الحكم وحكم ثم لم يرض أحدهما، لا يلزم؛ فكما يعتبر رضاهما في الحكم، يعتبر رضاهما في لزوم الحكم.
والقول الثاني: يلزم بنفس الحكم؛ لأن من جاز حكمه، لزم حكمه؛ كالقاضي فإذا امتنع أحدهما قبل الحكم، لا يجوز له أن يحكم؛ حتى لو أقام المدعي شاهدين بين يدي المحكم فقال المدعى عليه: عزلتك، لم يجز الحكم، ويجوز للمحكم أن يشهد على شهادة الشاهدين.
فإن قلنا: يجوز التحكيم، اختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم:
منهم من قال: يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان؛ من: النكاح، واللعان، والقصاص، وحد القذف، وما يجوز للقاضي أن يحكم فيه، لأنه لما جاز في بعضه، جاز في كله.
ومنهم من قال: لا يجوز إلا في الأموالح لأن حكم المال أخف من حكم غيره، وسائر الحقوق يبنى أمرها على الاحتياط؛ فلا يتولاها إلا من نصبه الإمام.
أما العقوبات التي هي حقوق الله- تعالى- فالمذهب: أنه لا يجوز فيها التحكيم.
فصل في عزل القاضي
إذا مات الإمام الأعظم، أو والي الإقليم، لا ينعزل القضاة، وكذلك إذا مات القاضي لا ينعزل القوام الذي بين يديه.
وهل ينعزل مكاتبه؟ نظر: إن كان في أمر خاص من بيع أو نحوه، ينعزل؛ كالوكيل ينعزل بموت الموكل. وإن كان مكاتبًا في قرية، ففيه وجهان.
ولو أن الإمام الأعظم عزل قاضيًا، أو القاضي عزل نفسه؛ نظر: إن لم يكن ثم من [لا] يصلح للقضاء لا ينعزل، وإن كان نظر: إن كان أصلح منه ينعزل، وإن كان مثله ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينعزل؛ لأنه لا عذر لعزله.
والثاني: ينعزل؛ لأنه ربما علم من باطنه أنه لا يصلح للقضاء.
[ ٨ / ١٩٧ ]
فإن قلنا: ينعزل؛ فإذا عزله الإمام، هل ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه؟
قيل: فيه قولان؛ كالوكيل إذا عزل، هل ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، أم لا؟
والصحيح: أنه لا ينعزل؛ لأنه يؤدي إلى فساد عظيم؛ فإنه يقضي قبل بلوغ الخبر إليه، ثم يحتاج إلى رد قضائه. فإن قلنا: ينعزل، فذلك إذا كتب إليه: إنك معزول أو عزلتك.
أما إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي؛ فأنت معزول- ما لم يصل إليه الكتاب. فإن قلنا: ينعزل القاضي بالعزل أو مات، هل ينعزل خليفته؟ نظر: إن لم يكن مأذونًا في الاستخلاف ينعزل، وإن كان مأذونًا فيه نظر: إن قال الإمام: استخلف عني لا ينعزل، وإن قال: عنك ينعزل، وإن أطلق فعلى وجهين:
أصحهما: ينعزل.
وكذلك إذا عزل القاضي خليفته هل ينعزل؟ فعلى هذا التفصيل؛ بخلاف القوام؛ حيث قلنا: لا ينعزلون بموت القاضي؛ لأنه يؤدي إلى سد باب المصالح.
وإذا فسق القاضي، أو جن، أو أغمي عليه، أو خرس- ينعزل؛ بخلاف الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق؛ لأن في عزله بالفسق فتنة عظيمة بين المسلمين.
ولو أخبر الإمام أن فلانًا القاضي فسق، أو مات؛ فولى غيره، ثم بان بخلافه- كان الثاني قاضيًا، لأن عزل القضاة إلى الإمام بلا سبب. والله أعلم.
باب كتاب قاض إلى قاض
روي عن الضحاك بن سفيان قال: كتب إلي رسول الله ﷺ: "أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
إذا ادعى رجل على إنسان حقًا والمدعى عليه غائب عن مجلس الحكم- هل يسمع أم لا؟ نظر: إن لم يكن بينة لا يسمع، وإن كانت له بينة نظر: إن تعذر إحضار الخصم؛ بأن كان مريضًا أو مختفيًا أو ممتنعًا لا يمكن إحضاره، أو كان غائبًا إلى مسافة القصر- فيجوز للقاضي أن يسمع الدعوى والبينة، ويقضي عليه؛ كما لو كان ميتًا؛ لأنا لو لم نسمع صارت
[ ٨ / ١٩٨ ]
الغيبة والانقطاع والامتناع طريقًا إلى إبطال الحقوق التي نصب الحكام لحفظها.
وإن كان المدعى عليه ظاهرًا في البلد، يمكن إحضاره، أو كان غائبًا إلى مسافة قريبة- فالصحيح من المذهب: أنه لا يجوز القضاء عليه، وسماع الدعوى من غير إحضاره؛ لأنه إذا أحضره، ربما يقر؛ فيكفيه مؤنة سماع البينة والتعديل؛ ومبنى القضاء على الفصل بما هو الأقرب.
ومن أصحابنا من قال: يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى من غير إحضاره؛ لأنه إن كان منكرًا فهو قضاء على المنكر، وإن كان مقرًا فالبينة تقوي إقراره؛ حتى قال هذا القائل: لو كان حاضرًا في مجلس الحكم، يجوز للقاضي أن يسمع البينة عليه، ويقضي من غير أن يسأله. والأول المذهب.
فإن قلنا: لا يجوز القضاء عليه في غيبته إذا كانت المسافة قريبة، واختلفوا في تلك المسافة: منهم من قال: ما دون مسافة القصر، ومنهم من قال: أن يكون على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلًا، وإن كان فوق ذلك يجوز القضاء عليه؛ كما لو كان على مسافة القصر؛ لأن في إحضاره مفارقة الأهل بالليل؛ فحيث جوزنا القضاء على الغائب فهل يشترط في سماع الدعوى أن ينصب الحاكم مسخرًا ينكر عن الغائب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط حتى يقيم البينة على إنكار منكر.
والثاني- وهو الأصح-: لا يشترط؛ لأن المدعى عليه ربما يكون مقرًا؛ فيكون إنكار المسخر كذبًا.
ويشترط أن يقول المدعي في الدعوى: لي على فلان كذا؛ وهو منكر، فإن لم يقل: هو منكر بل قال: لا آمن أن ينكر- لا تسمع منه.
فإذا ادعى على الغائب مالًا وأقام عليه بينة، يعدل القاضي البينة، ويحلف المدعي بعد تعديل البينة؛ أنه ما أبرأ المدعى عليه، ولا عن شيء منه، ولا استوفاه ولا شيئًا منه ولا أحال عليه أحدًا ولا بشيء منه، وإنه لثابت عليه الآن. ولو اقتصر على قوله: إنه لثابت عليه، كفى. وإنما حلفناه؛ لأن المدعى عليه لو كان حاضرًا وادعى شيئًا من هذه الأشياء- كان له تحليفه.
وكذلك لو كان في القضاء على المجنون والصبي والميت، يحلف المدعي مع البينة. وإن كان للميت وارث، كان التحليف بمسألته، وإن لم يكن له وارث حلفه القاضي، ثم بعد ما حلفه يحكم به.
ويجوز القضاء على الغائب بالشاهد واليمين؛ لأن كل حجة جاز الحكم بها على
[ ٨ / ١٩٩ ]
الحاضر- جاز على الغائب. ثم هل يكتفي بيمين واحدة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحلف يمينين: أحدهما لإكمال الحجة، والثاني: لإثبات المال.
والثاني: يكتفي بيمين واحدة.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز القضاء على الغائب، إلا أن يكون له اتصال بالحاضر؛ بأن يكون له نائب حاضر، أو قال: لي على فلان الغائب كذا، وهذا الحاضر كفيل، أو أحالني على هذا، أو باع فلان الغائب شقصًا من هذا الحاضر؛ وأنا شفيع، أو أدعت المرأة النفقة على زوجها الغائب، وقالت: لي على هذا الحاضر دين ونحو ذلك.
والحجة عليه: أن النبيﷺ- قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وكان ذلك قضاء على زوجها: أبي سفيان؛ وهو كان غائبًا.
وإذا قضى على غائب بمال، فإن كان للغائب مال حاضر أدى حقه منه، وإن لم يكن كتب بمسألة المدعي إلى قاضي البلد الذي الخصم به؛ أنه حضر قبلي فلان بن فلان الفلاني في يوم كذا في شهر كذا من سنة كذا، وادعى على فلان بن فلان الغائب ببلد كذا، وأقام عليه بينة؛ فسمعت شهادتهم وعدلتهم وحلفته، وحكمت له بالمال؛ فإذا أتاك كتابي [هذا] فامض فيه على موجب الشرع، ويقرأ كتابه على شاهدين ويشهدهم على حكمه، أو يأمر من يقرؤه بين يديه؛ وهو مقر به، ويشهدهم عليه.
ويستحب: أن ينظر الشاهدان في الكتاب حالة القراءة؛ حتى لا يحرف منه شيء، فإن لم ينظر أجاز؛ لأنهما يؤديان ما سمعا، ويختم كتابه ويشهدهم عليه.
ولو أمرهم بكتابة أسمائهم في الكتاب فحسن، وختم الكتاب مستحب؛ فلو لم يختم، جاز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز إلا مختومًا، ولو لم يقرأ الكتاب على الشهود، بل دفع إليهم كتابًا مختومًا، وقال: اشهدوا أن هذا كتابي- فلا يجوز.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
ولا يجب كتابة أسامي الشهود الذين شهدوا بالحق في الكتاب، وثبوت عدالتهم عند القاضي الكاتب كاف؛ فيكتب: ثبت عندي بشهود عدول كذا. فإن لم يثبت عدالتهم، فيكتب أسماءهم؛ حتى يكشف المكتوب إليه عن أحوالهم.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
أما الشهود الذين يشهدهم القاضي الكاتب على حكمه، فثبوت عدالتهم عند المكتوب إليه شرط، فلو عدلهم الكاتب لا تثبت.
وقال القفال الشاشي: تثبت؛ وهذا لا يصح؛ لأن فيه تزكية نفسه؛ كما لو عدل المدعي شهوده، ولأنه تعديل قبل أداء الشهادة؛ فلا يحسب.
فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، أحضر المقضي عليه وأخبره، فإن أقر بالحق، وإلا شهد الشهود أن هذا كتاب فلان القاضي حكم لفلان بن فلان على هذا بكذا؛ فيفض القاضي الختم بعد أن يعدل الشهود، ويمضي قضاءه.
وإذا شهدوا على أن هذا كتاب فلان القاضي وختمه- لا يجوز أن يحكم به ما لم يشهدوا على حكمه بما فيه ويبينوا.
وعند أبي حنيفة: إذا شهدوا على أنه كتاب فلان القاضي وختمه؛ [و] أشهدنا عليه- يحكم به؛ وإن لم يشهدوا على ما فيه.
وإن قال المدعى عليه: لي دفع بذلك البلد، كلفه القاضي أداء المال، ثم هو متمكن من الإثبات بالدفع؛ متى قدر عليه.
وإن ادعى أنه أبرأني عنه؛ فإن كان الذي حمل الكتاب هو المدعي حلفه؛ أنه لم يبرئه، وإن كان حامل الكتاب وكيله كلفه القاضي أداء المال، ثم إذا ظفر بالمدعى عليه حلفه.
ولو أنكر المقضي عليه؛ أن اسمه ما كتب فيه فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل أن لا مطالبة عليه؛ فعلى المدعي إثبات اسمه. فإن قال: اسمي هذا، ولكن لي سمي في البلد؛ فلست أنا المحكوم عليه- فلا تقبل إلا ببينة تقوم على أن له سميًا. فإن أثبت له سميًا فعلى الشهود أن يميزوا بينهما بزيادة نسب، أو حلية، أو صناعة.
وإذا حكم المكتوب إليه على المدعى عليه، [واستوفى منه الحق] فقال المدعى عليه: اكتب إلى القاضي الكاتب أنك حكمت علي؛ حتى لا يدعي علي ثانيًا هل يلزمه أن يكتب؟ فيه وجهان:
أحدهما- قاله الإصطخري-: يلزمه؛ لأنه لا يأمن أن يدعي عليه ثانيًا.
والثاني: لا يلزم؛ لأن الحاكم إنما يكتب فيما حكم به أو ثبت عنده، والكاتب هو الذي حكم به، وثبت عنده لا المكتوب إليه.
[ ٨ / ٢٠١ ]
ولو ضاع الكتاب في الطريق، أو امحي، أو انكسر الختم- فالشهود يشهدون على حكم القاضي الكاتب؛ فتقبل الشهادة.
وعند أبي حنيفة: لا تقبل الشهادة إلا على الكتاب.
ولو مات القاضي، أو عزل، أو جن، أو خرس، أو أغمي عليه- يجب على المكتوب إليه قبول كتابه، والحكم بما شهد عليه الشهود.
وعند أبي حنيفة: لا تقبل [الشهادة].
ولو ارتد القاضي الكاتب، أو فسق قبل وصول الكتاب؛ فإن كان في حكم مبرم، قبله المكتوب إليه، وأمضاه. وإن كان في سماع شهادة لا يقبله؛ كالشاهد إذا فسق بعد الشهادة، أو ارتد قبل الحكم، لا يحكم بشهادته، وإن كان بعد الحكم لا ينقض.
ولو مات المكتوب إليه أو عزل، فعلى من يلي قضاء تلك البلدة قبول ذلك الكتاب، والعمل به، وإن لم يكن الكتاب باسمه. فإن كان المحكوم عليه قد غاب إلى بلد آخر، فالمدعي: إن شاء دفع الكتاب إلى المكتوب إليه، ويشهد عليه الشهود، والمكتوب إليه يمضيه ثم يكتب كتابًا إلى قاضي البلد الذي غاب إليه الخصم؛ بأن قد جاءني كتاب من فلان، وأمضيته وكتبت إليك، فإذا أتاك كتابي، فامض فيه بموجب الشرع، ويشهد عليه. وإن شاء المدعي أن يحمل الكتاب إلى قاضي البلد الذي غاب إليه الخصم، جاز، وعليه قبوله وإمضاؤه. وإن كان الكتاب باسم غيره؛ لأنه يحكم بشهادة الشهود.
ويجوز لمن حكم على غائب لا يعلم مكانه أن يكتب الكتاب مطلقًا إلى كل من يبلغه من قضاة المسلمين، ثم كل قاض حمل إليه ذلك الكتاب، وشهد الشهود عليه- أن يقبله ويمضيه.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز؛ حتى يسمى المكتوب إليه، أو يقول: إلى فلان، وإلى كل من يبلغه من قضاة المسلمين.
وإذا أراد شهود الكتاب أن يتخلفوا في الطريق- نظر: إن أرادوا التخلف في موضع ليس فيه قاض، ولا شهود- لم يكن لهم ذلك، بل عليهم الخروج إلى موضع فيه قاض وشهود. فإن طلبوا أجرة للخروج إلى موضع القاضي، لم يكن لهم أكثر من نفقتهم، وكذا دوابهم؛ بخلاف ما لو كان في البلد شهود لهم ألا يخرجوا، ويطلبوا للخروج أكثر من أجر المثل؛ لأنه لا ضرورة إليهم هناك؛ فإن القاضي يقدر على إشهاد غيرهم.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
وإن أرادوا التخلف في موضع فيه قاض وشهود، فلهم فيه طريقان: فإن شاء كل واحد من الشاهدين أن يشهد على شهادته شاهدين يشهدان على شهادتهما بين يدي القاضي المكتوب إليه بقضاء القاضي فلان: لفلان على فلان كذا وإن شاءوا حملوا الكتاب إلى قاضي البلد الذي يتخلفون فيه، ويشهدون عنده على حكم القاضي الكاتب؛ فهو يمضيه، ويكتب إلى قاضي بلد الخصم. هذا إذا ادعى على غائب دينًا.
فإن ادعى على غائب عينًا؛ نظر: إن كانت حاضرة، سلمها إليه بعد إقامة البينة والتحليف، وإن كانت غائبة؛ نظر: إن كانت عقارًا سمع البينة وحكم، وكتب: أني حكمت لفلان بن فلان على فلان بدار، أو أرض في بلدك؛ موضعها كذا وكذا. وإن كان منقولًا، هل تسمع الدعوى والبينة؟ فيه قولان:
أحدهما: تسمع؛ وبه قال أبو يوسف، وابن أبي ليلى؛ كما في العقار.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا تسمع؛ لأنه يتغير، ويختلط؛ فلا يمكن الوقوف عليه.
فإن قلنا: تسمع، هل يقضي؟ فيه قولان:
أحدهما: يقضي؛ كما في العقار.
والثاني: لا يقضي؛ بل بعد سماع البينة وتعديلها، يكتب إلى قاضي بلد الخصم والمال ثم المكتوب إليه بعد ما أتاه الكتاب له طريقان:
أحدهما: أن ينتزع العين من يد من هي في يده، ويختم عليها. وإن كان عبدًا جعل في عنقه قلادة، ووضع عليها ختمه، ودفعه إلى المدعي وكفله، وبعثه إلى القاضي الكاتب؛ حتى يشهد الشهود على عينه.
فإن سلمت العين له، كتب ببراءة الكفيل، وإلا كلف المدعي رد العين، ومؤنة رد العين، وأجر مثل مدة الحيلولة؛ وبه قال أبو يوسف.
وقال الشافعي: ومنعني من هذا: أنها إن كانت جارية لا يؤمن أن يطأها المدعي، ولأنه يؤدي إلى الحيلولة بين المالك وملكه.
والطريق الثاني: أن القاضي المكتوب إليه ينزع العين من يد المدعى عليه، ويبيعها من المدعي، ويضع الثمن على يد عدل، أو يكلفه، أو يبيعه إلى القاضي الكاتب. فإن
[ ٨ / ٢٠٣ ]
سلمت للمدعي كتب ليبرئ الكفيل، ويرد الثمن، وإلا فالبيع صحيح؛ يدفع الثمن إلى المدعى عليه.
ويجوز القضاء على الغائب في غير العقوبات، ويقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي. وهل يجوز القضاء على الغائب في العقوبات؟ نظر: إن كان من حدود الله- تعالى- مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع السرقة؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ كما في الأموال.
ثم يكتب إلى قاضي البلد الذي به المشهود عليه؛ حتى يحده.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الحدود يحتاط لدرئها.
وإن كان من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف- فالمذهب: أنه يجوز القضاء فيه على الغائب؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق.
وخرج قول من حدود الله: أنه لا يجوز؛ لأنه يندرئ بالشبهة.
وكما يجوز للقاضي أن يكتب إلى قاض آخر في القضاء المبرم لتنفيذه؛ وهو أن يكتب بعدما سمع بينة المدعي وحلفه وحكم، يجوز أيضًا أن يكتب في غير المبرم، وهو أن يسمعبينة المدعى ولا يحلفه، ويكتب إلى قاضي بلد الخصم"؛ ليحكم به، ويقبل الكتاب في القضاء المبرم لتنفيذه، وإن كانت المسافة قريبة.
أما في غير المبرم: فتقبل في مسافة القصر، ولا تقبل في مسافة لو خرج بكرة أمكنه أن يأتي أهله ليلًا وفيما بينهما؟ وجهان؛ كالشهادة على الشهادة. والفرق بين القضاء المبرم حيث قبلنا فيه الكتاب على قرب المسافة ولم نقبل في غير المبرم-: أن الحكم قد نفذ في المبرم، وربما لا يمكنه إقامة الشهود عند القاضي الثاني مرة أخرى وقد يختلف اجتهادهما؛ فيكون فيه نقض القضاء بالاجتهاد.
وفي غير المبرم لم يقبل؛ لأن المدعي يمكنه أن يدعو لحمل الشهود إلى القاضي الآخر؛ ليشهدوا عنده، ولذلك لم تقبل شهادة شهود القرع على قرب المسافة بينهم وبين شهود الأصل؛ لأنه يمكنه حمل شهود الأصل إلى القاضي ليشهدوا إذا لم يكن لهم عذر من مرض ونحوه.
وكذلك إذا كان في بلد قاضيان؛ حيث جوزنا [أن يقبل] كتاب أحدهما إلى الآخر
[ ٨ / ٢٠٤ ]
في القضاء المبرم، ولا يقبل في غير المبرم.
ويقبل كتاب الإمام الأعظم إلى القاضي، وكتاب القاضي إلى الإمام، وكذلك كتاب القاضي إلى خليفته، وكتاب الخليفة إليه.
ولو جاء رجل إلى القاضي، واستعدى على خصمه ليحضره- يجب أن يشخصه ويحضره إن كان خصمه في البلد، وكان ظاهرًا صحيحًا يمكن إحضاره، وإن كان مريضًا أو امرأة مخدرة فلا يكلفها الحضور، بل يوكل من يجيب عنها. وإن توجهت عليها يمين، بعث الحاكم إليها من يحلفها.
وإن كان غائبًا عن البلد، نظر: إن لم يكن في ولايته لا يمكنه إشخاصه، وإن كان في ولايته نظر: فإن كان على مسافة القصر لا يشخصه، بل يسمع البينة ويكتب إلى خليفته في بلد الخصم وإن كان على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلًا عليه أن يشخصه. وفيما بينهما من المسافة؟ وجهان.
ولو أن قاضيين ولايتهما متصلة حضر كل واحد طرف ولايته؛ فنادى أحدهما الآخر؛ بأني حكمت لفلان على فلان الذي في ولايتك بكذا- فيجب على القاضي السامع إمضاءه؛ لأنه أبلغ من الكتاب.
وكذلك لو كان للقاضي خليفة في البلد فأيهما أخبر الآخر؛ بأني حكمت لفلان بكذا، يجب عليه إمضاؤه.
ولو خرج القاضي إلى قرية له فيها خليفة؛ فأخبر القاضي خليفته؛ أني قد قضيت على فلان في هذه القرية بكذا- فعلى الخليفة إمضاؤه؛ لأن كل واحد في ولايته، وكذلك لو أخبره الخليفة؛ بأني حكمت لفلان على فلان في البلد بكذا، فإذا عاد القاضي إلى البلد يمضيه. لأنه أخبر في ولايته.
ولو دخل الخليفة البلد، فأخبر القاضي لا يحكم به؛ لأنه ليس في ولايته؛ كما لو قال القاضي بعد العزل: حكمت لفلان بكذا- لم يقبل.
ولو أخبر القاضي الخليفة؛ بأني حكمت لفلان في قريتك بكذا، فإذا عاد الخليفة إلى قريته هل يمضيه؟
فيه قولان؛ بناء على أن القاضي هل يقضي بعلم نفسه؟ لأن القاضي أخبر في ولايته؛ فيقع به العلم، والخليفة يسمع في غير ولايته.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
وكذلك لو خرج قاضي بلد إلى بلد آخر؛ فأخبر الخارج قاضي البلد الذي خرج إليه- لا يحكم به.
وإذا أخبر ذلك القاضي هذا الخارج، فإذا عاد هل يمضيه؟ فعلى قولين؛ لأن إخباره بالقضاء كإنشاء القضاء، ومن حضر لم يكن في محل ولاية الخارج.
ومن حضر في مجلس الحكم؛ فسمع القاضي قضى بشيء لإنسان- له أن يشهد به وإن صار قاضيًا بعده هل يقضي [به]؟ فيه قولان.
ولو نادى القاضي في ولايته: أني حكمت لفلان على فلان بكذا؛ فسمع عدلان قوله وشهدا بين يدي قاض بلد آخر على المحكوم عليه- يجب على من شهدا عنده الحكم به.
وإذا سمع القاضي الشهادة على غائب، ثم حضر الغائب قبل القضاء- لا يجب إعادة الشهادة؛ بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعدما شهد شهود الفرع قبل القضاء لا يقضي إلا بشهادة شهود الأصل؛ لأن شهود الفرع والبدل لا حكم له بعد حضور الأصل.
وإذا حكم القاضي على غائب بحق، ثم قدم الغائب أو على صبي؛ فبلغ الصبي- كان على حجته في القدح في الشهود وإقامة البينة على قضاء الحق، والإبراء عنه.
ولو أقام وكيل المدعي بينة على وجه وكيل المدعى عليه، وحكم القاضي به، ثم حضر المدعى عليه، وقال: كنت عزلت الوكيل قبل إقامة البينة- لا ينفعه ذلك؛ لأن القضاء على الغائب جائز.
ولو حضر المدعي وقال: كنت عزلت وكيلي قبل إقامة البينة، وقلنا: ينعزل الوكيل قبل بلوغ الخبر إليه- لا يصح الحكم؛ لأن القضاء للغائب لا يجوز. والله أعلم.
باب القسام
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا﴾ [النساء: ٨].
فيه دليل على أن المال إذا كان مشتركًا بين جماعة، يجوز لهم أن يقسموا؛ ليتميز نصيب كل واحد منهم؛ فيتمكن كل واحد من التصرف في نصيبه كيف شاء ويتخلص من سوء المشاركة؛ وكان النبيﷺ- يقسم الغنائم بين الغانمين.
[ ٨ / ٢٠٦ ]
وعلى الإمام أن ينصب ف كل بلدة قاسمًا؛ فإن لم تقع الكفاية بواحد، فأكثر قدر ما تقع بهم الكفاية ويرزقهم من بيت المال.
[وكذلك ينصب كاتبًا؛ لكتبة الصكوك وغيرها، ويرزقه من بيت المال]. فإن لم يكن في بيت المال مال، أو [لم] يعط- فلا يعين قاسمًا ولا كاتبًا؛ لأنه إذا تعين غالى في الأجرة، بل يترك الناس يستأجرون الكتاب والقسام كيف شاءوا.
فإذا نصب قاسمًا، يشترط أن يكون عالمًا بالحساب عدلًا، نزهًا من الطمع. ثم إن لم يكن في القسمة تقويم، جاز قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم ثم لم يجز أقل من اثنين.
وإن كان فيها خرص، هل يكتفي بخارص واحد؟ فيه قولان.
ثم إن كان القاسم قد نصبه الحاكم، فرزقه وأجرته من بيت المال سهم المصالح، وإن لم يكن في بيت المال شيء، فيكون على الشركاء. ثم ينظر: إن استأجر جماعة قاسمًا وسمى كل واحد شيئًا واحدًا جاز، وعلى كل واحد ما سمى. وإن سموا أجرة واحدة. [فإن قالوا: اقسم بيننا هذا المال على عشرة دراهم، فيوزع العشرة عليهم على قدر أملاكهم؛ فمن كان نصيبه أكثر، كان عليه من الأجرة أكثر؛ بخلاف الشفعة توزع على عدد رءوس الشركاء؛ سواء مع تفاوت- أنصبائهما على أحد القولين؛ لأن الشفعة لا تستحق بسبب الشركة وهم في أصل الشركة سواء، وهاهنا يستحق الأجرة للعمل وعمله لصاحب الكبير أكثر منه لصاحب القليل؛ كما ل كان بين رجلين حمل ثقيل؛ لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه؛ فاستأجرا رجلًا بعشرة ليحمله إلى موضع معلوم، فحمله- تكون العشرة بينهما أثلاثًا: الثلثان على صاحب الثلثين؛ والثلث على الآخر، فإن كان القاسم من جهة الشركاء يجوز أن يكون فاسقًا وعبدًا؛ لأنه وكيل لهم؛ بخلاف منصوب الإمام يشترط أن يكون حرًا عدلًا لأنه منصوب لإلزام الحكم؛ كالحاكم.
إذا كان بين رجلين مال من نوع واحد وطلب أحدهما القسمة، وامتنعا لآخر- هل يجبر الممتنع؟
نظر: إن لم يكن على واحد منهما ضرر؛ كالقسمة في الدراهم والدنانير والحنطة
[ ٨ / ٢٠٧ ]
والشعير وسائر الحبوب والأدهان والثوب الغليظ الذي لا تنتقص قيمته بالقطع، والأرض والدار المستوية أجزاؤها- يجبر الممتنع على القسمة.
وإن كان عليهما ضرر؛ كالجواهر والثوب المرتفع الذي تنتقص قيمته بالقطع والكسر، والرحاء الواحدة، والبئر والحمام الصغير الذي لا يمكن أن يتخذ منه حمامان- فلا يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن في قسمته إضاعة للمال؛ ونهى رسول اللهﷺ- عن إضاعة المال؛ وفيه ضرر عليهما؛ وقد قال النبيﷺ- "لا ضرر ولا إضرار".
وإن كان على أحدهما ضرر؛ بأن كانت أرضًا تسعة أعشارها لواحد، وعشرها لآخر، ينتفع صاحب التسعة أعشار [بالقسمة]، ويتضرر بها صاحب العشر؛ إذ لا يمكنه الانتفاع بنصيبه إذا انفرد، أو كانا سواء في قلة النصيب، ولكن لأحدهما بجنبه ملك خالص إذا انضم إليه نصيبه ينتفع به؛ فإن طلب القسمة من لا ضرر عليه، يجبر صاحبه على القسمة.
وقال أبو ثور: لا يجبر؛ لأنه يتضرر به الناس قلنا: من ينتفع بالقسمة لا يجب عليه ترك حقه لضرر الغير؛ كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا ما يقضي دينه- يجبر على أداء الدين؛ وإن تضرر به.
وإن طلب القسمة من يتضرر بالقسمة، فلا يجبر الآخر عليه؛ لأنه يطلب ما لا يقع له فيه، بل عليه فيه ضرر، فإن تراضيا جاز.
وإن كانت بينهما أرض مختلفة الأجزاء في بعضها أشجار أو بناء، وبعضها خال، أو بعضها يسقى بالنهر وبعضها لا يصيبه الماء؛ فيسقى بالنضح، أو بينهما دار بعضها مبني بالآجر، وبعضها بالخشب أو الطين- فإن أمكن أن يقسم الجيد بينهما على الانفراد والردئ على الانفراد، وأيهما امتنع أجبر الآخر عليه.
وإن لم يمكن، إلا بأن نجعل الجيد لواحد، والرديء لآخر، ويرد من يأخذ الجيد شيئًا؛ فلا يجبر عليه، إلا أن يتراضيا.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
وكذلك لو كان بينهما دار لها علو وسفل؛ فإن أمكن أن يجعل لكل واحد منهما نصفها علوًا وسفلًا- أجبر عليه.
وإن اقتسما على أن يكون السفل لواحد، والعلو لآخر- فلا يجوز إلا بالتراضي. وإن أمكن قسمة الأرض المختلفة بالتعديل؛ بأن تكون الأرض ثلاثين جرينًا: عشرة أجرنة من جيدها بقيمة عشرين جرينًا من رديئها؛ فدعا ذلك إلى أحدهما- هل يجبر عليه؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو الأصح: لا يجبر إلا أن يتراضيا عليه؛ لتعذر التساوي في الزرع؛ كما لو كانت بينهما دور وبساتين في مواضع مختلفة؛ فطلب بعضهم قسمتها أعيانًا بالقيمة- لا يجاب إليه، إلا أن يتراضيا، بل يقسم كل واحدة على الانفراد.
والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي في المشترك بالتعديل؛ فعلى هذا: في أجرة القسام وجهان:
أحدهما: على كل واحد نصفها؛ لاستوائهما في أصل الملك.
والثاني: على صاحب العشرة ثلثها، وعلى صاحب العشرين ثلثاها؛ لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة.
وإن كان بين ملكي رجلين عرصة جدار مشتركة بينهما؛ فأرادا قسمتها نظر: إن أرادا قسمتها طولًا في جميع العرض؛ بأن كان طولها عشرة أذرع وعرضها ثلاثة أشبار؛ فأرادا قسمتها طولًا؛ فتصير لكل واحد خمسة أذرع في جميع العرض- جاز، وأيهما طلب ذلك أجبر الآخر عليه.
وإن أرادا قسمتها عرضًا في جميع الطول، فيكون لكل واحد شبر ونصف في جميع الطول. فإن تراضيا عليه جاز، وإن امتنع أحدهما لم يجبر الآخر عليه؛ لأن الجبر يكون بالقرعة. وإذا أقرع بينهما، ربما يخرج لكل واحد منهما ما يلي ملك صاحبه؛ فلا ينتفع به.
أما إذا كان بين ملكيهما جدار مشترك بينهما، فأرادا قسمته: إن أرادا قسمته عرضًا في جميع الطول، يجوز بالتراضي إذا كان الجدار عريضًا، وأمكن شقه إلى آخره.
وإذا امتنع أحدهما لا يجبر الآخر عليه؛ للمعنى الذي أشرنا إليه في موضع الجدار.
وإن أرادا قسمته عرضًا في جميع الطول، يجوز بالتراضي طولًا في جميع العرض. فهل يجبر عليه إذا امتنع منه أحدهما؟ فيه وجهان:
[ ٨ / ٢٠٩ ]
أحدهما: يجبر؛ كما في عرصة الجدار.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه لا يمكن إلا بقطع الجدار، وفيه إتلاف بعض الجدار؛ فلا يصار إليه إلا بالتراضي.
وإن كان بينهما أصناف مختلفة من المال مشتركة؛ كالكرم والنخل والحنطة، مع الشعير والأشجار المختلفة والعبيد مع الدواب؛ فأرادا قسمتها أصنافًا؛ فيجعل لكل واحد صنف على الانفراد- يجوز ذلك بالتراضي، وإذا امتنع أحدهما لا يجبر عليه، بل يقسم كل صنف على الانفراد.
وكذلك إذا كان المالان من صنف واحد، والنوع مختلف- لا يجعل [على كل] واحد نوع على الانفراد إلا بالتراضي، ب يقسم كل نوع على الانفراد بينهما.
فإن كانت الأنواع مختلطة؛ كالتمر الجيد مع الرديء، والجوز الهش مع الصلب ولا يمكن التمييز بينهما- فلا يجوز قسمتهما أجزاء إلا بالتراضي.
وإن كان بينهما أعيان متفقة النوع؛ كالعبيد والدواب، أو الأشجار أو الثياب، أو الخشب؛ فأرادا قسمتها- نظر: إن أمكن القسمة بينهما مع الاستواء في العدد والقيمة؛ بأن كان بينهما عبدان قيمتهما سواء، [أو حماران قيمتهما سواء، أو ثوبان أو شجرتان من نوع واحد قيمتهما سواء]- فالمذهب أنه يجبر على القسمة إذا طلب أحدهما؛ وهو قول أكثر الأصحاب.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجبر الممتنع إلا أن يتراضيا عليه؛ لأنها أعيان مختلفة؛ كالدور المتفرقة لا تقسم أعيانًا. والأول المذهب، وليس كالدور المتفرقة؛ لأنها كالأصناف المختلفة؛ لاختلاف محالها.
ولو أمكن التسوية بينهما في القيمة مع تفاوت العدد؛ بأن كان بينهما ثلاثة أعبد قيمة واحد مائة وقيمة اثنين مائة- فهل يجبر على القسمة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجبر؛ للتفاوت في العدد، إلا أن يتراضيا عليه.
والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي [بينهما] في القيمة، وإن لم يمكن التسوية بينهما في القيمة أيضًا؛ مثل: أن كان بينهما عبدان؛ قيمة أحدهما مائة، وقيمة الآخر مائتان، أو ثلاثة أعبد؛ قيمة اثنين مائة، وقيمة واحد مائتان- هل يجبر على القسمة؟ ترتب على الأول:
[ ٨ / ٢١٠ ]
إن قلنا ثم: لا يجبر، فهاهنا أولى وإلا فوجهان. والأصح: أنه لا يجبر؛ لأن الشركة هاهنا لا ترتفع بالقسمة.
فإن قلنا: يجبر أو تراضيا، يقرع بينهما؛ فمن خرجت له قرعة العبد الذي قيمته مائة أخذها، وربع الآخر.
فصل في إحصاء أهل السهمان
إذا أراد القاسم قسمة أرض أو دار أو غيرها، يجب أن يحصي عدد أهل السهمان؛ فيعدل السهام بالأجزاء أو بالقيمة، ثم إن استوى عددهم وسهامهم؛ بأن كانوا ثلاثة وبينهم أرض أثلاثًا، جزأها ثلاثة أجزاء، ثم قطع ثلاث رقاع صغار مستوية وكتب على كل رقعة اسم واحد منهم، وجعلها في بنادق من طين سوى بينهما في الوزن وجففها، وجعلها في حجر من لم يحضر الكتاب ولا إدخالها في الطين ثم قال: أخرج على السهم الأول فمن خرج اسمه أخذ ذلك السهم ثم يخرج على السهم الثاني فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين السهم الآخر للثالث، وإن شاء كتب أسامي السهام على الرقاع، ثم قال: أخرج [على السهم الأول؛ فمن خرج اسمه أخذ ذلك، ثم يخرج على السهم الثاني؛ فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين] باسم فلان؛ فأي سهم خرج، دفع إليه.
وإن اختلف سهامهم؛ بأن كان لواحد النصف، ولآخر الثلث، والثالث السدس- فيقسم على أقل السهام؛ وهو السدس؛ فيجعل أسداسًا، ويكتب الأسامي في الرقاع، ويخرج على السهام؛ فيقول: أخرج على السهم الأول. فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ذلك السهم والسهمين اللذين يليانه، ثم يقول: أخرج على السهم الرابع؛ فإن خرج اسم صاحب الثلث، دفع إليه مع السهم الذي يليه ويتعين السهم الآخر لصاحب السدس؛ فإن خرج السهم الأول لصاحب السدس دفع إليه. ثم أخرج على السهم الثاني؛ فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ثلاثة أسهم، وتعين السهمان الآخران لصاحب الثلث. ولا يكتب على الرقاع أسماء السهام عند اختلاف السهام؛ لأنه إذا كتب أسماء السهام، ثم خرج على الأسامي ربما تتفرق أملاكهم، فيتضررون. وكل قسمة فيها رد، فهي بيع يشترط [فيه] لفظ البيع والتمليك. فيقول من اختار الأجود؛ ليرد شيئًا: اشتريت منك مالك فيما صار لي بما لي فيما صار لك وبعشرة دنانير، فيقول الآخر: بعتك أو ملكتك.
وكذلك إذا كانت الأرض مختلفة الأجزاء، لا يمكن القسمة بينهما مع التساوي في الأجزاء؛ فاقتسما على التعديل، أو اقتسما الأموال على الأصناف. وكل قسمة لا يجبر
[ ٨ / ٢١١ ]
عليها؛ فتراضيا عليها، فهو بيع يشترط فيها لفظ التمليك، وتثبت فيها أحكام البيع.
وإن لم يكن في القسمة رد؛ بأن كان بينهما حنطة أو شيء من الحبوب والأدهان، أو كانت بينهما أرض مستوية الأجزاء، أو دار مستوية الأبنية، أو كرم متفقة الأشجار، أمكن قسمتها من غير تفاوت؛ فاقتسما- فتلك القسمة بيع، أم إفراز حق؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه بيع؛ لأنه ما من جزء من ذلك المال إلا وهو مشترك بينهما، فإذا أخذ كل واحد نصفه، فكأنه باع ماله فيما أخذ لصاحبه بما لصاحبه فيما أخذه.
والثاني: أنه إفراز حق؛ بدليل أنه إذا امتنع أحدهما، يجبر الآخر عليه، ويدخله القرعة، والبيع لا يدخله القرعة والجبر، ولا يحتاج إلى لفظ التمليك. والأول أصح؛ أنه بيع، والجبر والقرعة للحاجة إليه؛ كما أن الحاكم يبيع مال المديون جبرًا؛ لأجل الحاجة، ولا يخرج عن أن يكون بيعًا.
أما لفظ البيع والتمليك: [فقد قيل] إذا قلنا: إنه بيع، يشترط لفظ البيع والتمليك. وقيل: لا يشترط، بل إذا اقتسما، فله حكم البيع. والصحيح: أنه لا فرق بين أن تكون قسمتهما بالتراضي، أو بالجبر أنه على القولين.
وقيل: [القولان] فيما إذا اقتسما جبرًا؛ فإن كان بالتراضي، فهو بيع قولًا واحدًا.
أما إذا اقتسما على التفاوت بالتراضي فلا خلاف أنه بيع.
وفائدة القولين: تتبين في أنهما لو اقتسما على التفاوت بينهما شيئًا من مال الربا؛ إن جعلناه بيعًا، يشترط القبض في المجلس، وإن جعلناه إفراز حق، فلا يشترط.
ولو اقتسم المكيل بالوزن، أو الموزون بالكيل؛ فإن كان من مال الربا، وجعلناه بيعًا- لا يجوز. وإن جعلناه إفراز حق، يجوز؛ وإن لم يكن من مال الربا؛ كالجص والنورة ونحوهما يجوز قسمتها وزنًا وكيلًا قولًا واحدًا.
وإن كان بينهما أرض مزروعة، وطلب أحدهما القسمة- نظر: إن طلب قسمة الأرض دون الزرع، أجبر عليه؛ لأن الزرع في الأرض كالمتاع في البيت؛ لا يمنع المتاع قسمة البيت.
وإن طلب القسمة مع الزرع، لم يجبر عليه؛ لأن الزرع لا يمكن تعديله؛ فهو كالحشيش في الأرض؛ لا يجبر على قسمته. وإن تراضيا عليه، هل يجوز أم لا؟ نظر: إن
[ ٨ / ٢١٢ ]
كان الزرع بذرًا لم ينبت، لم يجز؛ لأنه مجهول. وإن كان قد نبت؛ نظر: إن كان فصيلًا لم يظهر فيه الحب جاز، وإن كان قد انعقد فيه الحب لم يجز؛ لأنا إن قلنا: القسمة بيع، فهو بيع أرض وطعام بأرض وطعام. وإن قلنا: إفراز حق فهو قسمة مجهول ومعلوم.
وإذا اقتسما شيئًا، ثم تقايلا: إن قلنا: القسمة بيع، صحت الإقالة، وصار كأن القسمة لم تكن. وإن قلنا إفراز حق، فلا معنى للإقالة والقسمة بحالها.
فإذا ترافع الشريكان إلى الحاكم، وسألاه أن ينصب قاسمًا يقسم بينهما شيئًا ففعل فعدل القاسم السهام، وأقرع بينهما- لزم، ولا يعتبر بعده التراضي؛ لأن هذه القسمة إجبار وكما لم يعتبر التراضي في ابتداء هذه القسمة، لم يعتبر بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء.
وفيه قول آخر: أنه يعتبر بعد خروج القرعة.
أما إذا تراضى الشريكان بقاسم يقسم بينهما؛ فعدل السهام، وأقرع- فالمنصوص أنه يعتبر التراضي بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء.
وفيه قول آخر: أنه لا يعتبر بعد خروج القرعة؛ كما ذكرنا فيما لو حكما رجلًا ليحكم بينهما فحكم- فهل يلزم بنفس الحكم، أم يشترط تراضيهما بعد الحكم؟ فيه قولان.
أما إذا كان في القسمة رد، وخرجت القرعة، لا يلزم إلا بالتراضي.
وقال الإصطخري: يلزم بخروج القرعة من غير التراضي؛ كقسمة الإجبار، وليس بصحيح بل يعتبر التراضي بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء؛ بخلاف قسمة الإجبار؛ لأن ثم لا يعتبر التراضي في الابتداء؛ فلم يعتبر بعد خروج القرعة.
فإن كانت دارًا أو أرضًا موقوفة على جماعة لا يجوز لهم قسمتها؛ لأن تغيير الوقف لا يجوز؛ كما لا يجوز أن تجعل الدار الموقوفة بستانًا ولا البستان دارًا. وإن كان نصفها موقوفًا، والنصف مملوكًا، فهل يجوز قسمتها أم لا؟
إن قلنا: القسمة إفراز حق جاز، وإن قلنا: بيع لا يجوز؛ لأن بيع الموقوف لا يجوز.
فصل في قسمة المهايأة
إذا كان بينهما شيء لا يقبل القسمة من بئر، أو طاحونة، أو دابة، أو عبد؛ فاقتسماها مهايأة؛ حتى ينتفع بها أحدهما مدة معلومة، ثم ينتفع الآخر مثلها- جاز؛ لأن الأعيان القابلة
[ ٨ / ٢١٣ ]
للقسمة لما جازت قسمتها كذلك المنافع.
وإن طلب أحدهما المهايأة، وامتنع الآخر- هل يجبر الممتنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان.
والثاني- وهو الأصح، والمنصوص عليه: لا يجبر؛ لأن فيه تعجيل حق أحدهما، وتأخير الآخر؛ بخلاف الأعيان؛ فإنه لا يتأخر بالقسمة فيها حق أحدهما.
فإن قلنا: يجبر، أو تراضيا على المهايأة مياومة أو مشاهرة أو مشافهة- جاز وإن لم يتفقا على أن يبدأ أحدهما بالانتفاع، يقرع بينهما؛ فإذا انتفع أحدهما مدة، ثم انهدمت الدار، ومات العبد- فعلى الذي انتفع بها نصف أجرة المثل للمدة التي انتفع بها صاحبه.
ولو لم تتلف العين، ولكن امتنع الثاني من الانتفاع: فإن قلنا: يجبر على المهايأة فلا شيء للمتنع؛ لأنه ضيع حظ نفسه.
ولو رغب في الانتفاع قبل مضي مدته، ليس للآخر منعه. وإن قلنا: لا يجبر على المهايأة، فللثاني ألا ينتفع بها، بل يطلب من الذي انتفع بها نصف أجر مثل المدة التي سكنها.
ولو أراد الثاني أن يسكنها؛ فقال الذي سكن: لا أدعك تسكنها، وأغرم لك نصف أجرة مثل ما سكنت- فله ذلك. فإن قلنا: لا يجبر على المهايأة، ولم يتراضيا، هل للقاضي بيعها عليهما؛ قطعًا للمنازعة؟ فيه وجهان:
المذهب: أنه لا يبيع عليهما؛ لأنهما مكلفان مطلقان بل يؤاجر عليهمأ، ويصرف الأجرة إليهما.
ولو اتفقا في العبد المشترك على المهايأة، تدخل في المهايأة الأكساب العامة؛ كالاحتطاب، والاصطياد، والاحتشاش. فما اكتسب في يوم أحدهما، يكون له، وكذلك المؤن العامة، كالنفقة تدخل في المهايأة؛ فيجب على كل واحد منهما نفقة اليوم الذي يعمل له.
أما الأكساب النادرة مثل: الركاز، واللقطة يجدها وقبول الهبة والوصية، وكذلك المؤن النادرة مثل: أجرة الطبيب، والفصاد والحجام وصدقة الفطر- هل تدخل في المهايأة؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو المذهب-: تدخل في المهايأة؛ كالعامة.
[ ٨ / ٢١٤ ]
والثاني: لا تدخل في المهايأة، بل الكسب النادر يكون بينهما في أي يوم كان، والمؤنة النادرة تكون عليهما في أي يوم كان.
وكذلك من بعضه حر، وبعضه رقيق، فأكسابه تكون بينه وبين سيده، والمؤن عليهما. وإن كان بينهما مهايأة، فتدخل المهايأة الأكساب، والمؤن العامة. وفي النادرة وجهان:
المذهب: أنها تدخل في المهايأة.
وإن كان بينهما بقرة حلوب لا يجوز فيها المهايأة؛ لأن اللبن مجهول، وربما يكون في يوم أحدهما أكثر.
فصل في الغلط في القسم
إذا قسم القاسم مالًا بين رجلين، ثم ادعى أحدهما غلطًا في القسمة- لا يسمع، ولا يحلف القاسم؛ كما لو ادعى المحكوم عليه على الحاكم أنه ظلم، أو على الشاهد أنه كذب- لا يسمع. فإن أقام البينة على الغلط يسمع، وترد القسمة، كما لو أقام البينة على ظلم القاضي، وكذب الشاهد.
ولو أقر القاسم؛ أني غلطت، أو تعمدت؛ نظر: إن صدقه الشركاء تنقض القسمة، وإن كذبوه لا تنقض، وعليه رد الأجرة، وكذلك القاضي إذا قال: غلطت في الحكم، أو تعمدت الجور؛ فإن صدقه المحكوم له، يجب عليه رد المال إلى المدعى عليه، وإن كذبه فلا يجب عليه رده، وعلى القاضي الغرم.
ولو استحق بعض المقسوم؛ لا يخلو: إما أن استحق شيء معين، أو جزء شائع: فإن استحق شيء معين؛ نظر: إن استحق من نصيب كل واحد مثل ما استحق من نصيب الآخر أمضيت القسمة، وإن استحق من نصيب أحدهما شيئًا دون الآخر فالقسمة باطلة، وإن استحق جزءًا شائعًا من الكل قال ابن أبي هريرة: بطلت القسمة في المستحق. وهل تبطل في الباقي؟ فعلى قولين بناءً على تفريق الصفقة.
وقال أبو إسحاق: بطلت القسمة في الكل؛ لأن المقصود من القسمة تمييز الحقوق، ولم يحصل ذلك؛ لأن المستحق صار شريكًا لكل واحد منهما.
ولو قسمت التركة بين الورثة، ثم ظهر على الميت دين يحيط بالتركة- فهذا يبنى على أن الوارث إذا باع بعض التركة، وعلى الميت دين هل يصح البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن التركة كالمرهون في الدين، وبيع المرهون لا يصح.
والثاني: يصح؛ كالمريض يصح بيعه مع تعلق حق الورثة بماله، وليس كالمرهون؛
[ ٨ / ٢١٥ ]
لأن المالك أغلق على نفسه باب التصرف فيه لعقده، والوارث لم يعقد عقدًا يمنع نفسه من التصرف.
فإن قلنا: بيع الوارث صحيح، فالقسمة هاهنا صحيحة. فإن أدى الوارث الدين، وإلا نقضت القسمة، وبيعت التركة في الدين.
وإن قلنا: بيع الوارث لا يصح، فإن جعلنا القسمة بيعًا فهي باطلة، وإن جعلناها إفرازًا للحق صحت القسمة؛ فإن لم يؤدوا الدين، نقضت القسمة، وبيعت في الدين.
ولو ظهرت وصية بعد قسمة التركة؛ نظر: إن كانت الوصية مرسلة فكالدين، وإن كانت بعين من الأعيان فكالاستحقاق، وإن كانت بالثلث لا تنقض القسمة، وأخذ الموصي له من كل واحد ثلث ما خصه.
ولو تنازع الشريكان بعد القسمة في بيت في الدار التي اقتسماها؛ فادعى كل واحد أن هذا البيت نصيبي ولم يكن بينة تحالفًا، ونقضت القسمة؛ كالمتبايعين إذا اختلفا، تحالفا، وفسخ البيع. وإن وجد أحدهما بما صار له عينًا، فله الفسخ، كما يفسخ البيع بالعيب.
وإذا كانت دار في أيدي جماعة طلبوا الحاكم أن يقسمها بينهم- نظر: إن أقاموا بينة أنها ملكهم، عليه أن يقسمها بينهم. وإن لم يقيموا بينة، فهل له أن يقسمها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقسهما إلا ببينة تشهد أنها ملكهم؛ لاحتمال أنها في أيديهم بعارية أو إجارة. فإذا قسمها بينهم، ثم جاء مالكها؛ فهم يدعون أنها ملكهم، ويقيمون البينة على أن فلانًا الحاكم قسمها بينهم؛ فيبطل به حق المدعي.
والثاني: يقسمها بينهم؛ لأن اليد دليل ملكهم، ويكتب في الذكر؛ أنه قسمها بينهم بقولهم، ويشهد عليه؛ حتى إذا ظهر لها مالك تكون على حجته.
ولو جاز ألا يقسم، وجب ألا تبقى في أيديهم؛ خوفًا من أن يأتي قاض بعده؛ فيرى إقراره في أيديهم حكمًا لهم بها. ولا فرق عندنا بين العقارات وغيرها.
وعند أبي حنيفة: لا يقسم العقار من غير بينة، ويقسم غير العقار؛ فنقيس أحدهما على اِلآخر. والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا أمر على سبيل الإرشاد؛
[ ٨ / ٢١٦ ]
حتى لو باع ولم يشهد، صح البيع؛ لأن النبيﷺ- ابتاع من أعرابي فرسًا ولم يشهد فجحد الأعرابي؛ فشهد خزيمة بن ثابت، فقال له النبيﷺ-: بم تشهد ولم تحضر؟ فقال: نصدقك على خبر السماء؛ أفلا نصدقك على خبر الأرض. فسماه النبي - ﷺ - ذا الشهادتين.
ولو كان الإشهاد واجبًا، لم يتركه النبيﷺ- ولا يجب الإشهاد في شيء من العقود إلا في النكاح.
ولو وكل وكيلًا بالبيع، وقال: لا تبع إلا بمحضر شاهدين؛ فباع بغير محضر شاهدين- لم يصح البيع؛ لمخالفة الموكل.
ثم الشهادات على قسمين: على عقوبة، وعلى غير عقوبة.
أما العقوبة: إن كان حد الزنا فلا تثبت إلا بأربعة من الرجال العدول؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
[ ٨ / ٢١٧ ]
أما الإقرار بالزنا: هل يثبت بشهادة رجلين؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة كنفس الزنا.
والثاني: يثبت برجلين؛ لأنه شهادة على حركات اللسان؛ كسائر الأقارير.
أما غير الزنا من الجنايات الموجبة للعقوبة: فلا يثبت إلا برجلين عدلين؛ سواء كانت العقوبة قتلًا أو قطعًا أو جلدًا؛ وسواء كانت حقًا لله مثل قتل الردة، وقطع السرقة، وحد الشرب، أو حقًا للعباد مثل: قتل القصاص، وقطع القصاص، وحد القذف، وكذلك التعزير؛ وسواء كانت شهادتهم على نفس الجريمة، أو على الإقرار بها، ولا مدخل لشهادة النساء في العقوبات.
أما غير العقوبات فقسمان:
أحدهما: ما لا يكون المقصود منه المال.
والثاني: ما يكون المقصود منه المال.
أما ما لا يكون المقصود منه المال؛ فينظر: إن كان مما يطلع عليه الرجال غالبًا؛ كالنكاح، والطلاق، والعتاق، والخلع، والإيلاء، والظهار والرجعة، وانقضاء العدة، والبلوغ، والموت، والكتابة، والولاء، والنسب، والإعسار والإسلام، والردة وجرح الشهود وتعديلهم، والإقرار بهذه الأشياء- فلا يثبت شيء منها إلا برجلين عدلين، وكذلك الوصاية، والوكالة، وإن كانت الوكالة في المال.
والشركة، والقراض كالوكالة؛ لأنها تفويض التصرف إلى الغير كالوصية؛ ولأن من ادعى أنه وكيل فلان في استيفاء حقه، يحتاج إلى إثبات فعل الغير.
وعند أبي حنيفة: يثبت النكاح، والطلاق، والعتاق- برجل وامرأتين.
وإن كان ذلك مما يطلع عليه النساء غالبًا؛ كالولادة، والرضاع، والاستهلال، والثيوبة، والبكارة، والحيض، والرتق، والقرن والعيوب التي تحت إزار النساء؛ من: برص وغيره- تثبت برجلين، وبرجل وامرأتين، وأربع نسوة ولا تثبت بشاهد ويمين.
وفي الاستهلال قول آخر: أنه لا يثبت إلا [بشهادة برجلين.
وعند أبي حنيفة: تثبت الولادة] بشهادة القابلة وحدها، إذا كان الحمل ظاهرًا، أو الفراش قائمًا، ولا يثبت الرضاع عنده إلا برجلين أو رجل وامرأتين؛ فنقيس على الولادة؛
[ ٨ / ٢١٨ ]
ولأنه مما يطلع عليه النساء غالبًا.
والعيب الذي بوجه المرأة أو كفها لا بيثبت إلا برجلين، وإن كان ببدنها يثبت بأربع نسوة؛ لأن الوجه والكف ليسا بعورة منها.
وإن كان العيب بوجه الأمة، أو بموضع من بدنها يبدو في المهنة- يثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين؛ لأن المقصود منه المال، وإن كان على عورتها يثبت بأربع نسوة.
وإن أصاب فرج المرأة جراحة في الحمام؛ فإن كانت موجبة للقصاص فلا تثبت إلا برجلين، وإن كانت موجبة للمال فتثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين، ولا تثبت بأربع نسوة؛ لأن جنس الجراحة مما يطلع عليه الرجال غالبًا.
أما ما يكون المقصود منه المال؛ كالبيع، والإقالة، والهبة، والرهن والإجارة، والوصية، والحوالة، والضمان، والقرض، والصلح، والإبراء، والشفعة، والإقرار- فهذه الأشياء تثبت كلها برجل وامرأتين وبشاهد ويمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وكذلك ضمان المتلفات، والغصب، وأروش الجنايات التي لا قود فيها؛ كجناية الأب على الابن، والحر على العبد، والمسلم على الذمي، وقتل الصبي والمجنون، وجناية الخطأ، والجائفة، والسرقة التي لا قطع فيها، والصداق في النكاح، وفي وطء الشبهة، واستحقاق السلب، وعجز المكاتب- تثبت كلها برجلين، وبرجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، وكذلك لا تثبت بمجرد النساء.
ويثبت استيفاء الدين برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، ولا يثبت استيفاء القصاص والحدود والعفو عن القصاص إلا برجلين، ويثبت الخيار والأجل في الدين برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين؛ على الأصح.
ولو ادعى رجل نكاح امرأة وأنكرت، فالقول قولها مع يمينها، ولا يثبت إلا برجلين. فإن اتفقا على النكاح، واختلفا في قدر [الصداق]، أو في صفته- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
وكذلك إذا ادعت المرأة؛ أنها خالعها؛ [فأنكر]، فالقول قوله مع يمينه، ولا يثبت إلا برجلين.
وإن اتفقا على الخلع، واختلفا في قدر المال أو صفته- فيثبت برجلين، وبرجل
[ ٨ / ٢١٩ ]
وامرأتين، وبشاهد ويمين.
وكذلك لو ادعى العبد على المولى؛ أنه كاتبه أو دبره، أو الجارية وأنه استولدها- فلا يثبت إلا برجلين. فإن اتفقا على الكتابة، واختلفا في قدر المال، أو صفته- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
ولو ادعى المكاتب أداء نجم من النجوم، يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
أي نجم كان.
وقيل: لا يقبل على أداء آخر النجوم إلا عدلان؛ لأنه يتعلق به العتق، والأول أصح؛ لأنه شهادة على أداء المال، وإن ترتب عليه العتق.
وكذلك لو اتفق الزوجان على الطلاق، أو أقر السيد بعتق العبد، واختلفا: فقال الزوج: طلقتك على ألف- فقالت: بل مجانًا، أو قال السيد: أعتقتك على ألف فقال: بل مجانًا- فالقول قول المرأة والعبد.
فإن أقام الزوج أو السيد رجلًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه- يثبت؛ لأن المقصود منه ثبوت المال.
وكذلك لو مات سيد المدبر؛ فادعى الوارث أنه كان رجع عن التدبير- على قولنا: إن الرجوع جائز- وأنكر العبد- ففالقول قول العبد.
ولو أقام الوارث رجلًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه على الرجوع- يقبل.
ولو ادعى على شخص أنه عبدي؛ وهو يقول: أنا حر، أو ادعى جارية في يد الغير أنها أم ولدي؛ وهو منكر؛ فأقام المدعي رجلًا وامرأتين، أو شاهدًا وحلف معه- يثبت؛ لأنه يثبت لنفسه ملك الرقبة وهو مال، وكل ما يثبت بشاهد ويمين يثبت برجل وامرأتين، وقد يثبت برجل وامرأتين ما لا يثبت بشاهد ويمين، وهو كل ما يثبت بشهادة النساء على الانفراد، ولا يثبت بشهادة الخنثى المشكل إلا ما يثبت بشهادة النساء، ويقوم اثنان منهم مقام رجل واحد.
ولو ادعى مالًا وأقام امرأتين، وحلف معهما، لا يثبت.
وعند مالك: يثبت؛ لأن المرأتين بمنزلة رجل واحد.
قلنا: يمين المدعي إنما يثبت بها الحكم، إذا كان معها شهادة رجل كشهادة
[ ٨ / ٢٢٠ ]
المرأتين، إنما تكون حجة إذا كان معها شهادة رجل.
ولو شهد أربع نسوة على المال، لا يثبت، ولا تجعل المرأتان كالرجل كذلك هاهنا.
فصل في أن قضاء القاضي لا ينفذ إلا في الظاهر.
روي عن أم سلمة أن رسول اللهﷺ- قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه؛ فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا [يأخذه]، إنما أقطع له قطعة من النار".
[ ٨ / ٢٢١ ]
قضاء القاضي لا ينفذ إلا ظاهرًا؛ حتى لو شهد شاهدان على إنسان بشيء زورًا، فقضى القاضي به، ولم يعلم- لا يحل للمشهود له أخذ ما قضى له.
ولو شهدا بالطلاق كذبًا، فقضى القاضي، لا يحرم على المشهود عليه وطؤها.
وعند أبي حنيفة: ينفذ قضاؤه ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ؛ حتى قال: لو شهد شاهدان بالزور؛ أن فلانًا طلق زوجته ثلاثًا، ونكحها هذا، فقضى به القاضي- قال: يحرم على الأول، ويحل للثاني وطؤها؛ وبالاتفاق: لا ينفذ قضاؤه ففي الأملاك المطلقة إلا ظاهرًا؛ والحديث حجة عليه.
فإن قيل: إذا كان الشهود صادقين، [أليس ينفذ قضاؤه ظاهرًا وباطنًا؟
قلنا: قضاؤه لا ينفذ إلا ظاهرًا؛ غير أن الشهود إذا كانوا صادقين] وقضاء القاضي وافق ما عند الله تعالى- فهذا بخلاف اللعان؛ حيث تقع به الفرقة ظاهرًا وباطنًا، وإن كان الزوج كاذبًا؛ لأن اللعان سب الفرقة؛ كالطلاق.
وكذلك إذا اختلف المتبايعان تحالفا، وفسخ العقد [و] يرتفع العقد ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه سبب الفسخ؛ كالرد بالعيب.
أما في المجتهدات؛ مثل: أن قضى حنفي بشفعة الجار، أو بانقطاع الرجعة في كنايات الطلاق، أو بوقوع الطلاق بتعليق سبق النكاح- فالصحيح أنه ينفذ قضاؤه ظاهرًا وباطنًا؛ لأن نفوذه لاختلاف العلماء، ولا يتصور ارتفاعه، وظهور بطلانه يقينًا في الدنيا.
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: لا ينفذ قضاؤه في المجتهدات إلا ظاهرًا.
وقيل: إذا كان حكم الحاكم بخلاف رأي المحكوم له؛ بأن حكم له بالشفعة بسبب الجوار؛ وهو يعتقد خلافه- فيجوز ذلك.
قال: ولا يحل له أخذه. والصحيح: أنه يحل له أخذه بحكم الحاكم؛ سواء قلنا: وافق رأيه أو خالفه، إلا أن يتبين بما لا يحتمل أنه حكم بخلاف الحق؛ فحينئذ يرد. وهل
[ ٨ / ٢٢٢ ]
تقبل شهادة الشاهد فيما لا يعتقد؛ كمن يشهد بشفعة الجوار؛ وهو لا يعتقده، ونحو ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه لا يعتقد؛ كالقاضي لا يقضي بخلاف عقيدته.
والثاني: يقبل؛ لأنه مجتهد فيه، والاجتهاد إلى القاضي لا إلى الشاهد. والله أعلم.
باب التحفظ في الشهادة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال جل ذكره: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بعد العلم [بما شهد] به؛ ثم هو على ثلاثة أقسام:
منها: ما يشترط فيه الرؤية؛ وهو الشهادة على فعل الزنا، والسرقة، وإتلاف المال، والغصب، والرضاع، والولادة؛ فلا يجوز أن يشهد عليها ما لم يشاهد بعينه، ومنها: ما يشترطفيه السماع والمشاهدة؛ كالبيع، وعقد النكاح، وسائر العقود، والطلاق، والأقارير، فلا يجوز أن يشهد عليها ما لم يشاهد القائل، ويسمع قوله؛ لأن العلم فيه لا يحصل إلا بهما.
ومنها: ما يكتفي فيه بالسماع والاستفاضة؛ وهي ثلاثة: النسب، والموت، والملك.
أما النسب: إذا سمع رجلًا ينتسب إلى فلان مرة، واستفاض في الناس؛ أن فلانًا ابن فلان، أو من قبيلة فلان، ولا يدافعه أحد- جاز أن يشهد أنه ابن فلان، أو من قبيلة فلان، وهل يجوز أن يشهد على إثبات النسب من المرأة بالسماع؛ أنه ابن فلانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز من الرجل.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إقامة البينة على أنها ولدته ممكن ولا يتصور من الرجل أنه مخلوق من مائه.
وكذلك يجوز الشهادة على إثبات نسب المرأة بالسماع بعد أن أثبتها وعرفها، وإن سمع رجلًا يقر بأن هذا ابني أو أبي؛ فإن صدقه المقر له، جاز له أن يشهد به؛ لأنه شهادة على إقراره.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
وإن كذبه، لم يجز أن يشهد به؛ لأن النسب لا يثبت مع إنكاره. وإن سكت، فله أن يشهد به؛ لأن السكوت رضا في النسب؛ بدليل أنه إذا بشر بمولود؛ فسكت عن نفيه، لحقه النسب.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يشهد مع السكوت؛ حتى يتكرر الإقرار من المقر.
ويثبت الموت بالاستفاضلة، وبظاهر الأخبار إذا استفاض أن فلانًا قد مات، جاز أن يشهد به.
[واختلفوا في عدد من يثبت بقولهم: منهم من قال: إذا سمع من عدلين]، جاز أن يشهد به؛ كما يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة عدلين ومنهم من قال: لا يجوز أن يشهد؛ حتى يسمع من عدد يقع العلم بخبرهم؛ بحيث لا يجوز عليهم التواطؤ؛ لأن ما دون ذلك من أخبار الآحاد لا يقع به العلم.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يشهد على الموت بقول عدل واحد.
أما الشهادة على الملك: إذا رأى دارًا أو عبدًا أو عينًا في يد إنسان مدة طويلة، يتصرف فيها تصرف الملاك، لا ينازعه فيها أحد- جاز أن يشهد له بالملك مطلقًا؛ لأن التصرف مع امتداد المدة دليل الملك.
ومن أصحابنا من قال؛ وهو قول أبي إسحاق: يجوز أن يشهد له باليد، ولا [يجوز أن] يشهد له بالملك؛ لأنه قد يكون في يده بإجارة، أو يكون وكيلًا للغير، يتصرف فيه باليد، والتصرف لا يدل على الملك.
والأول أصح.
فإذا قبلنا الشهادة، فلا يقول الشاهد في شهادته: إني رأيته يتصرف فيه تصرف الملاك من غير منازع، وإذا شهد هكذا لا يسمع، بل يده وتصرفه تطلق، إن شهد له بالملك مطلقًا.
ولو رآه في يده مدة طويلة؛ لكنه لا يتصرف فيه، أو رآه في يده زمانًا [يسيرًا، يتصرف فيه]- يجوز له أن يشهد له باليد، ولا يجوز أن يشهد بالملك.
وإن رآه في يده مدة طويلة يتصرف فيه، ولكن الناس لا ينسبونه إليه- فيجوز له أن يشهد له باليد. وهل يجوز له أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان.
[ ٨ / ٢٢٤ ]
وليس لطول مدة التصرف حد بل هو إلى العادة.
وقيل: أقله سنة.
أما الزوجية والعتق والولاء والوقف، هل يجوز له أن يشهد عليها بالاستفاضة، وبظاهر [الأحوال] فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ كالبيع.
وقال الإصطخري: يجوز؛ لأن هذه الأمور للتأبيد؛ فبعد طول المدة، يتعذر إثباتها بالشهدة إلا بطريق التسامع.
وكل ما يثبت بالسماع والاستفاضة يقبل فيه شهادة الأعمى؛ لأنه كالبصير في السماع، مثل: أن كان الرجل معروفًا باسمه ونسبه الأدنى، لا يشاركه فيه غيره. واختلفوا في نسبه الأعلى؛ بأن عرفوا أنه فلان ابن فلان، ووقع النزاع في كونه هاشميًا، تقبل [فيه] شهادة الأعمى له؛ أنه هاشمي، أو دار معروفة يشهد أنها لفلان، وفلان معروف لا يشتبه، فيقبل.
أما ما يشترط فيه المعاينة، أو يحتاج في أداء الشهادة إلى الإشارة إليه- فلا يثبت بشهادة الأعمى إلا في موضع واحد؛ وهو أن يكون الأعمى في مكان؛ فيضع رجل فمه على أذنه، ويد الأعمى على رأس الرجل؛ بحيث يتحقق أنه يسمع منه؛ فيقر لرجل معروف بشيء، أو يقر بطلاق أو عتاق، وتعلق به الأعمى؛ حتى حضر الحاكم؛ فيشهد عليه [بالسمع].
أما إذا لم يضع فمه على أذنه، واحتمل أن الأعمى يسمع من غيره- فلا تقبل شهادته عليه.
ولو تحمل شهادة وهو بصير، ثم عمي فأدى؛ نظر: إن تحمل على رجل معروف لرجل معروف بالاسم والنسب؛ بحيث لو كان بصيرًا لم يحتج إلى الإشارة إليه، أو كان يد المقر في يده حين أقر فعمي، ويده في يده فشهد عليه- يقبل، وإن لم يكن بهذه الصفة لا يقبل.
وعند أبي حنيفة: شهادة الأعمى لا تقبل بحال.
قلنا: اتفقنا على أن شهادة الأعمى والبصير على الميت، والغائب مسموعة، مع أنه لا يشاهدهما؛ فكذلك الأعمى.
[ ٨ / ٢٢٥ ]
وعند مالك: شهادة الأعمى تقبل على الإطلاق؛ لأنه يميز بالصوت؛ كما تقبل منه رواية الحديث، وله أن يستمتع بزوجته؛ لأنه يميز بالصوت.
قلنا: الشهادة تعتمد العلم، ولا يحصل ذلك بالسماع؛ لأن الصوت يشبه الصوت، ورواية الحديث، والاستمتاع بالزوجة تجوز بالظن؛ وهو خبر الواحد، وأيضًا جوزنا له الاستمتاع بزوجته؛ للضرورة، ولا ضرورة له في الشهادة؛ كالقضاء لا يجوز من الأعمى.
ولو تحمل الشهادة على امرأة في إقرار أو بيع، فلا يصح؛ حتى يرى وجهها ويكتب حليتها؛ حتى يعرفها إذا احتاج إليه؛ فلو لم تكشف وجهها وعرفها رجلان، لا يصح التحمل.
ولو قال الرجلان: نحن نشهد أن هذه فلانة بنت فلان تقر لفلان بكذا- فالمعروف كشاهد الأصل، والسامع كشاهد الفرع.
وكان الشيخ القفال يكتب في مثل هذا: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان إقرار فلانة بكذا، ثم لا يقبل شهادته بمحضر المعرفين؛ كما لا تقبل شهادة شهود الفرع بمحضر شهود الأصل.
وكل علم تطلق له الشهادة تطلق له اليمين في الدعوى عليه.
ويجوز أن يحلف على ما لا يجوز أن يشهد على مثله؛ وذلك أن يجد في تذكرة أبيه: أن لي على فلان كذا؛ فادعى عليه، وأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل له أن يحلف؟
قال الشيخ القفال ﵀: إن المدعى يعتمد على كتبة أبيه؛ بحيث [أنه] لو وجد في تذكرته: أن لفلان على كذا، لا يجد من نفسه أن يحلف على نفيه، ويؤدي ذلك المال من تركته؛ فله أن يحلف في رد اليمين إليه إذا كان هو المدعى. وبمثله لو وجد في تذكرة أبيه: أن لفلان على فلان كذا، لا يجوز أن يشهد عليه؛ سواء صدق أباه أو لم يصدقه.
ولا يقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأن إشارته محتملة، والشهادة أمرها على الاحتياط.
وقال ابن سريج: تقبل [منه]، كما يصح منه سائر التصرفات بالإشارة؛ والأول
[ ٨ / ٢٢٦ ]
أصح، وصح منه سائر العقود لأجل الضرورة؛ فإنه لا يحصل إلا من جهته، ولا ضرورة إلى شهادته؛ لأنها تصح من غيره؛ والله أعلم بالصواب.
باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
من تحمل شهادة؛ فدعي لأدائها- وهو عدل، ومعه شاهد آخر- يثبت بها الحكم- يجب عليه الإجابة، فإن أبى عصى الله تعالى.
وإن لم يكن إلا شاهد واحد هل تجب عليه الإجابة؟
نظر: إن كان شيئًا يثبت بشاهد ويمين تجب الإجابة، فإن أبى عصى الله تعالى، وإن كان لا يثبت فلا تجب الإجابة.
وإن كان سواهما شهود كثير، فهو فرض على الكفاية؛ إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين؛ وإذا دعي واحد منهم، فهل عليه الإجابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لو دعي لتحمل الشهادة وثم غيره، لا يتعين عليه الإجابة.
والثاني- وهو الأصح-: يجب؛ بخلاف التحمل؛ لأن ثم يدعي لتحمل أمانة، فلا يلزمه، وهاهنا يدعي لأداء أمانة تحملها فلزمه الإجابة.
وإن كان فاسقًا نظر: إن كان فسقًا مقطوعًا به، لا يجوز أن يشهد، وإن شهد عصى الله تعالى، وإن كان فسقه خفيًا؛ لأنه يلبس الأمر على القاضي، وإن كان مجتهدًا فيه؛ كشرب النبيذ يجب أن يشهد؛ وإن كان القاضي ممن يرى تحريم النبيذ، وقد رد شهادة مثله؛ لأنه ربما يتغير اجتهاده إلى القبول.
ولا يجوز أخذ الأجرة على أداء [الشهدة؛ وإن كان القاضي معه في البلد، لا يجوز أخذ الأجرة على] حضور مجلس القضاء.
وإن لم يكن القاضي معه في البلد؛ نظر: إن كان على مسافة القصر، لا يلزمه الحضور، ولكن يشهد على شهادته. وإن كان على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلًا- يلزمه الإجابة؛ لأنه لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة، ويجوز له طلب المركوب، ونفقة الطريق.
[ ٨ / ٢٢٧ ]
فإن دفع إليه شيئًا وقال: اصرفه إلى نفقة الطريق، أو اكتريه مركوبًا- هل له صرفه إلى شيء آخر، أو إمساكه والمشي راجلًا؟
فيه وجهان، كما لو دفع إلى الفقير شيئًا، وقال: اشتر به لنفسك ثوبًا، هل له صرفه إلى شيء آخر؟ فيه وجهان:
وإن كان على مسافة لو خرج بكرة لا يمكنه أن يأتي أهله ليلًا- هل يلزمه الإجابة؟ فيه وجهان:
فإن كان الشاهد مريضًا، لا يمكنه حضور مجلس الحكم إلا بمشقة- لا يلزمه الحضور، بل يشهد على شهادته، أو يبعث القاضي إليه من يسمع شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وعلى المرأة حضور مجلس الحكم؛ لأداء الشهادة؛ إن لم تكن مخدرة؛ فإن كانت مخدرة؛ وهي التي لا تخرج إلى السوق لحوائجها، ولا إلى الولائم، ولا تخرج إلا إلى الحمام بالنهار- لا يجب عليها الحضور، بل يشهد على شهادتها.
قال الشيخ القفال: لا معنى للتخدير، فعليها أن تخرج وتشهد.
أما إذا طلب من الرجل تحمل الشهادة؛ نظر: إن كان هناك غيره لا يلزمه الإجابة، وإن لم يكن فعلى وجهين:
أحدهما: يجب أن يتحمل الشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والثاني: لا يجب؛ لأن أصل الشهادة غير واجبة، والمراد من الآية الأداء.
فإن قلنا: لا يجب، إنما يجب إذا حضر من عليه الحق ليشهده، فإن دعاه إلى نفسه لا يلزمه الإجابة، إلا أن يكون مريضًا، أو امرأة مخدرة: إن قلنا: التخدير أصل، فيجب أن يحضرها.
فإن قلنا: يجب وثم غيره واحد.
فإن كان الذي يشهد عليه مالًا لا تجب الإجابة؛ لأنه يثبت بشاهد ويمين، وفي غير المال يجب.
[ ٨ / ٢٢٨ ]
وهل يجب كِتْبَةُ الذكر إذا دعي إليه الكاتب؟ فكالتحمل إن كان ثم غيره لا يجب، وإلا فوجهان.
فإن قلنا: لا يجب، فإذا كتب له طلب الأجرة؛ وإن قلنا: يجب، فهل له طلب الأجرة؟ فيه وجهان؛ كما لو أسلم رجل، ولم يكن من يعلمه الفاتحة إلا واحد- يجب عليه تعليمه وهل له طلب الأجرة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه وإن افترض عليه، فإنما وجب عليه لفقد الغير، لا أنه فرض على العين؛ كما يجب عليه بذل الطعام للمضطر، وله طلب الثمن.
أما تلقين الكافر كلمة الشهادة ففرض على العين؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.
فصل في شهادة الحسبة
روي عن زيد بن خالد الجهني؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؛ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
وروي عن عمران بن حصين؛ أن النبيﷺ- قال: "ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها"، وهذا ذكره على سبيل الذم لهم.
ووجه الجمع بين الحديثين: أن الأول فيما تقبل فيه شهادة الحسبة، والثاني فيما لا تقبل فيه شهادة الحسبة.
وجملته: أن ما كان من حقوق الله- تعالى- مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع [السرقة]، وحد قاطع الطريق، والزكاة، والكفارات، والإسلام، والطلاق، والعتاق، والاستيلاد- تقبل فيها شهادة الحسبة؛ غير أن ما كان من حدود الله تعالى يستحب ألا يشهد به؛ لأنه مندوب إلى ستره، وكذلك النسب، والبلوغ، وبقاء العدة، وانقضاؤها- تقبل فيه شهادة الحسبة.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
وما كان من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف، والبيوع، والأقارير- فلا تقبل فيها شهادة الحسبة؛ حتى يدعيه صاحبه، ويسأله الشهادة، فحينئذ يشهد. فإن لم يكن لصاحبه به علم أخبره؛ حتى يطلب، ثم يشهد هو بمسألته.
ولا تقبل على التدبير وتعليق العتق؛ لأنه لا يثبت العتق في الحال؛ وكان شيخي الإمام﵀- يقول: تقبل؛ كما في الاستيلاد، ولا تقبل على الخلع والكتابة.
[ ٨ / ٢٣٠ ]
وإذا أدى المكاتب آخر النجوم، أو وجدت الصفة في التعليق- فيجوز أن يشهد حسبة على العتق. أما على أداء آخر النجوم فلا، وتقبل على الوصية للفقراء وعلى الوقف على عامة المسلمين، وعلى القناطر والرباطات.
وهل تقبل على الوقف على جماعة متعينين؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقبل؛ كما لو وقف على غير المتعينين.
والثاني: لا تقبل؛ لأن أرباب الوقف يمكنهم القيام بالدعوى، وإقامة البينة، وهل تسمع دعوى الحسبة فيما تقبل فيه شهادة الحسبة؛ مثل: أن ادعى على رجل أنك طلقت زوجتك، أو أعتقت عبدك، أو وقفت دارك؟
قيل: لا تسمع؛ لأن ثبوته بالبينة، والشهود [يمكنهم] أن يشهدوا حسبة؛ فلا ضرورة إلى الدعوى.
وكان شيخي ﵀ يقول: تسمع؛ لأنه يطلب بالدعوى إقرار المدعي عليه، وربما لا يكون له عليه بينة.
وعند أبي حنيفة: لا تقبل شهادة الحسبة على الطلاق، وعتق الأمة؛ لأنه يتضمن تحريم الفرج، ولا تقبل على عتق العبيد.
قلنا: تحريم الفرج ليس فيه إلا أنه لا يجري فيه البدل، فالرق كذلك، بل هذا أولى؛ لأن المرأة إذا أقرت بالنكاح يقبل، ومن عرف بالحرية إذا أقر على نفسه بالرق لا يقبل؛ فدل أن حكم الرق أعظم. وكل موضع قلنا: لا تقبل فيه شهادة الحسبة؛ فلو شهد قبل الاستشهاد هل يخرج عن العدالة؟ فيه وجهان؛ والله أعلم.
باب: الأقضية واليمين مع الشاهد
روي عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو: في الأموال.
[ ٨ / ٢٣١ ]
من ادعى مالًا على إنسان، وأقام عليه شاهدًا، وحلف معه- يقضي له به. وكذلك كل ما كان المقصود منه المال من: البيع، والهبة، وإتلاف المال، والجنايات الموجبة للمال.
وعند أبي حنيفة: لا يقضي باليمين والشاهد؛ والحديث حجة عليه؛ وذلك لأن اليمين يكون حجة لمن يقوى جانبه. فإذا لم يكن للمدعي شاهدًا، يقوى جانب المدعى
[ ٨ / ٢٣٤ ]
عليه؛ من حيث إن الأصل براءة ذمته. فإذا أقام المدعي شاهدًا، يقوى جانبه؛ فقبلت يمينه، وإنما يحلف بعد تعديل الشاهد، فإن حلف قبله لم يحسب؛ لأن جانبه يتقوى بالشاهد؛ وينبغي أن يورد شهادة الشاهد في يمينه؛ فيقول: والله إن شاهدي لصادق فيما شهد، وإني مستحق لهذا المال.
[ ٨ / ٢٣٨ ]
ولا تثبت عدالة الشاهد بقوله: وإن شاهدي لصادق، بل هو لتأكيد اليمين.
ثم القضاء بماذا يقع؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون بهما جميعًا؛ بدليل أنه لا يقضي بأحدهما؛ كما لو أقام شاهدين، يكون القضاء بهما جميعًا.
والثاني: يكون باليمين؛ لأن الشاهد الواحد لا يكون حجة، واليمين نفسها تكون حجة؛ فإن المدعى عليه يسقط دعوى المدعي عن نفسه بمجرد اليمين.
وفائدته: تتبين في ما لو رجع الشاهد بعد الحكم، وقلنا: يجب الغرم على شهود المال إذا رجعوا- فهل يجب الغرم على الشاهد؟
إن قلنا: يقع القضاء بهما، يجب على الشاهد نصف الغرم، وإن قلنا: يقع باليمين، فلا غرم عليه.
ولو فسق الشاهد بعد القضاء، لا ينتقض القضاء؛ وإن فسق قبل القضاء، صار كأنه لم يقم الشاهد؛ فيحلف المدعى عليه؛ فإن نكل، حلف المدعي، ولا يحسب اليمين الأولى.
ولو أقام المدعي شاهدًا، ولم يحلف معه، حلف المدعى عليه، وسقط دعوى المدعي فلو نكل المدعى عليه، هل للمدعي أن يحلف يمين الرد؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه أبطل حقه بالنكول الأول.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف؛ لأن هذه اليمين غير تلك اليمين التي نكل عنها؛ بدليل أن بهذه اليمين يثبت الطلاق، والعتاق، والعقوبات؛ وهي يمين الرد؛ فلا يثبت شيء منها باليمين مع الشاهد.
وكذلك لو ادعى على رجل مالًا، فأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين، ولم يحلف المدعي يمين الرد، ثم أقام شاهدين- يقبل.
ولو أقام شاهدًا، وأراد أن يحلف معه، هل له ذلك أم لا؟ فيه قولان.
المنصوص، أنه يحلف.
فصل في الدعوى إذا حضر الغائب أو أفاق المجنون أو بلغ الصبي
إذا مات رجل عن اثنين: واحد منهما حاضر، والآخر غائب، أو واحد منهما عاقل
[ ٨ / ٢٣٩ ]
بالغ، والآخر صبي أو مجنون؛ فجاء الحاضر أو العاقل البالغ، وادعى على إنسان عينًا أنها كانت ملكًا لأبي؛ فصارت ميراثًا لي ولأخي، أو ادعى دينًامن جهة الأب؛ أنه صار ميراثًا لنا، وأقام عليه شاهدين- أخذ حصته.
وإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون- أخذ حصته، ولا يحتاج إلى إعادة الدعوى والحجة؛ وهل ينتزع في الحال نصيب الغائب والصبي من يده؟ نظر: إن كان عينًا تنتزع، وإن كان دينًا ففيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ منه؛ كالعين.
والثاني: لا تؤخذ؛ لأن نظر الغائب والصبي في تركه عليه؛ فإن الدين في الذمة لا يخشى عليه الهلاك وإذا صار عينًا يخشى عليه الهلاك.
وهذا بخلاف ما لو ادعى لنفسه، ولأخيه الغائب مالًا، لا من جهة الميراث، بأن قال: أوصى لنا أبوك بكذا، أو أقرضنا كذا، أو اشترينا منك هذه العين، وأقام شاهدين- أخذ نصيبه، ولا ينزع من يده نصيب الغائب والصبي.
وإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي، يحتاج إلى إعادة الدعوى والشهادة؛ لأن هذه الدعوى عن أشخاص، ولا تصح إقامة البينة عن الغير بغير إذنه، بخلاف الميراث؛ فإن الدعوى هناك على شخص واحد؛ وهو الميت.
ولو ادعى الحاضر من جهة الميت عينًا أو دينًا [أو] ميراثًا له ولأخيه الغائب، أو الصبي أو المجنون، وأقام شاهدًا واحدًا، وحلف معه، وأخذ حصته- فلا تؤخذ حصة الآخرين؛ لأنهم لو كانوا حضورًا بالغين، ولم يحلفوا، لم يثبت لهم شيء؛ فإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، وحلف- أخذ حصته؛ فلا يحتاج إلى إعادة الشاهد؛ بخلاف ما لو كانت الدعوى من جهة الإرث، بل إذا ادعى أن أباه أوصى لنا بكذا، أو أقرضنيه أنا وأخي الغائب، وأقام شاهدًا، وحلف معه، وأخذ حصته، فإن حضر الغائب وبلغ الصبي- يحتاج إلى إعادة الشاهد.
وفي الميراث: إذا حلف الحاضر البالغ وأخذ حصته، ثم مات الغائب أو الصبي، حلف وارثه، وأخذ حصته؛ وإن كان وارثه هذا الذي حلف، لا يحسب يمينه الأول، حتى لو كان الوارثان حاضرين وأقاما شاهدًا، وحلف أحدهما على جميع الحق ومات الآخر قبل
[ ٨ / ٢٤٠ ]
أن يحلف والحالف وارثه- لا يأخذ حصته إلا بيمين جديدة.
فصل فيما إذا ادعى جارية مع ولد
إذا ادعى على رجل جارية ي يده مع ولد؛ أن هذه الجارية أم ولدي؛ استولدتها في ملكي، وهذا ولدي منها، وأقام عليه شاهدين- يثبت ما يدعيه؛ ولو أقام عليه شاهدًا وحلف معه، أو أقام رجلًا وامرأتين- يحكم له بالجارية؛ لأنها شهادة على إثبات المال، ثم تكون أم ولد له بإقراره. وهل يقضي له بالولد؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني-: يقضي، وحرية الولد تترتب على ملك الجارية؛ كما لو كان في يد رجل عبد؛ فجاء رجل وادعى أن هذا الذي يستعبده كان ملكي، وقد أعتقته وأنت تسترقه ظلمًا، وأقام عليه شاهدًا وحلف معه- ينتزع من يده، ويحكم بحريته بإقراره، وكان مولى له فيثبت بالشاهد واليمين رق ترتب عليه حرية، وكذلك هاهنا.
والقول الثاني: لا يحكم له بالولد؛ بخلاف تلك المسألة؛ لأن هناك يثبت الحرية لمن يثبت عليه الرق؛ فأثبتنا الملك فيه؛ ثم رتبنا عليه الحرية. وهاهنا نثبت الرق في شخص، والحرية في شخص آخر، لا يمكن إثبات الملك فيه؛ وهو الولد؛ فلا تثبت الحرية إلا بحجتها؛ وهي عدلان؛ نظير الحرية هناك أمومة الولد، وهاهنا تثبت في الأم.
فصل في ثبوت الوقف بالشهادة
هل يثبت الوقف برجل وامرأتين أو بشاهد ويمين؟ يبنى على أن الملك في رقبته لمن يكون؟
إن قلنا: للموقوف عليه أو للواقف، يثبت: وإن قلنا: زال إلى الله تعالى، ففيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني، وبه قال أبو إسحاق-: لا يثبت؛ كالعتق.
والثاني- وهو الأصح، والمنصوص عليه وبه قال ابن سريج-: يثبت؛ لأن الموقوف عليه يثبت لنفسه منفعة العين؛ كمن ادعى على حر أني استأجرتك شهرًا يثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين وليس كالعتق؛ لأنه لتكميل الأحكام، وإثبات الولايات.
أما إذا ادعى على رجل؛ بأنك غصبت هذه الدار؛ وهي وقف وقفها أبونا علينا- فهذه دعوى الغصب تثبت بشاهد ويمين، وبرجل وامرأتين، كما لو ادعى أن هذه الجارية أم ولدي، وأنت غصبتها فيفرع على قول من يثبت الوقف بالشاهد واليمين؛ فيقول: لو مات رجل عن خمسة بنين؛ ادعى ثلاثة منهم؛ أن هذه الدار وقفها أبونا علينا دونكم، وأنكر
[ ٨ / ٢٤١ ]
اثنان؛ أو مات عن ثلاثة بنين وأبوين؛ فادعى البنون؛ أن أبانا وقف هذه الدار علينا، وأقاموا شاهدًا- نظر: إن حلفوا معه فالدار وقف عليهم، وإن نكلوا فهي ميراث يقضى منها ديون الميت ووصاياه، ويقسم الباقي بينهم على فرائض الله ﷿؛ فما خص المدعين يكون وقفًا عليهم بإقرارهم. فإن حلف واحد، ونكل اثنان، فثلث الدار وقف على الحالف، والباقي ميراث يقضي منها ديون الميت ووصاياه، ثم ما بقي يقسم بين الناكلين والمنكرين من الورثة دون الحالف؛ فما خص الناكلين يكون وقفًا عليهما بإقرارهما.
ثم المدعون للوقف لا يخلو: إما إن قالوا: وقفها أبونا علينا، ثم على أولادنا أو قالوا: وقفها علينا وعلى أولادنا- فإن قالوا: ثم على أولادنا، وأقاموا شاهدًا، وحلفوا معه، وأخذوا ثم ماتوا- هل ينتقل إلى أولادهم من غير يمين؟ فيه وجهان؛ بناء على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف، أو من البطن الأول؟ وفيه قولان:
أصحهما: من الواقف.
فعلى هذا لا يأخذون إلا باليمين؛ كالبطن الأول.
والثاني: يتلقون من البطن الأول، فعلى هذا يأخذونه بلا يمين.
فإن قلنا: لا يأخذون إلا باليمين: فإن كان المدعون قالوا: وقف علينا، ثم على المساكين؛ فإن كان المساكين متعينين محصورين؛ بأن قال: مساكين هذه القرية، حلفوا وأخذوا. وإن لم يكونوا متعينين، فلا يمكن تحليفهم. ثم ما حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطل الوقف، ويرد إلى المدعى عليهم؛ لأنه وقف يستحق باليمين، ولا وصول إلى يمين المساكين.
والثاني: يصرف إليهم بلا يمين؛ لأن الوقف يثبت بيمين المدعين، فلا يمكن إبطاله.
ولو مات واحد من الحالفين، يصرف نصيبه إلى إخوته. وإذا مات الثاني، يصرف إلى الثالث، ولا يصرف إلى ولد الولد؛ لأن شرط الانتقال إليهم انقراض البطن الأول، ولم يوجد [ذلك]. وهل يصرف إلى الحي من غير يمين؟
يبنى على أن البطن الثاني هل يحلفون؟ إن قلنا: لا يحلفون ويأخذون بلا يمين، فهاهنا أولى، وإلا فعلى وجهين:
أحدهما: يحلفون؛ لأن الوقف ينتقل إليهم من غيرهم؛ كالبطن الثاني.
[ ٨ / ٢٤٢ ]
والثاني: لا يحلفون؛ بخلاف البطن الثاني؛ فإنهم لم يصيروا من أهل الوقف باليمين، وهؤلاء صاروا من أهل الوقف باليمين، واستحقوا على شرط الواقف.
فأما إذا ادعى المدعون، وأقاموا شاهدًا، ونكلوا عن اليمين وماتوا- فلا شيء لأولادهم من غير يمين؛ فهل لهم أن يحلفوا، ويأخذوه وقفًا؟ فيه قولان:
إن قلنا: البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف حلفوا، وكان وقفًا عليهم؛ وهذا أصح.
وإن قلنا: من البطن الأول فلا؛ لأن البطن الأول أبطلوا حقهم بالنكول.
أما إذا حلف واحد من المدعين في البطن الأول، ونكل اثنان- فنصيب الحالف وهو الثالث وقفه عليه، والباقي متروك في يد المدعى عليه. فإن مات بعضهم؛ نظر: إن مات الناكلان كان نصيبهما الذي حكم بكونه وقفًا بإقرارهما للحالف؛ لأنه يثبت بإقرارهما؛ أنه وقف، وحلف عليه الحالف؛ فلا يمكن صرفه إلى ولد الولد؛ لأن انقراض البطن الألو لم يوجد وهل يحتاج الحالف إلى اليمين؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا.
وإن مات الحالف- والناكلان حيان- فنصيب الحالف إلى من يصرف؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إلى الناكلين؛ لأن الحالف أقر أن لا حق للبطن الثاني إلا بعد انقراض البطن الأول، ثم هل يأخذان بلا يمين؟ فيه وجهان:
والوجه الثاني: يصرف إلى أقرب الناس بالمجلس، ما دام الناكلان حيين؛ لأن شرط الانتقال إلى البطن الثاني لم يوجد؛ وهو انقراض البطن الأول، والناكلان بطل حقهما بالنكول.
والوجه الثالث- وهو الأصح، وإليه أشار الشافعي﵀- في "الأم": أنه يصرف إلى ولد الولد؛ لأن الناكلين أبطلا حقهما بالنكول؛ فصارا كالمعدومين، وعند عدم البطن الأول يصرف إلى البطن الثاني. وهل يحلفون؟ فيه قولان.
وإن مات الحالف والناكلان جميعًا: إن قلنا: البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف، حلف أولاد الحالف وأولاد الناكلين جميعًا، وأخذوا جميع الوقف.
وإن قلنا: البطن الثاني يتلقون من البطن الأول، فنصيب الحالف لولده بلا يمين ولا شيء لأولاده الناكلين، بل نصيبهما متروك في يد المدعى عليه.
[ ٨ / ٢٤٣ ]
وأما إذا قال المدعون: وقفها أبونا علينا وعلى أولادنا، وأقاموا شاهدًا: فإن حلفوا أخذوا، وكان وقفًا عليهم؛ وإن حلف واحد منهم، أخذ نصيبه، والباقي متروك في يد المدعي. وإذا لم يحلفوا، كان للبطن الثاني أن يحلفوا قولًا واحدًا؛ بخلاف المسألة الأولى إذا قالوا: ثم على أولادنا؛ لأنهم يتلقون الوقف من الواقف هاهنا؛ بلا واسطة بينهم وبين الواقف.
فإذا حلف المدعون وأخذوا، ثم ولد لواحد من المدعين ولد- يوقف ربع غلة الوقف للمولود؛ حتى يبلغ فيحلف. فإذا بلغ وحلف أخذ، وإن لم يحلف بطل حقه وجعل كأنه لم يكن، وصرف ما وقف من الغلة إلى الحالفين.
وإذا مات المولود بعد ما بلغ ونكل، لا يحلف وارثه؛ لأنه أبطل حقه بالنكول. وإن مات بعد البلوغ قبل النكول، أو مات قبل البلوغ، حلف وارثه، وأخذ ما وقف له من الغلة؛ أي وارث كان. ثم من بعد موته تقسم غلة الوقف بين الثلاثة الحالفين؛ كما قبل ولادته. فلو وقفنا ربع الغلة للمولود، فبلغ المولود خمس سنين، ثم مات وأخذ من الحالفين- فيوقف من وقت موته ثلث الغلة للمولود؛ لأنهم عادوا إلى ثلاثة.
وإذا بلغ وحلف أخذ الثلث والربع، وإذا بلغ ونكل يسلم الربع الموقوف إلى الحيين، وإلى وارث الحالف الميت، ويصرف الثلث الذي وقف بعد موت الحالف إلى الحيين دون وارث الحالف.
ولو ولد لواحد من الثلاثة ولد؛ فبلغ مجنونًا، فربع الغلة موقوف له؛ حتى يفيق فيحلف.
ولو ولد للمجنون ولد، يوقف لذلك الولد الخمس، وللمجنون الخمس من يوم ولادته؛ لأنهم صاروا خمسة.
فإذا أفاق المجنون، وبلغ ولده وحلفا، أخذ المجنون ربع الموقوف من يوم ولادته إلى ولادة ولده، والخمس من يوم ولادة ولده وأخذ الخمس ولده من يوم ولادته.
ولو مات المجنون في حياة ولده، فيوقف الربع لولده من يوم موته، ويصرف الموقوف له إلى ورثته إذا حلفوا؛ كما لو مات المولود قبل البلوغ، كان الموقوف له لوارثه إذا حلف.
قال المزني: إذا جاء لواحد منهم ولد؛ فبلغ ولم يحلف، وجب ألا يرد نصيبه إلى الحالفين، بل يوقف؛ حتى يحلف، أو يحلف وارثه بعده؛ فيأخذ، لأن الحالفين أقروا أن هذا المولود شريكهم في الوقف؛ فلا يجوز لهم أخذ نصيبه بامتناعه عن اليمين.
قلنا: إنما صرفنا إليهم؛ لأن الحق يثبت لهم بيمينهم، والمولود دخل عليهم على
[ ٨ / ٢٤٤ ]
سبيل التعويل؛ كمن مات على ألف درهم، وجاء ثلاثة نفر ادعى كل واحد عليه ألفًا، وأقاموا شاهدًا. فإن حلفوا معه كان الألف بينهم، وإن حلف واحد منهم كان الألف له، وإن حلف اثنان كان لهما. والله أعلم بالصواب.
باب موضع اليمين
قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١.٦].
قيل في التفسير: بعد صلاة العصر.
الأيمان تغلظ بثلاثة أشياء: باللفظ، والزمان، والمكان.
أما اللفظ: فقد يكون بتعديد الأيمان؛ وهو مختص بالقسامة واللعان؛ وذلك واجب لا يجوز تركه.
وقد يكون بذكر زيادة الصفات؛ مثل: أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية.
والتغليظ بالمكان، هو أنه إن كان بـ"مكة"، يحلف بين الركن والمقام، وإن كان بـ"المدينة" فتحت منبر النبيﷺ- وإن كان في غيرها من البلاد، ففي المسجد الجامع تحت المنبر وهل يصعد المنبر؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا في "اللعان".
والتغليظ بالزمان: هو أن يحلف بعد العصر أي يوم كان، والأولى أن يكون يوم الجمعة.
والأيمان تغلظ بهذه الأشياء فيما عظم خطره من دعوى دم، أو نكاح، أو رجعة، أو طلاق، أو عتاق، أو لعان، أو إيلاء، أو حد، وفي كل ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال.
فإن كان في مال؛ نظر: إن كان يبلغ نصابًا عشرين دينارًا ذهبًا خالصًا، أو مائتي درهم نقرة خالصة- فتغلظ، وتغلظ في الجناية إذا كانت موجبة للقود، وإن صغرت الجناية. وتغلظ في جناية الخطأ إذا كان أرشها نصابًا، فإن كان أقل من نصاب فلا تغلظ. وإذا كان المال نصابًا، وأقام المدعي شاهدًا، وأراد أن يحلف معه تغلظ اليمين.
وإذا ادعى العبد على سيده عتقًا أو كتابة، وأنكر السيد- تغلظ اليمين على السيد إن
[ ٨ / ٢٤٥ ]
كانت قيمته نصابًا، وإن كان أقل من نصاب فلا تغلظ، وإن نكل السيد عن اليمين تغلظ اليمين على العبد وإن قلت قيمته؛ لأنه يثبت العتق.
ويغلظ في النسب، والولاء، والوصاية.
وكل ما لا يثبت بشاهد ويمين لا يغلظ، إلا أن يكون نصابًا، وإلا فيلظ، كالعتق.
أما الوقف في جانب المدعي؛ [إن قلنا: يثبت بشاهد ويمين] لا يغلظ، إلا أن تكون قيمته نصابًا؛ لما روي عن عبد الرحمن بن عوف؛ أنه رأى قومًا يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم؟ قالوا: لا. قال: أفعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا؛ قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام.
والتغليظ باللفظ مستحب؛ حتى لو اقتصر على قوله: بالله، جاز.
والتغليظ بالمكان والزمان واجب، أو مستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: مستحب؛ كالتغليظ باللفظ بذكر الصفات.
والثاني: واجب؛ حتى لو ترك لا يحسب، ويعاد؛ بخلاف اللفظ؛ لأن التغليظ باللفظ تكرير ذكر الصفات؛ وكل ذلك يندرج تحت قوله: والله؛ بخلاف المكان والزمان. فعلى هذا: لو رضي الخصم بترك التغليظ، لم يجز للحاكم تركه؛ لأنه حق الله تعالى.
ولا فرق في التغليظ بين أن يكون الحالف رجلًا أو امرأة أو عبدًا، ويقرأ على الحالف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية.
ويحلف الذمي والمستأمن حيث يعظمه من بيعة أو كنيسة؛ فيقول لليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، ويحلف المجوسي: بالله الذي خلق النار والنور. ولا يحلف في بيت النار؛ لأنه لم يكن له أصل في شرع ما.
وقيل: نحلفهم فيه؛ لأنهم يعظمونه؛ فيكون أردع لهم، ولا نحلفهم بما لا يعرف في الإسلام؛ كالصليب ونحوه.
وإن كان وثنيًا، لا يحلف بالصنم، بل نحلفه بالله؛ ولو لم يزد في التحليف على قوله: بالله، جاز.
[ ٨ / ٢٤٦ ]
وإذا توجه الحكم على اليهودي يوم السبت، يكسر عليه سبته، ويحضر مجلس الحكم، ويحضر المسلم الحكم يوم الجمعة قبل أن يصعد الخطيب المنبر، وبعده لا يحضر؛ حتى يفرغ من الصلاة.
ولو رأى الحاكم التغليظ باللفظ فيما دون النصاب من المال؛ فإن رأى الحالف مجترئًا، جاز ولا تحسب اليمين قبل تحليف الحاكم.
روي أن ركانة طلق امرأته ألبتة. فقال: والله، ما أردت إلا واحدة. قال النبي -ﷺ- "والله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال: والله ما أردت إلا واحدة فأعاد اليمين عليه بعد ما كان حلف؛ لأن [اليمين الأول كانت قبل الاستحلاف.
ولو حلفه الحاكم فقال: قل: بالله، فقال: بالرحمن- لم يحسب؛ وكان نكولًا.
ولو قال: قل بالله فقال: والله، أو تالله، أو قال: قل: بالله الذي لا إله إلا هو، فقال: بالله ولم يزد عليه، أو قال: قل: بالله الذي لا إله إلا هو، فقال: بالله الرحمن الرحيم- هل يكون نكولًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه أتى بأصل اليمين بعد التحليف.
والثاني: يكون نكولًا؛ لأنه لم يأت به على الوجه الذي حلفه الحاكم؛ فصار كما لو قال: قل بالله فقال: بالرحمن.
ووضع المصحف في حجر الحالف عند التحليف استحسنه الشافعي؛ تغليظًا له.
ولو أراد الحاكم التغليظ به؛ فامتنع، هل يكون نكولًا؟ فيه وجهان، كما لو امتنع من التغليظ باللفظ.
ولو حلفه الحاكم، فاستثنى نظر: إن استثنى بقلبه، لا يعمل الاستثناء: لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ فكان يمينه يمينًا؛ لأن الاعتبار بنية الحاكم. وإن استثنى بلسانه، أو وصل به شرطًا، لم ينعقد يمينه. وإن سمعه الحاكم عزره، وأعاد عليه اليمين. وإن وصله بكلام لم يفهمه الحاكم، أو رآه يحرك لسانه، منعه عنه، وأعاد عليه اليمين من أولها. فإن قال: أذكر الله، فيقول: ليس هذا موضعه.
فلو كان الحالف أخرس؛ لا تفهم إشارته، يوقف إلى أن يفهم. فإن قال المدعي: أنا
[ ٨ / ٢٤٧ ]
أحلف، لم يكن له ذلك؛ لأن يمينه تتعلق بنكول المدعى عليه، ولم يوجد نكوله.
وإن كان المدعى عليه حلف بالطلاق ألا يحلف يمينًا مغلظة: فإن كان التغليظ مستحقًا، يجب عليه أن يحلف؛ وإن حنث في يمينه بالطلاق، فإن امتنع، كان ناكلًا، ورد اليمين على خصمه. وإن كان التغليظ غير مستحق، لم يغلظ عليه، فإن امتنع من التغليظ، لا يجعل ناكلًا.
فصل في الحلف على البت على نفي العلم
من حلف على فعل نفسه يحلف على البت؛ نفيًا كان أو إثباتًا؛ لأن علمه يحيط بحاله؛ فعل أو لم يفعل.
وإن حلف على فعل الغير: فإن كان في إثبا حق حلف على البت؛ لأن له طريقًا إلى العلم بما فعل غيره. وإن كان على نفي، حلف على نفي العلم؛ لأنه لا طريق له إلى القطع فيه.
بيانه: إذا ادعى رد وديعة، يحلف على البت؛ لقد رددته.
ولو ادعى دينًا على إنسان؛ فأنكر حلف على البت؛ أنه لا يلزمه.
ولو قال المدعى عليه: قبضته، أو أبرأتني، يحلف المدعي على البت أنه لم يقبضه ولم يبرئه.
ولو ادعى على ميت دينًا فقال: لي في الذمة أبيك ألف درهم، لا يسمع، حتى يقول: وأنت تعلم، والتركة في يدك يلزمك أداؤها منها؛ فإذا أنكر الوارث، حلف على نفي العلم؛ فيقول: لا أعلم أن لك في ذمة أبي كذا فإن نكل، حلف المدعي على البت. ولو قال الوارث: إنك قد أبرأت أبي، أو إن أبي قد قضاه- حلف المدعي على البت أنه لم يبرئه ولم يقضه.
ولو ادعى الوارث أن لأبي عليك ألف درهم؛ فقال: إن أباك أبرأني أو قبضه، حلف المدعي على نفي العلم؛ فيقول: لا أعلم أن أبي أبرأه، أو قبضه.
وكذلك لو ادعى أن الدار التي في يدك غصبها أبوك مني، أو غصبها بائعك مني
[ ٨ / ٢٤٨ ]
وباعك- لا تسمع الدعوى ما لم يقل: وأنت تعلم، ثم يحلف المدعى عليه؛ أنه لا يعلم أن أباه أو بائعه غصبها.
فكل موضع جوزنا له أن يحلف على العلم؛ فلو حلف على البت، جاز، والدعوى أبدًا تكون على البت؛ وهذا مطرد إلا في مسألة؛ وهي أنه إذا اعى على رجل أن عبدك جنى، وأنكر السيد- ففيه وجهان:
أحدهما: يحلف على نفي العلم لا أعلم أن عبدي جنى عليك؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف على البت؛ لأن عبده ماله؛ فهو في الحقيقة يمين في حق نفسه؛ كما لو ادعى أن دابتك أتلفت زرعي، يحلف [على] البت أنها لم تتلف.
ومن قال بالأول، أجاب بأن العبد له ذمة يتعلق بها الحق، بخلاف الدابة.
قال الشيخ: ويمكن بناء الوجهين على أرش جناية العبد يتعلق برق رقبته؛ حتى لا يبيع بالفضل إذا عتق أم يتعلق برقبته وذمته؟ فيه قولان:
إن قلنا- بالأول- وهو الأصح- يحلف على البت.
وإن قلنا- بالثاني يحلف على نفي العلم.
وكل دعوى يقبل فيها إقرار المدعى عليه، يقبل منه يمينه، إذا أنكر.
وعند أبي حنيفة: لا مدخل لليمين في النكاح، والخلع، والطلاق، والرجعة. وحديث ركانة حجة عليه. والله أعلم بالصواب.
باب الامتناع عن اليمين
إذا ادعى رجل على رجل آخر حقًا، يجب على الحاكم أن يصغي إلى دعواه ولا يقبل على خصمه؛ حتى يصحح المدعي دعواه، وتصحيحه أن يقول: لي على هذا ألف درهم؛ يصفها أنها من نوع كذا، وأنها صحاح أو مكسرة، يلزمه أداؤها إلى اليوم مره فليؤدها حتى لو لم يقل: يلزمه تسليمها أو أداؤها لا يطالب خصمه بالجواب؛ لاحتمال أن يكون الدين مؤجلًا، أو يكون المدعى عليه مفلسًا وإذا لم يقل: مره فليؤدها لا يلزم الحاكم؛ لأنه إنما يلزمه طلب حقه عند مطالبته.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
وإذا ادعى عينًا أنه غضبها مني، يجب أن يقول: يلزمه ردها مره فليردها؛ لاحتمال أنه أجرها منه بعد الغصب، ويأمره بإحضار العين مجلس الحكم إن أمكن إحضارها، ومؤنة الإحضار على المدعى عليه إن تثبت للمدعي، وإن لم تثبت فعلى المدعي مؤنة الإحضار والرد.
وإن لم يمكن إحضارها؛ لثقلها، أو كان عقارًا.
فإن أمكن وصف العين، أو كان العقار معروفًا، أو يصير معلومًا ببيان الحد- وصفها، وذكر حدود العقار. وإن لم يمكن وصفها، بعث الحاكم إليهما من يسمع الدعوى على عينها.
فإذا صحح الدعوى، يقبل الحاكم على الخصم، ويسأله فإن أقر، لزمه الأداء بمطالبته. فإذا قال: أنا مقر، لا يكون إقرارًا؛ لأنه قد يريد: أنا مقر ببطلان ما تدعيه؛ فيسأله الحاكم بماذا تقر؟
وكذلك لو قال: لا أقر ولا أنكر، لا يكون إقرارًا؛ فإن أنكر، وقال: لا أقر، أو سكت عن الجواب- يكون سكوته إنكارًا فيقول الحاكم للمدعي: هو منكر هل لك بينة؟ فإن كانت له بينة أقامها، وإن قال: بينتي غائبة، أو قال: لي بينة حاضرة، ولكن أريد تحليفه- له ذلك؛ لأنه قد يكون له في ذلك غرض وهو أن يتورع عن اليمين؛ فيقر، وإثبات الحق بالإقرار أسهل من إثباته بالبينة]. فإن سأل تحليف الخصم، حلفه الحاكم.
فلو حلفه الحاكم قبل مطالبته، لا تحسب؛ لأنها يمين قبل وقتها. فإن لم يسأل تحليفه، ولا إقامة البينة خلى سبيله، حتى يأتي بالبينة.
ولو أمسك عن تحليفه، ثم أراد تحليفه بالدعوى السابق جاز؛ لأنه لم يسقط حقه عن اليمين؛ فإن قال: أبرأتك من اليمين، سقط حقه من اليمين في هذه الدعوى، وله أن يستأنف الدعوى، ويحلفه. وإن أقام المدعي شاهدين عدلين، حكم به؛ فلو قال المدعى عليه بعد إقامة البينة: حلفه أيها الحاكم؛ أنه يأخذ هذا مني بحق- لم يكن له ذلك؛ لأنه يطعن في الشهود؛ ولأنه أقام حجة؛ فلا يكلف حجة أخرى؛ بخلاف ما لو ادعى على غائب أو ميت؛ فأقام بينة، يحلف مع البينة؛ لأن الخصم لو كان حاضرًا ربما ادعى أداءً أو إبراءً.
ولو قال حلفه: أنه لا يعلم أن شهوده كذبة، أو فسقة، أو جرحى- هل يحلف؟ فيه وجهان:
[ ٨ / ٢٥٠ ]
أصحهما: لا يحلف؛ لأن الظاهر عدالتهم؛ ولأن أمر الشهود إلى المزكين؛ وقد عدلوهم.
والثاني: يحلف؛ لأنه لو أقر به بطلت شهادتهم.
ولو قال المدعى عليه بعد إقامة المدعي البينة: إنه أبرأني، أو أقبضته، أو كان عينًا، وادعى أنه باعها، أو وهبها مني- نظر: فإن قال: أبرأ، أو باع بعد إقامة البينة، فإن مضى زمان إمكانه، يحلف المدعي وإلا فلا يحلف.
وإن قال: أبرأني أو قضيت، أو باع قبل إقامة البينة- نظر: إن قاله قبل قضاء القاضي ببينة المدعي، يسمع ويحلف المدعي؛ أنه لم يبرئه، ولم يقبضه، ولم يبع، ولم يهب منه. وإن قاله بعد قضاء القاضي، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يسمع، ولا يحلف المدعي؛ لأن المال قد ثبت عليه بالقضاء.
والثاني: يسمع، ويحلف. لأن ما يقوله محتمل، والشهود شهدوا على الظاهر.
وإن لم يكن للمدعي بينة، وطلب يمين المدعى عليه، يحلفه الحاكم بعد طلب المدعي، وإذا حلف خلى سبيله. فإن أتى المدعي ببينة بعد ما حلف المدعى عليه، يقضي له ببينته، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين؛ وهو أن يعرض عليه الحاكم اليمين، وقال: قل بالله، فقال: لا أحلف.
أما إذا قال له الحاكم: احلف، فقال: لا أحلف أو قال: أتحلف؟ قال: لا. لا يكون هذا نكولًا حتى يعرض عليه اليمين فإذا عرض عليه اليمين، فقال: لا أحلف أو سكت، يكون سكوته نكولًا؛ حتى لو سأله الجواب أول مرة فسكت، يكون سكوته إنكارًا. فإذا عرض عليه اليمين؛ فسكت، يكون سكوته نكولًا. ويستحب أن يعرض عليه اليمين ثلاثًا، والاستحباب فيما إذا سكت أكثر منه فيما لو نكل صريحًا.
وعند أبي حنيفة: يجب أن يعرض عليه اليمين ثلاثًا. وإذا رأى الحاكم فيه سلامة صدر، أخبره أ، ك إذا نكلت حلف صاحبك، ولزمك المال؛ فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، لا يقضي عليه بالنكول، بل يرد اليمين إلى المدعي.
وإن لم يعلم المدعي أن اليمين صارت إليه، قال القاضي: أتحلف وتستحق؟ فإذا حلف، قضى له.
وعند أبي حنيفة: يقضي عليه بالنكول، إلا في القصاص في النفس.
وعندنا: لا يقضي؛ لأن نكوله يحتمل أن يكون للرفع عن اليمين البار'، ويحتمل أن
[ ٨ / ٢٥١ ]
يكون للتورع عن اليمين الفاجرة، والأصل براءة الذمة، فلا تشتغل إلا باليقين؛ كما في القصاص.
ولو نكل المدعي عليه عن اليمين، وأقام المدعي شاهدًا، لا يجعل نكوله مع الشاهد كيمين المدعي مع الشاهد، ثم يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه بمنزلة الإقرار من المدعي عليه أم بمنزلة إقامة البينة من المدعي؟ فيه قولان:
أصحهما: بمنزلة الإقرار من المدعى عليه؛ لأن يمين المدعي صدر عن نكوله، فكأنه أقر.
والثاني: بمنزلة البينة من المدعي؛ لأن الحجة هي اليمين، وهي في جانبه؛ كما لو أقام بينة.
وفائدة القولين تتبين في مسائل تأتي متفرقة في مواضعها.
ولو رغب المدعى عليه في اليمين بعد ما نكل، وأراد أن يحلف- نظر: إن كان بعدما عرض الحاكم اليمين على المدعي، لم يكن له ذلك. وإن كان قبله، له أن يحلف، إلا أن يرضى المدعى قال شيخنا الإمام الأجل ﵁: وكذلك لو حكم الحاكم على المدعى عليه بالنكول، لم يكن له بعده أن يحلف، إلا أن يرضى المدعي.
وقيل: بمجرد النكول صار الحق للمدعي، فلم يكن للمدعى عليه أن يحلف.
وإن هرب المدعى عليه قبل أن يحكم عليه الحاكم بالنكول، وقبل أن يعرض اليمين على المدعي- لم يكن للمدعي أن يحلف يمين الرد.
وإذا رددنا اليمين على المدعي فلم يحلف، سئل عن سبب نكوله؛ فإن قال: حتى أنظر في الحساب، أو أسأل الفقهاء أو أتفكر أو آتي ببينة- يترك، ولا تبطل به دعواه؛ لأنه حضر مختارًا؛ بخلاف المدعى عليه إذا توجه عليه اليمين فنكل، لا يسأل عن سبب نكوله. فإن قال: حتى أنظر في الحساب أو أسأل لم يترك، إلا أن يتركه المدعي؛ لأنه حضر مجبورًا.
وقيل: يمهل المدعي عليه ثلاثًا، ولا يزاد؛ بخلاف المدعى لا تضيق عليه المدة؛ لأن يترك المدعي لا يتأخر إلا حقه ويترك المدعي عليه يتأخر حق المدعي؛ لأن بنكوله وجب للمدعي حق في رد اليمين والقضاء له، وبنكول المدعى عليه لا يجب لغيره حق.
فإذا ذهب المدعي؛ لينظر في الحساب، أو يسأل، أو يأتي ببينة، أو هرب، ثم بعده
[ ٨ / ٢٥٢ ]
بمدة جاء ليحلف- له ذلك؛ فإن لم يذكر القاضي نكول خصمه، أثبته بالبينة.
وكذلك لو أثبت عند قاض آخر نكول خصمه، له أن يحلف. وكذلك إذا نكل المدعى عليه مع الوكيل، ثم حضر الموكل- له أن يحلف، ولا يحتاج إلى استئناف الدعوى.
ولو نكل المدعي عن اليمين بلا سبب، سقطت دعواه، ولم يكن له أن يحلف بعده؛ كما لو حلف المدعي عليه؛ فلو أراد بعد ذلك إقامة البينة، يسمع.
ولو أقام شاهدًا، وأراد أن يحلف معه، هل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه نكل مرة.
والثاني- وهو الأصح-: له ذلك؛ لأن هذه اليمين غير اليمين التي نكل عنها.
وكذلك لو أقام بينة بعدما حلف المدعى عليه، تسمع؛ سواء كان عالمًا به حالة تحليفه أن له بينة، أو لم يكن؛ حتى لو قال: لا بينة لي، أو بينتي غائبة؛ فحلف المدعى عليه، ثم أقام البينة- تسمع، ويحمل قوله: لا بينة لي، على: أنها غير حاضرة.
وقال مالك: إن كان عالمًا حالة التحليف أن له بينة، بطل حقه عن البينة.
ولو قال: ليست لي بينة حاضرة ولا غائبة، وكل بينة أقمتها فهي باطلة كاذبة، ثم أقام بينة- لا تسمع.
وقيل: تسمع؛ لأنه يجوز أن يكون ما علم أو نسي، فقال ذلك. فإن ادعى هذا، أو قال: كنت أظن أن لا بينة لي، فالآن علمت- يقبل، وتسمع بينته.
ولو قال: شهودي فسقة أو عبيد، ثم أقام بعد مدة يحصل فيها الاستبراء والعتق- يسمع.
فصل في تعذر [رد] اليمين
إذا ادعى رجل على رجل حقًا وأنكر ونكل عن اليمين، ولم يكن هناك من يرد عليه اليمين- هل يقضي بالنكول؟ مثل: إن جاء الساعي يطلب الزكاة، فقال رب المال: هي وديعة عندي، أو لم يحل عليه الحول، وجاء يطلب العشر، فقال رب الحائط: غلط الخارص في الخرص، أو أصابته جائحة- فالقول قول رب المال مع يمينه. فإن نكل، هل يقضي بالنكول؟ فيه وجهان:
[ ٨ / ٢٥٣ ]
أحدهما: لا يقضي؛ لأنه لا حجة هاهنا ولا يقضي بلا حجة، والأصل براءة ذمته.
والثاني: يقضي. ثم فيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ منه الزكاة؛ لأن الظاهر أن ما في يده ملكه.
والثاني: يحبس؛ حتى يقر؛ فيؤخذ منه الزكاة، أو يحلف؛ فيترك. وعلى هذا: لو غاب الذمي، ثم عاد، وقد أسلم؛ فقال: أسلمت قبل الحول؛ فلا جزية علي. وقال الإمام بعده: فعليك الجزية- يحلف الذمي؛ فإن نكل، هل يقضي عليه؟
فعلى هذين الوجهين: فإن قلنا: يقضي، هل تؤخذ منه الجزية، أم يحبس؛ حتى يقر؟ فعلى وجهين:
وكذلك لو وجد في السبي أمرد؛ فكشف عن مؤتزره؛ فإذا هو قد أنبت بالعلاج وقال: أنا غير بالغ- يقبل قوله مع يمينه؛ لأن الأصل حقن الدم. فإن نكل، هل يقضي عليه؟ فعلى وجهين:
فإن قلنا: يقضي، هل يقبل، أم يحبس؛ حتى يقر، أو يحلف؟ فعلى وجهين:
وعلى هذا لو جاء واحد من الغزاة يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه قد احتلم- حلف، وأخذ السهم. فإن لم يحلف، اختلف أصحابنا فيه.
قال "صاحب التلخيص" تخريجًا: إنه يحكم عليه، ولا يعطى السهم، إلا أن يحلف. ومنهم من قال: يعطى؛ لأن الظاهر استحقاقه بحضوره الواقعة.
ومنهم من قال- وإليه ذهب الشيخ أبو زيد-: يقبل قوله بلا يمين ويعطي السهم؛ لأن احتلامه لا يعرف إلا من جهته؛ كما لو علق العتق بمشيئة غيره؛ فقال: شئت، يصدق، ولا يمين عليه.
ولو مات رجل، ووجد في تذكرته: أن لي على فلان كذا؛ فنصب القاضي قيمًا؛ حتى ادعى عليه؛ فأنكر، ولم يحلف- فعلى وجهين:
أحدهما: يؤخذ منه المال.
والثاني- وهو الأصح-: يحبس؛ حتى يحلف، أو يقر.
وكذلك لو نصب رجل وصيًا؛ فمات، وجاء الوصي، وادعى على الوارث أن أباك أوصى بثلث ماله للفقراء، وأنكر الوارث- فالقول قوله مع يمينه. ولو نكل، لا يحلف الوصي. وهل يؤخذ المال، أم يحبس الوارث؛ حتى يحلف، أو يقر؟ فعلى وجهين:
ولو ادعى أبو الوصي، أو قيم الصبي، أو ولي المجنون مالًا على إنسان، فأنكر
[ ٨ / ٢٥٤ ]
المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل يحلف الأب، أو القيم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يحلف؛ لأن الاستيفاء إليه، والمستحق ليس من أهل اليمين.
والثاني: لا يحلف؛ كالساعي والوكيل؛ لأن أحدًا لا يستحق بيمين الغير شيئًا.
والثالث: إن باشر الولي تلك المعاملة بنفسه، حلف، وإلا فلا يحلف.
فإن قلنا: لا يحلف الولي لا يقضي بالنكول، بل يترك؛ حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون؛ فيحلف. وكذلك لو أقام الولي شاهدًا، هل يحلف معه؟ فعلى هذه الأوجه الثلاثة.
ولو ادعى قيم الوقف، أو قيم المسجد شيئًا للوقف أو للمسجد، وأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل يحلف القيم؟ فعلى هذه الأوجه:
فإن قلنا: لا يحلف، هل يقضي بالنكول؟ فعلى وجهين، لأنه ليس هاهنا أحد يحلف.
أما قيم المحجور عليه بالسفه، إذا ادعى للمحجور شيئًا، ونكل المدعى عليه عن اليمين، يحلف المحجور عليه، لأنه مكلف، ويقول في يمينه: يلزمك تسليم هذا المال مطلقًا، ولا يقول: إلي؛ لأن التسليم إلى المحجور لا يجوز؛ والقيم يقول في دعواه: يلزمك تسليمه إلي.
فصل في كون الجواب على وفق الدعوى
إذا ادعى على رجل قرضًا، أو ادعى: أني اشتريت منك كذا فسلمه إلي فأجاب: أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك، أو أجاب: أنك لا تستحق علي شيئًا- يسمع هذا الجواب ويحلف عليه، ولا يكلف أن يحلف على نفي القرض والبيع؛ لأنه يجوز أن يكون قد استقرض منه، ثم أداه، أو باع منه، ثم استقاله أو اتهبه. فإذا حلف على نفي القرض والبيع، يكون كاذبًا، غير أنه إذا حلف على وفق دعواه: أنه لم يستقرض، ولم يبع، يجوز. وإن كان جوابه محتملًا أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك.
وعند أبي يوسف: يشترط أن يكون جوابه على وفق دعواه فيقول: ما استقرضته، وما بعت. أما إذا أجاب على وفق دعواه: أنه ما استقرض، ولم يبع، وأراد أن يحلف مجملًا: أنه لا يلزمني تسليم شيء إليك، أو لا تستحق علي شيئًا- هل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ كما لو أجاب ابتداء كذلك.
والثاني: ليس له ذلك؛ حتى يحلف على وفق ما أجاب؛ لأنه نفى ما ادعاه المدعي؛
[ ٨ / ٢٥٥ ]
فيجب أن يحلف على نفيه.
ولو ادعى على رجل ألف درهم؛ فأنكر، يجب أن يحلف: أنه لا يستحق ما يدعيه، ولا شيئًا منه. فإن حلف على أنه [لا يستحق الألف، أو] لا يلزمني الألف- لم يخرج عن دعواه؛ لأن يمينه على نفي الألف لا تمنع وجوب بعضها.
فلو قال له الحاكم: قل: بالله لا يلزمني تسليم الألف إليه ولا تسليم شيء منها فقال: بالله لا يلزمني تسليم الألف إليه، ونكل عن الباقي- لا يجب عليه تمام الألف، ويكون ناكلًا عما دونه [و] يحلف المدعي، وينقص في يمينه شيئًا عن الألف وإن قل. فلو نكل المدعى عليه عن أصل اليمين، وأراد المدعي أن يحلف على خمسمائة- له ذلك، إن عرض الحاكم اليمين عليه على ألف، وعلى كل جزء منها. فإن عرض على ألف فحسب، فليس له ذلك، بل يستأنف الدعوى بخمسمائة.
ولو ادعى على رجل ألفًا، فقال المدعى عليه: لا أحلف وأعطي المال، لا يجب على المدعي قبوله من غير إقرار، وله تحليفه؛ لأنه لا يأمن أن يدعي عليه ما دفع إليه بعد هذا.
وكذلك لو نكل المدعى عليه عن اليمين، وأراد المدعي أن يحلف يمين الرد، فقال المدعى عليه: لا تحلفه؛ حتى أبذل المال بلا يمين- له أن يحلف، ويقول له الحاكم: إما أن تقر بالحق أو يحلف المدعي بعد نكولك.
ولو ادعى مالًا؛ فقال المدعى عليه: إنه قد حلفني على هذا مرة- نظر: إن قال للحاكم: حلفني عندك، والحاكم يحفظه، لا تسمع دعوى المدعي؛ وإن لم يحفظ، سمع دعوى المدعي.
وإن قال: حلفني عند قاض آخر، أو أطلق، تسمع دعواه، ويحلف المدعي أنه لم يحلفه، ثم يدعي المال. وإن نكل، حلف المدعي عليه أنه حلفه، وتسقط الدعوى.
فلو نكل المدعي عن يمين التحليف، ورددنا اليمين على المدعى عليه، وأراد أن يحلف يمين الأصل، لا يمين التحليف- لم يكن له ذلك، إلا بعد استئناف الدعوى؛ لأنه تخللها دعوى أخرى.
فلو قال المدعى عليه: إنه حلفني مرة، وأراد تحليفه فقال المدعي: إنه قد حلفني مرة بأني ما حلفته فحلفه على هذا- لا يحلف المدعى عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما لا نهاية له.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
ولو ادعى على رجل مالًا؛ فأنكر، وحلف، ثم بعد مدة جاء المدعي، وقال: حلفت يومئذ؛ لأنك كنت معسرًا، فكنت صادقًا في يمينك أنه لا يلزمك أداؤه، واليوم أيسرت- فهل يسمع منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسمع وله تحليفه؛ لأنه محتمل.
والثاني: لا يسمع؛ لأنه لا يتناهى.
ولو ادعى مالًا على إنسان، وقال: قد قضى لي عليه فلان القاضي إن أقام لي عليه بينة [تسمع]، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
ولو قال: أنت قضيت؛ فإن ذكره القاضي أمضاه، وإن لم يذكره فلا.
فلو ادعى على إنسان عينًا؛ فقال المدعى عليه: إنه باعها مني، أو باعها من بائعي؛ فهو إقرار للبائع بالملك- فالقول قول البائع مع يمينه أنه لم يبع منه، ولا من بائعه.
ولو ادعى دينًا؛ فقال المدعي عليه: إنه أبرأني عن هذا الدين- فهو إقرار للمدعي، والقول قول المدعي أنه لم يبرئه.
ولو قال: أبرأني عن الدعوى، اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: تسمع، ويحلف المدعي.
ومنهم من قال- وهو اختيار الشيخ القفال- لا تسمع، ولا يصح الإبراء عن الدعوى.
ولو كان لجماعة على رجل حق؛ فوكلوا رجلًا في استخلافه- لم يجز أن يحلف لهم يمينًا واحدة؛ [لأن لكل واحد عليه يمينًا؛ فلا تتداخل. وإن رضوا؛ بأن يحلف لهم يمينًا واحدة]، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز أن يثبت ببينة واحدة حقوق جماعة.
والثاني- وهو المذهب-: لا يجوز؛ لأن اليمين للزجر، وما يحصل من الزجر بالتفريق لا يحصل من الجمع؛ كما لو رضيت المرأة بأن يقتصر الزوج في اللعان على شهادة واحدة- لا يجوز.
ولو ادعى على رجل عينًا؛ فأنكر المدعى عليه أن في يده مثل تلك العين- حلف عليه وإذا حلف، للمدعي أن يدعي عليه القيمة؛ لاحتمال أن العين هلكت في يده. وإن نكل
[ ٨ / ٢٥٧ ]
حلف المدعي على كون العين في يده، وحبس المدعى عليه؛ حتى يحضرها، أو يقيم بينة على هلاكها؛ ولو لم يدر المدعي أن العين قائمة في يده؛ حتى يدعيها، أو هالكة؛ حتى يدعي قيمتها- فقد قيل: يدعي عليه العين، ويحلف عليها، ثم يدعي القيمة، ويحلف يمينًا أرخى.
وقيل: والحكام عليه: أنه يحلفه يمينًا واحدة أنه لا يلزمني تسليم هذه العين إليه ولا قيمتها. وعلى هذا الوجه تسمع الدعوى على التمثيل؛ فيقول: لي عنده ثوب، صفته كذا، يلزمه تسليمه إلي، أو قيمته إن كان هالكًا؛ حتى لو دفع إليه ثوبًا؛ ليبيعه، فجحد، فلم يدر صاحب الثوب أنه قائم في يده؛ فعليه رده، أو أهلكه؛ فعليه قيمته، أو باعه؛ فعليه ثمنه. فعلى الوجه الأول: يحلف ثلاث أيمان يدعي العين؛ فيحلفه، ثم يدعي الثمن؛ فيحلفه، ثم يدعى القيمة؛ فيحلفه.
وعلى الثاني: يدعي متمثلًا أنه يلزمه رد الثوب، أو ثمنه إن كان باعه، أو قيمته إن هلك؛ فيحلف يمينًا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب إليه، ولا قيمته، ولا ثمنه. والله أعلم.
باب: من تجوز شهادته ومن لا تجوز
قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال جل ذكره: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
شرائط قبول الشهادة سبعة: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والعفة، والمروءة وانتفاء التهمة؛ فشهادة الكافر لا تقبل؛ لأن المعروفين بالكذب من المسلمين لا تقبل شهادتهم؛ فالكافر يكذب على الله- تعالى- والله- تعالى- يشهد على كذبه؛ فأولى ألا تقبل شهادته.
وعند أبي حنيفة: تقبل شهادة الذمي على الذمي، ولا تقبل شهادة العبد؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة؛ فلا يصلح لهذه الأمانة.
[وقال أنس بن مالك: تقبل شهادة العبد]، وهو قول أحمد وإسحاق.
وقال الشعبي والنخعي: تقبل شهادة العبد في الشيء التافه.
[ ٨ / ٢٥٨ ]
ولا تقبل شهادة من لم يبلغ؛ لأنه لا حكم لقوله.
[ ٨ / ٢٦٠ ]
وقال مالك: تقبل شهادة الصبيان على الجراحات التي تقع في الملاعب قبل التفرق، ولا تقبل بعد التفرق؛ لأنه ربما يتلقن بعضهم من بعض.
والعفة شرط وهو: ألا يكون مرتكبًا كبيرة، ولا مصرًا على صغيرة.
ولا يشترط أن يكون الشاهد معصومًا عن المعاصي كلها؛ فإن الآدمي لا يخلو عن ذلك، وجاء في الحديث: "ما منا إلا من عصى، أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا".
فإن ارتكب كبيرة من زنا، أو لواط، أو قذف، أو غصب، أو سرقة، أو شرب خمر، أو قتل بغير حق- ترد شهادته، وإن فعل مرة واحدة.
والصغيرة لا توجب رد الشهادة؛ لأن الاحتراز عنها قل ما يمكن ما لم يصر عليها؛ فإن غلب ذلك عليه، فسق، وردت شهادته.
[ ٨ / ٢٦١ ]
وكل ما يوجب الحد من المعاصي، فهو كبيرة، والزنا كبيرة، والنظر إلى الأجنبية بالشهوة، ولمسها صغيرة.
وقيل: كل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سنة- فهو كبيرة].
ومن ترك فريضة واحدة من الفرائض مع العلم؛ حتى خرج وقتها- ترد شهادته.
وقيل: بواحدة لا ترد شهادته؛ حتى يتكرر ذلك منه.
ومن اعتاد ترك السنن الرواتب، وتسبيحات الركوع والسجود- ترد شهادته؛ لتهاونه بالسنن؛ فإن كان يفعله أحيانًا، لا ترد شهادته.
ومن اعتاد الجلوس على الديباج، أو الشرب من الذهب والفضة، أو اعتاد من الرجال لبس الديباج- فهو فسق يوجب رد الشهادة.
ولا تقبل شهادة من لا مروءة له؛ لأن من لا مروءة له لا يستحي. قال: ومن لا يستحي قال ما شاء، وصنع ما شاء.
قال النبيﷺ-: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
والمروءة هي حسن العشرة، والسيرة والهيئة، والصناعة، وهي مما يتصل بآداب النفس، مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، يتعاطى ما يستحيا من إظهاره؛ بأن كان يقبل زوجته فيما بين الناس، أو إن فعل في الخفية حكاه للناس.
ويخرج من حسن العشرة مع الأهل، والخدم، والجيران، والمساكين.
ويخرج في المعاملة مع الناس إلى حد السفه، والاستقصاء في اليسير الذي لا يستقصي فيه.
وفي الهيئة يجب أن يسير بسيرة أمثاله في بلده؛ حتى أن الفقيه إذا لبس القباء في هذه البلاد أو تقلنس وخرج، أو التاجر إذا لبس ثوب الحمالين- ترد شهادته.
[ ٨ / ٢٦٢ ]
أما في بلده عادة علمائهم لبس القباء، فلا ترد شهادتهم، والحمال إذا لبس العمامة، والذراعة، والطيلسان- ترد شهادته؛ لأنه يتخذ نفسه ضحكة.
والذي يمشي في الأسواق كاشفًا عن بدنه فوق العادة، أو مكشوف الرأس، أو الفقيه يأكل في السوق، أو يشرب من سقاية السوق- ترد شهادته، إلا أن يكون لغلبة عطش.
أما السوقي إذا أكل في السوق، لا ترد شهادته. ثم هذا في حق من اعتاد تكلف ذلك، أما من اعتاد ترك التكلف كأهل الصفة، فلا ترد شهادته بلبس ما يلبس؛ وأهل الحرف الدنيئة كالحجام، والكناس، والدباغ، والإسكاف، والقصاب، والقيم في الحمام، والحائك، والحارس- فهل تقبل شهادتهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل؛ لأن رضاهم بهذه الحرف الدنيئة مع كثرة الحرف دليل على دناءتهم وقلة مروءتهم.
والثاني- وهو الأصح-: تقبل شهادتهم؛ لأن هذه الحرف مباحة، وبالناس إليها حاجة؛ فلو ردت شهادتهم بها، لامتنعوا عنها وتضرر به الناس.
واللعب بالشطرنج مكروه؛ لأنه اشتغال بما لا يعنيه.
[ ٨ / ٢٦٣ ]
وعند أبي حنيفة: حرام.
وروي عن سعيد بن جبير؛ أنه كان يلعب به استدبارًا. ومن لعب به، لا ترد شهادته، إلا أن يقامر به، أو يفحش بلسانه، أو تخرج الصلاة عن الوقت؛ فإن فعل شيئًا من ذلك، ردت شهادته. فإن لم يفعل شيئًا من ذلك، لكنه يداوم على ذلك، ردت شهادته؛ لما فيه من ترك المروءة.
والقمار فيه: أن يكون المال من الجانبين، وكل واحد يكون بين الغرم والغنم.
فإن كان المال من أحدهما؛ بأن قال: إن غلبت فلا شيء لي، وإن غلب صاحبي فله كذا- فليس بقمار، ولا ترد به الشهادة، ولكن لا يكون العقد صحيحًا، لأنه ليس من آلة الحرب.
أما اللعب بالنرد فحرام؛ لما روي عن بريدة؛ أن النبيﷺ- قال: "من لعب بالنرد شير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه".
وقال الشيخ أبو إسحاق: هو كالشطرنج. والحديث حجة على تحريمه؛ ولأن المعول فيه على ما يخرجه الكعبان؛ فأشبه بالأزلام.
واللعب بالحمام أخف كراهية من الشطرنج؛ لأنه يستعان به على إنهاء الأخبار في الأسفار البعيدة، وحكمه في رد الشهادة حكم الشطرنج.
أما اتخاذ الحمام فجائز؛ لما روي عن عبادة بن الصامت؛ أن رجلًا شكا إلى
[ ٨ / ٢٦٤ ]
رسول اللهﷺ- الوحشة فقال: "اتخذ زوجًا من حمام"، ولأن فيه منفعة بالبيض والفرخ.
ولا تقبل شهادة المغني الذي يأتي الناس، والناس تأتيه للغناء، وكذلك من اشترى غلامًا مغنيًا، أو جارية لهذا الأمر.
وكذلك القوال والرقاص الذي يداوم عليه، لا تقبل شهادته. فإن لم يتخذه كسبًا، ولم يداوم عليه، لا ترد شهادته.
والغناء وسماعه من غير آلة مطربة مكروه؛ لما روي عن ابن مسعود، عن
[ ٨ / ٢٦٥ ]
النبيﷺ- قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل".
ولكنه غير حرام إذا لم يكن معه آلة مطربة؛ فمن غنى لنفسه، أو سمع غناء غيره، ولم يكثر ذلك منه- لا ترد شهادته.
روي عن عائشة قالت: "دخل أبو بكر- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث- قالت: وليستا بمغنيتين [فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ]؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا".
وروي أن عمر﵁- كان إذا خلا في داره ترنم بالبيت والبيتين، فاستؤذن عليه لعبد الرحمن بن عوف، وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن؟ قال: نعم. قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس.
وروي عن أبي الدرداء، وكان من زهاد الصحابة، وفقهائها أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل؛ لأستعين به على الحق.
وأما الآلات المطربة، كالعود والطنبور، والصنج، والطبل، والمزمار- فيحرم
[ ٨ / ٢٦٦ ]
استعمالها، والاستماع إلى أصواتها.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] قال ابن عباس: هي الملاهي.
وفي اليراع وجهان:
أصحهما: حرام؛ كالمزمار.
والثاني: مباح؛ لأنه ينشط على السير في الأسفار.
وقيل: كان داود ﵇ يضربه في أغنامه.
وضرب الدف مباح في الإملاكات والختان، وحرام في غيرهما، جاء في الحديث: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف".
وضرب القضيب على الوسائد حرام.
وقال العراقيون: مكروه غير حرام؛ لأنه لا يطرد إذا انفرد عن الغناء، بخلاف سائر الآلات؛ فهو تابع للغناء؛ فكان مكروهًا، كالغناء. فما حكمنا بتحريمه من هذه الأشياء، فهو من الصغائر لا ترد الشهادة بما قل منه، فإن كثر من رجل ردت شهادته، وما حكمنا بإباحته فهو كالشطرنج.
وسماع الحداء ونشيد الأعراب مباح؛ لأنه ينشط الإبل على السير، ويوقظ النوام.
قال النبيﷺ- لعبد الله بن رواحة: "حرك بالقوم" فاندفع يرتجز.
فإذا جاز تحسين الصوت بالحداء والرجز، فبالقرآن أولى.
قال النبيﷺ- "ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن". وسمع
[ ٨ / ٢٦٧ ]
رسول اللهﷺ - عبد الله بن قيس يقرأ فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود" وقال النبي -ﷺ- "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وحمله الشافعي على تحسين الصوت. وقال لو كان المراد منه: الاستغناء: لقال: لم يتغانى بالقرآن.
أما القرآن بالألحان: قال في موضع: أكرهه، وقال في موضع: لا أكرهه؛ وهي على حالين؛ حيث قال: أكرهه، أراد به: إذا جاوز الحد في التطويل والمد، وحيث قال: لا أكرهه، أراد به: إذا لم يجاوز الحد.
قال: وأحب ما يقرأ إلي حدرًا، أو تحزينًا.
والشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، ويجوز قول الشعر، وكان للنبيﷺ شعراء: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وسمع النبي - ﷺ - الشعر. وقال للشريد: "أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء"؟ قلت: نعمفأنشدته بيتًا فقال: "هيه"، فأنشدته بيتًا آخر، فقال: "هيه" حتى أنشدته مائة بيت.
وشهادة الشاعر مقبولة، إذا كان لا يهجو المسلمين، ولا يبالغ في المدح والذم، ولا يشبب بامرأة ولا بغلام بعينه، ولا يبتهر، ولا يبتار.
[ ٨ / ٢٦٨ ]
فالابتهار: أن يقول فعلت بامرأة كذا من الفساد؛ وهو فيه كاذب.
والابتيار: أن يكون فيه صادقًا؛ قال الكميت: [من المتقارب].
قبيح لمثلي نعت الفتاة فإما ابتهارًا وإما ابتيارًا
تقبل شهادة أهل الأهواء والبدع؛ كالمعتزلة والرافضة، وغيرهم؛ لأن منهم من يرى الكذب كفرًا؛ فيعرف أنه لا يقصد الكذب، إلا الخطابية؛ وهم قوم يرون الكذب كفرًا؛ فربما يسمع ممن يوافقه في الاعتباد: أن لي على فلان كذا فيشهد على موافقة قوله؛ لما يرى أنه لا يجيز الكذب، إلا أن يقول: أقر فلان لفلان بكذا، أو رأيت فلانًا أقرض فلانًا، أو قتل فلانًا فيقبل. هذا إذا كان لا يقول في بدعته ما يكون كفرًا، ولا يرتكب ما يكون فسقًا.
ومذهب أكثر الفقهاء: أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل البدعة.
قال الشافعي ﵁: إلا الذين ينفون علم الله بالمعدوم؛ وهم يقولون: لم يعلم الله الأشياء؛ حتى خلقها؛ فهم كفار، والله ﷿ يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] مخبرًا عن أمر لم يكن أنه يكون.
ومن سب الصحابة والسلف، ترد شهادته، لفسقه.
[ ٨ / ٢٦٩ ]
قال الشيخ: وإن استحله، كفر.
وتقبل شهادة المخالفين في الفروع؛ لأن مسائل الفروع مبنية على أدلة غير مقطوع بها، والمخالف فيها غير مقطوع بخطئه؛ فلا ترد شهادته.
وكل من تأول حرامًا عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لا ترد شهادته؛ فإن من الصحابة من كان يجيز بيع الدرهم بالدرهمين نقدًا، وكان ابن عباس يجيز نكاح المتعة.
ولا ترد شهادة من اعتقده؛ وتقبل شهادة أهل البغي، مع أنهم يسفكون دماءنا متأولين.
[ ٨ / ٢٧٢ ]
والحنفي إذا شرب القليل من النبيذ، لا يفسق، ولا ترد شهادته، لأنه يعتقد إباحته، إلا أن يسكر فترد شهادته؛ لأن السكر حرام بالاتفاق، ولكنه يحد بشرب قليله. وإذا شربه من يعتقد تحريمه: اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: ترد شهادته؛ لأنه ارتكب محظور عقيدته.
ومن أصحابنا من قال: لا ترد شهادته؛ وهو ظاهر كلام الشافعي ﵁ فإنه لم يفصل بين من يعتقد تحريمه وإباحته؛ في أن شهادته لا تر؛ هذا لأن استحلال الشيء أعظم من فعله، بدليل أن من استحل الزنايكفر، وبفعله لا يكفر؛ فإذا لم ترد شهادة مستحل القليل من النبيذ، فلأن لا ترد شهادة من شربه أولى.
وقال المزني﵀-: وجب أن ترد شهادة من شربه؛ كما يحد، وإن لم ترد شهادته وجب ألا يحد.
قلنا: إقامة الحد إلى الإمام؛ فيجري فيه على اعتقاده.
ورد الشهادة بارتكاب محظور العقيدة، ولم يوجد، بخلاف الكافر ترد شهادته، وإن لم يرتكب محظور عقيدته؛ لأن بطلان عقيدته مقطوع به، وهذا مجتهد فيه. وهذا؛ لأن الحد للزجر عما يميل الطبع إليه، والحاجة إلى الزجر عن النبيذ كالحاجة إليه في الخمر.
ورد الشهادة لارتكاب محرم يجرئه على فعل مثله، ولم يوجد في شرب النبيذ؛ لأنه لم يرتكب محرمًا؛ فيظن أنه يجرئه على شهادة الزور.
أما من شرب الخمر قصادً وإن كان قطرة- ترد شهادته، ويحد.
ولا تقبل شهادة المغفل الذي لا يحفظ شيئًا، وكذلك شهادة من يكثر [منه] الغلط؛ لأنه لا يؤمن أن يغلط فيما يشهد.
وتقبل شهادة من يقل منه الغلط؛ لأن أحدًا لا ينفك عنه، وإن شهد من يكثر منه الغلط مفسرًا؛ بأن بين الوقت والمكان الذي يحمل فيه الشهادة؛ بحيث زالت فيه الريبة عن شهادته- تقبل.
وتقبل شهادة ولد الزنا.
[وقال مالك: لا تقبل]، وكذلك يجوز أن يكون [ولد الزنا] قاضيًا ولا يكون إمامًا؛ لأن النسب في الإمامة شرط.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
وتقبل شهادة القروي على البدوي، وشهادة البدوي على القروي.
وقال مالك: لا تقبل شهادة البدوي على القروي؛ لأن البدوي يحضر القرية للإشهاد، والقروي لا يخرج إلى البادية للإشهاد.
قلنا: قد يدخل البدوي القرية؛ فيشهد القروي.
فصل في أن انتفاء التهمة شرط في الشهادة
انتفاء التهمة شرط في الشهادة؛ حتى تقبل؛ فلا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعًا بشادته، أو يدفع عن نفسه ضررًا؛ كما ذكرنا في "باب الشهادة على الجناية".
ولا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا لأحد من نوافله وإن سفلوا، وكذلك لا تقبل
[ ٨ / ٢٧٤ ]
شهادة الولد لواحد من آبائه وأجداده وإن علوا؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن النبيﷺ- قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ضنين ولا ذي جنة". وأراد بالضنين: المتهم، والولد مع الوالد كل واحد منهما متهم في شهادته بالميل إلى من يشهد له؛ لأنه بعضه.
وقال أبو ثور: تقبل [شهادة الولد للوالد، والوالد للولد.
وقال مالك: تقبل] شهادة الولد لوالده، ولا تقبل شهادة الوالد لولده؛ وكذلك عندنا: لا تقبل شهادة الرجل لمكاتب ولده، ولا لمكاتب والده.
أما شهادته على ولده، وعلى والده تقبل؛ لأنه لا تهمة فيه.
وقيل: لا تقبل شهادة الولد على الوالد بالقصاص، وحد القذف، لأنه لا يلزمه القصاص بقتله، ولا حد القذف بقذفه؛ والأول المذهب.
وتقبل شهادة الأخ، وابن الأخ، والعم، والخال.
وتقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه، وعليه، إلا الزوج لا تقبل شهادته بالزنا على زوجته.
وقيل: في قبول شهادة أحدهما لصاحبه قولان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا تقبل.
والمذهب: قبولها قولًا واحدًا؛ لأنه ليس بينهما إلا معاقدة؛ وذلك لا يورث تهمة في
[ ٨ / ٢٧٦ ]
الشهادة؛ كالأجير إذا شهد للمستأجر بشيء، تقبل.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه.
وعند مالك: لا تقبل.
ولا تقبل شهادة العدو على عدوه؛ لأنه متهم في الشهادة عليه، وتقبل شهادته له؛ لأنه لا تهمة فيه؛ كما تقبل في حق كافة الناس لهم وعليهم.
هذا إذا كانت الخصمة بينهما ظاهرة، ولا يرتكب كل واحد منهما في عداوته ما يفسق به فإن فعل في عداوته ما يفسق به، فيكون مردود الشهادة له وعليه في حق كافة الناس.
ولو خاصمه رجل وسبه، وهو ساكت، فشهد الساكت عليه- تقبل [شهادته] لأن الشهادة لو ردت بمثله، لم يعجز أحد عن فعله بمن شهد عليه، فينسد باب الشهادة عليه.
وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة العدو على العدو، إذا لم يظهر في عداوته ما يفسق به.
والعصبية لا توجب رد الشهادة؛ وهو أن يبغض رجلًا؛ لأنه من بني فلان، إلا أن يظهره ويدعو له؛ فيفسق به، وترد شهادته؛ وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه وعشيرته؛ فتقبل شهادته لهم وعليهم، ومن أبغض رجلًا لفسقه فهو دين، لا ترد شهادته له ولا عليه.
وتقبل شهادة المستخفي؛ وهو أن يكون لرجل على آخر حق يقر به إذا خلا مع خصمه، ويجحد في الظاهر؛ فأجلس المدعي شاهدين في خفية، وجلس مع خصمه؛ حتى أقر، وسمعه الشاهدان فشهدا عليه- تسمع عند كثير من أهل العلم.
وقال ابن سريج والشعبي والنخعي: لا تسمع. وهذا لا يصح؛ لأنه حصل لهم العلم بالمشهود به؛ فتقبل شهادتهم؛ كما لو أقر ظاهرًا؛ فسمعه رجل وشهد، تسمع وإن لم يشهده.
فصل
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ ٨ / ٢٧٧ ]
إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤].
كل من لا تقبل شهادته بسبب معصية؛ فإذا تاب، تقبل شهادته.
والتوبة توبتان:
توبة في الباطن فيما بينه وبين الله [تعالى].
وتوبة في الظاهر التي يتعلق بها قبول الشهادة، وعود الولاية.
وأما التوبة في الباطن: فينظر: إن كانت المعصية مما لا يتعلق بها حق الآدمي، ولا حد لله- تعالى- فيه؛ كتقبيل الأجنبية، ولمسها بالشهوة ووطؤها مما دون الفرج، فالتوبة منها: أن يندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود إلى مثلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وإن تعلق بها حق لآدمي: فالتوبة منه: أن يندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود، ويتبرأ من حق الآدمي.
وإن كان مالًا رده إن كان قائمًا، أو بدله إن كان تالفًا، أو يبرئه صاحب الحق.
وإن كان قصاصًا، أو حد قذف، فيخبره؛ حتى يستوفي، أو يعفو.
وإن تعلق بالمعصية حد لله- تعالى- كحد الزنا، والشرب؛ فإن لم يظهر ذلك منه، فيندم عليه، ويتوب في السر. والأولى: أن يستر على نفسه؛ لقول النبيﷺ-: "من أتى من هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله تعالى؛ فإن من أبدى لنا صفحته؛ أقمنا عليه حد الله". فإن أظهره حتى أقيم عليه الحد، جاز؛ كما فعل ماعز والغامدية، أقرا على أنفسهما بالزنا؛ حتى أقام النبيﷺ- عليهما الحد.
وإن كان قد ظهر ذلك منه؛ فيحتاج إلى أن يذهب إلى الإمام؛ حتى يقيم عليه الحد؛ لأنه إذا ظهر، فلا معنى للستر.
فأما التوبة في الظاهر: فهي التي يتعلق بها قبول الشهادة، وعود الولاية؛ فينظر في المعصية: فإن كانت فعلًا؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر- فالتوبة عنها تكون بالفعل؛ وهو أن يصلح عمله مدة، وينتقل من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ
[ ٨ / ٢٧٨ ]
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩].
ولا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال؛ حتى تقبل شهادته، وتعود ولايته وقدر أصحابنا تلك المدة بسنة؛ حتى تمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الأحوال والطباع؛ كما يضرب للعنين أجل سنة. وقد علق الشرع أحكامًا بالسنة من الزكاة، والجزية، والعقل.
وإن كانت المعصية بالقول: فإن كانت ردة، فالتوبة عنها أن يظهر الشهادتين، وإن كان قذفًا: قال الشافعي ﵁: فالتوبة منه إكذابه نفسه؛ فاختلف أصحابنا فيه.
قال الإصطخري: يقول: كذبت فيما قلت: ولا أعود إلى مثله.
وقال أبو إسحاق: لا يقول: كذبت؛ لأنه ربما يكون صادقًا، بل يقول: القذف باطل، ندمت على ما قلت، رجعت عنه؛ فلا أعود إليه. فلا بد من إصلاح العمل من بعد، ومضي المدة؛ كما ذكرنا في الفسق بسبب الزنا والسرقة.
فأما شهود الزنا إذا لم يتموا أربعة: فإن قلنا: لا حد عليهم، فلا حاجة إلى التوبة. وإن قلنا: يجب عليهم الحد، فالتوبة أن يقول: ندمت على ما قلت، ولا أعود إلى مثله، ولا يشترط فيه مضي المدة لإصلاح العمل، لأن عمر﵁- كان يقول لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك. ولم يذكر إصلاح العمل؛ بخلاف القذف الصريح؛ فإن هناك سقطت شهادته بالنص؛ فلزم إصلاح العمل بالنص.
والشاهد على الزنا إن لم يتب، فخبره مقبول وإن لم تقبل شهادته؛ فإن أبا بكرة مقبول الرواية بالاتفاق.
والقاذف ترد شهادته بمجرد القذف؛ سواء قذف محصنًا، أو غير محصن؛ حرًا أو
[ ٨ / ٢٧٩ ]
عبدًا؛ حتى لو قذف عبدًا لنفسه ترد شهادته، وإن لم يجب الحد، وإذا تاب، وحسنت حالته، تقبل شهادته؛ سواء كان بعد إقامة الحد عليه، أو قبله.
وقال أبو حنيفة: لا ترد شهادته بنفس القذف؛ حتى يحد، وإذا حد فلا تقبل شهادته بعده أبدًا، وإن تاب والآية حجة عليه، لأن الله- تعالى- رتب على القذف ثلاثة أحكام: الحد ورد الشهادة، والتفسيق. ثم وجوب الحد يتعقب القذف، فكذلك رد الشهادة، والتفسيق. ثم بعد ما حكم برد الشهادة، استثنى التائب؛ فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] دل على أن شهادته بعد التوبة مقبولة.
وتقبل شهادة المحدود بعد التوبة في جنس ما حد فيه.
وعند مالك: لا تقبل.
[ ٨ / ٢٨٢ ]
ومن شهد بالزور فسق، وردت شهادته؛ لأنها من جملة الكبائر.
[ ٨ / ٢٨٣ ]
روي عن خريم بن فاتك قال: صلى بنا رسول اللهﷺ- صلاة الصبح فلما انصرف قام فقال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله" ثلاث مرات، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣.]، وإنما يثبت كونه شاهد زور بإقراره، أو ببينة تشهد أنه شاهد زور، أو شهد بما يقطع بكذبه.
فإن كان شهد على رجل؛ أنه قتل فلانًا، أو زنا بامرأة في موضع كذا، في وقت معين؛ فثبت أن المشهود عليه كان في ذلك الوقت ببلد آخر.
أما إذا شهد بشيء أخطأ فيه لم يكن شاهد زور، أو شهد لرجل بشيء، وشهد به آخر لغيره- لم يكن شاهد زور؛ لأنه ليس أحدهما بأولى بالتكذيب من الآخر.
وإذا ثبت أنه شاهد زور: فإن رأى الإمام تعزيره بالضرب، والحبس فعل، وإن رأى أن يشهر أمره في سوقه ومصلاه وقبيلته، نادى عليه أنه شاهد زور؛ فاعرفوه؛ حتى ينزجر، ويعتبر به غيره- فعل.
[ ٨ / ٢٨٤ ]
قال النبيﷺ-: "اذكروا الفاسق بما فيه؛ يحذره الناس".
وإذا تاب شاهد الزور، يخبر حاله؛ كسائر الفسقة إذا تابوا؛ فبعد مضي سنة على الصلاح، تقبل شهادته في غير هذا الحكم، ولا تقبل في هذا الحكم، وإن كانوا غالطين في الشهادة، فلا حاجة إلى الاختبار وتقبل شهادته في غير هذا الحكم ولا تقبل في هذا الحكم.
ولو شهدوا عند القاضي؛ فقبل القضاء جاءوا، وقالوا: توقف في القضاء؛ حتى نتثبت في شهادتنا؛ فتوقف القاضي، ثم عادوا فقالوا: تثبتنا؛ فاحكم- هل يحكم القاضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحكم؛ لأنهم لم يرجعوا عن الشهادة.
والثاني: لا يحكم؛ لأنه وقع ريبة في شهادتهم.
فصل في شهادة من ليس أهلًا للشهادة إذا صار أهلًا لها
إذا شهد عند القاضي عبد، أو مكاتب، أو صبي، أو كافر- لا يصغي إلى شهادته. فإذا لم يعلم حالهم؛ فسمع شهادتهم، ثم علم؛ فردها، ثم عتق العبد والمكاتب، وبلغ الصبي، وأسلم الكافر وأعادوا تلك الشهادة- تقبل.
أما إذا شهد فاسق؛ فردت شهادته؛ لفسقه ثم تاب، وحسنت حالته، فأعاد تلك الشهادة- لا تقبل.
وقال المزني وأبو ثور- رحمهما الله-: تقبل؛ كما تقبل من الصبي إذا بلغ، ومن الكافر إذا أسلم.
قلنا: فرق بينهما من حيث إن الفاسق يستنكف من فسقه، ويلحقه عار برد شهادته؛ فهو في إعادة تلك الشهادة متهم بدفع ذلك العار عن نفسه، والشهادة ترد للتهمة.
أما الصبي والعبد لا عار عليهما في رد شهادتهما، والكافر يفتخر بكفره؛ فلا يلحقه عار برد شهادته؛ فلا يكون متهمًا في الإعادة.
[ ٨ / ٢٨٥ ]
ولو شهد السيد لمكاتبه بمال، أو لعبده بنكاح؛ فردت شهادته، ثم أعادها بعد العتق- هل تقبل؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا تقبل؛ لأن رد شهادته للتهمة؛ فلا تقبل إذا أعاد بعد زوال التهمة؛ كالفاسق إذا تاب.
والثاني: تقبل؛ لأنه لم يكن عليه في رده عار، فلا يكون متهمًا في الإعادة.
أما المكاتب إذا شهد لسيده؛ فردت شهادته، ثم عتق؛ فأعاد- تقبل؛ ولو ردت شهادته؛ لعداوة بينه وبين المشهود عليه، ثم حسن الحال بينهما؛ فأعادها- هل تقبل؟ فعلى وجهين:
الأصح: لا تقبل.
وكذلك لو بيع شقص له ثلاث شفعاء؛ فشهد اثنان على عفو الثالث قبل أن يعفوا- لا تقبل شهادتهما. فلو عفوا، وأعاداها، هل تقبل؟ فيه وجهان:
الأصح: لا تقبل.
ولو شهد رجل قبل الاستشهاد؛ حيث لا تقبل شهادة الحسبة- لا تقبل، وهل يصير مجروحًا؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: يصير مجروحًا؛ فلا يشترط استبراء الحال؛ حتى لو شهد في حادثة أخرى يسمع؛ فلو أعاد تلك الشهادة في غير ذلك المجلس، تقبل؛ لأنه لا يلحقه بعدم القبول عار يكون متهمًا في الإعادة.
وإن قلنا: لا يصير مجروحًا؛ فلو أعاد في ذلك المجلس، تقبل.
ولو شهد لأبيه، ولأجنبي بشيء، لا تقبل لأبيه، وهل تقبل للأجنبي؟ فيه قولان.
فصل
إذا مات رجل عن ابنين: أقر أحدهما بدين على الميت، وأنكر الآخر- يجب على المقر نصف ذلك الدين إذا لم يكن النصف أكثر من نصيبه؛ لأنه أقر به في جميع التركة، وليس في يده إلا نصف التركة؛ فيلزمه بنسبة نصيبه نصيبه؛ [لأنه أقر في جميع نصيبه].
[ ٨ / ٢٨٦ ]
وإن كانوا ثلاثة، وأقر واحد، يلزمه الثلث.
وحكى بعض أصحابنا قولًا عن القديم؛ وهو قول أبي حنيفة: يلزمه جميع المقر به، إلا أن يكون أكثر من حصته من التركة فلا يلزمه الزيادة؛ لأن الدين مقدم على الميراث؛ وهو مقر أنه لا يحل له شيء من التركة ما دام على الميت دين.
ولو شهد واحد من الورثة بدين على الميت، هل يقبل أم لا؟ سواء شهد بعد الإقرار أو قبله؟
فإن قلنا: لا يلزمه بالإقرار إلا بقدر حصته من التركة يقبل؛ لأنه لم يجر إلى نفسه نفعًا بهذه الشهادة.
ثم إن شهد اثنان من الورثة، يثت الدين كله. وإن شهد واحد، حلف المقر له معه، ويثبت الكل.
وإن قلنا: يلزمه بالإقرار جميع الدين، لا تقبل شهادته؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط بعض الدين عن نفسه، وإن شهد واحد منهم وهو فاسق، فهو كالإقرار عند أبي حنيفة.
إن شهد واحد منهم بعد الإقرار، لا يقبل، لأجل التهمة، وإن شهد قبله يقبل.
فإن قلنا: لا يلزمه إلا بقدر حصته، فلو مات الابن المنكر، وهذا المقر وارثه، وعاد جميع التركة إليه- هل يلزمه جميع المقر به؟ فيه وجهان:
الأصح- وهو المذهب-: يلزمه؛ لأن جميع التركة في يده.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه ورث بعض التركة من منكر.
والأول المذهب؛ كما لو ادعى على رجل دينًا فأنكر، ثم مات فأقر به وارثه- يلزمه؛ لأن التركة في يده، وقد أقر بها.
ولو أقر أحد الابنين؛ أن أبانا أوصى لفلان بكذا، وأنكر الآخر- لا يخلو؛ إما إن كانت الوصية مرسلة أو بجزء شائع، أو بمتاع بعينه: فإن كانت الوصية مرسلة، فهو كالدين لا يلزمه إلا نصف المقر به، إذا لم يكن أكثر من ثلث نصيبه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب.
وما حكي عن القديم: يلزمه جميع الموصى به إذا لم يكن أكثر من ثلث نصيبه. ففي الجديد وهو المذهب، وعلى ما حكي عن القديم: يتعلق نصف المقر به بثلث نصيبه.
[ ٨ / ٢٨٧ ]
وفي القديم: يتعلق كل المقر به بثلث نصيبه، مثل: إن كانت التركة ثلاثة آلاف، أخذ كل واحد ألفًا وخمسمائة، أقر أحدهما أنه أوصى لإنسان بخمسمائة: ففي الجديد: يلزمه مائتان وخمسون.
وفي القديم: يلزمه خمسمائة، وإن أقر أنه أوصى بألف، يلزمه خمسمائة، على القولين جميعًا.
وإن أقر أحدهما أنه أوصى لفلان بجزء شائع: فإن قال: أوصى له بثلث ماله، أو بربع ماله، وأنكر الآخر- يجب على المقر أن يدفع إليه ثلث حصته، أو ربع حصته.
فإن شهد أحد الاثنين، أن الأب أوصى له بثلث ماله، حلف معه الموصى له، وأخذ ثلث جميع التركة.
ولو أقر أحدهما أن الأب أوصى له بعين أشار إليها، وكذبه الآخر- نظر: إن كان قبل قسمة التركة، يسلم إلى المقر له حصة المقر من تلك العين، والباقي للمنكر، ثم للمقر له أن يدعي على المنكر، ويحلفه.
وإن كان بعد القسمة؛ نظر: إن كانت العين كلها في يد المقر، عليه تسليمها إلى المقر له ولا شيء له على الآخر، وإن كانت في يد المنكر، فعلى المقر نصف قيمة العين للمقر له.
ولو شهد أحدهما؛ بأن العين التي في يد أخي ملك لفلان، وحلف الموصى له معه- سلمت العين إليه، ورجع المشهود عليه على الذي شهد بنصف قيمتها؛ حتى يستويا في التركة.
باب الشهادة على الشهادة
يجوز الشهادة على الشهادة في غير العقوبات؛ لأن الحق يثبت تارة بالإقرار، وتارة بالشهادة، ثم الشهادة على الإقرار مقبولة، وكذلك على الشهادة؛ وسواء فيه الحقوق المالية وغير المالية؛ كالنكاح وغيره وسواء فيه حقوق الله- تعالى- كالزكوات، ووقف المسجد، أو حقوق العباد.
[ ٨ / ٢٨٨ ]
أما العقوبات: فإن كانت من حدود الله- تعالى- كحد الزنا، والشرب، وقطع السرقة، وحد قاطع الطريق- هل تثبت بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان:
أحدهما: تثبت؛ لأن ما يثبت بالشهادة يثبت بالشهادة على الشهادة؛ كالأموال.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: لا يثبت؛ لأن الشهادة على الشهادة لتأكيد الوثيقة؛ ليتوصل بها إلى إثبات الحق، والعقوبات يحتاط لدرئها، وإسقاطها.
وإن كانت من حقوق العباد؛ كالقصاص وحد القذف- فالمذهب: أنه يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق والشدة.
وخرج [ابن الحداد] قولًا من حدود الله- تعالى- أنه لا يثبت؛ لأنه مما يندرئ بالشبهة، وما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، وما لا يثبت بالشهادة على الشهادة لا يثبت بكتاب القاضي، لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي؛ كما يتحمل شاهد الفرع من شاهد الأصل، وإنما تقبل شهادة شهود الفرع عند تعذر الوصول إلى شهود الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة إلى مسافة القصر.
[ ٨ / ٢٩٠ ]
فإن كان شاهد الأصل على مسافة دون مسافة القصر- نظر: إن كان على مسافة لو خرج بكرة وأدى الشهادة يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل؛ فلا تقبل شهادة شهود الفرع. وإن كان لا يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل، فعلى وجهين:
ولا يصح تحمل الشهادة على الشهادة؛ حتى يشهد شاهد الأصل عنده، ويشهد على شهادته ويسترعيه فيقول: اشهد على شهادتي؛ فلو سمع رجلًا يقول: لفلان على [فلان] كذا، لا يجوز أن يشهد على قوله؛ لأنه قد يقول ذلك عن عدة وعدها لفلان؛ خلاف ما لو سمع رجلًا يقر على نفسه، فيقول: لفلان على كذا، يجوز أن يشهد على إقراره؛ لأن المقر يوجب الحق على نفسه، فالظاهر أنه لا يقر على نفسه إلا عن صدق.
وقد يحكي عن الغير لا عن يقين، ولأن الشهادة آكد من الإقرار؛ لأنه يعتبر فيها العدالة، ولا يشترط في الإقرار العدالة؛ فيجب أن يقول شاهد الأصل: أشهد أن لفلان على فلان كذا، ويبين سببه فيقول: له على فلان ألف درهم من قرض، أو بدل إتلاف، أو ثمن متاع، فاشهد أنت على شهادتي، أو اشهد بما شهدت؛ حتى لو لم يقل: فاشهد أنت به، لا يجوز أن يشهد.
ولو قال: اشهد به، ولم يقل: على شهادتي، أو بما شهدت به- لا يجوز أن يشهد؛ لأنه ما لم يسترعه لا يتحقق الوجوب.
فلو أشهد على شهادته رجلًا على هذا الشرط؛ فسمعه رجل، جاز أن يشهد على شهادته؛ لأن الإشهاد إذا صح في حق واحد تحقق الوجوب؛ فجاز لكل من سمع أن يشهد.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز ما لم يشهده بعينه وكذلك عندنا: لو شهد رجل عند القاضي أن لفلان على فلان كذا، فسمعه [القاضي] وجماعة، لم يقض به؛ حتى عزل- جاز لتلك الجماعة أن يشهدوا على شهادته، وإن لم يقل لهم: اشهدوا على شهادتي.
وكذلك يجوز للقاضي أن يشهد عند قاض آخر، لأن وجوب الحق قد تحقق بأداء الشهادة عند القاضي.
وكذلك لو شهد عند المحكم؛ سواء جوزنا التحكيم، أو لم نجوز- فيجوز لمن سمع أن يشهد على شهادته.
وقال الإصطخري: عندي المحكم إنما يجوز على قول جواز التحكيم؛ فأما [على]
[ ٨ / ٢٩١ ]
القول الآخر فلا يجوز.
وقال الشيخ القفال﵀-: إذا قال شاهد الأصل: أشهدتك على شهادتي أن فلانًا أقر لفلان بكذا، أو قال: اشهد على شهادتي؛ أن لفلان على فلان كذا- يكفي هذا القدر للتحمل.
وإذا أراد شاهد الفرع أداء الشهادة، أداها على الصفة التي تحمل، فإن أشهده شاهد الأصل، واسترعاه. قال: اشهد أن فلانًا شهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وإن سمعه [شهد] عند الحاكم يقول: اشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا.
ويستحب للقاضي أن يسأل شاهد الفرع؛ بأي سبب ثبت هذا المال هل أخبرك به شاهد الأصل؟ ولو لم يسأل جاز.
ولا تقبل في الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء. وإن كان شاهد الأصل امرأة، وكانت شهادتها على مال أو رضاع؛ لأن شاهد الفرع يثبت بشهادة شاهد الأصل، وليس ذلك بمال، ولا المقصود منه المال؛ وهو مما يطلع عليه الرجال.
ويجوز تحمل الشهادة على الشهادة من الفاسق، والصبي، والعبد، والأخرس؛ كتحمل شهادة الأصل؛ ثم الأداء لا يصح إلا بعد البلوغ، والتوبة، والعتق، وزوال الخرس.
أما إذا كان الأصل يوم يشهدهم فاسقًا، أو صبيًا، أو عبدًا، أو كافرًا- لا يصح التحمل؛ لأنهم ليسوا من أهل الشهادة بأن تقبل شهادتهم.
ولو كان عدلًا يوم التحمل؛ ففسق، أو ارتد أو صار عدوًا.
نظر: إن أدى شاهد الفرع شهادته في حال فسق الأصل، أو ردته- لم يقبل، وإن أدى بعد توبته تقبل، وإن حدثت هذه المعاني بعد أداء الشهادة قبل القضاء، لا يقضي.
قال شيخنا الإمام﵀-: وإن أدى في حال جنون الأصل، أو بعد ما عمي تقبل، كما لو أدى بعد موت الأصل؛ وكما يجوز القضاء بعد جنون الشهود.
ولو شهد شهود الفرع ي حال غيبة شهود الأصل، ثم حضر شهود الأصل؛ فإن كان بعد القضاء لا ينقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي إلا بشهادة شاهد الأصل؛ لأن شهادة
[ ٨ / ٢٩٢ ]
شاهد الفرع بدل له لا حكم له بعد وجود الأصل؛ كالمتيمم يجد الماء قبل الشروع في الصلاة، لا يجوز أن يصلي بالتيمم.
وكذلك لو كذب شهود الأصل شهود الفرع، أو رجع بعد القضاء- لا تنقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي؛ ولا تقبل الشهادة على الشهادة؛ حتى يسمي شاهد الفرع شاهد الأصل بما يعرف به؛ لأن عدالته شرط، فإذا لم يعرف لم يعلم عدالته. فإن قال شهود الفرع: تشهد على شهادة عدلين، ولم يسموهما، لم يحكم؛ لأنه يجوز أن يكونوا عدولًا عندهم غير عدول عند الحاكم. ولا يحتاج شاهد الفرع في أداء الشهادة إلى تعديل شاهد الأصل، بل يطلق الشهادة، ثم القاضي يبحث عن عدالته.
وعند أبي حنيفة: يشترط أن يعدل شاهد الفرع شاهد الأصل.
وعندنا: لو عدله جاز، ولو كان شهود الفرع مزكين صح تعديلهم، ولا يحتاج إلى إعادة التعديل؛ على ظاهر المذهب؛ وإن لم يكونوا مزكين لا يعتبر تعديلهم، ويعاد.
فإن قيل: إذا شهد شاهدان على حكم، وكان أحدهما مزكيًا فزكى الآخر قلتم: لا يجوز، وهاهنا جوزتم تعديل شاهد الفرع شاهد الأصل؟
قلنا: قد قيل: فيهما وجهان، والصحيح هو الفرع بينهما؛ وذلك أن أحد الشاهدين قام بأحد شطري الشهادة؛ فيزكيه الشاهد الآخر قيامًا بالشطر الثاني؛ فلم يجز؛ ولذلك لا يجوز إلا أنيكون على شهادة كل أصل شاهدان آخران.
أما تزكية شاهد الفرع شاهد الأصل من تتمة شهادته؛ حتى قال بعض أصحابنا: لا تقبل شهادة شاهد الفرع؛ حتى يزكي شاهد الأصل في شهادته.
فصل في عدد شهود الفرع
العدد شرط في شهود الفرع؛ فإن كان شهود الأصل اثنين، وشهد على شهادة كل واحد منهما رجلان عدلان سوى من شهد على الآخر- جاز. وإن شهد واح على شهادة أحدهما، وشهد آخر على شهادة الآخر، لم تثبت؛ لأنه لم يشهد على شهادة كل واحد إلا واحد.
وإن شهد عدلان على شهادة أحدهما، ثم هما شهدا على شهادة الآخر- ففيه قولان: أصحهما- وهو اختيار المزني، وقوله الجديد-: لا يجوز؛ حتى يشهد على شهادة كل أصلي شادان آخران؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين كانا كشاهد واحد، يثبت بشهادته أحد الشطرين، فلا يثبت به شيء من الشطر الآخر؛ كمن شهد على شيء، ثم أعاد
[ ٨ / ٢٩٣ ]
الشهادة، لا تجعل كما لو شهد اثنان.
وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يجوز؛ لأ، هـ إثبات قول اثنين، فيجوز بشاهدين؛ مكا لو شهد على إقرار رجلين.
والأول أصح؛ لأنه يشترط أن يكون على شهادة كل واحد شاهدان؛ فعلى هذا: لو شهد أربعة على شهادة أحدهما، ثم هؤلاء الأربعة شهدوا على شهادة الآخر- هل يثبت؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأنه وجد بعدد كل أصلي رجلان.
والثاني: لا يثبت؛ لأن جميع هؤلاء الأربعة قاموا بأحد شطري الشهادة؛ فلا يثبت بهم الشطر الثاني.
ولو أقام شاهدين على شهادة شاهدين، وقلنا: لا تثبت، فله أن يحسب عن أيهما شاء؛ فيكون كما لو أقام شاهدًا، وحلف معه؛ فيثبت المال.
ولو كان شهود الأصل رجل وامرأتان، فلا تثبت شهاتهم إلا بستة على شهادة كل واحد منهم عدلان؛ على القول الأصح.
والثاني: يكتفي باثنين على شهادة الكل.
وإإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الولادة، والرضاع- فعلى القول الجديد: لا يثبت إلا بشهادة ثمانية، يشهد كل اثنين على شهادة واحدة منهن.
وعلى القول الآخر: يثبت بشهادة عدلين، يشهدان على شهادة الكل.
أما الزنا: إذا قلنا: يجوز إثباته بالشهادة على الشهادة، فإن كان شهود الأصل أربعة، فلم يشترط عدد شهود الفرع؟ إن قلنا- بقوله القديم-: إنه يقبل على شهادة الألين شاهدين- فهذا يبنى على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين؟ وفيه قولان. ووجه الشبه بينهما: أن هذه شهادة على قول يثبت به الزنا، ليست على فعل الزنا. فإن قلنا: يثبت الإقرار بشهادة رجلين، فهاهنا يكتفي برجلين يشهدان على شهادة الكل. وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فهاهنا لا يكتفي إلا بأربعة يشهدون على شهادة الكل.
وإن قلنا بقوله الجديد: إنه يشترط على شهادة كل أصل شاهدان- فهذا يبنى على ما ذكرنا.
إن قلنا: يثبت الإقرار بالزنا بشهادة رجلين، فيشترط هاهنا ثمانية رجال على شهادة كل أصلي شاهدان.
[ ٨ / ٢٩٤ ]
وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فيشترط ستة عشر رجلًا على شهادة كل أصلي أربعة.
ولو شهد أحد الأصلين، ثم جاء هو مع فرعين، وشهدا على شهادة الأصلي الآخر- لا يثبت بالاتفاق، ويجوز لشهود الفرع أن يشهدوا على شهادتهم، ولشهود فرع الفرع كذلك، وإن بعدوا وكل واحد يشهد غير من أشهده الآخرز
ولا تثبت شهادة كل واحد من شهود فرع الفرع إلا برجلين؛ على القول الأصح؛ حتى لا يثبت الأصليان إلا بأربعة، ولا يثبت الأربعة الفرعيون إلا بمثمانية، ولا يثبت الثمانية إلا بستة عشر. والله أعلم.
باب الشهادة على الحدود
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
لا يثبت الزنا إلا بأربعة من الشهود ذكور، ويجب أن يصفوا الزنا؛ فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة.
ولو شهدوا مطلقًا أنه زنى لا يثبت؛ لأنهم ربما يرون المفاخذة، والاستمناء زنًا، وإذا لم يفسروا عليهم حد القذف.
وإذا أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يفسر؛ حتى يقبل إقراره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ كالبينة.
والثاني: لا يشترط؛ كما لو قذف إنسانًا يحد، ولا يطلب التفسير.
ويجب أن يتبينوا أنه زنى بامرأة أجنبية؛ لأنهم قد يرون إتيان البهيمة زنا، وقد يكون المفعول بها جارية مشتركة بينه وبين غيره، وجارية ابنه، ويجب أن يتفقوا على مكان واحد.
ولو شهدوا أنه زنى بها في بيت واحد وعين كل واحد زاوية في البيت غير ما عينها الآخر، لا يثبت الزنا على المشهود عليه؛ وهل يجب على الشهود حد القذف؟ فيه قولان.
[وكذلك إذا شهد أقل من أربعة، فهل عليهم حد القذف؟ فيه قولان:].
[ ٨ / ٢٩٥ ]
أصحهما- وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليهم الحد.
وكذلك لو شهد اثنان أنه زنى بـ"البصرة"، وآخران أنه زنا بـ"الكوفة"-لا يجب الحد على المشهود عليه؛ وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فيه قولان:
وعند أبي حنيفة هاهنا: لا يحد الشهود مع قوله: إن الشهود إذا انتقص عددهم يحدون. وقال في شهود الزوايا: القياس أنهم قذفة يحدون، لكن استحسن؛ فأرجمهما.
قال الشافعي: وأي استحسان في سفك دم امرأين مسلمين.
فلو شهد ثلاثة بالزنا وفسروه، وشهد الرابع ولم يذكر الزنا، بل فسره بما لا يكون زنا؛ كقوله: رأيت نفسًا يعلو وإستا [ينبو]- فلا حد على المشهود عليه، ولا يجب حد القذف على الرابع، وفي الثلاثة قولان:
ولو شهد أربعة على الزنا، ثم فسره ثلاثة بالزنا، وفسره الرابع بما ليس بزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه، ويجب حد القذف على الرابع قولًا واحدًا، لأنه قذفه بالزنا؛ وهل يجب حد القذف على الثلاثة؟ فيه قولان:
ولو شهد أربعة بالزنا، ومات واحد منهم قبل أن يفسر، وفسره الآخرون بالزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه؛ لجواز أن يكون الرابع يفسر بما ليس بزنا، ولا يجب حد القذف على الثلاثة؛ لجواز أن يكون الرابع يفسره بالزنا؛ فيسقط الحدان بالشبهة.
ومن أقر بين يدي الحاكم بما يوجب عقوبة لله تعالى، أو ادعى عليه العقوبة- يجوز للحاكم أن يعرض له بالرجوع، ويلقنه ما يوجب سقوط [العقوبة] فيقول في الزنا: لعلك فاخذت أو لمست؛ فإن النبيﷺ- قال لماعز: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت"، ويقول في شرب الخمر: لعل ما شربته لم يكن مسكرًا، أو لعلك لم تعلم كونه مسكرًا.
وفي السرقة يقول: لعلك غصبت، أو أخذت من غير حرز أو أخذت بإذن المالك؛ كما قال النبيﷺ- للسارق: "لا إخالك سرقت".
فإن قيل: إذا ثبت هذا التعريض بالحديث، فهلا قلتم: إنه يستحب؟
وقال الشافعي﵀-: لا بأس به. فجعله مباحًا.
قلنا: بل هو مباح، والإمام فيه مخير؛ لأن النبيﷺ- قد فعله، وتركه كان أكثر،
[ ٨ / ٢٩٦ ]
ولو كان مستحبًا ما تركه.
وقيل: يستحب، وجعله مباحًا؛ لأن كل مستحب مباح.
وأما في حقوق العباد: فلا يجوز أن يلقنه ما يسقط، سواء كان مالًا، أو عقوبة؛ مثل: القصاص، وحد القذف، وفي السرقة لا يعرض له بما يسقط المال، إنما يلقنه ما يسقط القطع، لأن حقوق الله مبناها على المساهلة، ولذلك يستحب فيه الستر، وفي حقوق العباد يجب الإظهار.
قال النبيﷺ- لرجل من أسلم يقال له: هزال: "يا هزال لو سترته بردائك؛ لكان خيرًا لك".
وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالتوق في حدود الله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه يورث قدحًا في الشهود.
والثاني: يجوز، فإن عمر﵁- عرض لزياد في الشهادة على المغيرة، فقال: إني لأرجو ألا يفضح الله على لسانك أحدًا من أصحاب النبيﷺ- وكما يجوز أن يعرض للمقر بالتوقف.
فصل فيما يطرأ على الشهود بعد الشهادة
إذا شهد الشهود على إنسان بحق من: حد أو غيره، ثم مات الشهود قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم، وإن كان قبل التعديل يعدلهم بعد الموت؛ فإن عدلوا، حكم بشهادتهم.
وكذلك لو غاب الشهود، أو عموا، أو خرسوا، أو جنوا قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم إذا ثبت عندهم عدالتهم حالة الشهادة، وإن كان التعديل بعد حدوث هذه المعاني.
أما إذا فسق الشهود بعد الشهادة قبل الحكم، أو ارتدوا، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق يوقع ريبة في شهادتهم المتقدمة؛ من حيث إن الناس يستبطنون الفسق، فإذا ظهر ذلك الفسق، لا يؤمن أن ذلك فيهم حالة الشهادة، فلم يجز ذلك الحكم؛ بخلاف الموت، والعمى.
[ ٨ / ٢٩٧ ]
وكذلك لو قذف المشهود عليه الشاهدين بعد الشهادة قب الحكم لا تسقط شهادتهما، ويحكم بها؛ لأن العداوة أمر حدث بعد الشهادة؛ فلا يورث ريبة فيما مضى؛ لأن العداوة لا تستبطن؛ فلم تمنع الحكم.
أما إذا فسقوا بعد القضاء، أو ارتدوا، فلا ينقض القضاء؛ كما لو تغير- اجتهاد القاضي قبل الحكم لا يحكم، ولو تغير بعد القضاء لا ينقض. وكذلك لو رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم، ولو رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، لا ينقض الحكم. ويأتي الكلام في الغرم.
وإن رجعوا بعد الحكم قبل الاستيفاء؛ نظر: إن كان حدًا لله- تعالى- فلا يجوز الاستيفاء؛ لأنه يسقط بالشبهة رجوعهم عن الشهادة؛ فوقع شبهة فيه. وإن كان مالًا أو عقدًا، ففيه وجهان:
أصحهما- وهو المنصوص-: أنه يستوفى؛ لأن الشبهة لا تؤثر فيه، وقد نفذ الحكم به؛ فلا يرد.
والثاني: لا يستوفي؛ لأن الرجوع حصل قبل استقرار الحكم.
وإن كان عقوبة للعباد؛ مثل: القصاص، وحد القذف: فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: لا يستوفي؛ لأنه يدرأ بالشبهة؛ كحدود الله تعالى.
والثاني: حكمه حكم المال؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق.
وقيل في النكاح: هل يسلم حكمه حكم القذف والقصاص، ولو فسق الشهود أو ارتدوا بعد الحكم قبل الاستيفاء، حكمه حكم الرجوع.
فصل في اختلاف الشهود
لا تثبت السرقة إلا بشاهدين.
ويجب بيان قدر المال في الشهادة، ووصف الحرز وتسمية المسروق منه.
ويشترط اتفاق الشادين في الشهادة، فلو شهد أحد الشاهدين؛ أنه سرق من فلان كذا، ووصفه غدوة، وشهد الآخر؛ أنه سرق ذلك الشيء بعينه عشية- لا يثبت به القطع، ويحلف المدعي مع أحد الشاهدين، ويأخذ الغرم؛ لأن المال يثبت بشاهد ويمين.
أما إذا شهد الشاهدان أنه سرق ثوبًا أو كبشًا؛ صفته كذا غدوة، وشهد آخر؛ أنه شهد ذلك الثوب، أو الكبش بعينه عشية- فقد تعارضت البينتان؛ فلا يحكم بواحد منهما؛ بخلاف
[ ٨ / ٢٩٨ ]
المسألة الأولى؛ لأن هناك لم يقع التعارض في الحجة؛ لأن الشاهد الواحد لا يكون حجة ما لم تنضم إليه اليمين، وهاهنا تعارضت الحجتان؛ فسقطتا.
أما إذا كان لم يعينا الكيس، بل شهد أحدهما؛ أنه سرق كبشًا غدوة، وشهد الآخر؛ أنه سرق كبشًا عشية، أو شهد أحدهما؛ أنه سرق ثوبًا أبيض، وشهد الآخر؛ أنه سرق ثوبًا أسود- فلا قطع، وللمدعي أن يحلف مع أيهما شاء وأخذ الغرم. وإن ادعاهما جميعًا، حلف مع كل واحد منهما، وحكم له بهما.
أما إذا شهد شاهدان؛ أنه سرق كبشًا غدوة وشهد آخران؛ أنه سرق كبشًا عشية- وجب القطع، والغرم فيهما، لأنهما سرقتان كملت حجة كل واحد منهما.
ولو شهد أحد الشاهدين؛ أنه سرق ثوبًا قيمته ربع دينار، وشهد آخر؛ أنه سرق ذلك الثوب بعينه، وقيمته ثمن دينار- يثبت الأقل؛ لاتفاقهما عليه، ويحلف مع الآخر على الزيادة؛ كما لو شهد أحدهما؛ أنه سرق ربع دينار، وشهد الآخر؛ أنه سرق ثمن دينار- يثبت الأقل، ولا يجب القطع.
أما إذا شهد شاهدان؛ أنه سرق ثوبًا قيمته ربع دينار، أو أتف ثوبًا قيمته ربع دينار، وشهد آخر؛ أن قيمته ثمن دينار- يثبت الأقل عندنا أيضًا؛ لاتفاق الشهود عليه، ووقع التعارض في الزيادة.
وعند أبي حنيفة: يحكم بالأكثر.
وبالاتفاق: لا يجب القطع؛ وبمثله: لو شهد شاهدان؛ أنه سرق قطعة ذهب، وزنها ربع دينار، وشهد آخران؛ أن وزنها ثمن دينار- يثبت الأكثر بالاتفاق؛ لأن عند من شهد بالأكثر زيادة علم، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن اختلافهما ثم في القيمة، وهي بالاجتهاد، وقد يعلم شاهد الأقل به عيبًا ينتقص قيمته؛ ولا يجب القطع بالشبهة. والله أعلم.
باب الرجوع عن الشهادة
إذا شهد الشهود بحق، ثم رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، أو بعد الحكم قبل الاستيفاء، وقلنأ: يستوفي- هل يجب الغرم على الشهود أم لا؟
لا يخلو: إما إن كان شيئًا لا يمكن تداركه، أو يمكن؛ فإن لم يمكن تداركه؛ مثل: أن يشهدوا بقتل، أو قطع، فاستوفي، أو بجلد؛ فجلد؛ فمات فيه المشهود عليه، ثم رجع
[ ٨ / ٢٩٩ ]
الشهود وقالوا: تعدمنا- يجب عليهم القصاص، أو الدية؛ على ما ذكرنا في "كتاب الحدود".
وإن شهدوا على غير عقوبة مما لا يمكن تداركه؛ مثل: أن شهدوا على عتق عبد أو طلاق بائن من خلع، أو ثلاث طلقات، أو لعان، أو رضاع، أو غير ذلك من أنواع الفرقة، ثم رجعوا بعد الحكم- لا يرد العتق ولا الفراق؛ لأن القضاء مضى بالاجتهاد، ولا يتحقق صدقهم في قولهم: إنا كذبنا؛ فلا يرد القضاء بقول محتمل، ويجب على الشهود قيمة العبد في العتق، والمهر في فراق النكاح بطلاق، أو رضاع، أو غيرهما؛ سواء كان قبل الدخول، أو بعده.
وعند أبي حنيفة: لا شيء على الشهود إن كان بعد الدخول؛ فيقول: قد وقعت الحيلولة بين الرجل وبين زوجته بشهادته؛ فإذا رجع عنها، يجب الغرم؛ كما لو كان قبل الدخول.
ثم عندنا: إن كان بعد الدخول، يجب على الشهود كمال مهر المثل. وإن كان قبل الدخول، نقل المزني: أنه يجب على الشهود كمال مهر المثل. ونقل الربيع: أنه يجب عليهم نصف مهر المثل؛ فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: في المسألة قولان:
أحدهما: يجب عليهم نصف مهر المثل؛ لأن الزوج لم يغرم لها إلا نصف المهر، وقد عاد إليه نصفه؛ ألا ترى أنهما لو شهدا بالإقالة، ثم رجعا، لم يغرما شيئًا؛ لأنهما إن أخرجا السلعة عن ملك المشتري، فقد رد إليه الثمن.
والثاني- وهو الأصح- يجب عليهم كمال مهر المثل؛ لأنهم أتلفوا عليه جميع البضع؛ فيجب عليهم جميع بدله؛ كما في العتق يجب عليهم كمال قيمة العبد.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف الحالين إن كان الزوج قد سلم الصداق إليها، فيرجع على الشهود بجميع مهر المثل؛ لأنه لا يمكنه أن يسترجع شيئًا منها؛ لأن بزعمه أنها زوجته؛ وهي مستحقة جميع الصداق؛ وإن كان قبل التسليم، فلا يرجع إلا بنصف المهر؛ لأنها لا تطالبه إلا بنصف الصداق.
والأصح: أنه يجب على الشهود جميع المهر؛ لأن الاعتبار بما أتلف عليه، لا بما غرم؛ ألا ترى أنه يرجع بمهر المثل، وإن غرم المسمى؛ سواء كان مهر المثل أقل من المسمى، أو أكثر.
ولو أبرأته المرأة عن الصداق، فالزوج يرجع بالمهر على الشهود، وإن لم يغرم شيئًا؛
[ ٨ / ٣٠٠ ]
وكذلك في العتق يرجع بقيمة العبد على الشاهد، وإن كان ملكه بالهبة، أو اشتراه بأقل من قيمته، أو باعه وقد أبرأه عن الثمن.
ولو نكح بلا مهر، ثم شهد الشهود، أنه طلقها قبل الدخول، ورجعوا بعد القضاء- يجب على الزوج المتعة، ولا يجب على الشهود المتعة، بل يجب مهر المثل، أو نصفه أو كله؟ فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
ولو شهدوا أنه أعتق مدبرة، أو مكاتبه، أو المعلق عتقه بالصفة، أو أم ولده، ثم رجعوا بعد الحكم- تجب القيمة على الشهود؛ وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الغرم في أم الولد.
ولو شهدوا على طلاق رجعي، ثم رجعا بعد الحكم فإن لم يراجعها الزوج،، حتى انقضت العدة، يجب المهر على الشهود، فإن راجعها فلا غرم؛ بخلاف ما لو شهدوا على طلاق بائن، ثم نكحها الزوج- لا يسقط الغرم؛ لأن الملك قد زال هناك بشهادتهم.
وغذا رجع شهود الطلاق، وغرموا المهر، ثم قامت بينة على إخوة الرضاع بين الزوجين- يسترد الشهود ما غرموا.
ولو شهدوا على تدبير عبد، واستيلاد جارية، ثم رجعا بعد الحكم- فلا غرم؛ لأن الملك لم يزل به، غلا أن يعتق بموته؛ فيغرمان بالرجوع السابق.
قال الشيخ الإمام: وكذلك لو شهدا على تعليق العتق، أو الطلاق، [ثم رجعا].
ولو شهد شاهدان على تعليق العتق، أو الطلاق بالصفة، وآخران على وجود الصفة، ثم رجعوا بعد الحكم- فالغرم على شهود التعليق؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: عليهما نصفان.
ولو شهدا على وقفية شيء على الفقراء، أو على المساجد، أو شيء من وجوه الخير، ثم رجعا بعد الحكم- لا يرد الحكم؛ كما في العتق، ويجب على الشهود قيمته.
ولو شهدا أنه تزوج امرأة بألف، ثم رجعا بعد الحكم- فلا ضمان عليهما؛ لأن العقد لا يرتفع.
ولو شهدوا أنه أعتق عبده على مال، ثم رجعوا بعد الحكم- عليهم الغرم. فإن كانت
[ ٨ / ٣٠١ ]
قيمة العبد ألفين، وشهدوا أنه اعتقه على ألف، أو مهر المرأة ألفين وشهدوا أنه طلقها على ألف، ثم رجعوا بعد الحكم- لا يجب عليهم الألف؛ لأنه وصل إليه ألف من جهة العبد والمرأة.
ولو شهد على الطلاق، أو العتق رجلان، ثم رجعا- فالغرم عليهما نصفان؛ وإن رجع أحدهما، فعليه نصف الغرم.
ولو شهد ثلاثة فرجعوا، فالغرم عليهم أثلاثًا؛ على كل واحد ثلثه، ولو رجع واحد منهم، فالصحيح من المذهب؛ وهو قول أبي حنيفة: أنه لا غرم على الراجع؛ لأنه قد بقي من يتعلق الحكم بشهادته.
وفيه وجه آخر- وبه قال المزني-: يجب عليه ثلث الغرم.
وإن رجع منهم اثنان، فعلى الصحيح من المذهب: يجب عليهما نصف الغرم؛ لأنه قد بقي هناك من يتعلق بشهادته نصف الغرم.
وعلى قول المزني: يجب عليهما ثلثا الغرم، وقد ذكرناه في "كتاب الحدود".
ولو شهد على الرضاع أربع نسوة، ثم رجعت واحدة منهن- عليها ربع الغرم، وإن رجعن جميعًا، فعليهن جميع الغرم أرباعًا.
ولو شهد عليه رجل وامرأتان؛ فإن رجع الرجل، فعليه نصف الغرم؛ وإن رجعت المرأتان، فعليهما النصف على كل واحد ربعها؛ وإن رجعت واحدة منهما، فعليها الربع.
ولو شهد عليه رجل وأربع نسوة؛ فرجعوا، فيجب على الرجل ثلث الغرم، وعلى النساء الثلثان؛ على كل واحدة سدس الغرم. وإن رجع الرجل وحده، فلا شيء عليه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه قد بقي من يتعلق بشهادتهن الحكم.
وعلى قول المزني: عليه ثلث الغرم.
وإن رجعت امرأتان، فكذلك لا شيء عليهما؛ على الصحيح من المذهب.
وعلى قول المزني: عليهما ثلث الغرم.
ولو شهد رجل وعشرة نسوة ثم رجعوا، فعلى الرجل سدس الغرم، والباقي عليهن؛ على كل واحدة نصف السدس.
ولو رجع الرجل دونهن، فلا شيء عليه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأن الرضاع يثبت بشهادة من بقي. وكذلك إذا رجع الرجل مع المرأتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو
[ ٨ / ٣٠٢ ]
ست- فلا شيء عليهم. فإن رجع سبع منهن مع الرجل، فعليهم ربع الغرم، وإن رجع مع ثمان فعليهم نصف الغرم، فإن رجع مع تسع فثلاثة أرباع الغرم، ويجب على الرجل مثلًا ما على المرأة.
وعند المزني: إذا رجع الرجل وحده، عليه سدس الغرم، وعلى كل امرأة ترجع نصف السدس فإن بقي في الشهادة من يقع بهم الحكم.
وإن رجع النساء دون الرجال، فعليهن نصف الغرم؛ على الصحيح من المذهب. وعلى قول المزني: عليهن خمسة أسداس الغرم.
أما إذا شهدوا على ما يمكن تداركه؛ مثل: أن يشهدوا على إنسان بعين، أو بدين لآخر، ثم رجعوا بعد القضاء، والاستيفاء- لا يرد المال على المدعي عليه؛ وهل يجب الغرم على الشهود؟ فيه قولان:
أحدهما- وبه قال مالك، وأبو حنيفة: يجب عليهم الغرم؛ لأن ما يضمن بالإتلاف بغير الشهادة يضمن بالإتلاف بالشهادة؛ قياسًا على النفس؛ وذلك لأنهم فوتوا الملك على المالك بشهادتهم الباطلة؛ فيضمنون؛ كما في العتق والطلاق.
والقول الثاني- وهو المنصوص-: لا يجب عليهم الغرم؛ لأنه لم يوجد هاهنا حقيقة التفويت؛ بدليل أن المشهود له إذا صدق الشهود في الرجوع، يجب عليه رد المال؛ بخلاف الطلاق والعتق، فإن المرأة والعبد لو صدقا الشهود في الرجوع، لا يرد الطلاق والعتق.
وهذا؛ لأن ضمان المال إنما يجب إما بإتلاف، أو بإيقاع الحيلولة؛ بالاستيلاء عليه، وهاهنا وقعت الحيلولة من غير استيلاء من الشهود على المال؛ فلا يجب الضمان؛ كما لو حبس المالك عن ملكه؛ حتى هلك ملكه- لا يجب الضمان على الحابس.
فمن أصحابنا من بنى هذين القولين على ما لو قال: غصبت هذه الدار من فلان، لا: بل من فلان- تسلم الدار إلى الأول؛ وهل يغرم للثاني قيمتها؟
فيه قولان، ويجعل رجوع الشهود عن الشهادة كرجوع المقر عن الإقرار.
ولو كان بين رجلين عبد شهد شاهدان على أحد الشريكين؛ أنه أعتق نصيبه، وهو موسر؛ فقضى القاضي بعتقه والسراية، ثم رجعوا- يجب على الشهود قيمة نصيب المشهود عليه؛ وهل يجب قيمة نصيب الشريك؟ فعلى قولي ضمان المال.
قال شيخنا الإمام ﵁: ولو شهدوا على قتل الخطأ، وأخذت الدية، ثم
[ ٨ / ٣٠٣ ]
رجعوا- هل يضمنون؟ فعلى قولي ضمان المال.
وإن قلنا: يضمنون، ضمنوا الدية للعاقلة.
فإن قلنا: يجب الغرم على الشهود.
فإن شهد رجل وامرأتان، ثم رجعوا- فعلى الرجل نصف الغرم، وعلى المرأتين نصفه؛ كما ذكرنا في "الرضاع".
ولو شهد رجل وأربع نسوة، ثم رجعوا، فالصحيح من المذهب: أنه يجب على الرجل نصف الغرم، وعليهن النصف.
وقيل: يجب على الرجل ثلث الغرم، وعليهن الثلثان؛ لأن كل امرأتين بمنزلة رجل؛ كما في "الرضاع"؛ والمذهب الأول: أن على الرجل نصف الغرم؛ بخلاف الرضاع؛ لأن الرضا يثبت بشهادة النساء على الانفراد؛ مقام كل امرأتين فيه مقام رجل، والمال لا يثبت بشهادة النساء، وإن كثرن؛ حتى يكون معهن رجل؛ فلم يجب عليهن من الغرم إلا ما يجب على رجل واحد، وإن كثر عددهن.
ولو رجع منهن امرأتان، لا شيء عليهما؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه قد بقي من يتعلق الحكم بشهادتهم.
وعلى قول المزني: يجب عليهما ربع الغرم.
ولو رجع النساء، فعليهن نصف الغرم.
ولو شهد رجل وعشر نسوة، ثم رجعوا، يجب على الرجل النصف، وعليهن النصف؛ على المذهب الصحيح.
وعلى الوجه الآخر: على الرجل سدس الغرم، والباقي عليهن.
ولو رجع الرجل دونهن، فعلى الرجل نصف الغرم؛ على المذهب الصحيح، وعلى الوجه الآخر: سدس الغرم. ولو رجع النساء دون الرجل، فعليهن نصف الغرم؛ على المذهب الصحيح.
وعلى الوجه الآخر: خمسة أسداس الغرم.
ونفرع على الأول؛ فنقول: لو رجع الرجل مع ثمان نسوة، يجب على الرجل
[ ٨ / ٣٠٤ ]
النصف، ولا شيء على النساء؛ لأنه لا يثبت بشهادتهن إلا نصف الحق، وقد بقي من النساء من يتعلق بشهادتهن نصف الحق.
وعلى مذهب المزني: يجب على الرجل النصف، وعلى النساء أربعة أخماس النصف؛ كما لو رجعوا كلهم.
ولو رجع ثمان نسوة، لا شيء عليهن؛ على المذهب الصحيح؛ لأنه قد بقي هناك من يثبت الحق بشهدتهم.
وعند المزني: يجب عليهن أربعة أخماس النصف.
ولو رجع الرجل مع تسع نسوة؛ فعلى الرجل النصف، وعليهن الربع.
وعند المزني: عليهن تسعة أعشار النصف.
ولو قضى القاضي بشهادة شهود الفرع، ثم رجعوا، نظر: إن رجع شهود الأصل، وقالا: كذبنا- يجب عليهم الغرم؛ وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليهما، وإن رجع شهود الفرع عليهم الغرم، وإن رجعوا جميعًا فالغرم على شهود الفرع؛ لأنهم ينكرون إشهاد شهود الأصل، ويقولون: نحن كذبنا فيما قلنا؛ وكل موضع لم يوجب على الشهود عقوبة إذا رجعوا يعزرون إن تعمدوا، وإن أخطؤوا فلا يعزرون، وإن أوجبنا عليهم عقوبة من: قتل، أو قطع، أو حد قذف- يدخل التعزير فيها؛ والله أعلم.
باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].
إذا شهد عند القاضي في حكم من لا يقبل شهادته فيه؛ من: كافر، أو عبد، أو مراهق، أو امرأة فيما لا تقبل فيه شهادة النساء، أو فاسق، والقاضي عالم بحاله- لا يجوز أن يصغي إلى شهادته؛ فإن لم يعلم؛ فقضى بشهادة شخصين، ثم بانا كافرين، أو عبدين، أو امرأتين، أو مراهقين- يجب عليه رد قضائه؛ كما لو قضى باجتهاده، ثم بان النص بخلافه- يجب عليه رد قضائه؛ وإن بانا فاسقين؛ بأن شهد شاهدان على فسقهما، فإن
[ ٨ / ٣٠٥ ]
شهدا مطلقًا ولم يستند الفسق إلى حالة القضاء- لا ينقض القضاء؛ لاحتمال حدوثه بعد الحكم. فإن شهدا أنهما كانا فاسقين يوم الحكم، هل ينقض الحكم؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المزني﵀-: أنه ينقض فإذا ثبت عند قاض آخر ينقضه، كما لو بانا عبدين، بل نقضه بالفسق أولى؛ لأن شرط العدالة منصوص عليه. قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وشرط الحرية غير منصوص عليه.
والثاني: لا ينقض؛ لأن فسقه ثبت بالبينة من جهة الظاهر؛ فلا ينقض به حكم نفذ في الظاهر.
وقال أبو إسحاق: ينقض الحكم قولًا واحدًا؛ كما لو بان رقيقًا، وما ذكره المزني أنه قال في موضع آخر: إن طلب الخصم جرحه أجله بالمصر وما قاربه، وجعله قولًا آخر في أن الحكم لا ينقض، ليس كذلك، بل قصده الفرق بين ما قبل الحكم وبعده؛ وهو أنه إذا أقام بينة على فسق الشهود مطلقًا؛ فإن كان قبل الحكم لا يحكم، وإن كان بعده لا ينقض؛ حتى يبينوا أنهم كانوا فسقة يوم الحكم.
أو أراد به إذا شهدوا على فسق مجتهد فيه؛ مثل: شرب النبيذ؛ فإنه لا ينقض الحكم.
وقوله: "أجله بالمصر وما قاربه" أراد به: أن المشهود عليه إذا قال قبل الحكم عليه ببينة المدعي: لي بينة على [جرح الشهود- يؤخر الحكم، ويؤجله؛ حتى يأتي بالبينة على] جرح الشهود إذا كانوا بموضع قريب يمكن إحضارهم في مدة سيرة، ولا يؤجل أكثر من ثلاثة أيام. فإذا لم يأت بها أنفذ الحكم؛ فحيث قلنا: ينقض الحكم.
أما في الفسق، أو في الرق، أو الكفر وغيره، فإن كان المحكوم به طلاقًا أو عتقًا، أو عقدًا- رده. وإن كان إتلافًا من: قتل، أو قطع استوفاه، أو حدًا أقامه؛ فمات فيه- يجب الضمان على الحاكم ويكون على عاقلته، أم في بيت المال؟ فيه قولان، ولا يجب القود؛ لأنه مخطئ، وإنما أوجبنا على الحاكم؛ لأن الشهود يقولون: نحن صدقنا فيما شهدنا، والمشهود له ييقول: أنا أخذت حقي بالحكم، فلم يبق إلا الحاكم.
وإذا ضمن بعاقلة الإمام، أو بيت المال، هل يرجع على الشاهدين؟ نظر: إن كانا فاسقين سرًا لا يرجع وإن كانا معلنين أو عبدين، أو كافرين، أو امرأتين- ففيه وجهان: النص يدل على أنه لا رجوع عليهما؛ لأنهم يقولون: نحن صدقنا، فكان من حق الحاكم أن يحتاط ويبحث عن باطن الشهود؛ بخلاف الشهود إذا رجعوا عن الشهادة، يجب عليهم
[ ٨ / ٣٠٦ ]
الضمان؛ لأنهم أقروا أنهم شهدوا بغير الحق؛ عمدًا أو خطأ.
وعند أبي حنيفة: يجب الضمان على المزكين.
وعندنا لا يجب، لأن الحكم لم يقع بشهادتهم.
وإن كان المحكوم به مالًا؛ نظر: إن كان باقيًا في يد المحكوم له، يجب رده، فإن كان تالفًا، يجب عليه ضمانه، وإن كان له مال يؤخذ منه؛ وإن كان معسرًا، أو كان ماله غائبًا، يجب الضمان على الحاكم؛ ويكون في ماله، أم في بيت المال؟ فيه قولان:
إن قلنا: ضمان الدية على العاقلة، فضمان المال في ماله.
وإن قلنا: ضمان الدية في بيتالمال، فضمان المال كذلك.
ثم الحاكم يرجع بعد ما ضمن على المحكوم له؛ والفرق بين ضمان المال؛ حيث أوجبناه على المحكوم له وبين ضمان الإتلاف؛ حيث أوجبناه على الحاكم؛ أن المال يضمن باليد، وقد حصل في يد المحكوم له فضمنه، والإتلاف لا يضمن باليد، إنما يضمن بكونه واقعًا على وجه محرم، وبتمكين الحاكم فيه خرج عن أن يكون محرمًا؛ فلم يجب على المحكوم له، ووجب على الحاكم؛ لتفريطه في التفحص عن حال الشهود. والله أعلم.
باب الشهادة في الوصية
رجل له عبدان: كل واحد ثلث ماله، وأعتقهما في مرض موته- نظر: إن أعتقهما على الترتيب؛ بأن قال: سالم خر، وغانم حر، ولم يجز الوارث- عتق الأول.
وإن أعتقهما معًا، يقرع بينهما؛ [فمن خرجت له قرعة الحرية، حكم بعتقه، ورق الآخر.
وإن علق بالموت، وقال: إن مت فسالم حر، وغانم حر- يقرع بينهما]، ولا يقدم من سبق ذكره.
فلو شهد شاهدان؛ أنه أعتق في مرض موته سالمًا؛ وهو ثلث ماله؛ وشهد آخران؛ أنه أعتق غانمًا؛ وهو ثلث ماله- نظر: إن أرخا بتاريخين مختلفين، فالسابق حر دون الآخر، وإن أرخا تاريخًا واحدًا، أو أطلقا، واحتمل السبق والوقوع معًا- يقرع بينهما؛ فمن خرجت له قرعة الحرية، كان حرًا، والآخر رقيقًا؛ وإن عرف سبق أحدهما، ولم يعلم السابق منهما، ففيه قولان:
[ ٨ / ٣٠٧ ]
أحدهما: يقرع بينهما؛ كما لو أعتقهما معًا؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فلا وجه إلا القرعة.
والقول الثاني: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنا علمنا سبق أحدهما؛ فإذا أقرع بينهما، لا بأس أن يخرج سهم الرق على السابق منهما؛ فيكون فيه إرقاق حر؛ وإعتاق عبد؛ كما لو أوصى لرجلين لكل واحد منهما بثلث ماله، ولم يجز الورثة- يجعل الثلث بينهما نصفين.
وإن علمنا السابق منهما، ثم اشتبه، فقد قيل: فيه أيضًا قولان.
وقيل هاهنا: يعتق من كل واحد منهما نصفه قولًا واحدًا.
أما إذا كانت الشهادة على العتق المعلق بالموت: شهد شاهدان؛ أنه أعتق عبده سالمًا بعد موته، أو أوصى بعتقه؛ وهو ثلث ماله، وشهد آخران، أنه أعتق غانمًا بعد موته؛ وهو ثلث ماله- يقرع بينهما؛ سواء أرخا أو أطلقا؛ لأن المعلق بالموت لا يقدم معه السابق؛ فهو كما لو أعتقهما معًا في المرض.
ولا فرق بين أن يكون الشهود من الأجانب، أو من الورثة، إذا كان الوارث لا يجر إلى نفسه نفعًا، حتى لو شهد أجنبيان؛ أنه أعتق عبده سالمًا في مرض موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه أعتق غانمًا؛ وهو ثلث ماله، ولم يكذب الوارثان الأجنبيين، بل شهدا مطلقًا، وقالا: لا ندري: هل أعتق سالمًا أم لا؟ وكانا عدلين- فالحكم على ما ذكرنا في الأجنبيين.
فإن صدق الوارثان الأجنبيين، فقد ثبت عتقهما، فإن أجاز الورثة الزيادة على الثلث عتق العبدان جميعًا، وإن لم يجيزا فعلى ما ذكرنا من القولين.
وإن كذب الوارثان الأجنبيين، وقالا: لم يعتق سالمًا، بل أعتق غانمًا- عتق العبدان جميعًا: الأول بشهادة الأجنبيين، والثاني بإقرار الوارثين، إذا كانا يرثان جميع المال.
فإن كان معهما وارث آخر، يعتق من الثاني بحصتهما؛ لأن تكذيبهما لا يبطل شهادة الأجنبيين، وبزعمهما أن الثاني حر؛ لأن الأول رقيق.
وإن كانت إحدى البينتين غير عادلة، نظر: إن كان الأجنبيان غير عدلين، والوارثان
[ ٨ / ٣٠٨ ]
عدلان- عتق العبد الذي شهد بعتقه الوارثان من الثلث، وكان الآخر رقيقًا.
وإن كان الأجنبيان عدلين والوارثان غير عدلين- عتق العبد الذي يشهد بعتقه الأجنبيان.
قال شيخنا الإمام ﵁-: ويقرع بينهما؛ على قياس ما ذكر من بعد؛ فإن خرجت القرعة للذي شهد بعتقه الأجنبيان لا يعتق هذا، وإن خرجت لهذا: فالأول حر؛ بشهادة الأجنبيين، ويعتق الثان من ثلث ما بقي؛ بإقرار الوارثين، إن لم يكن سواهما وارث، وإلا فبقدر حصتهما.
أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أعتق عبده سالمًا في مرضه؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه أعتق غانمًا؛ وهو سدس ماله- يبنى على المسألة الأولى، إذا كانت قيمة كل واحد سواء.
إن قلنا هناك: يقرع بينهما، فهاهنا: يقرع بين العبدين: فإن خرجت القرعة للذي قيمته ثلث ماله عتق كله، وكان الآخر رقيقًا، وإن خرجت للذي قيمته سدس ماله، عتق كله ونصف العبد الأول؛ حتى يتم الثلث.
وإن قلنا هناك: يعتق من كل واحد منهما نصفه، فهاهنا وجهان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: يعتق ثلاثة أرباع العبد الذي هو ثلث ماله، ونصف العبد الآخر؛ لأن نصف سالم قد عتق بشهادة الأجنبيين، وقول الوارث في إبطال عتقه لا يقبل؛ للتهمة. وفي النصف الآخر غير متهم؛ لأنه يقر بعتق غانم في مقابلته، وقيمته مع نصف قيمة سالم سواء؛ فينتصف العتق بين غانم وبين نصف سالم؛ فيعتق ربع سالم ونصف غانم، وجملته: ثلث المال.
والوجه الثاني- وبه قال أبو يوسف-: يعتق من كل عبد ثلثاه؛ لأن الوصية إذا زادت على الثلث، ينظر: كم نسبة ما زاد على الثلث من جميع الوصية؟ فنسبة تلك الزيادة تنقص عن كل واحد منهم، فهاهنا نسبة ما زاد على الثلث من جميع الوصية نسبة الثلث ويرد العتق في ثلث كل عبد، ويعتق ثلثاه؛ كما لو أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله، ولم يجز الورثة- ينقص الثلث من وصية كل واحد منهما. هذا إذا شهد الوارثان.
أما إذا لم يشهدا بدليل، بل أقرا أنه أعتق هذا العبد الآخر، أو شهدا؛ ولم تقبل شهادتهما؛ لفسقهما، أو كان الوارث واحدًا، فشهد وأقر، بأن الميت أعتق هذا العبد الآخر- نظر: إن كذبا الأجنبيين عتق العبدان جميعًا، وإن لم يكذبا، بل قالا: لا نعلم حال الأول، فالعبد الأول حر بشهادة الأجنبيين، ويقرع بين العبدين بحكم إقرار الوارث؛ فإن خرجت
[ ٨ / ٣٠٩ ]
قرعة الأول تقرر عتقه، وكان الذي أقر به الوارث رقيقًا، وإن خرجت القرعة للثاني، فالأول حر بشهادة الشهود، والثاني يعتق من ثلث ما بقي من المال بإقرار الوارث [له].
أما إذا كانت الشهادة على تعليق العتق بالموت:
شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبده سالم بعد موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه رجع عن عتق سالم، وأوصى بعتق غانم؛ وهو ثلث ماله- تقبل شهادة الوارثين على الرجوع، ويحكم بعتق غانم؛ لأنهما لا يجران لأنفسهما نفعًا؛ لأن قيمة كل واحد من العبدين ثلث ماله.
وعند أبي حنيفة، ومالك: لا يقبل قولهم في الرجوع.
وإن كان الوارثان فاسقين، لا يقبل قولهما في الرجوع، ويحكم بعتق من شهد بعتقه الأجنبيان؛ لأن الثلث يحتمله، ويعتق من الآخر بقدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال؛ لأنا نجعل الأول كأنه غصب من التركة.
أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبده: سالم بعد موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه رجع عن عتق سالم، وأوصى بعتق غانم، وهو سدس ماله؛ وهما عدلان- فالوارث متهم في بعض شهادته، وهو رد العتق في نصف العبد الأول؛ فلا تقبل شهادته فيه؛ وهل تقبل في الباقي؟ فعلى قولي تبعيض الشهادة.
فإن قلنا: لا تتبعض؛ وبه أجاب هاهنا، ترد شهادة الوارثين في الكل، وعتق العبد الأول بشهادة الأجنبيين، وعتق من الثاني بقدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال؛ بإقرار الوارثين.
وإن قلنا: تتبعض الشهادة، عتق نصف العبد الأول، وجميع العبد الثاني؛ لأن التهمة لم توجد إلا في نصف العبد الأول. هذا إذا لم يكن في التركة وصية سوى العتق.
فإن كان قد أوصى لزيد بثلث ماله، تقبل شهادة الوارثين؛ أنه رجع عن عتق الأول، وأعتق الثاني الذي قيمته سدس ماله؛ لأنهما لو شهدا على الرجوع، ولم يشهدا بعتق الثاني تقبل؛ لأن رد الزيادة على الثلث ثابت لهما؛ فلا تهمة في شهادتهما.
فإن قبلنا شهادتهما؛ أنه رجع عن الأول، وأعتق [الثاني] الذي قيمته السدس- يجعل الثلث أثلاثًا بين العبد الثاني، وبين الموصى له بالثلث؛ فيعتق ثلثا العبد الثاني، ويعطي الموصي له ثلثي الثلث؛ كما لو أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله.
[ ٨ / ٣١٠ ]
أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبد قيمته الثلث، وشهد أجنبيان آخران؛ أنه رجع نه، وأوصى بعتق عبد قيمته السدس- يقبل، ويعتق من قيمته السدس دون الأول؛ لأن الأجنبيين لا يجران إلى أنفسهما نفعًا بشهادتهما.
ولو شهدا شاهدان أن الميت كان قد أوصى بعتق سالم؛ وهو ثلث ماله، وحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع الشاهدان، وشهد آخران؛ أنه أوصى بعتق غانم؛ وهو ثلث ماله، ولم يجز الوارث إلا الثلث- فإنه يقرع بين العبدين؛ فإن خرجت القرعة لسالم، ثبت عتقه، وبقي الآخر رقيقًا، والشاهدان يغرمان قيمة سالم للورثة؛ لأنهما لما رجعا، فقد أقرا بإتلافه.
ولو خرجت القرعة لغانم كان حرًا، والأول رقيق، ولا غرم على الشاهدين؛ لأنا لما حكمنا برقه، بان أنهما لم يتلفا شيئًا.
قال شيخنا الإمام ﵁: عندي يحكم بعتق غانم من غير قرعة، وعلى الشاهدين قيمة سالم للورثة؛ لأن القرعة إذا خرجت لسالم، وأوجبنا قيمته، وأرفقنا غانمًا- لم يذهب شيء من التركة في الوصية.
فصل
إذا شهد شاهدان على رجل؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد آخران؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، ولم يجز الورثة- يجعل الثلث بينهما نصفين.
أما إذا شهد الآخران؛ أنه رجع عن الأول، وأوصى للثاني بالثلث- بطل الأولى وكان الثلث كله للثاني، وتقبل شهادة الثاني على الرجوع؛ وارثًا كان أو أجنبيًا؛ لأنه لم يجر إلى نفسه نفعًا بهذه الشهادة.
ولو شهد آخران؛ أنه رجع عن الوصية الثانية، وأوصى لثالث- كان كله للثالث.
ولو شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد آخران؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، وشهد آخر؛ أنه رجع عن إحدى الوصيتين وعينها- كان الثلث كله للآخر الذي لم يرجع عن وصيته.
فإن قالا: رجع عن إحدى الوصيتين ولم يعينا- فالثلث يكون بينهما نصفين؛ وهذه الشهادة غير مقبولة، للاحتمال؛ كما لو شهدا أنه أوصى بثلث ماله لأحد هذين الرجلين، ولم يعينا الموصى له- يقبل؛ حتى لو شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد
[ ٨ / ٣١١ ]
آخران؛ أنه رجع عن الوصية الأولى، وأوصى لآخر بالثلث، وشهد آخران؛ أنه رجع عن إحدى الوصيتين- فهذه الشهادة باطلة، وكان الثلث كله للثاني.
فصل
إذا شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد واحد؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، وحلف معه الموصى له- ففيه قولان:
أحدهما: الشاهد واليمين لا يعارضان الشاهدين؛ لأن الشاهد بنفسه ليس بحجة؛ فيكون الثلث كله للأول.
والثاني: يتعارضان؛ لأن الشاهد واليمين حجة في المال؛ كالشاهدين؛ فيكون الثلث بينهما.
أما إذا شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد واحد؛ أنه رجع عن تلك الوصية، وأوصى لآخر- حلف معه الموصى له، ويحكم برجوعه، ويكون الثلث للثاني؛ لأن ههنا شهد الشاهد الواحد، فثبت ما شهد به الأولان، ويشهد بشيء آخر، وهو الرجوع عن الوصية الأولى، ووصيته للثاني، فلا يقع بينهما تعارض.
فصل
من ادعى على إنسان حقًا، لم يكن له ملازمته بمجرد الدعوى، وإن كانت له بينة؛ حتى يقيمها؛ فإن أقام المدعي بينة، عاد له، فإن كان المدعى عليه ممن لا يعلم؛ أن له دفع البينة بالجرح- أعلمه الحاكم؛ أنه قد شهد عليك فلان وفلان بكذا، وثبتت عدالتهما عندي، فإن كان لك حجة على جرحهما، فأقمها.
وإن كان ممن يعلم؛ أن له دفع البينة بالجرح؛ فإن شاء الحاكم قال له ذلك، وإن شاء سكت.
فإن قال المشهود عليه؛ لي بينة على جرحهما، أمهله يومًا إلى ثلاثة أيام، ولا يجاوز الثلاث.
وكذلك لو قال: لي بينة على قضاء الحق، أو على الإبراء- أمهله هذا القدر. وللمشهود له ملازمته إلى أن يقيم البينة على الجرح، أو القضاء؛ لأن الحق قد يثبت في الظاهر.
فإن أقام المدعي شاهدين، ولم تثبت عدالتهما في الباطن- فهل يحبس المشهود عليه
[ ٨ / ٣١٢ ]
على تعديل الشهود؟
لا يخلو: إما إن شهدا على عقوبة، أو مال: فإن شهدا على عقوبة؛ إن كانت حقًا لله تعالى، مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع السرقة- لا يحبس؛ لأن مبناها على المساهلة؛ بدليل أنه لو هرب بعد وجوب الحد عليه، لا يتبع.
وإن كان حقًا للعباد؛ مثل: القصاص، وحد القذف؛ سواء قذف زوجته، أو أجنبيًا- يحبس المشهود عليه؛ لأن المدعي أتى بما عليه، ولم يبق إلا البحث عن العدالة؛ والأصل في الناس العدالة.
وإن شهدا على مال، نظر: إن كان عينًا، ينتزع من يد المشهود عليه بمسألة المدعي، ويوقف، ويمنع من التصرف فيه؛ حتى يعدل الشهود.
وإن كان دينًا، لا يستوفي؛ وهل يحبس المشهود عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما- وهو قول أبي إسحاق-: يحبس؛ لأن الظاهر عدالة الشهود.
والثاني- وهو قول الإصطخري-: لا يحبس؛ لأن الأصل براءة ذمته، بخلاف القصاص، وحد القذف يحبس فيه؛ لأنه يستوفي من بدنه.
وقيل: لا يحبس، بل يكفل، وللمدعي ملازمته إلى أن يعطي الكفيل.
وإذا بعث القاضي معهما رجلًا؛ ليكفل، فالأجرة على المدعي.
وكذلك لو ادعت امرأة على زوجها؛ أنه طلقها، وأقامت شاهدين- يفرق بينهما إلى تعديل الشهود.
ولو ادعى عبد على سيده؛ أنه أعتقه، وأقام شاهدين؛ لا تعرف عدالة باطنهما، وسأل العبد أن يحال بينه وبين سيده- يحال بينهما، ويؤاجره الحاكم؛ فينفق عليه من كسبه، ويكسوه، ويقف ما فضل؛ فإن تم عتقه كان له، وإن رق كان للسيد؛ وهل يحال بينه وبين السيد من غير مسألة العبد؟ وفي المال من غير مسألة المدعي؟ فيه وجهان.
وبعدما حال الحاكم بينهما، ووقف العين، فجميع تصرفات المتداعيين فيها باطلة إلا أربعة: الإقرار؛ وهو أن يقر به لإنسان، والعتق، والتدبير، والوصية؛ فإن هذه التصرفات من أيهما توجد، وتتوقف. فإن حصل الحكم له نفذ، وإلا فلا ينفذ؛ لأن هذه التصرفات تتعلق بالإخطار، والإقرار يتوقف على التفسير.
أما سائر التصرفات، فلا يصح؛ لأنها لا تتوقف.
[ ٨ / ٣١٣ ]
أما قبل أن يحول الحاكم بينه وبينها، لا ينفذ تصرف المدعي فيه، وهل ينفذ تصرف المدعي عليه؟
إن قلنا: مسألة المدعي شرط للوقف؛ فينفذ.
وإن قلنا: ليس بشرط؛ فوجهان:
أحدهما: لا ينفذن كما بعد الوقف.
والثاني: ينفذ؛ كتصرف المفلس قبل الحجر عليه ينفذ.
وكل موضع قلنا: يحبس المشهود عليه، أو يوقف المال، إذا أقام المدعي شاهدين، فإن أقام شاهدًا واحدًا، وقال: لي شاهد آخر، وسأل الحبس والوقف؛ إلى أن يأتي به- هل يحبس؟ وهل يوقف المال، أو يمنع من التصرف؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يحبس، ولا يوقف، لأنه لم يأت بحجة تامة.
والثاني: يحبس، ويوقف، لأنه أتى ببعض الحجة.
وقال أبو إسحاق: إن كان الحق مما يقضى فيه بالشاهد واليمين- يحبس، وإلا فلا. وكذلك لو ادعى نكاح امرأة، وأقام شاهدًا- هل يحبس؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: لا يحبس، هل يطالب بكفيل يتكفل ببدنها؟ فيه وجهان؛ لأنه ليس في الكفالة ضرر عليها؛ بخلاف الحبس.
فصل
إذا كان له عبدان؛ فقال لسالم: إن مت في رمضان فأنت حر، وقال لغانم: إن مت في شوال فأنت حر؛ فأقام سالم بينة على موته في رمضان، وغانم بينة على موته في شوال- ففيه قولان:
أحدهما: يتعارضان؛ لأن بينة كل واحد تنفي ما تقوله الأخرى.
والثاني: ترجح بينة الموت في رمضان؛ لأن عندها زيادة علم وهو الموت في رمضان، ويجوز أن يخفى ذلك على الأخرى.
وإن قلنا بالتعارض، ففي قول: يسقطان.
قال شيخنا الإمام: ورق العبدان.
وفي الثاني: يستعملان.
[ ٨ / ٣١٤ ]
وفيه أقوال في قول: يوقف.
والثاني: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، يحكم بعتقه.
و[في] الثالث: يعتق من كل واحد نصفه؛ وكذلك لو كان له عبد واحد؛ فقال له: إن مت في رمضان فأنت حر، ثم اختلف العبد مع الوارث، وأقام كل واحد بينة- فعلى قولين:
في قول: يتعارضان.
وفي الثاني: بينة العبد أولى.
وقال المزني: بينة الوارث أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهي بقاء حياته إلى شوال.
قال شيخنا الإمام﵁- فإن لم تكن بينة، فالقول قول الوارث مع يمينه، وكذلك لو قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه قتل، وأقام الوارث بينة؛ أنه مات- فيه قولان:
أحدهما: يتعارضان.
والثاني: بينة العبد أولى؛ لأن عنده زيادة علم، ويحكم بعتقه.
فإن قلنا بالتعارض، فأصح الأقوال أنهما يسقطان.
والقول قول الوارث مع يمينه؛ لأن الأصل يفارقه.
وإن قلنا: يستعملان، ففيه أقوال:
أحدها: يوقف.
والثاني: يقرع بين العبد والوارث؛ فإن خرجت القرعة للعبد، يحكم بعتقه، وإن خرجت للوارث كان رقيقًا.
والثالث: يعتق نصف العبد.
ولو قال: إن مت من مرضى فسالم حر، وإن برئت فغانم حر، فأقام سالم بينة؛ أنه مات من مرضه، وأقام غانم بينة على أنه برئ منه، ثم مات- يتعارضان.
فإن قلنا: يسقطان، رق العبدان.
[ ٨ / ٣١٥ ]
وفيه وجهان آخران:
أحدهما: بينة الموت أولى؛ لأن عندها زيادة علم، وهو الموت من ذلك المرض.
والثاني: بينة البرء أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهو بقاء حياته. والله أعلم.
[ ٨ / ٣١٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم