قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
ما يحل أكله قسمان: حيوان، وغير حيوان:
أما الحيوان- فقسمان: حيوان البحر، وحيوان البر.
أما حيوان البحر- فقد ذكرناه في "كتاب الصيد".
وأما حيوان البر- فينقسم إلى ما يحل أكله، وإلى ما لا يحل أكله: فكل ما جاء به القرآن أو السنة بتحليله- فهو حلال، وما جاء بتحريمه- فهو حرام. فالأنعام حلال وهي: الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ولحم الخيل حلال، ولا يحل لحم البغل والحمار الأهلي؛ والدليل عليه ما روي عن أسماء قالت: ذبحنا على عهد رسول الله -صل الله عليه وسلم - فرسًا، ونحن بالمدينة، فأكلناه، [وعن جابر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل"].
[ ٨ / ٥٢ ]
وعن جابر أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ ونهى عن لحوم البغال والحمير.
وعند أبي حنيفة: لا يحل لحم الخيل، ويحل الحمار الوحشي؛ كما تحل الظباء وبقر الوحش.
وروي عن أبي قتادة؛ أنه رأى حمارًا وحشيًا بطريق مكة، فقتله؛ فأكل منه بعض أصحاب النبيﷺ- وأبى بعضهم؛ لأنهم كانوا محرمين؛ فسألوا النبيﷺ-: فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله، هل معكم من لحمه شيء"، ويحل أكل الضبع والب والأرنب؛ لما روي عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، أصيد هي؟ فقال: نعم، فقلت: أتؤكل؟ قال: نعم، فقلت: سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال:
[ ٨ / ٥٣ ]
نعم، وروي عن ابن عمر قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ- عن أكل العنب؟ فقال: "لا اكله، ولا أحرمه"، وعن عبد الله بن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله -ﷺ بيت ميمونة بنت الحارث، فأتي بضب محنوذ، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال خالد بن الوليد: فاجتررته، فأكلته ورسول اللهﷺ- ينظر فلم ينهني.
[ ٨ / ٥٤ ]
وروي عن أنس أنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فأدركتها، فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله -ﷺ- بفخذيها، فقبله ويروى: "فأكل منه".
وفي معنى الأرنب: الثعلب، واليربوع، والفنك والقماقم والسمور،
[ ٨ / ٥٥ ]
والحواصل كلها حلال، وأم حبين حلال قضى فيها عثمان بحلان في الحرم والإحرام.
وعند أبي حنيفة: لا يحل أكل هذه الأشياء.
أما ما جاء الكتاب والسنة بتحريمه؛ فكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وروي عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" وأراد بذي الناب: ما يعدو بأنيابه، ويقصد الحيوانات، فيخرج منه أنه لا يحل: الأسد والنمر والفهد والذئب
[ ٨ / ٥٦ ]
والكلب والبير والدب والقرد والفيل ولا يحل من الطيور: النسر والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة، وفي معناه: ابن آوى؛ لا يحل أكله على ظاهر
[ ٨ / ٥٧ ]
المذهب: وفيه وجه آخر: أنه يحل؛ لصغر نابه، كالثعالب، ولا تحل الهرة الأهلية، وفي الهرة الوحشية وجهان:
أحدهما: تحل؛ كالحمار الوحشي حلال، وإن كان الأهلي حرامًا.
والثاني- وهو الأصح-: لا يحل؛ لأنه يعدو بنابه؛ كالذئب؛ بخلاف الحمار؛ فإنه يتنوع إلى وحشي وأنسي.
والهرر كلها نوع واحد، فما بعد من الناس- توحش، وما قرب منهم- استأنس، يدل عليه أن الوحشي منها والأهلي سواء في أنها تتلون ألوانًا مختلفة والحمار الوحشي لا يتلون، والأهلي يتلون، وفي ابن عرس وابن مقرض وجهان؛ وكذلك القنفذ والسلحفاة والضيرم والدلدل والوبر فيه وجهان، وروي عن ابن عمر؛ أنه سئءل عن القنفذ؛ فتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
[ ٨ / ٥٨ ]
أما كل حيوان لم يرد بتحليله ولا تحريمه نص- قال صاحب "التلخيص": كل ما أمر النبيﷺبقتله- فهو حرام [وما نهى عن قتله- أيضًا- حرام".
قال أصحابنا: أما قوله: "ما أمر بقتله- فهو حرام"].
فهو صحيح، وذلك مثل ما روي عن عائشة عن النبيﷺ- أنه قال: "خمس فواسق؛ تقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا" ورواه أبو هريرة، فجعل بدل الغراب "العقرب"، وفي بعض الروايات: "وكل سبع عادي"، فهذه الأشياء حرام كلها.
وأما قوله: "ما نهى عن قتله- فهو حرام" وذلك مثل ما روي أنه نهى عن قتل ستة: النحلة والنملة والخطاف والصرد والهدهد [والضفدع]- فهذا ليس على
[ ٨ / ٥٩ ]
هذا الإطلاق؛ قال الشافعي﵁-: أوجب في الهدهد والصرد الجزاء، وعنده: لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل لحمه، ولأصحابنا فيهما وجهان:
أحدهما: لا يحل؛ لورود النهي عن قتلهما.
[ ٨ / ٦٠ ]
والثاني: يحل والنهي عن قتلهما ليس لأجل التحريم؛ ولكن لأن الهدهد يكون منتنًا، والصرد كانت تتشاءم به العرب، أما الخطاف والنحلة والنملة والذر والذباب- فحرام، وفي معناه جميع حشرات الأرض: من الخنفساء، واللحكاء والعظاء، والوزغ،
[ ٨ / ٦١ ]
والجعلان، والديدان، وبنات وردان، وحمار قبان.
وأما ما لم يرد به تحليل ولا تحريم، ولا جاء الأمر بقتله ولا النهي عن قتله- فالمرجع فيه إلى غالب عادات العرب؛ فما تستطيبه العرب وتأكله في حال الرفاهية- فهو حلال وما تستخبثه [فهو حرام]؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] خاطب العرب بإباحة الطيبات لهم؛ فدل على أن ما كانوا يستطيبونه- فهو حلال لهم، وهم لا يستطيبون شيئًا مما عددنا من المحرمات، ويرجع فيه إلى أهل الريف وذوي اليسار، وأهل القرى من العرب دون الأجلاف من أهل البادية والقفر أو أهل الضرورة، فإن استطاب قوم شيئًا، واستخبثه قوم؛ فينظر إلى ما عليه الأكثر؛ فيحل من الطيور والحمام، وهو كل ما عب وهدر من اليمام والقمري والدبسي،
[ ٨ / ٦٢ ]
والفواخت.
ويحل العندليب والبلبل والعصافير والصعوة والزرزور، وتحل النعامة
[ ٨ / ٦٣ ]
والكركي والقبج والبط والإوز والنعام والديك والدجاج والحبارى؛ روي عن أبي موسى الأشعري قال: "رأيت رسول اللهﷺ- يأكل لحم دجاج"، وعن سفينة قال: "اكلت مع النبيﷺ- حبارى".
وفي اللقلق والعقعق وجهان:
أصحهما: حرامان، والغداف الكبير حرام، وفي الغداف الصغير وغراب الزرع وجهان:
[ ٨ / ٦٤ ]
أصحهما: حلال، ولا يحل الغراب الأبقع والرخمة والبغاثة والخفاش؛ وفي الببغاء والطاوس وجهان:
أصحهما: حرام، والشقراق: حلال، ويكون منتنًا، وإن وجد في العجم حيوان لا يوجد في العرف له اسم- يعرض على العرب؛ فإن سموه باسم حيوان [محرم- حرمناه، وإن سموه باسم حيوان] حلال- أحللناه وإن لم يكن له اسم عندهم- يعتبر بأقرب الأشياء شبهًا بها [كالحادثة إذا وقعت- تقاس على أقرب الأشياء بها شبهًا].
فإن لم يكن له شبه- ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق يحل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٤٥]، وليس هذا في محرمات الآية.
ومن أصحابنا من قال: يحرم؛ لأن الأصل في الحيوان التحريم فإذا أشكل بقي على الأصل.
ولا يحل الحيوان المتولد بين مأكول وغير مأكول؛ كالسبع المتولد من الذئب والضبع، والحمار المتولد بين الحمار الوحشي والحمار الأهلي، لأنه تولد من مأكول وغير مأكول، [فيغلب جانب] التحريم؛ كالبغل لا يحل أكله، ولا يحل أكل لحم
[ ٨ / ٦٥ ]
الجلالة، وهي الحيوان الذي يأكل العذرة؛ إذا كان قد ظهر التغيير على لحمها؛ روي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله -ﷺ - عن أكل الجلالة وألبانها"؛ فإن لم يظهر عليهما التغيير- يحل، وكذلك السخلة المرباة بلبن الكلب'، إن ظهر عليه نتن لحم الكلب لا تحل؛ وإلا - فتحل، فإن أطعم الجلالة علفًا طاهرًا، حتى طاب لحمها- يحل أكله وقال ابن عمر: تعلف الجلالة؛ عن كانت ناقة أربعين يومًا وإن كانت شاة- سبعة أيام، وإن كانت دجاجة- فثلاثة أيام، فلو غسل لحم الجلالة المتغير أو طبخ؛ حتى زال التغير- لم تحل.
قال الشيخ - ﵀-: وكذلك لو زال التغير بمرور الزمان عليه.
ومن أصحابنا من قال: يكره أكل لحم الجلالة المتغير، ولا يحرم؛ وهو قول مالك، وقال أبو إسحاق: لا باس بأكلها بعد الغسل.
وأما غير الحيوان- فقسمان: طاهر، ونجس.
فالنجس منها: لا يحل أكله إلا عند الضرورة، وكذلك كل ما كان في الأصل طاهرًا؛ فنجس بوقوع نجاسة فيه؛ كالدهن، والخل والدبس الذائب تموت فيه فأرة وفي الانتفاع به تفصيل ذكرناه في "كتاب الطهارة".
وأما الطاهر- فقسمان: قسم يضر وقسم لا يضر:
فأما الذي يضر؛ كالسم والزجاج والحجر- فلا يجوز أكله؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فإن شرب دواء فيه قليل سم، والغالب منه السلامة- يجوز.
والذي لا يضر؛ كالحبوب والفواكه- يحل أكلها؛ إذا كان ملكًا له، أو أباح له مالكه، أو نبت من موات المباح، وجملته: كل طاهر لا يخاف الضرر من أكله- حل أكله؛ إذا لم يتعلق به حق الغير؛ إلا ثلاثة أشياء: المني، وجلد الميتة بعد الدباغ، وكل ذي روح، يبتلعه حيًا؛ سوى السمك والجراد؛ فإ*ن فيهما وجهين.
فصل في كسب الحجام
روي عن رافع بن خديج؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر
[ ٨ / ٦٦ ]
البغي خبيث وكسب الحجام خبيث".
أما ثمن الكلب ومهر البغي- فحرامان، وأما كسب الحجام فمكروه؛ فخبثه لما فيه من مزاولة النجاسة، وترك المروءة؛ والدليل على أنه غير حرام ما روي عن أنس قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ- فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه" ولو كان أجرته حرامًا لم يعطه رسول الله ﷺ.
وروي أن محيصة سأل النبيﷺ- عن كسب الحجام، فنهاه؛ فلم يزل يكلمه حتى قال: "أطعمه رقيقك أو اعلفه ناضحك"، ولو كان حرامًا- لم يجز أن يطعمه رقيقه ونهيه عن لدناءة الكسب.
سأل عثمان﵁- ذا قرابة له عن معاشه، فذكر له غلة حجام فقال: إن كسبكم لدنس أو لدنيء".
[ ٨ / ٦٧ ]
ويكره للحر اختيار المكاسب الدنيئة؛ كالحجامة والكنس والذبح والدبغ؛ لأنه يدل على دناءة الهمة وقلة المروءة، وأمر بإطعام الرقيق منه؛ لأنه أدنى حالًا من الحر، والله أعلم.
باب ما لا يحل أكله ويجوز للمضطر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قيل: أي: لا يبغي في الأرض بالفساد، ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي: لا يعدو في الأكل قدر الحاجة.
أكل الميتة وشرب الدم والبول- حرام عند عدم الضرورة، وكذلك إذا كان به أدنى جوع أو عطش- لا يحل تناوله، فإذا اضطر إليه، وصار إلى أدنى الرمق، ولم يجد طعامًا حلالًا- يجوز له تناوله، وهل يجب تناوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وقال أبو إسحاق: لا يجب؛ لأن له غرضًا من ترك ما هو محرم.
أما إذا عيل صبره، وأجهده الجوع- فهل له تناول الميتة؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يجوز ما لم يصر إلى أدنى الرمق؛ لأن الضرروة خوف الهلاك ولم يتحقق ذلك.
والثاني: يحل لأنه إذا صار إلى أدنى الرمق [لا يسيغه الطعام اللذيذ، فكيف يتناول الميت، وإن قلنا: لا يحل، فصار إلى أدنى الرمق]، وأبحنا له الأكل- فهل يحل له أن يأكل قدر الشبع؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني: لا يحل إلا قدر سد الرمق؛ لأنه بعد سد رمقه غير مضطر إليه.
والثاني: يحل؛ لأن كل طعام جاز أن يتناول منه قدر سد الرمق- جاز أن يتناول منه قدر الشبع؛ كالطعام الحلال وليس كالابتداء؛ لأن الأصل هناك التحريم، حتى تتحقق الضرورة، وههنا الإباحة إلى أن يشبع، فإن قلنا: له أن يأكل قدر الشبع، فأكل قدر سد
[ ٨ / ٦٨ ]
الرمق، ثم وجد لقمة من الطعام الحلال- ليس له أن يأكل الميتة بعده؛ حتى يأكل تلك اللقمة، فإذا أكلها- هل له إتمام الشبع؟ قال شيخي﵀-: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا؛ حتى يصير إلى أدنى الرمق؛ لأنه عاد إلى أصل التحريم بوجود تلك اللقمة.
والثاني: له ذلك؛ لأنا أبحنا له الشبع، ولم يصر إليه.
وهل له التزود من الميتة؟ نظر:
إن كان لا يرجو وجود طعام حلال- جاز، وإن كان يرجو- فلا.
ولو وجد آدميًا ميتًا- هل يجوز أكله؟
المذهب أنه يجوز.
وقيل: لا يجوز؛ لحرمته.
والأول المذهب؛ لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت؛ حتى لو وجد كافرًا مباح الدم من حربي أو مرتد- جاز له قتله وأكله؛ [كالبهيمة، وإن كان زانيًا محصنًا مسلمًا- قيل: له قتله وأكله]، وقيل: لا يجوز [وإن كان الحربي صبيًا أو امرأة أو كان الكافر ذميًا أو مستأمنًا- لا يجوز] قتله.
وإن كان رجل له عليه قصاص- له قتله قصاصًا وأكله، وإن كان المضطر ذميًا، والميت مسلمًا؛ هل له أكله؟ فيه وجهان، وهل يجوز للمضطر أن ييقطع شيئًا من لحم بدن نفسه، فيأكله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ [لأنه ربما يؤدي بنفسه إلى الهلاك].
وقال ابن سريج وأبو إسحاق: يجوز؛ لأنه يحيى نفسه بإتلاف جزء منه؛ كما لو قطع يده بسبب الأكلة [يجوز]، ولو وجد المضطر [طعام الغير]، ولم يكن مالكه حاضرًا- جاز له أن يتناوله، ويضمن قيمة ما تناول للمالك، وهل يعصي بترك الأكل؟ فعلى وجهين وهل له أن يأكل منه قدر الشبع؟ اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: فيه قولان؛ كالميتة؛ كما أنهما يستويان في الابتداء.
[ ٨ / ٦٩ ]
ومنهم من قال: لا يأكل إلا قدر سد الرمق قولًا واحدًا؛ لأن تحريمه لحق الآدمي، ومبناه على الشح والضيق.
ومنهم من قال: له أن يأكل قدر الشبع قولًا واحدًا؛ لأن جنسه حلال؛ بخلاف الميتة، وكذلك إذا وجد شاةً للغير أو حمارًا له- عقره وأكله.
وإن كان صاحب الطعام حاضرًا- نظر: إن كان صاحب الطعام أيضًا مضطرًا إليه- لا يجب عليه أن/ يطعم صاحبه؛ إذا لم يفضل منه، فإن آثر صاحبه، واختار لنفسه الهلاك- جاز؛ إذا كان صاحبه مسلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وإن كان صاحبه المضطر كافرًا؛ سواء كان ذميًا أو حربيًا- لا يجوز أن يؤثره على نفسه، وكذلك: إذا كانت لصاحبه دابة جائعة- لا يجوز أن يؤثرها على نفسه؛ وإن لم يكن صاحب الطعام مضطرًا إليه في الحال، وإن كان يحتاج إليه في باقي الحال- يجب عليه أن يطعم المضطر؛ سواء كان المضطر مسلمًا أو ذميًا أو مستأمنًا- يجب عليه أن يطعمه؛ فإن لم يفعل- فللمضطر أن يكابره، ويأخذ منه قهرًا، وإن أتى على نفسه، وهل يجب أن يأخذ منه قهرًا؟ نظر: إن كان يخاف عليه- لا يجب؛ وإلا- فوجهان:
أما إذا كان المضطر مرتدًا أو حربيًا- لا يجب أن يطعمه؛ لأن قتلهم مباح.
إذا ثبت أن على صاحب الطعام إطعام المضطر [منه] فلا يجب أن يطعمه مجانًا؛ بل يطعمه بالعوض؛ فإن باعه، ومع المضطر ثمنه- يجب عليه أن يشتري؛ حتى لو كان عليه إزار واحد عليه صرفه إلى الطعام؛ إذا لم يخف الهلاك من البرد، ويصلي عريانًا؛ لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة؛ بدليل أنه لا يجوز أن يكابر الغير على أخذ الثوب لستر العورة، ويجوز أن يكابره على أخذ الطعام.
فإن لم يكن مع المضطر ثمن الطعام- يجب على صاحب الطعام أن يبيع منه نسيئة، فإن باعه أكثر من ثمنه في مثل تلك الحالة- يجب على المضطر أن يشتري؛ سواء كان له ببلده مال أو لم يكن، ثم كم يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: جميع المسمى؛ لأنه التزمه مختارًا.
والثاني: لا يلزمه إلا ثمن المثل في مثل ذلك المكان والوقت؛ لأنه كان كالمكره في قبول تلك الزيادة.
[ ٨ / ٧٠ ]
ولو أطعمه المالك، ولم يذكر شيئًا- هل له مطالبته بالعوض؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه متبرع.
والثاني: له ذلك؛ لأنه أبقى روحه؛ وهذا بناءً على أنه إذا عفا عن القصاص- فمطلق العفو هل يوجب المال؟ قولان.
ولو اختلف، فقال المالك: أطعمتك بالعوض، وقال الآكل: بلا عوض- فالقول قول من؟ فيه وجهان.
وكذلك: إذا كان لرجل دابة جائعة أو كلب غير عقور جائع، ومع صاحبه علف/ أو لحم يجب أن يعلف دابته، ويطعم كلبه؛ فإن لم يفعل- فلصاحب الدابة أن يغصبه، فإن كان الكلب عقورًا- لا جب؛ لأن قتله مباح، ولو كان لرجل كلب غير عقور جائع، وله شاة- عليه أن يذبح شاته؛ لإطعام الكلب، ثم يجوز له أن يأكل من لحم تلك الشاة، وإن ذبحها للكلب؛ لأنه ذبحه للأكل.
ولو وجد المضطر ميتة، وطعامًا للغير- أيهما يأكل؟ فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: هو مخير أيهما شاء أكل.
والثاني: يأكل الميتة؛ لأن تحريمها لحق الله تعالى؛ فكان أيسر، ولأنه لا يلزمه به الضمان.
والثالث: يأكل مال الغير؛ لأن عينه حلال، ويلزمه الضمان.
فإن كان مالك الطعام حاضرًا، ويبيعه- يجب على المضطر أن يشتري؛ إن كان معه ثمنه، وإن غالى في الثمن، ولا يجوز له أكل الميتة، ثم أي ثمن يلزمه؟ فعلى وجهين، وإن وهب له صاحب الطعام- يجب أن يقبل، ولا يأكل الميتة، وإن لم يبعه صاحب الطعام، ولم يطعمه- ليس له أن يكابره، ولكن يأكل الميتة، قال الشيخ ﵀: إذا قلنا: "إذا وجد الميتة"، وقال الغير- له أن يأكل مال الغير"- يحتمل أن يقال "يكابره، فيأخذ منه الطعام، وإن قلنا بقول التخيير- فليس له ذلك.
ولو كان المضطر محرمًا، فوجد صيدًا- له أن يذبحه، ويأكله، وعليه الجزاء، وإن وجد صيدًا وميتة- فأيهما يأكل؟
[ ٨ / ٧١ ]
إن قلنا: المحرم إذا ذبح الصيد - يصير ميتة يأكل الميتة؛ حتى لا تلزمه الفدية.
وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه ثلاثة أقوال؛ كما لو وجد ميتة وطعام الغير.
ولو وجد المحرم صيدًا وطعام الغير: إن قلنا: الصيد يصير ميتة بذبحه- فهو كما لو وجد ميتة وطعام الغير، وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يتخير.
والثاني: يأكل [طعام الغير]؛ لأن جنسه مباح لكل أحد.
والثالث: يأخذ الصيد؛ لأن ضمانه لحق الله تعالى؛ فكان أخف.
ولو وجد المحرم ميتة، وصيدًا، وطعام الغير فإن قلنا: الصيد يصير ميتة بذبحه- فالصيد كالمعدوم، وإن قلنا: لا يصير ميتة- ففيه أربعة أقوال:
أحدها: يتخير؛ إن شاء أكل الميتة، وإن شاء أكل الصيد وفدى، وإن شاء أكل طعام الغير، وضمن قيمته.
والثاني: يأكل الميتة؛ حتى لا يلزمه الضمان.
والثالث: يأكل طعام الغير؛ لأن جنسه مباح لكل أحد.
والرابع: يأكل الصيد، ويفدي؛ لأن الضمان الواجب به لحق لله تعالى؛ فكان أخف.
ويجوز للمضطر إلى العطش شرب الدم والبول، ولا يجوز شرب الخمر؛ لأنه يزيده في العطش، ويدعو القليل منها إلى الكثير، ويجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي؛ إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه؛ فإن النبي- صلى الله عليه وسمل- أمر الرهط العرنيين بشرب أبوال الإبل.
وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤكبه- هل له تناوله؟ فيه وجهان، وهل يجوز شرب العليل من الخمر [للتداوي]؛ إذا لم يجد شيئًا يقوم مقامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه يدفع به الضرر عن نفسه؛ كما لو أكره على شربها [يجوز له شربها]، [وكما يجوز] شرب قليل السم للتداوي مثل السقمونيا ونحوه.
والثاني: لا يجوز؛ لما روي عن أم سلمة؛ أن النبيﷺ- قال: "إن الله لم يجعل
[ ٨ / ٧٢ ]
شفاءكم فيما حرم عليكم"، ولأن الخمر أم الخبائث، يدعو قليلها إلى كثيرها؛ فلا يؤمن أن يتولد منه ما هو شر من العلة، أما إذا غص بلقمة، ولم يجد مائعًا يسيغها سوى الخمر جاز شربها، والله أعلم.
[ ٨ / ٧٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم