بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
اليمين: هي تحقيق الأمر أو توكيد الأمر بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، وعند أصحاب الرأي: تحقيق الوعد بما يكفر بضده، وقيدوا بـ"الوعد"؛ لأن اليمين لا تنعقد عندهم في الماضي، والوعد يكون في المستقبل.
وقالوا: "إنما يكفر بضده"؛ لأن قصد الحالف بيمينه تعظيم الله﷿- ويكفر بضده، ولذلك قالوا: لو حلف باليهودية والنصرانية- يكون يمينًا؛ لأن قصده نفي اليهودية
[ ٨ / ٩٧ ]
والنصرانية عن نفسه، وبضده يكفر، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ فاليمين بالله؛ كقوله: "والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده ونحوه" يكون يمينًا" لأنه حلف بذاته، أما اليمين بالأسماء: فالأسماء على ثلاثة أضرب اسم مختص بالله﷿- كقوله: "والله، والرحمن ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والحي الذي لا يموت، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء، وما أشبه ذلك": فإذا حلف بشيء منها- كانت يمينًا منعقدة، سواء نوى اليمين أو أطلق أو نوى غير اليمين؛ فإن قال: لم أرد به اليمين- لا يقبل.
والضرب الثاني: اسم ينصرف إلى الله- تعالى- عند الإطلاق وإلى غيره عند التقييد؛ كقوله: "والرحيم والخالق والرازق والقادر والرب وما أشبه"؛ فإذا أطلق يكون يمينًا، وإن نوى به غير الله- لا يكون يمينًا؛ لأنه يقال: "فلان رحيم القلب" و"رب الدين" و"خالق الكذب" و"قادر على المشي" ونحو ذلك؛ فهو كما لو قيد، فقال: "ورازق الجيش، ورب الدين- لا يكون يمينًا، وسواء كان هذا الاسم مشتقًا من صفات الذات؛ مثل: "الرحمن الرحيم السميع البصير"، أو من صفات الفعل؛ مثل: "الخالق، والبارئ، وباسط الرزق، وفالق الإصباح، ومقلب القلوب، ونحوه"، فيكون يمينًا.
والضرب الثالث: يستعمل في غيره؛ كقوله: "والشيء، والموجود، والناطق، والعالم، والحي، والمؤمن"؛ فلا يكون يمينًا إلا أن ينوي.
فأما اليمين بالصفات: فالصفات قسمان [صفة ذات وصفة فعل؛ فصفة الذات كقوله: "وعظمة الله، وجلال الله، وعزة الله، وكبرياء الله، وبقاء الله، وكلام الله"؛ فهو يمين، وكذلك لو قال: "وعلم الله، وقدرة الله، ومشيئة الله" يكون يمينًا؛ لأن العلم والقدرة من] صفات ذاته التي لم يزل موصوفًا بها؛ كالصفات الستة، فإن أراد بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور- لا يكون يمينًا؛ لأن العلم يستعمل في المعلوم؛ كما يقال في الدعاء: اغفر لنا علمك الذي فينا، أي: معلومك، ويقال: "انظروا إلى قدرة الله، أي: مقدوره؛ فهو من صفات الفعل؛ كما لو قال: "ومعلوم الله، ومقدور الله"- لا يكون يمينًا؛ لأنه
[ ٨ / ٩٨ ]
حلف بمحدث؛ كما لو قال: وخلق الله، ورزق الله، ولو قال: وقرآن الله، وكتاب الله- يكون يمينًا؛ كقوله: "وكلام الله"، وعند أبي حنيفة: [كلام الله] لا يكون يمينًا، ولو قال: وحق الله- فهو يمين إلا أن يريد به العبادات؛ فإنها من حقوق الله- تعالى- على العباد؛ فلا يكون يمينًا، وقال المزني: "وحق الله" لا يكون يمينًا؛ لأنه ليس من صفات الذات، قلنا: "الحق" يستعمل ف العبادات، ويستعمل فيما يستحقه الباري من صفات الذات، فحمل مطلقه عليه؛ لكثرة الاستعمال على صفات الذات، ولو قال/: وحق الله، وقدرة الله بالرفع أو بالنصب- لا يكون يمينًا، إلا أن يريد به اليمين؛ لأنه يريد: حق الله واجب، وقدرة الله ماضية.
وحروف القسم ثلاثة: "الباء" و"الواو" و"التاء"، فإن قال: بالله، لأفعلن، أو: والله، أو: تالله- يكون يمينًا، نوى أو لم ينو، والتاء لا تستعمل إلا في اسم الله، فإن أراد بالباء المعجمة بواحدة: بالله أستعين، بالله أثق- فلا يكون يمينًا، وقال في "القسامة" "تالله" بالتاء المعجمة من فوق- لا يكون يمينًا؛ فمن أصحابنا من جعل فيه قولين والمذهب: أنه يمين؛ قولًا واحدًا؛ لقوله تعالى؛ إخبارًا عن إبراهيم" ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وعن إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]، وما نقل في القسامة: وقع مصحفًا؛ إنما قال الشافعي - ﵁-: "بالله، بالياء المعجمة باثنتين من تحت على سبيل النداء؛ لأنه دعاء ليس بيمين، وقيل: أراد به إذا حلفه الحاكم، فقال: قل: بالله، فقال هو: تالله بالتاء- لا يحسب؛ لأن يمين المدعى عليه يشترط أن يكون على وفق تحليف الحاكم، ولو قال: والله- بالرفع- يكون يمينًا، والخطأ في الإعراب لا يمنع انعقاد اليمين، ولو قال: الله، لأفعلن بحذف حرف القسم- فلا يكون يمينًا، إلا أن يريده؛ لأنه ليس بمعهود الشرع، ولا العرف، وقال صاحب "التلخيص": إطلاقه يكون يمينًا، ولو قال: "الله" منصوبًا أو مرفوعًا- فلا يكون يمينًا إلا أن ينويه، ولو قال: "وايم الله"- فهو كقوله: "وحق الله"، ومعناه: "وأيمان الله"- يكون يمينًا إلا أن يريد غير اليمين؛ لما روي أن النبيﷺ- قال في أسامة بن زيد: "وايم الله، إنه لخليق بالإمارة" ولو قال: "لاها الله" فهو يمين إن أراده؛ وإن لم يرد فليس بيمين؛ لأنه غير
[ ٨ / ٩٩ ]
متعارف؛ وكذلك لو قال: "لعمرو الله"- فلا يكون يمينًا إلا أن يريده فيكون يمينًا، قيل: معناه: لقاء الله، ولو قال: "أقسمت بالله، أو: أقسم بالله، أو: حلفت بالله، أو: أحلف بالله لأفعلن كذا". فإن أراد به يمينًا في الحال، أو أطلق- كان يمينًا؛ لأنه ثبت له عرف الشرع والعادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣]، وإن قال: أردت بقولي "أقسمت بالله وحلفت بالله": أني كنت أقسمت وحلفت وبقولي: "أقسم وأحلف": أني سأقسم- يقبل في الباطن، وهل يقبل في الحكم؟ نص الشافعي/ ههنا: أنه يقبل، ولا يكون يمينًا، وقال في "الإيلاء": لا يقبل؛ اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يقبل في الحكم؛ لأنه يمين في العرف.
والثاني- وهو الأصح-: يقبل؛ لأن ما يدعيه يحتمله اللفظ.
ومنهم من قال: في الإيلاء: لا يقبل في الحكم؛ لأنه تعلق به حق المرأة، ومبنى حقوق الآدميين على الشح والضيق، وفي غير الإيلاء: يقبل؛ لأنه لا يتعلق به إلا الكفارة، وهي من حقوق الله تعالى، ومبنى حقوق الله على المساهلة.
ولو قال: "شهدت بالله، أشهد بالله"؛ فإن أراد به اليمين، فإنه يمين؛ لأنه ورد به الشرع؛ قال الله تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، وأراد به اليمين فإن أراد به غير اليمين، فلا يكون يمينًا؛ لأنه قد يريد بالشهادة بالله غير الأيمان بالله، وإن أطلق ولم يكن له نية- ففيه وجهان:
أحدهما: هو يمين؛ لورود الشرع به.
والثاني: ليس بيمين؛ لأنه لم يجر به العرف.
ولو قال: "عزمت بالله، أو: وأعزم بالله" فلا يكون يمينًا إلا أن ينويه؛ لأنه يريد: أعزم على الفعل بمعونة الله، ولا يكون ذلك يمينًا [إلا أن ينويه].
ولو قال: "أقسمت أو: أقسم، أو: حلفت أو: أحلف، أو: شهدت أو: أشهد، أو: عزمت، أو: أعزم"، ولم يذكر اسم الله﷿-: لم يكن يمينًا، نوى أو لم ينو؛ لأنه لم يحلف باسم من أسماء الله، ولا صفة من صفاته، وقال أبو حنيفة﵀-: يكون يمينًا.
[ ٨ / ١٠٠ ]
ولو قال: "على عهد الله، وميثاقه، وأمانته، وكفالته"- فهو كقوله: "أشهد بالله". فإن أراد به اليمين، فهو يمين، ويكون المراد من العهد استحقاقه لما أوجبه علينا وتعبدنا به، وإن أراد غير اليمين فهو: ما أخذ علينا من العهد في العبادات- فليس بيمين، وإن أطلق- فعلى وجهين.
ولو قال: "نذرت الله" ففيه وجهان، ولو قال: "اعتصم بالله، وأستعين بالله، وأتوكل عليه، وأثق به"- فلا يكون يمينًا، وإن نوى، ولو قال لغيره: "أسألك بالله، أو: أقسم عليك بالله، لتفعلن كذا". فإن أراد بذلك الشفاعة، أي: أتشفع بالله عليك لتفعلن كذا- فلا يكون يمينًا، وكذلك إن كان أراد يمين من يقسم عليه، أن ينعقد للمسئول- فلا يكون يمينًا في حق واحد منهما؛ لأن السائل أراد يمين غيره، وهو المسئول، والمسئول لم يحلف، وإن أراد يمين نفسه؛ كأنه يحلف على المسئول: لتفعلن كذا-: كان يمينًا/ في حقه، ويستحب للمسئول أن ينوي في قسمه؛ لما روي عن البراء بن عازب، قال: "أمرنا رسول اللهﷺ- بسبع: بعبادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم"، ولو حلف رجل لا يفعل كذا، فقال غيره: يميني في يمينك، أو: أنا مثلك في اليمين- لا تنعقد اليمين بغير الله﷿- ويكره ذلك؛ كقوله: "والرسول والكعبة والسماء والأرض" ونحو ذلك؛ روي عن ابن عمر؛ أن رسول اللهﷺ- أدرك عمر بن الخطاب﵁- وهو يسير في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا، فليحلف بالله أو ليصمت"؛ فإن قيل: أليس، قد أقسم الله تعالى بالمخلوقات، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] وغيرها من الآيات؟ - قيل: ذكر الرب فيه مضمر، معناه: ورب النجم، ورب السماء؛ كما قال في موضع آخر: "فورب السماء والأرض، إنه لحق"، وقيل: إنما حلف بهذه الأشياء، لأنه ليس فوق الله أحد يعظم تعظيمه، فحلف بأعظم مخلوقاته، وقول النبيﷺ-: "أفلح وأبيه، إن صدق"- صلة للكلام- ليس بقسم؛ يدل عليه: أن اليمين للتعظيم، ولا يحلف بأب الأعرابي تعظيمًا له، ولو قال: إن فعلت كذا، فأنا برئ من الإسلام أو يهودي أو نصراني- فلا يكون يمينًا.
وعند أبي حنيفة-: يكون يمينًا، ومن سبق إلى لسانه لفظ اليمين من غير قصد؛ كقول الإنسان في لجاج أو عجلة، أو في صلة كلام: "لا، والله"، "بلى، والله"- لا يكون يمينًا،
[ ٨ / ١٠١ ]
وكذلك: لو أراد اليمين على شيء، فسبق إلى لسانه غيره- فلا ينعقد يمينه، ولا كفارة عليه؛ لقول الله - ﷿-: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت عائشة - ﵂-: لغو اليمين: "لا والله، بلى والله".
وعند أبي حنيفة: لغو اليمين: أن يحلف على أن مقتضى ظنه كذلك؛ فبان بخلافه لنا في هذا قولان؛ بناء على حنث الناسي.
ويصح اليمين على الماضي؛ كما يصح على المستقبل؛ فإن حلف على ماض؛ بأن قال: "والله، لقد كان كذا، ولم يكن كذا"/ وكان صادقًا- لا شيء عليه، وإن كان كاذبًا- نظر: إن كان عالمًا بالحال- فهو اليمين الغموس، وهي من جملة الكبائر؛ روي عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "الكبائر؛ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" وعندنا: تجب به الكفارة مع العلم، وإن كان جاهلًا، هل يلزمه الكفارة؟ فعلى قولين؛ بناءً على ما لو حلف على شيء [في المستقبل] ألا يفعله ثم فعله ناسيًا، هل تلزمه الكفارة؟ فيه قولان، وعند أبي حنيفة﵀-: اليمين على الماضي: لا يوجب الكفارة، بل إن كان عالمًا فهو كبيرة؛ لا تجب بها الكفارة كسائر الكبائر، وإن كان جاهلًا- فهو يمين اللغو، وربما يقولون: اليمين على الماضي لا تنعقد، والحجة عليهم أن الحكام عن آخرهم [يحلفون] على الماضي، ولو لم تكن منعقدة- لم يكن لتحليفهم معنى، وليس في كونه ماضيًا أكثر من أنه آثم به، فتكون أولى بوجوب الكفارة؛ كما أن الله تعالى أخبر؛ أن الظهار قول منكر وزور ثم أوجب ب الكفارة.
فصل في كراهية الحلف
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، اليمين في الجملة مكروهة إلا فيما لله فيه طاعة؛ كما قال النبيﷺ-: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا".
[ ٨ / ١٠٢ ]
ثم إن حلف على ترك مأمور: بأن حلف ألا يصلي، أو على ارتكاب محظور: بأن حلف أن يشرب الخمر، أو لا يكلم أخاه- عصى الله تعالى به ويجب أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه، ولو حلف على ترك مندوب؛ مثل: أن حلف ألا يعود مريضًا أو لا يزور صديقًا، أو على أن يأتي بمكروه- فالأصل: أن يحنث نفسه، ويكره أن يحفظ يمينه، روي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبيﷺ- "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير" وعن أبي موسى
[ ٨ / ١٠٤ ]
الأشعري- عن النبيﷺ- قال: "إني، والله، إن شاء الله/، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير".
وإن حلف على ترك مباح: بأن حلف لا يدخل الدار، أو: لا يأكل اللحم، ونحو ذلك- يباح له الحنث والإقامة على حفظ اليمين، وأيهما أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأولى أن يحفظ يمينه، ولا يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].
والثاني: الأولى أن يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
وقيل: إن حلف على التأييد، فالأولى أن يحنث نفسه، وإن كان مؤقتًا، فلا يحنث.
باب الاستثناء في الأيمان
روي عن ابن عمر؛ أن رسول اللهﷺ- قال: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه".
[ ٨ / ١٠٥ ]
إذا حلف على يمين، فقال- موصولًا به-: إن شاء الله- لا تنعقد يمينه، فإن سكت بين اليمين والاستثناء، أو تكلم بشيء آخر- لا يصح الاستثناء، إلا أن يسكت يسيرًا [بين اليمين]؛ كسكتة الرجل لتذكر أو لتنفس أو لعي أو لانقطاع صوت؛ فلا يمنع الاستثناء، والفصل بين اليمين والاستثناء ألطف من الفصل بين الإيجاب والقبول؛ لأنه كلام شخص واحد، والإيجاب والقبول يكون بين شخصين، ويشترط أن يعزم على الاستثناء في ابتداء كلامه، فلو لم يعزم، بل تداركه بعد الفراغ من اليمين فوصله به- لم يصح، ولو عزم في خلال اليمين- فيه وجهان، ولو علق اليمين بمشيئة آدمي- لا يخلو: إما إن علق الحنث بمشيئته أو منع الحنث: فإن علق الحنث بمشيئته - نظر: إن حلف على الإثبات، فقال: "والله لأدخلن هذه الدار، إن شاء فلان"، يعني: إن شاء فلان أن أدخلها"- فلا تنعقد يمينه حتى يشاء فلان الدخول؛ ودخوله قبل مشيئته لا حكم له، فإن شاء فلان أن يدخل- انعقدت يمينه، فإن دخل بر في يمينه، وإن لم يدخل بعد مشيئته، [فإن كان] قيد بزمان؛ بأن قال: "لأدخلن اليوم" حنث إذا مضى اليوم، وإن لم يقيد فيتقيد بالعمر: فإن مات بعد مشيئته قبل
[ ٨ / ١٠٧ ]
الدخول، حنث قبل الموت، وإن شاء فلان ألا يدخل، أو لم يشأ بأن لم يعلم، أو علم ولم يشأ، أو فقدت مشيئته/ بموت أو جنون- فلا حنث عليه؛ لأن يمينه لم تنعقد، وإن حلف على النفي، فقال: "والله، لا أدخل هذه الدار، إن شاء فلان"، يعني: إن شاء فلان ألا أدخل، فإن شاء فلان ألا يدخل: فإن لم يدخل بر في يمينه، وإن دخل حنث، وإغن شاء فلان أنيدخل، أو لم يشأ شيئًا، فلا حنث عليه، دخل أو لم يدخل.
أما إذا علق منع الحنث بمشيئته- لا يخلو: إما أن يحلف على الإثبات أو على النفي. فإن حلف على الإثبات، فقال: "والله، لأدخلن هذه الدار، إلا أن يشاء فلان [فلا يعني إلا أن يشاء فلان] ألا أدخل، فلا أحنث بترك الدخول؛ فقد عقد اليمين غير معلق، وجعل المشيئة شرطًا للخروج، وفي الصورة الأولى: علق انعقاد اليمين بالمشيئة فما لم يشأ لا ينعقد، ففي هذه الصورة: إن دخل بر في يمينه، شاء فلان أو لم يشأ، وإن لم يدخل - نظر: إن شاء فلان ألا يدخل بر، وإن شاء فلان أن يدخل، أو لم تعرف مشيئته- حنث.
وإن حلف على النفي، فقال: "والله، لا أدخل هذه الدار، إلا أن يشاء فلان"، فإن لم يدخل بر في يمينه، وإن دخل- نظر: إن كان قد شاء فلان قبل دخوله أن يدخل- بر، وإن كان قد شاء ألا يدخل، أو لم تعرف مشيئته- حنث، ومشيئته بعد الدخول لا تخرجه من الحنث؛ لأن الحنث قد حصل بالدخول قبل المشيئة، وعلى هذا: لو حلف ألا يدخل الدار إلا بإذن فلان، فمات فلان قبل الإذن، فدخل- حنث؛ لأن إذنه مانع من الحنث، ولم يوجد؛ [والله أعلم].
باب التكفير قبل الحنث.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه وليفعل".
[ ٨ / ١٠٨ ]
إذا حلف على شيء يجوز له أن يكفر قبل الحنث، إن كان الحنث جائزًا وعند أبي حنيفة: لا يجوز، والخبر حجة عليه؛ حيث قال: "فليكفر عن يمينه، وليفعل"؛ قدم التكفير على الفعل، ولأنه حق المال تعلق بسببين؛ فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين:/ كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحول، هذا إن أراد أن يكفر بإطعام أو كسوة أو عتق، أما التكفير بالصوم: فلا يجوز قبل الحنث؛ لأنه لا يجوز إلا بعد العجز عن التكفير بالمال، ولا يتحقق العجز إلا بعد الوجوب، ولأن الصوم عبادة بدنية؛ فلا يجوز تعجيله قبل الوقت كالصوم الشرعي لا يجوز تقديمه على دخول رمضان، ويجوز تعجيل الزكاة قبل الحول، وإن كان الحنث معصية؛ بأن حلف ألا يشرب الخمر ونحوه، فكفر قبل أن يشرب، هل يصح؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب المحظور، وكذلك المنذور: يجوز تعجيله، إن كان ماليًا؛ مثل: إن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبدًا،:إن] رد الله غائبي، فلله علي أن أتصدق بكذا"؛ فعجل العتق والصدقة قبل شفاء المريض وقدوم الغائب- جاز، وإن كان بدنيًا كالصوم والصلاة والحج- لم يجز تعجيله، وكذلك جميع الكفارات- يجوز تعجيلها بعد وجود سببها قبل وجوبها مثل كفارة الظهار بعد وجود الظهار قبل العود، وكفارة القتل بعد الجرح قبل زهوق الروح، وكذلك جزاء الصيد بعد جرح الصيد قبل الموت؛ وفدية الأذى بعد وجود الأذى قبل الحلق- يجوز، أما قبل الجرح والأذى: لا يجوز؛ كما لا يجوز كفارة اليمين قبل وجود اليمين، أما كفارة الجماع في شهر رمضان، وفي الحج- لا يجوز تقديمهما على الفعل؛ لأن الصوم ليس سببًا لوجوب
[ ٨ / ١٠٩ ]
الكفارة، ولا الإحرام؛ لأنهما يحرمان الجماع، وما يحرم شيئًا لا يكون سببًا لإيجاب ما يجب بارتكاب ذلك المحرم؛ فتكفيره قبل الفعل يكون تكفيرًا قبل وجود السبب، واليمين- ههنا- سبب؛ لأنه لا يمنع الحنث، وجوز أبو حنيفة كفارة القتل وجزاء الصيد بعد الجرح قبل الموت، وإن كفر بالصوم، ولو قال: "أعتقت عبدي عن كفارة يميني، إذا حنثت" يجوز العتق عن الكفارة، إذا حنث، أما إذا قال: "أعتقته عن كفارتي، إذا حلفت"- لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه قدم التعليق على اليمين، وفي الصورة الأولى: قدم على الحنث؛ فجاز، ولو قال: "إذا حنثت في يميني غدًا- فأنت حر عن/ كفارتي": فإن حنث غدًا، عتق عن الكفارة، وإن لم يحنث غدًا- لا يعتق العبد؛ لأن الصفة لم توجد، ولو قال لعبده: "انت حر عن كفارة يميني، [إن كنت حنثت]، ثم بان حانثًا- كان حرًا عن كفارته؛ وإلا فلا يعتق، قال الشيخ﵀-: ولو قال: "أنت حر عن كفارتي إن كنت حلفت وحنثت" فبان حالفًا- وجب ألا يجوز؛ لأنه كان شاكًا في وجود اليمين، وفي الصورة الأولى: لم يشك في اليمين، إنما شك في الحنث، والتكفير قبل الحنث جائز، ولو قال: "أنت حر عن ظهاري، إن كنت ظاهرت" فبان مظاهرًا- وجب ألا يجوز، ولو أعتق عبدًا عن كفارته قبل الحنث، ثم ارتد العبد قبل الحنث، ثم حنث- لم يحسب عن الكفارة؛ كما لو عجل الزكاة، ثم ارتد المدفوع إليه قبل الحول- لم يحسب.
قال الشيخ ﵀: وعلى هذا- القياس: لو مات العبد قبل الحنث، ويحتمل في الموضعين أن يحسب كالشاة المعجلة في الزكاة، إذا ماتت قبل الحول، والله أعلم.
باب كفارة اليمين
قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
كفارة اليمين مخيرة يتخير الحالف بين أن يطعم عشرة من المساكين، وبين أن يكسوهم أو يعتق رقبة: فإن عجز عنها يصوم ثلاثة أيام، فإن اختار الإطعام يجب أن يطعم كل مسكين مدًا بمد النبي - ﷺ وهو رطل وثلث من حب هو غالب قوت البلد، ولا يجوز
[ ٨ / ١١٠ ]
الدقيق و[لا] السويق ولا الخبز، ولا يجوز التفريق، وهو أن يطعم خمسًا ويكسو خمسًا، ويعتق نصف رقبة، وجوز أبو حنيفة أن يطعم البعض ويكسو البعض، ولم يجوز التفرييق بين العتق والإطعام والكسوة.
ولو كان عليه ثلاث كفارات لثلاثة أيمان، فأعتق ثلاث رقاب أو أطعم ثلاثين مسكينًا أو كساهم بنية الكفارة من غير تعيين/ جاز، وكذلك لو أطعم عشرًا [أو كسا عشرًا أو أعتق رقبة من غير تعيين- جاز]، فإن عين مبعضًا لم يجز، والنية شرط مقترنًا بالتكفير، فإن نوى قبلها ولم تحضره النية حالة التكفير- لم يجز، إلا ف الصوم؛ فإنه إذا نوى من الليل قبل طلوع الفجر- يجوز، ولو كفر عن غيره بغير أمره- لم يجز.
وإذا اختار الكسوة- يجب أن يكسو عشرة مساكين: كل مسكين ثوبًا واحدًا مما يقع عليه اسم الكسوة: قميص، أو سراويل، أو عمامة، أو مقنعة، أو إزار، أو رداء، أو طيلسان؛ لأن الشرع ورد [به] مطلقًا من غير تقدير، فحمل على ما يسمى كسوة، ولا يشترط أن يكون ما يدفع كافيًا للمدفوع إليه، حتى لو دفع إلى كبير سراويل صغيرة أو قطعة كرباس يحصل منه سراويل لصغير- جاز، ولا يتقدر بستر العورة، وقال مالك﵀-: يجب أن يعطى إلى كل شخص ما تجوز صلاته فيه، فيكسو الرجل ثوبًا، والمرأة ثوبين، وهو قول الشافعي﵁- في "القديم" وحكاه البويطي عنه؛ وقال الشيخ﵀-: وهذا أحسن الأقاويل.
وأولاها، ويجوز ما اتخذ من القطن والكتان والشعر والصوف، ويجوز القز والديباج؛ سواء كان المدفوع إليه رجلًا أو امرأة؛ لأنه لا يشترط أن يلبس بنفسه، فيجوز أن يعطي الرجال كسوة النساء، والنساء كسوة الرجال، ويجوز المصبوغ والبيض، وهل يجوز اللبيس؟ نظر: إن ذهبت قوته لم يجز، وإن لم تذهب- جاز كالرقعة، يجوز، إن لم تبطل منفعتها، ولا يجوز المتخرق، وإن كان مرفعًا- نظر: إن كان متخرقًا فرقع لم يجز، وإن خيط في الابتداء مرقعًا لا للخرق جاز، ولا يجوز الخف والجورب والنعل والمنطقة والتكة والقفازات؛ لأنه لا يقع عليها اسم الكسوة، وهل تجوز القلنسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الكسوة.
[ ٨ / ١١١ ]
وقال أبو إسحاق: يجوز؛ لأنه روي أنه سئل عمران بن حصين عن هذا؟ فقال: "لو قدم وفد على أميركم فكساهم قلنسوة، قلتم: قد كساهم؟ "، وقيل: في الخف المنعل والزريول وجهان.
ويجوز صرف طعام الكفارة وكسوتها إلى الصغار، ويدفع إلى أوليائهم، وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة كاملة الرق سليمة عن العيوب التي تضر بالعمل ضررًا بينًا؛ كما ذكرنا في الظهار، فإن عجز عن هذه الأشياء يجب أن يصوم ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن كان له مال، ولكنه غائب- لا يجوز أن يكفر بالصوم؛ لأن وقته موسع، فيصبر إلى أن يصل إلى المال، وهل يجب التتابع في صوم كفارة اليمين؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني-: يجب كما يجب في كفارة الظهار والقتل.
والثاني: لا يجب؛ لأن الله تعالى لم يذكر فيه [التتابع؛ كما أن قضاء رمضان لا يجب فيه التتابع]، لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فلم يذكر التتابع؛ [ولأنه] خفف الأمر فيه بإثبات التخيير وقلة العدد، وكذلك بإسقاط التتابع، فإن قلنا: يجب التتابع، فلو أفطر يومًا بغير عذر- يجب الاستئناف، [ولو أفطرت المرأة اليوم الثاني والثالث بعذر الحيض، هل يجب الاستئناف] فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ كما في صوم شهرين في كفارة القتل.
والثاني: [يجب]؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن هذه المدة قصيرة يمكن الاحتراز فيها عن الحيض خلاف الشهرين.
ولو مات، وعليه كفارة، يكفر من تركته، سواء أوصى به أو لم يوص، هذا هو المذهب، ثم إن كانت الكفارة مرتبة- يعتق من تركته عبد، وإن كانت مخيرة- يجب أنقص الأشياء قيمة من الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فإن كفر الوارث بأعلاها قيمة [من
[ ٨ / ١١٢ ]
الإطعام] جاز، ولو أوصى الميت بالعتق- وهو أكثر قيمة من الإطعام والكسوة- يعتبر من الثلث، وماذا يعتبر؟ فيه قولان:
أحدهما: جمع قيمة العبد فإن لم يخرج من الثلث أطعم عنه.
والثاني: يعتبر ما زاد على قيمة أنقصها قيمة.
وكذلك لو أوصى بأن يكسى عنه- وقيمة الكسوة أكثر من قيمة الطعام- فيعتبر [من الثلث] جميع قيمة الكسوة، أم ما زاد على قيمة الطعام؟ فعلى قولين، فإن أوصى بأن يطعم عنه، وقيمة الطعام أقل، يطعم عنه من رأس المال، فإن تبرع الوارث بإعتاق رقبة من مال الميت، جاز.
فصل في كفارة يمين العبد
إذا حنث العبد في يمينه، فلا يتصور منه التكفير بالمال؛ لأنه لا ملك له، بل يكفر بالصوم، ثم ينظر: إن كان الصوم يضر به لشدة الحر وطول النهار، فهل له أن يصوم بغير إذن المولى؟ نظر: إن حلف بإذنه وحنث بإذنه، فله أن يصوم بغير إذنه، وإن حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه، فلا يصوم إلا بإذنه، ولو صام حسب، وإن كان أحدهما بإذنه دون الآخر، ففيه وجهان:
أصحهما: الاعتبار باليمين، فإن كان اليمين بإذنه، والحنث بغير إذنه- له أن يصوم بغير إذنه، وإن كان اليمين بغير إذنه- فلا يصوم إلا بإذنه.
والثاني: الاعتبار بالحنث: فإن كان الحنث بإذنه، صام بغير إذنه، وإن كان الحنث بغير إذنه، صام بإذنه، فحيث قلنا: لا يصوم إلا بإذنه: فإن كان الصوم لا يضر به كالصوم في الشتاء، فهل له أن يصوم بغير إذنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه لا ضرر على السيد فيه.
والثاني: لا يصوم إلا بإذنه؛ لأن الصوم يثبطه عن العمل وينقص من نشاطه، فكل موضع قلنا: لا يصوم إلا بإذنه: فلو صام أجزأه كما لو صلى الجمعة دون إذنه.
ولو ملكه السيد طعامًا أو كسوة ليكفر به: إن قلنا: العبد يملك بالتمليك، جاز، وعليه أن يكفر به، وإن قلنا: لا يملك- وهو المذهب- لم يجز، بل يكفر بالصوم، وكذلك
[ ٨ / ١١٣ ]
لو كفر عنه السيد [بالإطعام أو الكسوة بإذنه] فعلى هذين القولين، أما إذا ملكه عبدًا ليعتقه أو أعتق عنه عبدًا بإذنه- لا يجوز؛ لأنه يعقب الولاء، والعبد ليس [أهلًا أن] يثبت [له] الولاء، ولو مات العبد، ثم كفر عنه السيد بعد موته بإطعام أو كسوة- جاز، لا خلاف فيه؛ لأن التمليك بعد الموت ليس بشرط، ولو أعتق عنه لم يجز، ولو حنث العبد في يمينه، ثم عتق: إن كان معسرًا يكفر بالصوم، وإن كان موسرًا: إن قلنا: الاعتبار في الكفارات بحالة الأداء، وهو الأصح: يجب أن يكفر بالإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، وإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب- يجوز أن يكفر بالصوم، وهل يجوز أن يكفر بالمال؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز كالحر إذا كان معسرًا حالة الوجوب، ثم أيسر- فله أن يكفر بالإعتاق والإطعام والكسوة على الأقوال كلها.
والثاني: لا يجوز بخلاف الحر إذا/ أيسر؛ لأنه كان يوم الحنث من أهل التكفير بالمال؛ ولأنه لو تكلف واستدان، فكفر بالمال- جاز، والعبد لم يكن يوم الحنث من أهل التكفير بالمال إلا على قولنا القديم؛ إنه يملك بالتمليك فله أن يكفر بالإطعام والكسوة، وإن كان بعضه حرًا وبعضه رقيقًا: فإن كان معسرًا يكفر بالصوم، وإن كان له مال فلا يجوز أن يكفر بالعتق؛ لأنه يعقب الولاء؛ لأنه ليس من أهله، وعليه أن يكفر بالإطعام أو الكسوة، وهو- في هذا الحكم- كالحر؛ كما إذا وجد ثمن الماء- لا يجوز أن يصلي بالتيمم أو ثمن الثوب لا يجوز أن يصلي عريانًا، ومن أصحابنا من قال- وهو قول المزني﵀-: هو [كالعبد القن]، لا يجوز أن يكفر بالمال؛ لأنه ناقص بالرق؛ كالحر إذا لم يجد إلا نصف الكفارة ينتقل إلى الصوم، والأول أصح؛ لأنه واجد لتمام الكفارة بنصفه الحر، ولا حق للمولى فيه؛ بخلاف الحر، لم يجد إلا بعض الكفارة، والله أعلم.
باب جامع الأيمان
إذا حلف لا يسكن هذه الدار ولا يقيم فيها، فخرج في الحال- لم يحنث، وإن ترك المتاع فيها، وإن أقام وبعث المتاع والرحل- حنث؛ لأنه حلف على سكنى نفسه، لا على متاعه، وعند أبي حنيفة﵀-: إن نقل المتاع، ولم يخرج- لم يحنث، وإن خرج
[ ٨ / ١١٤ ]
ولم ينقل المتاع- حنث، ولو مكث ساعة من غير عذر أو لأكل أو شرب أو غيره- حنث، وإن اشتغل بأسباب الخروج من جمع المتاع وإخراج الأهل أو لبس الثوب- لم يحنث.
وإن كان مريضًا لا يقدر على الخروج: فإن لم يجد من يخرجه- لم يحنث، وإن وجد من يأمره، فلم يأمره، حنث؛ وإن مرض وعجز بعدما حلف، فلم يكنه الخروج- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره؛ قال الشيخ ﵀: وكذلك لو كان بالليل، فخاف العسس، وإن عاد مريضًا مارًا- لم يحنث، وإن قعد عنده حنث، ولو خرج في الحال، ثم دخل أو كان خارجًا حين حلف، ثم دخل- لا يحنث بالدخول ما لم يمكث، فإذا مكث حنث إلا أن يشتغل بحمل المتاع؛ كما في الابتداء/.
ولو حلف لا يساكن فلانًا في هذه الدار أو في هذا البيت- وهما فيه- فخرج أحدهما في الحال- لم يحنث الحالف، وإن مكثا ساعة حنث، وإن ساكنه في دار أخرى أو بيت آخر- لم يحنث، وإن خرج أحدهما، ثم عاد، فسكنا- حنث، وإن بنى بينهما جدارًا من جص أو طين، ولكل واحد من الجانبين مدخل، أو فتحا في الحال مدخلًا، هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن البناء يحتاج إلى مدة، وهما يتساكنان في تلك المدة.
والثاني- وهو الأصح-: أنه لا يحنث؛ لأن البناء اشتغال برفع المساكنة.
أما إذا خرج في الحال، ثم أمر ببناء الجدار، ثم عاد- لم يحنث، ولو قال: لا أساكن فلانًا مطلقًا وأراد: في بيت أو في دار، أو [في] سكة- حمل عليه، وإن لم تكن له نية، فإن ساكنه في بيت واحد بحنث] وإن كانا في سكة في دارين- لا يحنث؛ وإن كانا في دار واحدة، أو في خان واحد في بيتين- هل يحنث؟ فيه وجهان، وإن كان في الدار حجرتان مرافقهما متميزة من المدخل والمطبخ والمستحم، وسكن كل واحد حجرة- لا يحنث، ولو حلف لا يدخل دارًا، فدخل صحنها، ولم يدخل البناء- حنث، وكذلك لو دخل الدهليز الذي خلف الباب أو بين البابين- حنث، ولو دخل الطاق ال ذي قدام الباب- لم يحنث، وقيل: يحنث، ولو صعد سطحها، فإن كان غير محوط- لم يحنث، وإن كان محوطًا- ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه يحيط به سور الدار.
[ ٨ / ١١٥ ]
والثاني: لا يحنث؛ لأن السطح حاجز بين الدار وخارجها؛ فصار كما لو لم يكن محوطًا، وكما لو صعد حائط الدار.
ولو كانت في الدار شجرة منتشرة أغصانها، فتعلق بغصن منها، فصعدها، فإن نزل على طرف السطح حتى أحاط به حائط الدار- حنث، وإن حازى السطح، فهو كما لو صعد السطح، وإن حلف لا يخرج من هذه الدار فصعد السطح: إن لم يكن محوطًا- حنث، وإن كان محوطًا- فوجهان، ولو حلف لا يدخل هذه الدار، وهو فيها، فلم يخرج- لا يحنث؛ لأنه لا يعبر بالدخول عن المقام كما لو حلف لا يسكن لا يحنث بالدخول؛ [لأنه لا يعبر بالسكنى عن الدخول]، وكذلك: لو حلف لا يخرج من هذه الدار، وهو خارج- لا يحنث تى/ يدخل ويخرج؛ حينئذ يحنث، وكذلك: لو حلف لا يتزوج، وهو متوزج، أو لا يتطهر، وهو متطهر، فدام عليه- لا يحنث؛ لأنه لا يعبر [فيه] بالدوام عن الابتداء، أما إذا حلف لا يلبس ثوبًا، وهو لابسه، فلم ينزع في الحال، أو حلف لا يركب دابة، وهو راكبها، فلم ينزل- حنث؛ لأنه يعبر باللبس والركوب عن الاستدامة؛ بدليل أنه لو قيل له: انزع الثوب يصح أن يقول: حتى ألبس ساعة، ولو قيل: انزل عن الدابة، يصح أن يقول: حتى أركب ساعة، ولو قيل: اخرج من الدار- لا يحسن [في جوابه] أن يقول: حتى أدخل ساعة، بل يقول: حتى أسكن ساعة، حتى لو حلف لا يلبس ثوب فلان، وهو لابسه، فاستدام- حنث، ولزمته كفارة، فلو حلف ثانيًا لا يلبسه، فاستدام- عليه كفارة أخرى؛ لأن اليمين الأولى قد انحلت بالاستدامة الأولى، والدليل عليه أيضًا: أنه يجوز أن يقدر المدة بهذه الشياء، فيقول: لبست يومًا، وركبت ليلة، وسكنت شهرًا، أو أقمت يومًا، ولا يصح أن يقول: دخلت الدار يومًا، أو تزوجت شهرًا، أو تطهرت يومًا، ولو حلف [أن] لا يقوم، وهو قائم، فلم يقعد، أو حلف أن لا يقعد، وهو قاعد، فلم يقم- حنث؛ لأنه يعبر بالقيام والقعود عن الدوام، ولو حلف- لا يتطيب، وهو متطيب فاستدام- هل يحنث؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحنث؛ لأن الاستدامة لا تجعل كالابتداء فيه؛ بدليل أنه إذا تطيب فأحرم واستدام ذلك الطيب بعد الإحرام- لا تجب عليه الفدية.
[ ٨ / ١١٦ ]
والثاني: يحنث؛ ويجعل كما لو ابتدأ؛ بدليل أن المحرم لو تطيب ناسيًا لا فدية عليه، ولو علم واستدام: تجب عليه الفدية.
ولو حلف ألا يطأ، وهو في خلال الوطء، فلم ينزع [فهل يحنث]؟ فيه وجهان.
ولو حلف في خلال الصلاة ناسيًا ألا يصلي- تنعقد يمينه، ولا تبطل صلاته، وهل يحنث بالاستدامة؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو حلف ألا يصلي، فشرع فيها، ثم أفسد [ها، ولو] حلف ألا يصوم فأصبح صائمًا فأفطر- هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحنث بالشروع؛ لأنه يسمى صائمًا ومصليًا.
والثاني: لا يحنث حتى يصلي/ ركعة [ويتشهد] ويسلم، وحتى يتم صوم يوم لأنه يفرض أن يفسد، فيخرج ما مضى من أن يكون صلاة أو صومًا؛ ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي- لا يبر حتى يصلي ركعة ويسلم، ولو نذر أن يصوم لا يبر، حتى يصوم يومًا، فإن قلنا- هناك-: يحنث بالشروع في الصلاة- فههنا: إذا حلف في خلال الصلاة- لا يحنث بالاستدامة؛ لأنه لم يوجب الشروع، وإن قلنا- هناك-: لا يحنث حتى يتم ويخرج فههنا: يحنث إذا أتمها وخرج، قال الشيخ﵀-: وكذلك لو حلف الصائم ألا يصوم، فاستدام- هل يحنث؟ فعلى هذين الوجهين.
ولو حلف ألا يغضب، [وكان قد] غضب، فأمسك المغضوب- لا يحنث، ولو حلف ألا يستقبل القبلة، وكان مستقبلها، فدام عليه- حنث، وعند أبي حنيفة: إذا حلف ألا يصوم، فأصبح صائمًا- حنث، وإن أفطر بعده، وإن حلف ألا يصلي، فشرع فيها- لم يحنث، ما لم يسجد؛ لأن الصوم فعل [واحد]، وهو الإمساك، فإذا أمسك لحظة، فقد حصل الاسم، والصلاة أفعال متغايرة، فما لم يصل ركعة لا يحصل الاسم؛ فلا يحنث، ولو حلف ألا يسافر، وهو في السفر، فأخذ في العود- لم يحنث؛ لأنه في العود تارك السفر، وإن استدام السفر حنث.
ولو حلف لا يدخل دارًا، فأدخل فيها رأسه، أو وضع فيها إحدى رجليه- لم
[ ٨ / ١١٧ ]
يحنث، وإذا وضع [فيها] رجليه معتمدًا عليهما- حنث، وكذلك: لو حلف ألا يخرج منها، فأخرج رأسه أو إحدى رجليه- لم يحنث، [وإذا] أخرج رجليه معتمدًا عليهما- حنث، وإن كان قاعدًا فمد رجليه، فأخرج قدميه- لم يحنث ولو حلف لا يدخل دارًا، فحمل وأدخل- نظر، إن حمل بأمره- حنث؛ كما لو ركب دابة ودخلها، وإن حمل بغير أمره- لم يحنث؛ سواء [كان] أمكنه الامتناع، فلم يفعل وتراخى أو لم يمكنه الامتناع.
وقال مالك﵀-: إن تراخى وأمكنه الامتناع- حنث.
ولو كان في الدارن هر جار، فطرح نفسه فيه، حتى حمله إلى الدار- حنث؛ لأنه دخلها باختياره، وإن كان نائمًا، فانقلب، فحصل فيها- لم يحنث، ولو دخلها ناسيًا باليمين، أو جاهلًا بالدار- هل يحنث؟ فيه قولان:
أحدهما: يحنث؛ لوجود الفعل المحلوف عليه.
والثاني:/ لا يحنث؛ لقوله﵇-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن قلنا: لا يحنث، فلو مكث بعدما دخل- لم يحنث بالمكث، وكذلك: لو أكره حتى دخلها- هل يحنث؟ فيه قولان:
أحدهما: يحنث؛ لوجود الدخول.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه مكره.
فإن قلنا: يحنث، ينحل اليمين وتلزمه الكفارة، وإن قلنا: لا يحنث، فهل تنحل اليمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنحل؛ لوجود الفعل المحلوف عليه، ولكن لا كفارة عليه؛ لكونه مكرهًا.
والثاني: لا تنحل؛ حتى لو دخل بعده مختارًا، لزمته الكفارة.
[ ٨ / ١١٨ ]
وكذلك: كل فعل أو قول حلف عليه ألا يفعله؛ مثل: أن حلف لا يأكل كذا، أو لا يكلم فلانًا، أو نحو ذلك، ففعل ناسيًا أو مكرهًا- هل يحنث؟ فيه قولان.
ولو حلف ألا يدخل هذه الدار، فانهدمت، إن كانت الأسس باقية، فدخلها- حنث، وإن صارت فضاءً، أو جعلت بستانًا أو مسجدًا أو حمامًا أو حانوتًا، فدخلها- لم يحنث؛ لأنه زال عنها اسم الدار، فلو أعيدت دارًا- نظر: إن أعيدت بغير تلك الآلة فدخلها- لم يحنث؛ لأنها غير تلك الدار.
وإن أعيدت بتلك الآلة، ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنها عادت كما كانت.
والثاني: لا يحنث؛ لأنها غير تلك الدار.
وكذلك: لو حلف ألا يدخل هذا البيت، فصار فضاءً، فدخله- لم يحنث، وعند أبي حنيفة: في البيت لا يحنث، كما قلنا، أما الدار إذا صارت فضاءً، فدخلها- حنث؛ لأن العرب تسمي آثار الدار الخربة دارًا، ووافقنا أنه لو حلف منكرًا، فقال: لا أدخل دارًا، فدخل دارًا بعدما صارت فضاءً: أنه لا يحنث، فنقيس عليه وعلى ما لو جعلها حمامًا، قالوا: لا يحنث بدخولها.
ولو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا يسكنها فلان ملكًا- حنث، وإن كان يسكنها بإجارة أو إعارة أو غصب- لا يحنث، إلا أن يريد مسكن فلان، فيحنث، وإن كان لفلان دار لا يسكنها، ويسكنها غيره، فدخلها- حنث، فإن أراد مسكه، لا يحنث، وعند أبي ثور: يحمل قوله: "دار فلان" على المسكن، سواء كان يسكنها فلان بملك أو إجارة أو إعارة أو غصب، وكان شيخي﵀-/ يقول: إذا قال ذلك بالفارسية- يحمل على المسكن، ولو كان لفلان دار حين حلف الحالف، فباعها، ثم دخلها- لم يحنث؛ لأنه لم يدخل دار فلان، فإن عين وقال: والله، لا أدخل دار فلان هذه؛ فباعها فلان، ثم دخلها- حنث؛ لنه عقد اليمين على عين الدار، إلا أنه أضافها إلى الملك فزوال الملك لا يسقط الحنث، وكذلك: لو حلف لا يكلم عبد فلان هذا، أو زوجة فلان هذه، فكلمه بعدما باعه أو طلقها- حنث، إلا أن تكون نيته ما دامت الدار أو العبد [في] [ملكه] أو الزوجة في نكاحه؛ فلا يحنث بعد زوال الملك والنكاح، وعند أبي حنيفة: في الدار لا يحنث، إذا دخلها بعد زوال
[ ٨ / ١١٩ ]
ملك فلان؛ لأن المقصود من اليمين هجران صاحب الدار، لا هجران الدار، فبعد البيع: لا يحنث بالدخول، وفي الزوجة- والعبد: يحنث؛ لأنهما يقصدان بالهجران، وكذلك - عندنا-: لو حلف لا يكلم سيد هذا العبد هذا، أو زوج هذه المرأة هنا، فكلمه بعدما باعه أو طلقها- حنث، ولو لم يشر، بل قال: لا أكلم عبد فلان أو زوجة فلان، فكلم بعد البيع والطلاق- لم يحنث، وكذلك: لو قال: لا أكلم سيد هذا العبد أو زوج هذه المرأة، فباعه، وطلقها، ونكحها غيره، فكلم البائع أو الزوج المطلق- لم يحنث، ولو كلم المشتري أو الزوج الثاني- حنث، فإن قيل: قد قلتم: إذا حلف لا يدخل هذه الدار، فصارت فضاءً، فدخلها- لم يحنث؛ لتبدل الاسم، ولو قال: دار فلان هذه، فتبدل الملك، فدخلها- حنث-: فما الفرق؟ قلنا: لأن الإضافة لا تكون للتأبيد؛ فإن الملك عرضة للزوال بأسباب كثيرة، فغلبنا الإشارة على الإضافة، والاسم يكون للتأبيد غالبًا، وتبدله نادر، فاعتبرناه، وغلبناه على الإشارة.
ولو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا مشتركة بين فلان وغيره، أو لا يلبس ثوب فلان، فلبس ثوبًا مشتركًا بينه وبين غيره- لم يحنث؛ لأنه عقد اليمين على ما يكون الجميع له.
ولو حلف لا يدخل هذه الدار من هذا الباب، فدخل تلك الدار من موضع آخر- لم يحنث، ولو قلع ذلك الباب من ذلك الموضع وركب على موضع آخر من تلك الدار، ودخل من المنفذ الأول- يحنث، ولو دخل من الموضع الذي ركب عليه [الباب] لا يحنث؛ لأن اليمين معقودة على الممر لا على عين الباب، إلا أن يريد عين المكان والباب؛ فسواء دخل من المنفذ الأول أو الموضع الذي ركب عليه الباب- لم يحنث، ومن أصحابنا من قال: مطلقه يحمل على المكان وعين الباب جميعًا، فأيهما فقد- لم يحنث، والأول أصح أن مطلقه محمول على المكان، وإن كانت نيته عين الباب، فإذا ركب على موضع آخر من تلك الدار، فدخلها من ذلك الموضع- -حنث، وإن دخل من المنفذ الأول- لم يحنث، ولو ركب الباب على دار أخرى، فدخل الدار الأخرى من ذلك الباب- لا يحنث، إلا أن ينوي لآ أدخل من هذا الباب، فعلى أي دار ركب، فدخل- حنث، ولو حلف لا يدخل من هذا الباب- يحمل على الخشبة أم على المنفذ-[فيه] وجهان، ولو قال: لا أدخل هذه الدار من بابها أو [لا] أدخل من باب هذه الدار، فسد بابها، وفتح من مكان
[ ٨ / ١٢٠ ]
آخر باب، ففيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: اليمين انعقدت على الباب الأول، فلا يحنث بالدخول من الثاني؛ كما لو حلف لا يدخل دار زيد، فباعها زيد، ثم دخلها- لم يحنث.
والثاني- وهو الأظهر، وهو قول أبي إسحاق-: يحنث بالدخول من الباب الثاني؛ لأنه عقد اليمين على بابها، وبابها- الآن- هذا الثاني، كما لو حلف ألا يدخل دار زيد، فباع زيد داره، واشترى دارًا أخرى- يحنث بدخول التي اشتراها دون الأولى.
ولو حلف لا يدخل بيتًا، فدخل أي بيت كان من مدر أو طين أو آجر أو هجر أو خشب أو أدم أو شعر، أو دخل خيمة- يحنث؛ لأن اسم البيت ينطلق على الكل؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨.]، وكلها للإيواء والسكنى.
ومن أصحابنا/: من قال- وهو قول [ابن سريج]-: إذا كان الحالف قرويًا، فدخل خيمة أو بيتًا من شعر أو أدم- لا يحنث؛ لأن أهل القرى لا يطلقون عليها اسم البيت، والأول أصح؛ لأن كلها مبنية للسكنى؛ كالبدوي إذا دخل بيتًا من طين، أو مدر يحنث، وإن لم يكن ذلك متعارفًا فيهم، وإذا قال بالفارسية، فلا يحنث إلا ببيت مبني، ولو دخل بيت المسجد أو الكعبة أو غارًا في الجبل أو بيت الحمام- لا يحنث؛ لأنها غير مبنية للإيواء والسكنى؛ فلا يدخل في إطلاق اسم البيت وكذلك لو دخل بيعة أو كنيسة- لا يحنث؛ لأن مطلقه يتناول بيوت العباد.
ولو حلف لا يدخل على فلان بيتًا، فدخل بيتًا، وفلان فيه مع غيره- نظر: إن كان عالمًا بكونه فيه، ولم يعزله بقلبه- حنث، وإن عزله بنيته، ونوى الدخول على غيره- ففيه قولان:
أحدهما: يحنث؛ لوجود الدخول عليه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لم يقصد الدخول عليه.
وإن دخله، ولم يعلم أن فلانًا فيه- فعلى قولي حنث الناسي.
ولو كان المحلوف عليه وحده فيه، فدخل الحالف عالمًا به؛ لنقل متاع أو لشغل آخر: فإن لم يعزله بنيته- حنث، وإن عزله- قيل: فيه قولان؛ كما لو كان فلان مع غيره،
[ ٨ / ١٢١ ]
وقيل: ههنا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن الغير يكون مدخولًا عليه، والمتاع لا يكون مدخولًا عليه؛ لأنه [لا] يقال: فلان دخل على المتاع؛ فلا يمكن صرف الدخول إليه، ولو حلف ألا يسلم على فلان، فسلم على جماعة، وفلان فيهم - نظر: إن لم يعلم كونه فيهم، هل يحنث؟ فعلى قولي حنث الناسي، وإن علم كونه فيهم: إن لم يعزله بنيته- حنث، وإن عزله بنيته- نص على أنه لا يحنث، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو دخل على المحلوف عليه، وهو مع غيره، فعزله بنيته، ومنهم من قال: ههنا لا يحنث قولًا واحدًا، وهو الأصح؛ بخلاف الدخول؛ فإنه فعل وقد حصل على الكل؛ فلا يتميز بالاستثناء، وأما السلام، فإنه قول؛ فيجوز تخصيصه بالاستثناء؛ فإنه قد يكلم واحدًا بمحضر جماعة، ويصح أن يقول لقوم: سلام عليكم إلا على فلان، ولا يصح أن يقول: دخلت عليكم إلا على فلان؛ فهو فيهم.
فصل فيما لو حلف لا يلبس هذا الثوب.
إذا حلف لا يلبس هذا الثوب، واتخذ منه قميصًا أو سراويل أو قباء أو اتزر أو ارتدى به أو تعمم أو على أي وجه لبس- حنث، ولو كان معه رداء فحلف، وقال: لا البس هذا الثوب رداءً، فارتدى به- حنث، [فإن اتزر به أو تعمم أو جعله قميصًا أو سراويل، فلبسه، أو قال: لا ألبسه سراويل، فاتزر به أو لا ألبسه قميصًا، فارتدى- به- لم يحنث، ولو قال: لا ألبسه وهو رداء، فارتدى به، أو اتزر به أو تعمم- حنث؛ لأنه لبسه وهو رداء، وإن جعله قميصًا أو سراويل] فلبسه- لم يحنث؛ لأنه لم يلبسه وهو رداء، ولو قال: لا ألبس هذا الرداء، فارتدى به- حنث، ولو اتزر به أو تعمم أو جعله قميصًا، فلبسه- هل يحنث؟ فيه وجهان، وكذلك لو قال: لا ألبس هذا السراويل، فاتزر به، أو قال: لا ألبس هذا الخف، فاتخذ منه نعلًا، ولبسه، أو ذا القميص، فجعله حبة- فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لوجود الإشارة.
والثاني: لا يحنث؛ لتبدل الاسم؛ كالدار إذا صارت فضاءً.
[ ٨ / ١٢٢ ]
قال الشيخ﵀ -: فإن قلنا: لا يحنث: فلو قال: هذا القميص، فشقه، ثم أعاده، أو هذا الخف، ففتقه، وأعاده- هل يحنث إذا لبسه؟ فيه وجهان؛ كالدار إذا هدمها، ثم بناها بتلك الآلة، ولو حلف لا يلبس هذا الغزل، فنسجه، ولبسه- حنث؛ لأن الغزل لا يمكن لبسه، إلا منسوجًا؛ فكان يمينه على منسوجه؛ كما لو حلف لا يأكل هذا الحيوان، فذبحه، وأكله- حنث؛ لأنه لا يمكن أكله حيًا، فيمينه كان على لحمه.
ولو حلف لا يلبس شيئًا، فلبس درعًا أو جوشنًا أو خفًا أو نعلًا- هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه لبس شيئًا.
والثاني: لا يحنث؛ لن إطلاق اللبس لا ينصرف إلى غير الثياب.
فلو حلف لا يلبس حليًا، فلبس خاتمًا من ذهب أو فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو غيره من الجواهر- يحنث؛ لأن جميعها حلي؛ قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] وإن لبس شيئًا من الخرز؛ قال الشيخ: فإن كان من عادته التحلي به؛ كأهل السواد- حنث؛ لأنهم يسمونه حليًا، وهل يحنث بلبسه غيرهم؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا فيما لو حلف [ألا] يدخل بيتًا، فدخل غير البدوي بيتًا من شعر- هل يحنث؟ فيه وجهان.
ولو تقلد سيفًا محلى- لم يحنث؛ لأن السيف ليس بحلي، ولو لبس منطقة محلاة- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ كالسيف.
والثاني: يحنث؛ لأنها من حلي الرجال.
ولو حلف لا يلبس خاتمًا، فلبسه في غير الخنصر- لا يحنث؛ لأنه غير متعارف [كما] لو حلف ألا يلبس قلنسوة، فلبسها في رجله - لم يحنث، ولو حلف لا يلبس ثوب فلان، فوهب له فلان [ثوبًا]، وسلمه غليه، فلبسه- لم يحنث؛ لأنه لبس ثوب نفسه لا ثوب فلان، ولو قال: لاى البس ثوب رجل من عليه، فوهب له رجل ثوبًا، فلبسه- حنث؛
[ ٨ / ١٢٣ ]
لأن الهبة لا تخلو عن منة، فلو باع ما وهب له، واشترى بثمنه ثوبًا، فلبسه- لم يحنث، وقال مالك: يحنث، ولو من عليه رجل، فحلف لا يشرب له ماءً من عطش، فأكل له خبزًا، أو لبس له ثوبًا، أو شرب له ماءً من غير عطش- لم يحنث؛ لأن اليمين على شرب الماء من العطش، ولم يوجد.
ولو حلف لا يركب دابة العبد، فركب دابة هي باسم العبد- لا يحنث؛ لأن العبد لا ملك له، إلا أنيريد دابة هي باسمه، فإن ملكه السيد دابة، فركبها: إن قلنا: يملك العبد بالتمليك- يحنث، وإلا فلا، ولو حلف لا يركب دابة المكاتب، فاشترى المكاتب دابة، فركبها- حنث؛ لأن المكاتب ملكها، ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده- حنث، فإن كان سيده ملكه دابة، فركبها: إن قلنا: العبد يملك بالتمليك- لا يحنث، وإن قلنا: لا يملك- يحنث، ولو حلف لا يركب سرج هذه الدابة، فركب سرجًا هو مرسوم لتلك الدابة- حنث؛ لأن المقصود من تلك الإضافة التعريف لا الملك، قال الحليمي - ﵀-: إذا عقد اليمين على مملوك- انصرف إلى المالك؛ مثل: أن حلف لا يكلم عبد فلان ولا عبد له، فملك، كلمه- حنث؛ لأن المالك كان موجودًا يوم اليمين، وإذا عقد على غير مملوك- انصرف إلى المحلوف عليه، دون المضاف إليه؛ مثل: أن حلف لا يكلم بني فلان، ولا ابن له، فولد له بنون، فكلمهم- لم يحنث؛ لأن المحلوف عليه، لم يكن موجودًا يوم اليمين، ولو حلف، لا يجلس على الحصير، فبسط عليه ثوبًا، وجلس عليه- لم يحنث، فإن لم يبسط عليه شيئًا، بل جلس مع [ثياب] بدنه، وإن لم يمس شيئًا من الحصير يحنث.
ولو حلف لا يجلس على البساط، فجلس على الأرض- لا يحنث/ وإن سماها الله تعالى بساطًا؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] لأنه لا يطلق عليه اسم البساط في العرف؛ كما لو حلف لا يعلق شيئًا على الوتد، فعلق على جبل- لم يحنث، وقد سماه الله تعالى وتدًا، فقال: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧].
إذا حلف لا يأكل الرءوس، ولا نية له، يحمل على الرءوس التي تباع منفردة عن
[ ٨ / ١٢٤ ]
الأبدان، وهي رءوس النعم، فإن أكل رأس طير أو صيد أو حوت- لم يحنث؛ لأنها لا تباع منفردة، فإن كان في بلد يفرد فيه رءوس الظباء والصيود ورءوس الحيتان، فيشوى- يحنث هناك بأكلها، وهل يحنث بأكلها في سائر البلاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه يعتبر لكل بلد عرفهم.
والثاني: يحنث؛ لأن ما ثبت به العرف في مكان- وقع به الحنث في جميع المواضع، كما لو حلف لا يأكل الخبز يحنث بخبز الأرز، وإن لم تجر عادتهم بأكله.
ولو حلف لا يأكل البيض، فلا يحنث إلا ببيض يزايل بائضه وهو حي كبيض الدجاجة والحمامة والنعامة والأوز والطيور؛ لأنها تؤكل وتباع مفردة، ولا يحنث بما لا يزايل بائضه؛ كبيض السمك والجراد.
ولو حلف لا يأكل اللحم- حنث بأكل لحم النعم والوحوش والطيور، ولا يحنث بأكل لحم السمك إلا أن يريده، لأنه لا يطلق عليه اسم اللحم، وإن كان الله تعالى سماه لحمًا؛ فقال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]؛ كما لو حلف ألا يجلس في ضوء السراج، فجلس في ضوء الشمس- لا يحنث، وإن سماها الله تعالى سراجًا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]؛ لأن الناس لا يعرفونها سراجًا.
ولو أكل لحم خنزير أو ميتة أو لحم ما لا يؤكل لحمه، هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة-: يحنث؛ لأن اسم اللحم ينطلق عليه، وإن كان حرامًا؛ كما لو أكل لحمًا مغصوبًا.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه يقصد بيمينه الامتناع عما يتعارفه الناس مأكولًا، والميتة لا يتعارفونها مأكولة.
ولو أكل الكرش، أو ما في البطن من الأمعاء والطحال والرئة والقلب والكبد- فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه في معنى اللحم.
والثاني- وهو الأصح، والمذهب-: لا يحنث؛ لأن مطلق الاسم لا يتناوله، ويجوز
[ ٨ / ١٢٥ ]
نفي اسم اللحم عنها، وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها.
ولو أكل لحم الخد ولحم الرأس ولحم الأكارع واللسان-: قيل- وهو الأصح-. يحنث، وقيل: فيه وجهان.
ولو حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحم البطن- لا يحنث، ولو أكل شحم الظهر والجنب، وهو البياض الذي لا يخالطه اللحم الأحمر [هل يحنث]؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه شحم كشحم البطن؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦].
والثاني- وهو الأصح، والمذهب-: يحنث؛ لأنه لحم سمين، ولو حلف لا يأكل الشحم، فأكل شحم البطن- يحنث، ولو أكل اللحم- لا يحنث، ولو أكل شحم الظهر- فعلى هذين الوجهين، على [الوجه] الأول: يحنث؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأن الله تعالى سماه شحمًا؛ فقال: "إلا ما حملت ظهورهما".
والثاني- وهو المذهب-: لا يحنث؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لحم سمين.
واختلف أصحابنا في الآلية، منهم من قال: هي لحم [يحنث به في اليمين على اللحم، ولا يحنث في اليمين على الشحم؛ لأنه ثابت في اللحم]، ومنهم من قال: هي شحم؛ لأنه يذوب كالشحم، ومنهم من قال- وهو الأصح-: ليس بلحم ولا شحم، لا يحنث به في اليمين على واحد منهما؛ لأنه مخالف لهما في الاسم والصفة؛ لأنه يذوب بخلاف اللحم، وهو صلب؛ بخلاف الشحم، قال الشيخ﵀-: والسنام كالآلية. في دخوله في اللحم [يحنث به في اليمين على اللحم، ولا يحنث في اليمين على الشحم؛ لأنه ثابت في اللحم] و[الشحم]، والأصح: أنه لا يدخل في واحد منهما، ولو حلف لا يأكل الآلية، فأكل السنام، أو لا يأكل السنام، فأكل الآلية- لا يحنث، ولو حلف لا يأكل دسمًا- يحنث بشحم الظهر والبطن والآلية والسنام، وأي دهن كان، ولو حلف على اللحم، فأكل شحم العين- لم يحنث؛ لأنه يخالف اللحم اسمًا وصفة، ولو حلف على الشحم- هل يحنث به؟ فيه وجهان.
[ ٨ / ١٢٦ ]
[ولو حلف لا يأكل الميتة، فأكل السم- فيه وجهان]:
أحدهما: يحنث؛ لأن الشرع سماه ميتة؛ فقال: "أحلت لنا ميتتان".
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الميتة في العرف، وهو المذهب؛ كما لو حلف لا يأكل الدم؛ فلا يحنث [بأكل الكبد] والطحال.
ولو حلف لا يأكل لحم البقر، فأكل لحم الجاموس/ - يحنث، وإن أكل لحم بقر الوحش؟ قال الشيخ﵀-: فيه وجهان؛ بناءً على أنه هل يجعل جنسًا [واحدًا] في الربا؟ فيه وجهان، وكذلك لو حلف ألا يركب الحمار، فركب حمار الوحشي فيه وجان، ولو حلف على الحنطة، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشير إلى حنطة، فقال: لا آكل هذه، فأكلها- حنث، سواء أكلها كذلك أو طحنها، فأكل الطحين، أو خبزها فأكل الخبز.
[الحالة] الثانية: أن يقول: لا آكل حنطة، فيحنث بأكل الحنطة، سواء أكلها نيئًا أو مطبوخًا أو مبلولًا أو مقليًا، ولا يحنث بأكل الدقيق والسويق والعجين والخبز.
والثالثة: أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، وأشار إلى صبرة، فأكل من غيرها- لم يحنث، وإن أكل منها- حنث مطبوخًا أو نيئًا، وإن طحنها، فأكل طحينها أو سويقها أو عجينها، أو خبزها فأكل خبزها، أو حلف لا يأكل هذا العجين، فخبزه وأكله- لا يحنث؛ لتبدل الاسم، كما لو حلف لا يدخل هذه الدار، فصارت فضاءً، فدخلها- لم يحنث.
وقال ابن سريج: يحنث؛ لوجود الإشارة؛ كما لو حلف لا آكل هذا الجمل، فذبحه وأكله- حنث.
والأول المذهب؛ بخلاف الجمل؛ لأنه لا يمكن أكله حيًا، فكان يمينه على لحمه، والحنطة يمكن أكلها حيًا، فكان يمينه على حبها، وكذلك: لو حلف لا يأكل الرطب، فأكل التمر، أو حلف لا يأكل التمر، فأكل الرطب، [أو حلف ألا] يأكل العنب، فأكل الزبيب، أو لا يأكل الزبيب، فأكل العنب- لم يحنث، وإن حلف لا يأكل الرطب، فأكل البسر أو
[ ٨ / ١٢٧ ]
البلح- لم يحنث، [وكذلك: إذا حلف لا يأكل البسر، فأكل الرطب أو البلح- لم يحنث]؛ ولو حلف لا يأكل الرطب، فأكل المنصف- نظر: إن أكل [المنصف] المرطب- حنث، وكذلك: إن أكل الكل؛ لأنه أكل الرطب مع غيره، وإن أكل المنصف الآخر الذي لم يرطب- لا يحنث.
ولو حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة [فأكل منصفًا- لم يحنث؛ لأنه لم يأكل بسرة ولا رطبة] تامة، فإن أشار، وقال: لا آكل هذه الرطب، فجعله تمرًا، أو: لا آكل هذا العنب، فجعله زبيبًا، فأكله- فكالحنطة يطحنها، فلا يحنث على الصحيح من المذهب، وكذلك لو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل، فصار كبشًا، فذبحه وأكله، أو: لا يكلم هذا الصبي، فكلمه بعدما صار شيخًا- فعلى هذا الاختلاف، وقال ابن أبي هريرة في الحمل إذا صار كبشًا، فأكله، أو الرطب صار تمرًا، أو الصبي إذا صار شيخًا فكلمه- يحنث؛ بخلاف الحنطة، إذا طحنها فأكلها- لم يحنث؛ لأن الانتقال في الحنطة حصل بصنعه، وفي الحمل ولاصبي والرطب- حصل لا بصنعه؛ فلا يمنع الحنث، وهذا لا يصح؛ لأنه لو حلف ألا يأكل هذا البيض، فصار فروجًا أو لا يأكل هذا الحب، فصار زرعًا، فأكله- لم يحنث؛ وإن حدث الانتقال بغير صنعه.
ولو حلف لا يشرب هذا العصير، فصار خمرًا، أو: لا يشرب هذا الخمر، فصار خلا، فشرب- لم يحنث؛ كالحنطة إذا صارت دقيقًا، ولو حلف لا يأكل الخبز، فأي خبز أكله من بر أو شعير أو ذرة أو أرز أو مخ أو باقلي- حنث؛ لأن الكل يسمى خبزًا، وإن لم يكن معهود بلده؛ كما لو حلف ألا يلبس ثوبًا- حنث بلبس أي ثوب كان، وإن لم يكن ملبوس بلده، ويحنث بأكل القرص والمشحم، ولو أكل جوزنيقا، من أصحابنا من قال: يحنث؛ لأنه لو نزع حشوه- كان خبزًا، وقيل: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى خبزًا.
[ ٨ / ١٢٨ ]
ولو ثرد الخبز، فأكله- يحنث، ولو حلف لا يأكل السويق، فاستفه أو بله، فتناوله بالإصبع [حنث، وإن ماثه في الماء، فشربه- لم يحنث؛ لأنه لا يسمى أكلًا، ولو حلف ألا يشربه فماثه في الماء، فشربه- حنث، ولو استفه أو تناوله بالإصبع] لم يحنث، وكذلك اللبن وجميع المائعات، إذا حلف ألا يأكله، فأكله بخبز- حنث، وإن شربه- لم يحنث، وإن قال: لا أشربه، فشربه- حنث، وإن أكله بخبز- لم يحنث، وكذلك: الخبز إذا قال: لا آكله، [أو] لا أشربه، أما إذا قال: لا أطعم فسواء أكله كذلك، أو ماثه في الماء وشربه- يحنث؛ لأن الطعم يقع على الأكل والشرب جميعًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وكذلك إذا قال بالفارسية: "نخورم"- يحنث بالأكل والشرب، ولو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى بتفله- لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وكذلك: لو حلف لا يأكل الفانيد، فأمسكه في فيه، حتى ذاب، ولم يمضغه- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل/ الثريد، فأكل الخبز وحده- لم يحنث، ولو حلف لا يشرب الماء، فلا يحنث بأكل الجمد والثلج]، فشرب ماءهما- لم يحنث، ولو حلف على الثلج لا يحنث بالجمد، أو على الجمد- لا يحنث بالثلج، ولو حلف لا ياكل أو لا يشرب، فلا يحنث بالذوق، وإن وصل طعمه إلى حلقه؛ إذا لم يصل عين الطعام إلى حلقه، فإن وصل عينه إلى حلقه- حنث، ولو
[ ٨ / ١٢٩ ]
حلف ألا يذوق، فأكل أو شرب- حنث؛ لأنه ذوق وزيادة، فإن أخذ بلسانه ومضغه ولفظه ولم ينزل إلى حلقه- حنث؛ لأنه صورة الذوق، وقيل: لا يحنث؛ لأن الذوق لا يتحقق إلا بازدراد شيء من عينه، ولو حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق، فأوجر في حلقه حتى وصل إلى جوفه- لم يحنث؛ لأنه لم يأكل ولم يشرب، ولم يذق.
ولو حلف على شيء ألا يأكله، فابتلعه من غير مضغ- حنث، ولو حلف لا يأكل اللبن- يحنث بلبن الأنعام والصيود كلها؛ لأنه يطلق على الكل اسم اللبن؛ كما في اللحم، ويحنث بالحليب والرائب، ولا يحنث بأكل الجبن واللوز والأقط والمصل والزبد والسمن، وقال ابن أبي هريرة: إذا حلف على اللبن- يحنث بكل ما يتخذ منه، وليس بصحيح؛ لأن اسم اللبن لا ينطلق على ما يتخذ منه؛ كما لو حلف ألا ياكل الرطب، فأكل التمر، أو: لا يأكل السمسم، فأكل دهنه- لم يحنث، ولو حلف لا يشرب الرائب، فشرب الحليب- لم يحنث، ولو حلف على الزبد أو السمن- فلا يحنث باللبن، وقيل: يحنث؛ لن فيه زبدًا، ولو حلف على الزبد، فأكل السمن، [أو على السمن] فأكل الزبد- لم يحنث، ولو حلف ألا يأكل الأقط فأكل الجبن، أو لا يأكل المصل، فأكل الجبن أو الأقط- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل المصل، فأكل الجبن أو الأقط- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل من هذا اللبن، فأكل من جبنه أو أقطه أو مصله- لا يحنث على المذهب الصحيح؛ كالحنطة يطحنها ويخبزها، ولو حلف لا يأكل السمن، فأكله بخبز أو غيره- حنث؛ جامدًا كان أو ذائبًا، وإن كان ذائبًا فشرب- لم [يحنث]، وإن كان جامدًا، فأكله وحده بلا خبز- حنث، وإن جعله في عصيدة أو في سويق: فإن استهلك فيه، فأكله- لم يحنث، وإن كانت/ عينه باقية- حنث، و[كذلك] لو حلف لا يأكل الخل، فأكل مرقًا، فيه خل، أو: حلف لا يأكل اللبن، فجعله في طبيخ، فأكله: فإن كان مستهلكًا فيه- لم يحنث، وإن كان طعمه أو لونه فيه ظاهرًا- حنث، ولو حلف لا يأكل التمر، فأكل عصيره أو دبسه أو: لا يأكل الدبس، فأكل التمر أو العنب، أو: لا يأكل السمسم، فأكل الشيرج، أو: لا يأكل الشيرج، فأكل السمسم- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل الفاكهة، فأكل الرطب أو العنب أو الرمان أو الأترج أو النبق أو التوت أو البطيخ أو الموز-
[ ٨ / ١٣٠ ]
يحنث؛ كما يحنث بالتفاح والسفرجل؛ لأنها ثمار الأشجار.
وقال ابن سريج: لا يحنث بالقثاء والخيار؛ لأنهما من الخضروات، وقال أبو حنيفة﵀-: لا يحنث بالعنب والرطب والرمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] عطفهما على الفاكهة دل [على] أنهما غير الفاكهة، قلنا: العطف لا يدل على المخالفة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧١]، وكان نوح من الأنبياء، وعطف عليهم.
ولو حلف لا يأكل الثمار- فهو يتناول الرطب، ولا يحنث باليابس، أما الفاكهة تتناول الرطب واليابس جميعًا، ولو حلف لا يأكل البطيخ - فلا يحنث بالبطيخ الهندي، [ولو حلف لا يأكل الجوز- فلا يحنث بالجوز الهندي، أو: لا يأكل التمر-[فلا يحنث] بالتمر الهندي]، أو لا يأكل الخيار- فلا يحنث بخيار شنير؛ لأنه لا يتناوله مطلق اسمه، وإذا كان لليمين حقيقة متعارفة ومجاز غير متعارف- فيحمل على الحقيقة المتعارفة؛ مثل: أن حلف ألا يأكل من هذه البقرة- يتناول لحمها، دون الولد واللبن؛ حتى لو كانت حاملًا أو لبونًا، فأكل من لحم ولدها أو شرب [من] لبنها- لم يحنث، وإن كان لها مجاز متعارف وحقيقة غير متعارفة- يحمل على المجاز المتعاف؛ مثل: أن حلف ألا يأكل من هذه الشجرة-[يتناول الثمرة] دون الجزع والورق، إلا أن ينويه، ولو حلف لا يأكل طعامًا- يتناول جميع الأطعمة من القوت والأدم والفواكه والحلاوي؛ لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وهل يحنث بأكل الدواء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الطعام/.
والثاني: يحنث؛ لأنه يطعم في حال الاختيار؛ فلذلك جرى فيه الربا، فلو [قال]:
[ ٨ / ١٣١ ]
أردت طعامًا دون طعام أو: قال: لا أشرب، وقال: أردت شرابًا دون شراب، أو: قال: لا ألبس، وقال: أردت ثوبًا دون ثوب- يقبل قوله في الباطن دون الظاهر، وبه قال ابو حنيفة، وكذلك-[عندنا]-: إذا حلف لا ياكل، ولم يقل: طعامًا، أو: قال: لا أشرب، أو: لا ألبس، ولم يقل: شرابًا، ولا ثوبًا، فقال: عنيت به البعض- يقبل في الباطن، وعند أبي حنيفة: لا يقبل، وفرق بأن قوله طعامًا يقتضي الوجدان إلا أن ظاهره للجنس؛ فحمل على الظاهر.
فإذا قال: [أردت الوجدان- قبل، وإذا قال: لا آكل- يقتضي العموم، فإذا قال]: أردت التخصيص - لم يقبل، [ولو حلف] لا يأكل قوتًا، فأكل شيئًا من الحبوب التي تقتات- حنث، وإن أكل التمر أو الزبيب أو اللحم: فإن كان من قوم قوتهم ذلك- حنث، وهل يحنث به غيرهم؟ فعلى وجهين؛ كما ذكرنا في رؤوس الصيد.
ولو حلف لا يشرب الماء، فيحنث بشرب جميع مياه الأنهار والآبار والبحار على أي طعم كان، فإن قال: [ماءً] فراتًا- فيحنث بالماء العذب؛ سواء كان من دجلة أو من الفرات، أو من غيرهما، ولا يحنث بالأجاج والملح؛ لأنه اسم للماء العذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، فإن حلف لا يشرب [من] ماء الفرات فشرب من ماء دجلة أو غيرها- لم يحنث؛ لأن الفرات إذا عرف يراد به النهر الذي بين الشام والعراق، فإذا شرب منه- حنث، ولو حلف لا يأكل أدمًا أو خبزًا بإدام، فيحنث باللحم والخل والمري، وبكل ما يؤتدم حتى الملح والبصل والثوم والبقل والفجل والثمار كلها؛ روي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبيﷺ- أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة فقال: "هذه إدام هذه، وأكل"، وعند أبي حنيفة: لا يحنث، إلا بما يصيب في السكرجة مما يصبغ الخبز، أما إذا قال: لا آكل خبزًا يصبغ- فيتناول بالاتفاق ما يصب في السكرجة [من] المائعات؛ كالخل والدبس والسمن ونحوها.
ولو حلف لا يشم الريحان، فشم الضيمران، وهو: الريحان الفارسي- يحنث، ولو
[ ٨ / ١٣٢ ]
شم ما سواه من الورد والبنفسج والياسمين والزعفران- لم يحنث، لأنه لا يطلق اسم الريحان إلا على الضيمران، فإذا حلف لا يشم المشموم- حنث بجميعها؛ لأن جميعها مشموم، ولا يحنث بشم الكافور والمسك والعود والصندل؛ لأنه لا يطلق عليه اسم المشموم.
ولو حلف لا يشم الورد أو البنفسج، فشم دهنها- لم يحنث؛ لأنه لم يشم الورد والبنفسج، وإن شم الورد والبنفسج بعد ما جف، هل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ كما لو حلف ألا يأكل الرطب، فأكل التمر.
والثاني: يحنث؛ لأنه بقي فيه ما يشم.
فصل إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه فلان
إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه فلان، فإذا أكل مما انفرد فلان بشرائه- حنث، وإن أكل مما اشتراه فلان مع غيره- لم يحنث، إلا أن يريد أنه لا يأكل طعام فلان أو من طعام فلان؛ يحنث بالمشترك، وإذا قال: لا آكل من طعام اشتراه فلان، فأكل مما اشتراه فلان [مع غيره]- ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا يحنث؛ لأنه لم ينفرد بشرائه.
والثاني: يحنث، وإن أكل منه حبة أو لقمة؛ لأنه ما من جزء إلا وقد وقع عليه شراؤه.
والثالث: لا يحنث، حتى يأكل أكثر من النصف، فيتحقق أنه أكل من طعام اشتراه فلان.
وإن كان ورث فلان مع غيره طعامًا وقسمًا ما ورثاه، فأكل من نصيب فلان- لم يحنث، وإن قلنا: القسمة بيع؛ لأنها ليست ببيع متعارف، وكذلك إن كان فلان صالح على طعام، أو كان قد باع طعامًا [ثم] قبل الثمن، ثم استقاله بعد اليمين، فأكل منه- لم يحنث، وإن جعلناه بيعًا؛ لأنه ليس ببيع متعارف، وكذلك: لو حلف ألا يدخل دارًا اشتراها
[ ٨ / ١٣٣ ]
فلان، فأخذ فلان دارًا بالشفعة، فدخلها- لم يحنث؛ لأن الأخذ بالشفعة ليس بحقيقة شراء، أما إذا اشترى طعامًا سلمًا، فأكل منه - حنث؛ لأنه شراء حقيقة، ولو اشترى فلان وغيره كل واحد طعامًا، ثم خلطاه، فأكل منه- لا يحنث حتى يأكل قدرًا يتيقن أنه أكل من طعام فلان؛ مثل: أن كان لكل واحد نصفه، فأكل أكثر من النصف- حنث، وإن أكل النصف فأقل- لم يحنث.
ولو اشترى فلان لغيره بوكالته طعامًا، فأكل منه- حنث؛ لأنه باشر شراءه، ولو وكل فلان رجلًا آخر ليشتري [له] طعامًا، فاشترى فأكل منه الحالف- لم يحنث؛ لأن فلانًا لم يشتره.
ولو حلف لا يأكل من قدر طبخه فلان، أو مرقة طبخها فلان- فالطابخ الذي يوقد النار تحت القدر حتى ينضج، فإن فعله فلان، فأكل منه- حنث، وإن كان واضع القدر على النار والمدخل للحم والماء فيه غيره، ولو كان فلان يوقد النار زمانًا، وغيره زمانًا- أو أخذًا معًا خشبة وجعلاها تحت القدر، فأكل منه- لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد فلان بطبخه، أما إذا وضع القدر في تنور، حتى نضج: فإن انفرد فلان بوضعه، فأكل منه- حنث، وإن أوقد النار غيره، وإن وضعه مع غيره فيه- لم يحنث، وكذلك: لو حلف لا يأكل خبزًا خبزه فلان: فإن ألصق العجين بالتنور، فأكل منه- حنث، وإن عجن وأوقد النار [وألصق غيره- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها، فوقعت في صبرة من التمر: فإن أكل جميع تلك الصبرة حنث، وإن بقيت منها أو ضاعت تمرة- لم يحنث؛ لاحتمال أن الباقية هي المحلوف عليها [والورع أن يحنث نفسه، وإن أكل منها واحدة؛ لاحتمال أنه أكل المحلوف عليها] فلا يبرأ].
ولو حلف لا يأكل هذه التمرة، فوقعت في صبرة- لا يبر إلا بأكل الكل، فإن ضاعت منها واحدة- حنث]، وكذلك لو حلف لا يأكلن هذه الرمانة، فأكلها إلا حبة هلكت- حنث، وكذلك: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، فضاعت منه [فتاتة] وأكل الباقي- لم يحنث، ولو قال: لآكلن هذا الرغيف، فضاعت فتاتة- لا يبر.
[ ٨ / ١٣٤ ]
ولو حلف لا يدخل دارين- لا يحنث بدخول أحدهما، حتى يدخلهما، وكذلك: لو حلف لا يلبس هذين الثوبين- فلا يحنث بلبس أحدهما وإذا لبسهما- حنث، سواء لبسهما معًا، أو لبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر، ولو قال: لا ألبس هذا ولا هذا- حنث بلبس أحدهما، وعند مالك﵀-: إذا قال: لا أدخل هاتين الدارين أو: لا ألبس هذين الثوبين- فيحنث بأحدهما، ووافقنا فيما لو قال: لا ألبسهما أو: لا أدخلهما- أنه لا يبر بأحدهما، حتى يأتي بهما [جميعًا].
ولو حلف فقال: لا أشرب ماء هذه الإداوة، فشرب إلا قطرة- لم يحنث، ولو قال: لأشربن ماءها- لا يبر إلا بشر كله، أما إذا قال: لا أشرب من [ماء] هذه الإداوة، فشرب منه قليل حنث، ولو قال: لأشربن من ماء هذا النهر، فشرب منه قليلًا- بر؛ لأن "من" للتبعيض؛ فيحصل الحنث، والبر ببعضه، أما إذا حلف، وقال: لا أشرب ماء هذا النهر، أو ماء هذه البئر، هل يحنث بشرب بعضه؟ فيه وجهان:
قال ابن سريج: يحنث بشرب بعضه؛ لأنه لا يتصور شرب جميعه؛ فانصرف اليمين إلى بعضه، وقال أبو إسحاق: لا يحنث؛ لأنه حلف على شرب جميعه فلا يحنث ببعضه؛ كما لو قال: لا أشرب ماء- هذه الإداوة- فلا يحنث بشرب بعضه، ولو قال: لأشربن ماء هذا النهر- فعلى وجهين:
أحدهما: يبر بشرب بعضه.
والثاني: لا يبر بشرب بعضه، وهو حانث عليه الكفارة، لأن عجزه عن شرب جميعه حقيقة، فعلى هذا: يحنث في الحال أم قبيل الموت؟ فيه وجهان. ولو قال: لأشربن ماء هذه الإداوة، فانصب قبل أن يشرب أو مات الحالف- نظر: إن كان بعد الإمكان- حنث، وإن كان قبل الإمكان- فقولان؛ كالمكره، ولو حلف ليشربن من ماء هذه الإداوة فصبه في حوض، ثم شرب منه قليلًا من موضع علم أنه وصل إليه- بر، وإن حلف لا يشرب منه، فصبه في حوض وشرب منه قليلًا- حنث، وكذلك لو حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة، فخلطه بلبن آخر، فشرب منه- حنث بخلاف ما لو حلف لا يأكل هذه التمرة فخلطها بصبرة- لا يحنث؛ إلا بأكل جميع الصبرة؛ لأن الذائب إذا اختلط بالذائب يصير شيئًا واحدًا بخلاف الجامد، ولو حلف ليشربهن ماء هذا الكوز، ولا ماء فيه، أو: ليقتلن فلانًا، وفلان
[ ٨ / ١٣٥ ]
ميت، هل تنعقد يمينه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تنعقد؛ لأنه لا يتصور فيه البر.
والثاني: تنعقد، وإن كان البر لا يتصور؛ كما لو حلف لقد أكلت الخبز بالأمس ولم يكن أكل- انعقد يمينه، وإن كان البر غير متصور فيه؛ فعلى هذا: يحنث في الحال أم قبيل الموت؟ فيه وجهان.
وكذلك لو حلف ليصعدن السماء، هل تنعقد يمينه؟ فيه وجهان، فإن قلنا: تنعقد، هل يحنث في الحال أم قبل الموت؟ فيه وجهان، ولو حلف ليصعدن السماء غدًا، وقلنا: تنعقد [يمينه] هل يحنث في الحال أم [قبل الموت؟ فيه وجهان، ولو] بعد مجيء الغد؟ فيه وجهان، ولو حلف لا يصعد السماء، هل تنعقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن الحنث فيه لا يتصور.
والثاني: تنعقد؛ وإن كان الحنث لا يتصور؛ كما لو حلف لقد فعل كذا بالأمس، فكان صادقًا.
والأول أصح بخلاف ما لو قال: لقد فعل بالأمس، لأن الحنث فيه متصور بأن يكون كاذبًا، وصعود السماء غير متصور بحال، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا، فأكله من الغد- بر في يمينه، وإن مات الحالف قبل مجيء الغد- لا شيء عليه، ولو مات [وتلف الطعام أو بعضه] بعد مجيء الغد- نظر: إن كان بعد التمكن من الأكل- حنث، وإن كان قبله، فعلى قولي المكره، فإن قلنا: يحنث، فحنث في الحال أو عند غروب الشمس؟ فيه وجهان، ولو كان الطعام بحاله، فلم يأكل حتى غربت الشمس من الغد، مع القدرة عليه- حنث، ولو أتلف الحالف ذلك الطعام قبل مجيء الغد أو أكله أو بعضه- حنث؛ لأنه منع نفسه [من] البر بفعله، ثم متى يحنث؟ فيه قولان:
أحدهما: بعد مجيء الغد؛ لأنه وقت البر والحنث.
والثاني: في الحال؛ لأنه وقع اليأس من أكله الآن، فإن قلنا: يحنث بعد مجيء الغد ففيه- وجهان:
أصحهما: إذا مضى من الغد قدر إمكان الأكل- يحنث.
[ ٨ / ١٣٦ ]
والثاني: يحنث قبل غروب الشمس.
ولو تلف الطعام قبل مجيء الغد أو أتلفه أجنبي، هل يحنث؟ فعلى قولي [المكره، والمنصوص]: أنه لا يحنث، فإن قلنا: يحنث، فمتى يحنث؟ فعلى قولين؛ كما في إتلاف نفسه.
فصل فيما لو حلف فقال "والله لأقضين حقك"
إذا حلف فقال: والله لأقضين حقك، فمات قبل القضاء، [و] بعد التمكن- حنث قبل الموت، وإن مات قبل التمكن- فعلى قولين، ولا نعني بعدم التمكن الإعسار إنما نعني به التمكن من الدفع إليه، حتى [لو تمكن] من الدفع إليه، أو ملك شيئًا، لكنه معسر- حنث، ولو مات صاحب الدين- لم يحنث؛ لأن القضاء إلى وارثه بعد موته ممكن، إلا أن يقول: لأقضينك، فأيهما مات بعد التمكن- حنث، وإن كان قبل التمكن- فعلى قولين.
ولو قال: لأقضينك حقك غدًا، فمات الحالف قبل مجيء الغد- لم يحنث؛ لأنه لم يدخل وقت البر، وإن/ مات المقضي إليه- فعلى [قولي المكره، فإن قلنا: يحنث- يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد فعلى] قولين؛ كما ذكرناه في الأكل، فإن جاء الغد، ولم يقض حتى مضى اليوم أو مات أحدهما في الغد، فإن كان بعد التمكن من القضاء- حنث، وإلا فقولان، وإن قضاه اليوم قبل مجيء الغد أو قضى بعضه- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بفعله، إلا أن يريد بيمينه أنه لا يمضي الغد إلا وقد قضيت حقك؛ فلا يحنث ولو أبرأه صاحب الحق اليوم، أو وهب له، فإن قلنا: يحتاج الإبراء إلى القبول، فقبل- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بالقبول، وإن لم يقبل- لم يحنث؛ لأن الدين باق، يمكنه أداؤه في الغد، وإن قلنا: يسقط من غير قبول- سقط الدين، وهل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره، وإذا قال: لأقضين حقك عند رأس الهلال، أو مع رأس الهلا- ينبغي أن يقضيه في آخر الشهر عند غروب الشمس، فإن قضاه قبل رؤية الهلال- حنث؛ لأه فوت القضاء عند الهلال باختياره، ولو قضى بعد غروب الشمس قدر إمكان الأداء، ولم يقض- حنث؛ فإن أخذ عند رؤية الهلال في كيله، وتأخر الفراغ منه؛ لكثرته- لم يحنث؛ لأنه
[ ٨ / ١٣٧ ]
مشتغل بأسباب القضاء، وعند مالك وأبي حنيفة: إذا قال: عند رأس الهلال- فلا يحنث حتى يطلع الفجر من الليلة الأولى قبل القضاء، ولو أخذ في القضاء في الليلة الأولى للشك في الهلال، ثم بان أنه كان من الشهر- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالناسي والجاهل، ولو قال: لأقضين حقك إلى رمضان- ينبغي أن يقضيه قبل دخول رمضان، فإن لم يقضه حتى دخل رمضان- حنث، فلو قال: لأقضينك [حقك] إلى حين- فهو كما لو أطلق؛ فيحمل على العمر، فإن مات قبل أن يقضيه- حنث، والورع: أن يقضيه قبل مضي يوم، فإن مضى يوم، ولم يقضه- كفر؛ لأن "الحين" اختلفوا في قدره، وأقل ما قيل فيه يوم فإن نوى مدة- فهو على نيته، وعند أبي حنيفة: يحمل "الحين" على ستة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ومن حين تطلع النخل إلى أن يؤكل [منه] ستة أشهر، قلنا: قد يقع على أربعين سنة؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] ويقع على العمر، لقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨.] أي: إلى البلى؛ فقال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، قيل: بعد انقضاء الدنيا، ولو قال: إلى زمان أو دهر أو حقب أو أحقاب- فهو كما لو قال: "إلى حين يحمل على العمر"؛ وكذلك: "إلى أوان" أو: "وقت" ولو قال: "إلى أيام" فهو إلى ثلاثة أيام، ولو حلف لا يكلم فلانًا حينًا أو دهرًا أو زمانًا أو حقبًا- بر بأدنى زمان يمضي" لأنه يقع على القليل والكثير، ولو قال: لا يكلمه مدة قريبة أو قال: مدة بعيدة- بر بمضي أدنى زمان يمضي؛ لأنه يقع على القليل والكثير؛ لأنه ما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها، وبعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها، ولو قال: لأقضينك حقك غدًا إلا أن تشاء، يعني: إلا أن تشاء أن أؤخره، فإن قضى في الغد- بر في يمينه، شاء أو لم يشأ، وإن لم يقض حتى مضى الغد- نظر: إن شاء صاحب الحق قبل مضي الغد أن يؤخر- لم يحنث، وإن لم يشأ شيئًا أو شاء التعجيل، أو لم يعرف حاله: بأن مات أو غبي غباوة- حنث في يمينه، وكذلك: لو قال: إلا أن يشاء فلان أن أؤخره غير أنه إن مات فلان قبل المشيئة في خلال النهار- لا يحنث؛ لأن القضاء بعد موته ممكن، فإن غربت الشمس قبل القضاء- حنث، وإن جعل المشيئة إلى صاحب الحق، فمات في خلال النهار قبل المشيئة بعد إمكان الأداء إليه- يحنث، وإن كان قبل الإمكان- فعلى قولين، ولو قال: لأقضينك حقك إلى الغد، إلا أن يشاء تأخيره- ينبغي أن يقضيه من الآن إلى طلوع الفجر من الغد، فإن لم يقض حتى طلع الفجر، ولم يشأ صاحب الحق تأخيره- حنث.
[ ٨ / ١٣٨ ]
فصل في حقيقة المفارقة
إذا كان له على رجل حق، فقال: والله، [لا أفارقك] حتى استوفي حقي منك، ففارقه قبل الاستيفاء- حنث أيهما وقف؟ وفر الآخر؛ لأن الحالف إن فر- فقد فارقه، وإن فر الغريم، والحالف يمكنه أن يمشي- معه، فلم يفعل- فهو بالوقوف مفارقه وحد الفراق: ما ذكرنا في تفريق المتبايعين، ولو فر منه/ الغريم، ولم يمكنه متابعته- لم يحنث، وقال ابن أبي هريرة: فيه قولان، كالمكره؛ فليس بصحيح؛ لأنه حلف على فعل نفسه، ولم يوجد منه فعل: لا مختارًا ولا مكرهًا، وكل من علق اليمين على فعله، فيعتبر الاختيار والإكراه في فعله، فإن أكره الحالف حتى فارقه [أو فارقه] ناسيًا، فيكون على قولين، قال شيخنا إمام الأئمة﵀-: فلو فر الغريم وأمكنهم متابعته، فلم يفعل- حنث؛ لأنه بالمقام مفارقه، ولو قال: لا تفارقني حتى أستوفي حقي منك، ففارق من عليه الحق، أو فر [حنث] الحالف؛ لأنه حلف على فعل الغريم، وهو كان مختارًا في المفارقة، ولو فارق الغريم مكرهًا أو ناسيًا لليمين- فعلى قولين، وقيل: يحنث الحالف قولًا واحدًا؛ لأن الاختيار والقصد يعتبر في فعل الحالف، لا في فعل غيره، والمذهب الأول: أنه يعتبر في فعل من حلف على فعله، ولو فر صاحب الحق- لم يحنث؛ لأنه لم يحلف على فعل نفسه، قال الشيخ﵀- فإن أمكن للغريم متابعته فلم يتابعه- وجب أن يحنث، ويجعل وقوفه [مع إمكان المتابعة] كفعل المفارقة فأما إذا قال: لا أفترق أنا وأنت، أو: لا أنا،لا أنت، حتى أستوفي حقي منك- فقد علق اليمين على مفارقة كل واحد منهما، فأيهما فارق صاحبه مختارًا- حنث الحالف، وأيهما أكره على المفارقة [لم يمكن] للآخر متابعته، فيكون على قولين، وإذا أقر أحدهما- حنث الحالف؛ لأن اليمين معلقة على فعل كل واحد، والفار مختار في المفارقة، ولو قال في يمينه: والله، لا نفترق، أو: لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك-: قال بعض أصحابنا: تعلق اليمين- ههنا- بافتراقهما معًا، فإن فارق أحدهما صاحبه، وأقام الآخر- لم يحنث، وهو ضعيف، بل هو كقوله: لا أفترق أنا وأنت، فأيهما فارق صاحبه- حنث الحالف، ولو قال: لا أفارقك حتى أستوفي حقي منك، فأبرأ الغريم، ثم فارقه- حنث؛ لأنه لم يستوفه، ولو أفلس الغريم، ففارقه الحالف
[ ٨ / ١٣٩ ]
مختارًا؛ لما علم من وجوب إنظار المعسر- حنث وإن وجب عليه بالشرع ترك ملازمته، كما لو حلف ألا يرد المغصوب، فرد- حنث، وإن وجب عليه الرد بالشرع، فإن منعه الحاكم عن ملازمته، ففارقه- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره، ولو استوفى حقه، وفارقه، ثم وجده زيوفًا- نظر: إن كان ما أخذ غير حقه، غير أنه أردأ- لم يحنث، وإن كان نحاسًا أو رصاصًا أو مغشوشًا: فإن كان عالمًا به- حنث وإن كان جاهلًا- فعلى قولي حنث الناسي، ولو أحاله الغريم على إنسان، فقبل وفارقه، أو أحال الحالف غيره بماله عليه- فقد قيل: إن قلنا: الحوالة استيفاء- لم يحنث، وإن قلنا: معاوضة- حنث، وقيل- وهو المذهب-: يحنث قولًا واحدًا، سواء جعلناها استيفاءً أو معاوضة؛ لأنها استيفاء من طريق الحكم، لا من طريق الحقيقة، إلا أن يريد بيمينه أنه لا يفارقه، وعليه شيء من حقه؛ فلا يحنث إذا فارقه بعد قبول الحوالة، وكذلك: لو أخذ عن حقه عوضًا، ففارقه- يحنث، سواء كانت قيمة ما أخذ قدر حقه أو أكثر أو أقل؛ لأنه لم يستوف حقه؛ إلا أن يريد [به] أنه لا يفارقه وعليه شيء من حقه، فلا حكاية [وما نقل المزني: [إن] كان قيمته أقل من حقه- يحنث] مذهب مالك، وعندنا: لا فرق بين أن يكون قيمته أقل أو أكثر فإن كان يمينه على عين حقه، فيحنث بكل حال، وإن كان على البراءة- بر بكل حال، سواء كانت قيمته أقل من حقه أو أكثر ولو تبرع إنسان فأدى ذلك الدين عن الغريم، فأخذ وفارق- نظر: إن كان الحالف قد قال: حتى استوفي حقي منك- حنث؛ لأنه لم يستوف منه، وإن كان قال: حتى أستوفي حقي- لم يحنث، وكذلك: لو استوفى الحق من وكيل الغريم.
ولو قال من عليه الحق: "والله، لا أفارقك حتى أدفع إليك مالك"، فوهبه له صاحب الحق- نظر: إن كان عينًا، فوهبها له وقبلها- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بقبوله، وإن كان دينًا، فأبرأه: إن قلنا: إن الإبراء يحتاج إلى القبول- فكذلك، وإن قلنا: لا يحتاج إلى القبول- فعلى الاختلاف في حنث المكره، لو حلف من عليه الحق، وقال: لا تأخذ، أو لا تستوف مالك علي، فأخذ منه- حنث، سواء كان المعطي مكرهًا أو مختارًا، ولو أكره الآخذ عىل الأخذ- فعلى قولي حنث المكره، ولو قال: لا أعطيك حقك، فأعطى ناسيًا
[ ٨ / ١٤٠ ]
أو مكرهًا- فعلى قولي حنث الناسي.
فصل فيما لو حلف لا يكلم فلانًا
إذا حلف لا يكلم فلانًا فسلم عليه- حنث، وإن كتب إليه كتابًا أو أرسل له رسولًا- ففيه قولان، قال في الجديد - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني-: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى كلامًا في العادة؛ بدليل أنه لا يخرج المهاجر به عن إثم الهجران.
وقال في القديم: يحنث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]؛ استثنى الوحي- وهو الرسالة- من الكلام؛ فدل أنها منه، ولأنه بمنزلة الكلام بين الغائبين، وإن لم يخرج به عن [إثم] الهجران؛ [كما لو لقيه، فشتمه، أو قصده خصمه؛ ليكلمه، فزجره، وقال: تنح عني- يحنث، وإن لم يخرج به عن إثم الهجران] وقال ابن أبي هريرة: يخرج بالكتاب والرسالة عن إثم الهجران؛ لأن المقصود من الكلام إزالة الوحش، ويحصل ذلك بالمكاتبة والمراسلة، ولو أشار إليه بيده أو بعينه رمزًا، هل يحنث؟ قال أصحابنا: فيه قولان؛ كالكتابة:
أحدهما: يحنث؛ لأن الله تعالى استثنى الرمز من الكلام؛ فقال: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]؛ [فدل أنه من الكلام].
والثاني- وهو الأصح-: لا يحنث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، ولو كانت الإشارة كلامًا- لم تفعله، ولو قرأ آية من القرآن، ففهم ذلك الرجل بالقراءة مقصوده؛ مثل: أن دق الباب، فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦]، فإن كان قصده قراءة القرآن- لم يحنث؛ وإلا حنث.
وإن حلف لا يكلم الناس- يتناول الرجال والنساء والأطفال؛ فإن قال: "ناسًا"- انصرف إلى ثلاثة أنفس ولو حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن، أو سبح- لم يحنث؛ لأن إطلاقه يتناول كلام الآدميين، وعند أبي حنيفة﵀-: أن قراءة القرآن في غير صلاة حنث.
وإن حلف لا يقرأ القرآن فقرأ جنبًا- حنث، وإن لم يثب عليه، ولو حلف أن يقرأ،
[ ٨ / ١٤١ ]
فقرأ جنبًا- بر، وإن كان إثمًا قال الشيخ﵀-: ولو نذر أن يقرأ القرآن، فقرأ جنبًا- لم يخرج عن نذره؛ لأن المقصود من النذر القربة، ولا قربة/ في المعصية؛ حتى لو حلف لا يقرأ القرآن [جنبًا] فقرأ جنبًا- عصى، وخرج عن يمينه، ولو نذر أن يقرأ جنبًا، لا ينعقد نذره؛ كما لو نذر أن يصلي محدثًا، لا ينعقد نذره.
فصل فيما لو حلف لا يبيع ولا يشتري
إذا حلف ألا يشتري أو لا يبيع، فاشترى أو باع [لنفسه] أو للغير شيئًا بالوكالة- يحنث، فإن حلف لا يشتري أو لا يبيع لنفسه، ففعل بالوكالة- لا يحنث، ولو وكل رجلًا ليشتري له شيئًا أو يبيع، ففعل- لم يحنث.
وقال الربيع: إن كان الرجل محتشمًا- يحنث [بفعل] الوكيل له، وكذلك: كل أمر حلف عليه مما لا يفعل بنفسه، ففعل بغيره؛ مثل تطيين الدار وغيره- يحنث عندي، فمن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي﵁- والمذهب: أنه لا يحنث بفعل الوكيل له؛ لأنه حلف على فعل نفسه، وإن لم تكن عادته؛ كالسلطان: إذا حلف ألا يلبس الثوب أو: لا يأكل الخبز- يحنث بلبس العباءة وأكل خبز الذرة، وإن لم يكن معتادًا له، وكذلك: لو حلف ألا يطلق أو لا يفتق، أو: لا يزوج ابنته، أو: لا يضرب أحدًا فأمر الغير حتى فعله أو فوض الطلاق إلى زوجته، فطلقت نفسها- لم يحنث، إلا أن يكون بنيته ألا يفعل بنفسه ولا بغيره، فيحنث، ولو حلف لا ينكح، فنكح بنفسه، أو وكل وكيلًا ليقبل [له] نكاح امرأة فقبل- يحنث ولو قبل هو لغيره بالوكالة- لم يحنث؛ لأن النكاح لا يعلق له بالوكيل، بخلاف البيع والشراء، ولو حلف لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فحلقه- قيل: هو كما لو حلف لا يبيع فأمر غيره باللابيع، وهو ممن لا يتولاه بنفسه؛ فلا يحنث على الأصح، وقيل: يحنث قولًا واحدًا؛ لأن العرف في الحلق في حق كل أحد: أن يفعله غيره بأمره.
ولو حلف لا يبيع من فلان، فباع من وكيله، أو: وكل وكيلًا حتى باع من فلان- لم يحنث، ولو حلف لا يبيع مال زيد، فباع ماله بإذنه- حنث، وإن باع بغير إذنه- لم يحنث؛ لأن العقد لم يصح، ولو وكل به وكيلًا ببيع ماله، وأذن له في التوكيل، فوكل الوكيل الحالف، فباعه، ولم يعلم- هل يحنث؟ فعلى قولي حنث الناسي، ولو حلف لا يبيع لزيد
[ ٨ / ١٤٢ ]
مالًا، فوكل الحالف رجلًا يبيع ماله، وأذن له في التوكيل، فدفع الوكيل المال إلى زيد، حتى باعه حنث الحالف، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم؛ لأنه باعه مختارًا، ولو حلف لا يستخدم فلانًا، فخدمه فلان، وهو ساكت، لم يدفعه- لم يحنث؛ لأنه حلف على فعله، [وهو طلب الخدمة] ولم يوجد منه ذلك.
ولو حلف لا يبيع من فلان شيئًا، أو: لا يهب منه، فباع أو وهب هبة فاسدة- لا يحنث، ولو حلف ألا يهب لفلان شيئًا، فوهب، ولم يقبل فلان- لم يحنث؛ لأن الهبة لم تتم، وإن قبل فلان وأقبضه- حنث، وإن لم يقبض- فالمذهب؛ أنه لا يحنث؛ لأن المقصود من الهبة لم يحصل، وقيل: يحنث؛ لوجود الهبة، وإن لم يحصل الملك؛ وبه قال أبو حنيفة؛ ولو حلف ألا يهب- يحنث بكل ما يملك في الحياة من غير عوض؛ كالنحلة والعمرى والرقبى وصدقة التطوع ولا يحنث بصدقة الفطر؛ لأنه يؤدي واجبًا عليه؛ كما لو أدى دينًا عليه، وعند أبي حنيفة: لا يحنث بصدقة التطوع إن تصدق، على فقير، فإن تصدق على غني- حنث.
ولو أعار شيئًا من إنسان، أو أسكنه داره- لم يحنث؛ لأنه ليس بهبة، وكذلك: لو أوصى بشيء- لم يحنث؛ لأن الوصية تمليك بعد الموت، والميت لا يحنث، ولو وقف شيئًا لا يحنث، وقيل: إن قلنا: يزول الملك إلى الموقوف عليه- يحنث، وليس بصحيح، ولو باع شيئًا بالمحاباة- لا يحنث، ولو حلف لا يتصدق، فتصدق فرضًا أو تطوعًا، سواء تصدق على فقير أو غني- حنث، ولو وهب شيئًا- فوجهان:
أحدهما: يحنث؛ كما لو حلف ألا يهب، فتصدق، حنث.
والثاني- وهو الأصح-: لا يحنث؛ لأن اسم الصدقة أخص، فلا يقع على الهبة، واسم الهبة أعم، فيقع على الصدقة؛ كما لو حلف لا يأكل طعامًا، فأكل الخبز- حنث، ولو حلف لا يأكل الخبز، فأكل طعامًا آخر- لم يحنث، ولو أعتق عبدًا- حنث، ولو وقف شيئًا إن قلنا: الملك للواقف- لا يحنث، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى- حنث، وإن قلنا: للموقوف عليه- فوجهان؛ كالهبة.
فصل فيما لو حلف ألا يرى منكرًا
إذا حلف لا يرى منكرًا إلا رفعه إلى القاضي أو قال: لا أرى فلانًا يسرق إلا رفعته/
[ ٨ / ١٤٣ ]
إلى القاضي: فإن لم يره حتى مات- لا شيء عليه، وإن رآه، ولم يرفعه إلى القاضي حتى مات- نظر: إن مات بعد التمكن- حنث، وإن مات قبل التمكن- فعلى قولين، وهذا اللفظ يتناول قاضي البلد، حتى لو عزل قاضي البلد، وولي غيره، فرفعه إلى الثاني- بر، وإن رفعه إلى المعزول، أو إلى قاضي بلد آخر- لم يبر، ولو قال: إلا رفعته إلى قاض، فأي قاض من قضاة المسلمين رفعه إليه في ولايته- بر، سواء كان يتسمن قاضيًا أو حاكمًا، وإن رفعه إلى قاض في غير ولايته، أو إلى المعزول- لم يبر؛ لأنه لا يقدر على إقامة موجبة عليه.
ولو قال: إلا رفعته إلى القاضي فلان بن فلان، فإن مات ذلك القاضي قيل إن رآه- خرج عن اليمين؛ كما لو مات الحالف، وإن مات بعد أن رآه، ولم يرفع إليه مع التمكن- حنث، وإن لم يتمكن لحبس أو مرض- فيه قولان، وإن اشتغل في الحال بإتيان القاضي، فمات القاضي قبل أن يصل إليه- فيه طريقان:
أحدهما: على قولين.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الاشتغال بأسباب الرفع - كالرفع.
ولو رآه ثم عزل القاضي- نظر: إن أراد بقوله: "إلا رفعته إليه": ما دام قاضيًا- فهو كما لو مات، فإن تمكن من الرفع إليه، فلم يرفع- حنث، وإلا فقولان، وإن أراد [به] أنه يخبره وإن لم يكن قاضيًا عليه أن يخبره بعد العزل، فإن لم يفعل- حنث، وإن أطلق يحمل على الرفع إليه في حال القضاء أم على الإخبار في أي وقت كان؟ [فيه وجهان]، ولو رأى ذلك بعد عزل القاضي: فإن أراد الرفع في حال القضاء فلا شيء عليه، وإن أراد الإخبار يخبره بعد العزل: فإن لم يفعل- حنث.
ولا يشترط في الرفع إلى القاضي أن يذهب معه إليه، بل إذا ذهب وحده، وأخبر القاضي، أو كتب إليه، أو أرسل رسولًا، حتى أخبره- بر في يمينه، وإن كان القاضي قد رآه بنفسه في ذلك الأمر- فعلى الحالف إخباره حتى يبر، ولو حلف لا يرفع منكرًا إلى القاضي- لا يحنث إلا بالرفع إلى قاضي البلد؛ لأن التعريف بالألف واللام ينصرف إليه؛ وإن كان بالبلد قاض عند اليمين، فعزل وولي غيره، فرفع إلى الثاني- حنث، وإن قال: "إلى فلان
[ ٨ / ١٤٤ ]
القاضي- لا يحنث بالرفع إليه، وهل/ يشترط أن يكون قاضيًا يوم الرفع إليه؟ فيه وجاهن؛ كما ذكرنا في البر.
فصل فيما لو حلف لا يضربن عبده
إذا حلف ليضربن عبده، فضربه ضربًا يتناولها لاسم بر في يمينه، وإن لم يؤلمه، وعند مالك﵀-: الإيلام شرط، قلنا: اسم الضرب يتناول الكل؛ بدليل أنه لا يجوز نفي اسم الضرب عن غير المؤلم، أما إذا وضع السوط عليه، [ورفعه- فلا يبر]، لأنه لا يسمى ضربًا، ولو قال: ضربًا شديدًا- فلا يبر إلا بضرب مؤلم يسمى شديدًا، ولو حلف ليضربنه، فعضه، أو قرصه أو خنقه، أو نتف شعره- لم يبر؛ لأنه ليس بضرب، ولو لكزه أو لطمه أو رفسه- فيه وجهان:
أصحهما: يبر؛ لأن كلها ضرب.
والثاني: لا يبر؛ لأن الضرب المتعارف ما كان بآلة.
ولو حلف ليضربن عبده- مائة سوط، أو مائة خشبة، فربه بإثكال عليه مائة شمراخ، أو شد مائة سوط، فضربه بها ضربة واحدة، فإن تيقن أن الكل أصابته- بر في يمينه؛ لأن الله تعالى قال لأيوب﵇-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وإن تيقن أن الكل لم يصبه أو لم يصل إليه ألم الكل- لم يبر، [ولو تراكم البعض على البعض- يحنث، ووصل إليه ألم الكل- بر]؛ كما لو ضربه فوق ثوب وإن شك هل أصابه الكل أو هل وصل إليه ألم الكل؟ نص على أنه لا يحنث في الحكم، والورع: أن يحنث نفسه، ونص فيما لو قال: ليفعلن كذا في وقت، إلا أن يشاء فلان، فلم يفعل، ومات فلان، ولم تعرف مشيئته-: أنه يحنث، واختيار المزني أنه [لم] يحنث في الموضعين، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين، ومنهم من فرق بينهما، فقال- ههنا-: لا يحنث؛ لأنه حلف على الضرب، وقد وجد الضرب المبر، والشك في المحنث، والأصل أنه لم يحنث، وهناك: حلف على الفعل ولم يفعل، فتيقنا وجود المحنث ومشيئة فلان المنع من الحنث، وشككنا [فيه] في وجوده، والأصل عدمه.
[ ٨ / ١٤٥ ]
ولو حلف ليضربنه مائة مرة فضربه [بالمائة المشدودة ضربة واحدة- لم يبر؛ لأنه لم يضربه إلا مرة واحدة، ولو حلف ليضربنه مائة، فضربه] بها [مائة] ضربة- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبر؛ لأنه يقتضي تعدد الضربات/، وهو لم يضرب إلا ضربة واحدة.
والثاني: يبر؛ لأنه حصل بكل واحدة ضربة؛ كما لو قال: مائة سوط.
فصل فيما لو حلف وقال ليس لي مال
إذا حلف، وقال: ليس لي مال- حنث إذا كان له مال من أي نوع كان وإن قل، حتى ثياب بدنه، وعند أبي حنيفة: لا يحنث إلا بالمال الزكوي من النعم أو أحد النقدين، وإن كان له دين حال على ملي- يحنث؛ لأنه متى شاء، أخذه؛ كما لو كان ماله وديعة عند إنسان، وإن كان الدين مؤجلًا - ففيه وجهان:
أصحهما: يحنث؛ لأنه مال يملك التصرف فيه بالإبراء والحوالة.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يملك قبضه متى شاء، وإن كان على جاحد أو كان ضالًا- فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه على ملكه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يصل إلى المجحود، فهو كالمعدوم في حقه، ولا يتحقق بقاء الضال، وإن كان قد اشتغل عقارًا- هل يحنث؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يحنث، وهذا بناء على أنه هل تجب فيه زكاة التجارة، وإن كان له مدبر أو معلق عتقه بصفة أو مال أوصى به لإنسان- يحنث؛ لأنه باق على ملكه، وإن كان له مكاتب أو حلف لا يملك عبدًا، وله مكاتب- هل يحنث؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يحنث، وهذا بناء على أنه لو قال: مماليكي أحرار- هل يدخل فيهم المكاتب؟ فيه قولان:
الأصح: لا يدخل، وإن كانت له أم ولد- هل يحنث؟ فيه وجهان؛ بناء على أنه هل يجب القطع بسرقتها؟ فيه وجهان.
[ ٨ / ١٤٦ ]
فصل في نذر اللجاج
روي عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة اليمين".
النذر قسمان:
نذر على وجه التبرر، وهو: أن يلتزم القربة في ذمته بمقابلة حدوث نعمة [أو] انكشاف بلية؛ مثل: أن يقول: إن حدث لي ولد- فلله علي حج أو: إن رد [الله علي] غائبي- فلله علي [صوم شهر، أو: إن شفا الله مريضي فلله علي] عتق رقبة، فإذا وجد ما كان ينتظر- لزمه ما التزم.
ونذر على وجه اللجاج، وهو: أن يمنع نفسه عن شيء مباح على وجه اللجاج والغضب بالتزام قربة؛ مثل: أن يقول: إن دخلت الدار- فلله علي حج، وإن كلمت فلانًا/ فلله علي عتق رقبة، وإن أكلت الخبز- فلله علي صوم شهر، فإذا فعل ذلك، ماذا يلزمه فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عليه كفارة اليمين؛ لظاهر الخبر، وهو قول عائشة﵂- وعدة من الصحابة- رضوان الله عليهم- لأن قصده منع نفسه عن ذلك الفعل، كما لو حلف ألا يفعل كذا، فإذا فعل- يلزمه كفارة اليمين.
والقول الثاني- وبه قال أبو حنيفة- يلزمه الوفاء بما التزم كما في نذر التبرر.
والثالث: يتخير بين كفارة اليمين والوفاء بالمنذور؛ لأن ابتداء كلامه يشبه الأيمان، وهو قوله: "إن دخلت الدار"؛ لأنه يقصد منع نفسه عن الدخول وانتهاءه، وقوله: "لله علي كذا"- يشبه النذور ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين:
[ ٨ / ١٤٧ ]
أشهرهما: أنه يتخير بين الوفاء بما سمى وبين كفارة اليمين.
وأصحهما: أنه يلزمه كفارة اليمين.
أما إذا قال: إن دخلت الدار، أو: إن كلمت فلانًا- فعبدي حر-: فليس هذا بنذر؛ لأنه لم يلتزم شيئًا في الذمة، بل هو تعليق عتق، فإذا دخل أو كلم- عتق العبد، ولو نذر على وجه اللجاج عتق رقبة بعينه؛ فإن قلنا: عليه كفارة اليمين: فإن شاء أعتق ذلك العبد إن كان مسلمًا [سليمًا]، أو عبدًا غيره، وإن شاء أطعم أو كسا، وإن كان ذلك كافرًا أو معيبًا- عليه إعتاق رقبة أخرى إن اختار العتق، وإن قلنا: عليه الوفاء بما سمى- فعليه إعتاقه على أي صفة كان، وإن قال: "إن دخلت الدار- فلله علي كفارة يمين": فإن دخل- عليه كفارة اليمين على الأحوال كلها، وكذلك: لو قال: "إن فعلت كذا، فعلي نذر" يلزمه كفارة اليمين.
ونذر اللجاج متصور في فعل الطاعة والمعصية والمباح جميعًا.
أما الطاعة: فتنقسم إلى النفي والإثبات، ففي إثباته: يتصور التبرر والغلق، فالتبرر: أن يقول: "إن صليت، فلله علي صوم يوم" يعني: إن وفقني الله على الصلاة فعلي صوم، فإذا صلى- يلزمه الوفاء بما التزم، وهو الصوم، والغلق: أن يقال له: صل، فقال: لا أفعله، وإن صليت- فلله علي عتق عبد، أو صوم، فإذا صلى ماذا يلزمه؟ فعلى الأقوال [الثلاثة].
وأما النفي: فلا يتصور فيه إلا الغلق؛ لأنه لا تبرر في/ ترك الطاعة؛ مثل: أن يقال له: لا تصل، فيقول: أصلي، وإن لم أصل، فلله علي عتق رقبة، [أو صوم شهر]، فإن صلى- فلا شيء عليه، وإن لم يصل- فعلى الأقوال الثلاثة.
وأما المعصية: فتنقسم- أيضًا- إلى النفي والإثبات:
ففي النفي: يتصور التبرر والغلق، فالتبرر: أن يقول: "إن لم أشرب الخمر- فلله علي صوم يوم" يعني: إن عصمني الله عن شربها، فإذا لم يشرب- يجب الوفاء بالمنذور، والغلق: أن يقال له: لا تشرب فيقول: أشرب، وإن لم أشرب، فلله علي عتق عبد، فإن شرب- لا عتق عليه، وإن لم يشرب- فعلى الأقوال الثلاثة.
[ ٨ / ١٤٨ ]
وأما الإثبات: فلا يتصور فيه إلا الغلق؛ مثل: أن يقال له: اشرب، [فيقول: لا أشرب]، وإن شربت- فلله علي صوم، فإن شرب: ففيما تلزمه الأقوال الثلاثة.
وأما المباح فيتصور في إثباته ونفيه الوجهان جميعًا.
أما الإثبات: فالتبرر فيه [أن يقول]: "إن أكلت الخبز اليوم، فلله علي عتق عبد" يعني: إن قواني الله عليه، فإذا أكل- فعليه ما التزم، والغلق: أن يقال له: كل، فيقول: لا آكل، وإن أكلت، فلله علي عتق عبد، فإذا أكل: ففيما يلزمه الأقوال.
وأما النفي: فالتبرر فيه: أن يقول: "إن لم آكل الخبز اليوم، فلله علي عتق عبد" يعني: إن وفقني الله إلى كسر شهوتي بترك الأكل، فإن لم يأكل: فعليه ما التزم.
ووجه الغلق: أن يقال له: "لا تأكل، فيقول: إن لم آكل، فلله علي عتق عبد، فإذا لم يأكل: ففيما يلزمه الأقوال الثلاثة.
ولو علق ما التزم على مشيئة الغير، فقال: إن فعلت كذا، فلله علي نذر حج، إن شاء فلان، فإذا فعل ذلك لا شيء عليه، شاء فلان أو لم يشأ؛ لأن النذر يلزمه بالتزامه لا بمشيئة الغير، بخلاف ما لو قال: إن دخلت الدار، فلله علي نذر حج، فدخل- يلزمه في قول؛ لأن القائل هو الناذر غير أنه أخره إلى الدخول، وثم الشائي غير الناذر، ولو التزم في مقابلة نعمة ما لا يكون قربة؛ مثل: إن قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن آكل الخبز، أو: إن رد غائبي، فلله علي أن أدخل الدار؛ فالمذهب: أنه يمين، فإن لم يوجد شفاء/ المريض ولا رجوع الغائب- لا يلزمه شيء، وإن وجد - فعليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال: إن دخلت الدار، [فلله علي أن آكل الخبز، فإن لم يدخل الدار] لا شيء عليه، وإن دخل: فالمذهب: أن عليه كفارة اليمين، وهو كقوله: "والله، لا أدخل الدار"، وفيه وجه آخر: أنه لغو؛ لا يجب به شيء، ولو قال: "إن دخلت الدار، فلله علي ألا أكلم فلانًا"، فإن كلم قبل الدخول لا شيء عليه؛ لأن النذر لم ينعقد، وإن كلم بعده، فالمذهب: أن عليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال ابتداءً: "لله علي أن أدخل الدار اليوم"، فالمذهب: أنه يمين، فإن لم يدخل- عليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال لامرأته: "إن دخلت الدار، فلله علي أن أطلقك"، فهو كقوله: "إن دخلت الدار، فوالله لأطلقنك"، فإن مات أحدهما قبل التطليق- يجب عليه كفارة اليمين.
[ ٨ / ١٤٩ ]
باب النذور
قال الله تعالى في وصف عبادة الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وروي عن عائشة عن النبيﷺ- قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
النذر هو: أن يوجب على نفسه قربة لم يوجبها الشرع عليه بمقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية، مثل: أن يقول: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقبة، أو أصوم شهرًا،
[ ٨ / ١٥٠ ]
أو: إن رد غائبي، فلله علي أن أصلي ركعتين أو أحج بيت الله ﷿، فإذا حصل ما علقه عليه- يلزمه ما التزم.
ولو لم يعلقه على شيء، بل قال: [لله] علي أن أصوم أو أصلي أو أحج أو أعتق عبدًا" فالمذهب: أنه يلزمه؛ لقوله﵇-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ولأن ما يوجبه الإنسان على نفسه مقابل بما أوجبه الشرع، والشرع قد أوجب أشياء على الإنسان بلا سببب.
وفيه قول آخر: أنه لا يلزم إلا بمقابلة عوض؛ كما لا يلزم التبرعات من الهبة والوصية؛ لأنها ليست بمقابلة عوض، ولو قال: "إن شفى الله مريضي، فعلي حج أو علي عتق/ عبد"، ولم يقل: "لله علي" فالمذهب: أنه يلزمه؛ كما لو قال: "لله علي"، وفيه وجه آخر: أنه لا يلزمه ما لم يقل: "لله علي" وكذلك في نذر اللجاج [والغضب] إذا قال: "علي كذا" ولم يقل: "لله عليه" هل يلزمه موجبه؟ فعلى [هذين] القولين، والمذهب: أنه يلزمه، وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، ولم يوجبها الشرع عليه، أما ما كان واجبًا بالشرع: فلا يصح نذره؛ مثل: أن قال: "لله علي أن أصلي الظهر، أو: لله علي أن أصوم رمضان، أو: لله علي ألا أشرب الخمر أو: لا أرتكب محرمًا"؛ فلا يكون هذا نذرًا، سواء قاله بمقابلة نعمة أو مبتدئًا؛ [لأن أداء] صلاة الظهر وصوم رمضان وترك شرب الخمر والحرام- واجب عليه بحكم الشرع، ولكن هيكون يمينًا على ظاهر المذهب، حتى لو لم يصل الظهر أو لم يصم رمضان أو شرب الخمر- تلزمه كفارة اليمين؛ كما لو قال: "والله، لا أشرب الخمر" فشرب، وكذلك: لا يصح [نذر] فعل المعصية؛ مثل: أن نذر القتل أو الزنا، أو نذرت المرأة أن تصلي وتصوم في أيام حيضها، أو نذر صوم يوم العيد، أو أن يصلي محدثًا، أو بلا قراءة، أو أن يقرأ القرآن جنبًا؛ قال النبيﷺ-: "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم"، ولو نذر ذبح ولده لا ينعقد، وعند أبي حنيفة: ينعقد [وعليه ذبح] شاة، وبالاتفاق: لو نذر ذبح والده أو قتل ولده- لا ينعقد، وعند أبي يوسف: إن نذر أن يصلي محدثًا أو بلا قراءة -ينعقد، ويصلي متطهرًا بقراءة؛ كما لو نذر أن يصلي في أرض مغصوبة- تلزمه الصلاة، ويصلي في موضع آخر، قلنا: الغصب معصية في غير
[ ٨ / ١٥١ ]
الصلاة بخلاف الحدث؛ لأن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة، وإن كان عاصيًا بالغصب، ولا يصح محدثًا، وبغير قراءة؛ بدليل أنه لو نذر مطلقًا: أن يصلي، فصلى في أرض مغصوبة- خرج عن نذره، ولو صلى محدثًا- لا يخرج عن نذره، وكذلك: الإتيان بالمباحات، أو الإعراض/ عنها-[لا يلزم بالنذر]، مثل: إن نذر أن يأكل أو يشرب، أو لا يأكل ولا يشرب- فلا يلزم بالنذر؛ لما روي عن ابن عباس قال: "بينما النبيﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" غير أنه يمين على ظاهر المذهب، فإذا نذر ألا يفعل، ففعل، أو نذر أو يفعل، فلم يفعل- تلزمه كفارة اليمين.
فصل فيما لو نذر أن يتصدق بماله
إذا نذر أن يتصدق بماله- يلزمه أن يتصدق بجميع ماله، ولو قال: "إن شفى الله مريضي- فمالي صدقة، أو مالي في سبيل الله"- فالمذهب: أنه كقوله: "لله علي أن أنفق مالي في سبيل الله، أو: أتصدق بمالي"؛ فيلزمه أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك: في نذر اللجاج، إذا قلنا: يلزمه الوفاء بما نذر، وعند أبي حنيفة﵀-: إذا قال: "مالي في سبيل الله" عليه أن يتصدق بما عنده من المال الزكوي، وعند مالك﵀-: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، ولو نذر هذيًا- يجب عليه أن يحمله إلى مكة، فيتصدق على أهلها، ولو نذر أن يتصدق بماله على أهل بلد عينه- يجب أن يتصدق عليهم، أما إذا نذر أن يصوم في بلد- لا يتعين، وله أن يصوم حيث شاء، سواء كان في الحرم أو في غيره، وقال صاحب "التلخيص": إذا عين الحرم يختص به، والأول المذهب؛ كما أن الصوم الذي هو بدل هدايا الإحرام- لا يختص بالحرم؛ ولو نذر أن يصلي في بلد- لا يتعين؛ وله أن يصلي حيث يشاء إلا أن يعين لها المسجد الحرام، فيتعين، وفي مسجد المدينة- والأقصى: قولان،
[ ٨ / ١٥٢ ]
ولو عين مسجدًا آخر سوى هذه المساجد الثلاثة- لا يتعين، ولو نذر أن يجاهد في جهة عينها- هل يتعين؟ فيه وجهان، قال الشيخ أبو زيد: لا يتعين؛ وله أن يجاهد في أي جهة شاء؛ لن الناذر لا حق له في الجهاد، إنما مقصوده الغزو، وقال صاحب "التلخيص": تتعين تلك الجهة؛ لأن الجهاد يختلف باختلاف الثغور؛ لبعد المسافة، وكثرة المؤونة، وقوة العدو.
فصل في نذر الحج
إذا نذر حجًا أو عمرة- لزمه أن يحج/ ويعتمر، إذا قال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله أو آتي بيت الله" نظر: إن لم يرد [بيت الله] الحرام- لا يلزمه شيء، وقال أبو حامد: مطلقه يحمل على البيت الحرام؛ لأنه الذي يفهم من إطلاقه، وإن نوى البيت الحرام، أو صرح فقال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو آتي بيت الله الحرام"- هل يلزمه إتيانه؟ قيل: هذا ينبني على أن دخول الحرم، هل يقتضي إحرامًا؟ وفيه قولان؛ إن قلنا: يقتضي إحرامًا- يلزمه أن يأتيه، فيحج أو يعتمر، وإن قلنا: لا يقتضي إحرامًا- فهو كما لو نذر أن يأتي مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، ومن أصحابنا من قال- وهو المذهب-: يلزمه إتيانه قولًا واحدًا، ويحج أو يعتمر؛ لأنه لا قربة في إتيانه إلا بنسك، [ثم] إن نذر المشي- فهو كما لو نذر أن يحج ماشيًا أو يعتمر ماشيًا، وإن نذر الإتيان- فلا يلزمه المشي، وعلي أن يحج ويعتمر، وقيل: إن قلنا: دخول مكة لا يقتضي إحرامًا- فعليه أن يحج أو يعتمر، إن شاء، أو يصلي ركعتين، أو يعتكف في المسجد الحرام، فإذا أوجبنا إتيانه، وكان قد نذر المشي إليه، لو نذر الحج أو العمرة ماشيًا- فهل يجوز أن يأتيه راكبًا أم عليه المشي؟ فيه قولان؛ بناءً على أن الحج راكبًا أفضل أو ماشيًا؟ وفيه قولان:
أحدهما: راكبًا؛ لأن النبيﷺ- حج راكبًا.
والثاني: ماشيًا أفضل؛ لأن التعب فيه أكثر؛ وقد قال رسول الله ﷺ لعائشة﵂-: "أجرك على قدر نصبك": فإن قلنا: الحج راكبًا أفضل، فإذا ركب- لا شيء عليه، وإن قلنا: ماشيًا أفضل- وهو الأصح- فيجب عليه المشي، ومن أي موضع يلزمه [المشي]؟ نظر: إن قال: "لله علي أن أحج ماشيًا" فمن الميقات، وإن أحرم قبل
[ ٨ / ١٥٣ ]
الميقات- فمن حيث أحرم؛ لأن الحج يكون من ذلك الموضع.
وإن قال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام"- ففيه وجهان:
أحدهما: من الميقات؛ لأن المقصود منه الحج أو العمرة؛ وإنما يصير محرمًا من الميقات.
والثاني: من دويرة أهله؛ لأن قضية قوله: "أمشي إلى بيت [الله": أن يخرج] إليه ماشيًا، فلو قال: لله علي أن أمشي حاجًا، قيل: هو كقوله: "لله علي أن أحج ماشيًا"، وقيل: هو كقوله: "أمشي إلى بيت/ الله الحرام"، فإذا قلنا: يلزمه المشي: إما من الميقات، أو من دويرة أهله- فيجب أن يمشي في الحج، حتى تحل له النساء عقدًا ووطئًا، وهو بعد التحللين، وإذا فاته الحج- يتحلل بعمل العمرة ماشيًا، ثم يقضي في العام الثاني ماشيًا، وفيه قول آخر؛ أنه لا يلزمه أن يحل عن الفائتة ماشيًا، بل له أن يركب فيه؛ لأن فرض النذر لا يسقط به، وعليه القضاء ماشيًا، وفي العمرة: يجب أن يمشي حتى يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم له أن يركب إن قلنا: الحلق استباحة محظور، وإن قلنا: نسك- فلا يركب حتى يحلق، فإذا أوجبنا عليه المشي، فحج راكبًا مع القدرة على المشي- ففيه أقوال:
أصحها: صح حجه عن نذره؛ وعليه دم، ولا قضاء عليه.
وفيه قول آخر: صح حجه، ولا دم عليه.
وفيه قول ثالث: يجب عليه القضاء، ثم في القضاء: له أن يركب بقدر ما مشى في الأداء، ويمشي بقدر ما يركب، أما إذا عجز عن المشي، فحج راكبًا- صح حجه عن نذره، ولا قضاء عليه، وهل يلزمه الدم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا دم عليه؛ لأنه ركب للعجز؛ كما لو نذر أن يصلي، فعجز، فصلى قاعدًا- لا شيء عليه.
والثاني- وهو الأصح-: يلزمه دم؛ والدليل عليه: ما روي أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبيﷺ- أنها لا تطيق ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ "فلتركب ولتهد بدنة" وفي رواية: "ولتهد هديًا"، وليس كالصلاة؛ لأنه لا مدخل للمال
[ ٨ / ١٥٤ ]
فيها، وله مدخل في الحج؛ ولو نذر أن يركب إلى بيت الله الحرام، فمشى- يلزمه [دم]؛ لنه ترفه بترك مؤنة الركوب، قال الشيخ﵀-: عندي: لا دم عليه؛ لأن عدوله إلى الطريق الأشق لزيادة الثواب؛ فلا يجب عليه الدم.
ولو نذر أن يحج حافيًا-[له لبس] النعل، ولا شيء عليه؛ لأنه إتعاب للبدن بما لا فائدة فيه.
ولو نذر أن يمشي إلى بيت الله: لا حاجًا، ولا معتمرًا- ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لأن المشي إليه بغير نسك- ليس بقربة كالمشي إلى غير البيت.
والثاني: ينعقد؛ وعليه أن يمشي فيحج أو يعتمر؛ لأنه لزمه النسك بنذر المشي، ثم دام إسقاطه بنفيه، فلم يسقط، ولو نذر أن يأتي موضعًا/ من الحرم/ كالصفا والمروة ومقام إبراهيم ومنى وغيرها من بقاع الحرم- فهو كما لو نذر أن يأتي بيت الله الحرام، سواء قال بلفظ المشي أو الإتيان أو الحضور أو قال: أذهب أو أنتقل أو أصير إليها، إلا أنه إذا قال بغير لفظ المشي- يجوز له الركوب، وعند أبي حنيفة: لا يلزمه إلا بلفظ المشي، ولو نذر أن يأتي عرفات، أو مر الظهران- لا يلزمه؛ لأنها ليست من الحرم؛ كما لو نذر إتيان بلد آخر، ولو نذر أن يأتي مسجد "المدينة"، أو المسجد الأقصى- هل يلزمه إتيانه؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزم [كما يلزمه] إتيان المسجد الحرام؛ لأن النبيﷺ- خصها بالإتيان بين المساجد، فقال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
والثاني: لا يلزم؛ لأنهما لا يقصدان بالنسك؛ كسائر المساجد، بخلاف المسجد الحرام، فإن قلنا: يلزمه الإتيان: فإن كان نذر المشي- فهل له أن يركب؟ ينبني على ما لو
[ ٨ / ١٥٥ ]
نذر الحج: إن قلنا هناك: يلزمه المشي من دويرة أهله- فههنا: يلزمه [كذلك؛ وإن] قلنا: لا يلزمه المشي، أو يلزمه من الميقات، فههنا: لا يلزمه المشي، وله أن يركب، فإذا حضره: يلزمه أن يصلي ركعتين، أو يعتكف ساعة في المسجد، أو يزور قبر النبيﷺ- في إتيان المدينة، حتى يكون قربة، وقيل: لا يلزمه شيء، إذا حضره؛ لأنه لا يلتزم إلا الإتيان، ونفس إتيانه قربة، بخلاف مكة، حيث يلزمه الحج أو العمرة؛ لأنه واجب بأصل الشرع، فلزم بالنذر، فإذا نذر حجًا- يلزمه أن يحج بنفسه، فإن كان مغصوبًا- يحج بماله، ولا يتعين له سنة، ويستحب أن يحج في أول سنة الإمكان، فإن مات قبل الإمكان- لا شيء عليه، وإن مات بعد الإ/كان- يحج من ماله، ولو قال: "لله علي أن أحج [من] عامي هذا"- نظر: إن كان على مسافة لو خرج في الوقت- لا يمكنه أن يحج في ذلك العام- لا ينعقد نذره، وإن أمكنه- يلزمه أن يحج في ذلك العام، فلو لم يحج في ذلك العام، مع الإمكان- كان دينًا في ذمته؛ كما في حجة الإسلام، فإن مات- قضى من ماله، ولو لم يمكنه الحج في ذلك العام/ نظر: إن مات قبل الإمكان- فلا شيء عليه، وإن حبس حتى مضى العام- نظر: إن حبسه عدو أو سلطان - فالمذهب: أنه لا قضاء عليه؛ كحجة الإسلام، إذا أحرم به فحبسه عدو في أول سنة الإمكان- لا يلزمه القضاء، وخرج ابن سريج قولًا [آخر]؛ أنه يلزمه القضاء إذا أمكنه قبل موته؛ كما لو منعه مرض؛ لأن باب النذور أوسع؛ بدليل أنه لو نذر حججًا كثيرة- تلزمه بالنذر، ولا تجب بالشرع إلا واحدة، وكذلك: لو نذر صلاة في يوم بعينه، فأغمي عليه- لزمه القضاء، ولا يلزمه قضاء صلوات ذلك اليوم، فإن منعه عدو أو سلطان وحده- ففي وجوب القضاء قولان؛ كالحصر الخاص في حجة الإسلام، ولو منعه عن الحج في ذلك العام مرض، أو أخطأ العدد، أو نسي، أو ضل الطريق، حتى مضى العام- يلزمه القضاء، فإن كان مغصوبًا يوم النذر، أو صار مغصوبًا، أو لم يجد المال إلا بعد مضي السنة- فلا قضاء عليه، ولو نذر عشر حجات، فمات بعد مضي خمس سنين، أمكنه فيها الحج- يقضي من ماله خمس حجات، فإن كان مغصوبًا يوما لنذر، أو صار مغصوبًا [بعده، فمات بعد] مضي سنة، وله مال- أمكنه أن يحج عن نفسه في سنة واحدة عشر حجات- يقضي الكل من ماله، وإن لم يكن له
[ ٨ / ١٥٦ ]
من المال إلا قدر حجتين- يستقر عليه حجتان.
ولو نذر صلاة أو صومًا أو اعتكافًا أو صدقة في شهر بعينه، فمنعه مرض أو سلطان- عليه القضاء، بخلاف الحج إذا منعه سلطان- لا يجب القضاء؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، والصلاة والصوم والصدقة- قد تجب ابتداءً مع العجز والمرض، وكذلك تلزم بالنذر، أما الحج: فلا يجب بالشرع إلا بشرط الاستطاعة؛ كذلك بالنذر.
فصل في نذر الصوم
إذا نذر صوم أيام- مثلًا- صوم عشرة أيام- لا يلزمه الشروع فيها عقيب النذر، وله أن يصومها متتابعة ومتفرقة، غير أن المستحب أن يعجل صومها عقيب النذر، وأن يصومها متتابعة، فإن قيد بالتتابع [يجب التتابع] ولا يجب التعجيل، وإذا شرع في صومها، فأفطر يومًا- يلزمه استئناف العشر، وإذا نذر أن يصوم متفرقًا- يلزمه التفريق؛ لأن التفرييق مما يلزم بالشرع كالتتابع، وهو في صوم المتمتع؛ فيلزمه بالنذر حتى لو صام عشرة متتابعة- يحسب/ له صوم خمسة أيام، ولا يصح بين كل يومين صوم يوم، ولو نذر صوم سنة- لا تخلو: إما إن عين أو لم يعين؛ فإن نذر صوم سنة بعينها: بأن قال: "لله علي [أن] أصوم سنة كذا، أو: سنة من وقتي هذا، أو: أشرع فيه غدًا"، أو لم يعين، وقال: " [أصوم] سنة من محرم إلى محرم يجب أن يصومها متتابعًا؛ لتعيين الوقت؛ كما يجب صوم رمضان متتابعًا، ويصوم رمضان عن فرض الشرع، ولا يجب قضاءه عن النذر؛ لأنه لم يدخل في النذر، ويجب أن يفطر العيدين وأيام التشريق، ولا يجب قضاؤها؛ لأنها لا تقبل الصوم؛ فلم يتناولها النذر، وإذا أفطرت المرأة بعذر الحيض أو النفاس، هل يجب عليها قضاء أيام الحيض والنفاس؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لا يجب قضاء يوم العيد.
والثاني: يجب؛ لأن زمان الحيض محل للصوم في حق غيرها، بخلاف يوم العيد؛ فإنه غير قابل للصوم في [حق] أحد، فلم يدخل في النذر، كزمان الليل، وهذا أصح، وإن أفطر يومًا بغير عذر- يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وهل يجب استئناف السنة؟ نظر: إن لم يقيد بالتتابع- لا يجب؛ لأن التتابع وجب فيه لحق الوقت، فإذا أفطر يومًا- لا يجب إلا قضاء ما أفطر كصوم رمضان، وإن قيد بالتتابع بأن قال: أصوم سنة كذا متتابعًا - ففيه
[ ٨ / ١٥٧ ]
وجهان، قال الشيخ أبو حامد﵀-: يلزمه الاستئناف؛ كما لو لم يعين سنة، وشرط التتابع فأفطر يومًا- يلزمه الاستئناف، ويبطل ما مضى، وقال الشيخ القفال: لا يلزمه الاستئناف، ولا يبطل ما مضى؛ لأن التتابع كان لازمًا لحق الوقت؛ فلا يكون لقوله: "متتابعًا" تأثير، وإن فاته صوم تلك السنة- يلزمه القضاء، ولا يلزمه التتابع؛ لأن التتابع في الأداء- كان لحق الوقت؛ كقضاء رمضان.
ولو قال: "لله علي صوم هذه السنة"- فلا يلزمه إلا ما بقي من تلك السنة إلى المحرم، وإن لم يبق إلا يوم واحد، ثم إن كان قبل رمضان- لا يجب عليه قضاء رمضان عن النذر، ولا يوم العيد وأيام التشريق، وفي وجوب قضاء زمان الحيض والنفاس قولان؛ كما ذكرنا في جميع السنة، أما إذا نذر صوم/ سنة، ولم يعين- لا يخلو: إما إن قيد بالتتابع أو لم يقيد: فإن لم يقيد- يجب عليه أن يصوم سنة اثني عشر شهرًا، ولا يلزمه التتابع، ثم إن صام متتابعًا- يجب عليه أن يصوم رمضان عن فرض الشرع، وعليه قضاؤه عن النذر، وكذلك: يفطر يوم العيد وأيام التشريق، ويقضي عن النذر، ولا يجب قضاء يوم الشك؛ لأن صومه عن يوم النذر جائز، وعلى المرأة قضاء أيام الحيض، وإذا قضى عن رمضان شهرًا بالهلال- جاز، تامًا كان أو ناقصًا؛ لنه قضى شهرًا بإزاء شهر، وكل شهر في السنة صامه من أوله تامًا- يكون بالهلال، وإن خرج ناقصًا، إما شوال وذو الحجة- يجب أن يكملهما ثلاثين يومًا، وإن كانا ناقصين- فيصوم نقصانهما بعد السنة، وكذلك: كل شهر أفطر منه شيئًا بعذر أو من غير عذر- يجب إكمال ذلك الشهر ثلاثين يومًا، ولا يبطل ما مضى؛ أما إذا قيد التتابع، فقال: "لله علي أن أصوم سنة متتابعًا"- يجب أن يصوم متتابعًا، ولا ينقطع التتابع بفطر يوم العيد وأيام التشريق؛ لن الحول لا يخلو عن هذه الأيام، وكذلك بصوم شهر رمضان عن فرض الإسلام، ولا ينقطع به التتابع، ويجب عليه قضاء هذه الأيام متصلًا بالسنة متتابعًا، وهذا بخلاف ما لو نذر صوم سنة معينة- حنث، قلنا: لا يجب قضاء هذه الأيام؛ لأن النذر إذا تناول وقتًا بعينه فما لم يصح فيه لا يبدل بغيره، وههنا: تعلق النذر بصوم في الزمن، فإذا لم يقبله بعض الزمان- أبدله بغيره؛ كما لو باع عينًا، فوجد بها عيبًا لا يجوز إبدالها بغيرها، وإذا وجد بالمسلم فيه عيبًا- أخذ بدله، وكل شهر صامه تامًا من أوله- يكون بالهلال، وإن كان ناقصًا كما ذكرنا، وإن أفطرت المرأة بعذر الحيض- لا يجب استئناف السنة، وهل يجب قضاء أيام الحيض؟ فعلى قولين، وإن أفطر يوما بغير عذر- يجب استئناف السنة، وإن أفطر بعذر مرض، فهل يجب الاستئناف؟ فعلى قولين، وإن
[ ٨ / ١٥٨ ]
أفطر بعذر سفر- يرتب على المرض، إن قلنا هناك: يجب الاستئناف، وينقطع التتابع- فههنا أولى وإلا: فعلى وجهين؛ كما في صوم كفارة الظهار/؛ فإن قلنا: لا ينقطع التتابع ولا يجب الاستئناف- فهل يجب قضاء ما أفطر بالمرض؟ فيه وجهان بناء على القولين في الحائض، وكذلك: لو نذر أن يصوم ثلثمائة وستين يومًا، إن لم يقل: "متتابعة" فعليه أن يصوم هذا العدد بالأيام، ولا تتابع عليه، وعليه قضاء صوم رمضان، ويومي العيد وأيام التشريق، وإن قال: "متتابعة"- فيجب التتابع، ويجب قضاء هذه الأيام متصلًا بالسنة، وتكون الشهور بالعدد، قال الشيخ﵀-: ولو أن امرأة نذرت صوم يوم [بعينه]، فحاضت فيه، فهل يجب القضاء؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا في السنة المعينة، وإن نذرت يوما غير معين، فشرعت في الصوم في يوم، وحاضت- يجب القضاء، ولو أن رجلًا نذر صوم [يوم] الاثنين أبدًا أو سنة- يجب عليه أن يصومها، ولا يجب عليه قضاء أثانين شهر رمضان؛ لأن وجوبه سبق نذره- فلا يدخل في النذر، وإن وافق يوم العيد وأيام التشريق- هل يجب قضاؤها؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المزني-: لا يجب؛ كأثانين رمضان.
والثاني: يجب قضاؤها؛ لأن هذه الأيام [قد] تخلو عن الأثانين؛ فكانت داخلة في النذر، بخلاف رمضان؛ فإنه لا يخلو عن الأثانين، فإن اتفق في رمضان خمسة أثانين، هل يجب قضاء الخامس؟ فيه وجهان؛ بناءً على هذين القولين؛ لأن رمضان لا يخلو عن أربع أثانين، ويخلو عن الخامس، ولو لزمه صوم شهرين متتابعين عن كفارة- يجب عليه أن يصوم عن الكفارة، سواء سبق وجوبه نذر صوم يوم الاثنين أو تأخر عنه، وإنما قدمنا صوم الشهرين؛ لأنه إذا بدأ به يمكنه [بعد الفراغ منه أن يقضي صوم الأثانين، وإذا بدأ بصوم الأثانين- لا يمكنه] قضاء الشهرين، ثم إن سبق نذر صوم الاثنين، ثم لزمته الكفارة- يجب عليه قضاء أثاني الشهرين، فإن كان وجوب صوم الكفارة سابقًا على وجوب نذر صوم الاثنين- هل يجب قضاء أثاني الشهرين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن وجوبه سبق النذر؛ كما لا يجب قضاء أثاني رمضان.
والثاني: يجب؛ لأن الوقت لم يكن متعينًا لصوم الكفارة، وكان صومه عن النذر
[ ٨ / ١٥٩ ]
ممكنًا، فإذا صام عن غيره- لزمه القضاء، بخلاف شهر رمضان؛ فإن الوقت كان متعينًا/ [له] وهذا أصح.
ولو لزمه صوم شهرين متتابعين بنذر، أو صوم أسبوع متتابعًا بنذر- قيل: هو كصوم الكفارة، [وإن نذر [الأسبوع أو الشهرين] بعد نذر الأثانين- لزمه قضاء [أثاني] الشهرين والأسبوع]، وإن نذر الشهرين بعد نذر الأثانين- فوجهان]: قال الشيخ﵀-: هذا إذا نذر [صوم] شهرين متتابعين، لا على التعيين: فإن نذر على التعيين قبل نذر الأثانين- ينبغي ألا يدخل أثاني الشهرين في نذر الأثانين؛ كأثاني رمضان، ولا يجب قضاؤها؛ قال الشيخ﵀-: ويحتمل أن يقال: إذا صادف نذران زمانًا واحدًا على التعيين: أن الثاني لا ينعقد، كما يأتي نظيره، وإن وافق بعض الأثانين زمان حيض المرأة أو نفاسها- نص: أنها تقضيها، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو وافق يوم العيد وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: يقضي ما وافق زمان الحيض والنفاس قولًا واحدًا؛ لأن النذور يسلك بها مسلك واجب الشرع، ولو أنها حاضت أو نفست في شهر رمضان- يجب عليها القضاء؛ كذا ههنا، ألا ترى أنها إذا أفطرت بعذر مرض أو سفر- يجب القضاء؛ كما يجب قضاء رمضان بخلاف العيد وأيام التشريق؛ لأن تلك الأيام لا تقبل الصوم في حق أحد؛ فكان كزمان الليل، وزمان الحيض قابلًا للصوم في حق غيرها، والفطر في حقها- كان لعارض؛ فيجب القضاء، كما لو أفطرت لسفر أو مرض.
ولو نذر أن يصوم يومًا بعينه- فلا يجوز أن يصوم قبله.
ولو نذر أن يصوم يومًا معينًا من أسبوع، ونسي اليوم الذي عينه- يصوم آخر يوم من الأسبوع، وهو يوم الجمعة، فإن كان نذر صومه - كان أداء، وإن عين يومًا آخر- كان قضاء، فلو صام قبله- لم يحسب؛ لاحتمال أنه عين يومًا بعده، ولا يجوز تقديم القضاء، وكذلك: لو نذر أن يصلي صلاة في وقت، فصلى قبله، أو أن يحج سنة بعينها، فحج قبلها- لم يحسب عن النذر.
[ ٨ / ١٦٠ ]
فصل فيما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان
إذا نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان- نظر: إن قدم ليلًا- فلا صوم عليه، ويستحب أن يصوم صبيحة تلك الليلة؛ لأنه التزم ما التزم شكرًا لله ﷿، فإذا حصلت النعمة- يستحب أن يشكر الله ﷿، وإن قدم نهارًا- فهل ينعقد نذره؟ فيه قولان:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لأن صوم الفرض لا يصح إلا بنية من الليل، وهو لا يعلم متى يكون قدوم فلان، حتى ينوي من الليل، ولأن الصوم إنما يلزمه حين يقدم فلان، وإذا قدم بعد مضي بعض النهار- يصير كأنه قال عند قدومه: "لله علي أن أصوم [اليوم] وإذا قال ذلك- لا يلزم.
والثاني: ينعقد نذره، وعليه صوم يوم آخر، فعلى هذا: من أي وقت يلزمه الصوم؟ فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال ابن الحداد-: يلزمه من أول النهار؛ كأنه قال: "لله عليه أن أصوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان"، فإذا قدم يتبين أن الصوم لزمه من أول النهار، غير أنه لم يكن له سبيل إلى معرفة قدومه، حتى يبيت النية فصار كمن لم يعرف دخول رمضان، فأفطر- عليه القضاء.
والثاني: يلزمه من حين ما قدم؛ لأن الصوم معلق بقدومه فلا يسبقه إلا أن صوم بعض النهار لا يتصور؛ فيلزمه صوم يوم تام، وليس هذا كنذر صوم بعض اليوم، حيث لا ينعقد على ظاهر المذهب لأنه نذر ههنا- صوم يوم، إلا أن شرط الوجوب وجد في البعض دون البعض، فهو كمن شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه - لزمه على ظاهر المذهب؛ فيكون واجبًا من حين نذره، وأوله تطوع، وكما في جزاء الصيد: يصوم عن كل مد يومًا، فلو فضل نصف مد لزمه صوم يوم تام، والواجب: نصف يوم، وإن قلنا: لا ينعقد نذره- لا شيء عليه، سواء قدم فلان، وهو مفطر أو صائم، وإن كان صائمًا- أتم الصوم الذي هو فيه، إن كان فرضًا، وإن كان تطوعًا: إن شاء أتم، وإن شاء أفطر، وإن قلنا: ينعقد نذره- نظر: إن قدم فلان، وهو مفطر قد أكل، أو صائم عن فرض: من قضاء أو نذر- يتم ما هو فيه، [ويجب] عليه صوم يوم آخر عن هذا النذر، ويستحب: إن كان صائمًا عن فرض آخر- أن يعيد ذلك الصوم الذي هو عليه لوقوع الاشتراك من حيث إن صومه كان لازمًا
[ ٨ / ١٦١ ]
عن هذا النذر، [فصامه] عن غيره، وفيه دليل على أنه إذا نذر صوم يوم عينه، ثم صامه عن نذر آخر، أو قضاء: أنه ينعقد، ويقضي نذر هذا اليوم، وفيه وجه آخر: أنه لا ينعقد؛ كما إذا صام رمضان عن فرض آخر، وكما لو قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق هذا العبد" فأراد إعتاقه عن نذر آخر، أو عن كفارة- لا يجوز، أما إذا قدم فلان، وهو فيه صائم عن تطوع أو غير صائم، ولكنه لم يأكل شيئًا، وكان قبل الزوال: هذا يبنى على أنه من أي وقت يلزمه الصوم؟ إن قلنا: بظاهر المذهب، أنه يلزمه الصوم من أول النهار- فههنا: يجب عليه صوم يوم آخر، فإن قلنا: يلزمه من وقت القدوم- فههنا: وجهان:
أصحهما: يجب عليه صوم يوم آخر.
والثاني: يجب عليه إتمام ما هو فيه، فأوله يكون تطوعًا وآخره يكون فرضًا؛ كمن شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه عليه إتمامه، وإن لم يكن صائمًا فيه- ينوي ويصوم بقية النهار، فإن كان قبل الزوال، فإن قلنا: ينعقد نذره- وعليه صوم يوم آخر، فإنما لم يصح صوم يوم القدوم عن هذا [النذر]؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، فلو واطأه فلان؛ أني أريد القدوم يوم كذا، أو غلب على ظنه قدومه يومًا، فنوى من الليل الصوم عن النذر، هل يصح أم لا؟ فيه وجهان: قال الشيخ القفال: لا يصح؛ لأنه لم يكن على حقيقة من قدومه، وقال غيره: يصح؛ لأن قدومه كان غالبًا عنده.
وفرع ابن الحداد على هذا المعنى الذي ذكر: أنه إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، أنه يتبين بقدومه: أن الصوم لزمه من أول النهار.
مسألة
وهي أنه لو قال لعبده: "أنت حر اليوم الذي يقدمفيه فلان" فباعه في أول النهار، ثم قدم فلان في خلال النهار- هل يصح بيعه؟ أو قال لامرأته: "أنت طالق اليوم الذي يقدم فيه فلان" فماتت في أول النهار، ثم قدم فلان- هل يرثها أم لا؟ إن قلنا: نذر الصوم لزم من أول النهار فلا يصح بيع العبد، وبان بقدومه: أنه عتق من قبل، وكذلك: لا يرث المرأة إذا ظهر أنها بانت من قبل.
وإن قلنا: يلزم [من] حين القدوم- فبيع العبد صحيح، ويرث من المرأة.
[ ٨ / ١٦٢ ]
ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا، فقدم يوم الاثنين، فحكم اليوم الذي قدم فيه: كما ذكرنا، أما سائر الأثانين- يلزمه صومها؛ كما لو نذر صوم يوم الاثنين، ولو نذر صوم الليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم يوم العيد- قال الشيخ﵀-: لا شيء عليه؛ لأنه لا يقبل الصوم؛ كما لو قدم ليلًا؛ كذلك: لو قدم في رمضان- لا يلزمه بالنذر شيء، ولو نذر صوم نصف يوم، أو نذر صوم اليوم الذي هو فيه- هل ينعقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينعقد، وعليه صوم [يوم] كامل.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينعقد، ولا يلزمه شيء.
وفرع بعضنا على الوجه الأول: أنه إذا قال: "لله علي ركوع": أنه يلزمه ركعة تامة، والمذهب: أنه لا يلزمه شيء.
هذا إذا أصبح غير صائم، فنذر صومه.
أما إذا أصبح صائمًا عن تطوع، ثم نذر إتمامه- المذهب: أنه يلزمه الإتمام، وإذا اجتمع على رجل نذران في يوم واحد؛ مثل: أن قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم أول خميس من هذا الشهر"، ثم قال: "لله علي أن أصوم [اليوم] الذي يقدم فيه فلان"، فشفي المريض، وأصبح يوم الخميس [صائمًا، و] قدم فلان فيه- يصح صومه عما نواه، وأما النذر الثاني: [إن قلنا: لا ينعقد- لا يلزمه شيء، وإن قلنا: ينعقد- فيقضي يومًا عن النذر، [الثاني] ولو قال: "إن قدم زيد فلله علي أن أصوم [اليوم الثاني منه، وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم] أول خميس بعده"، فقدما جميعًا يوم الأربعاء- لزمه صيام يوم الخميس عن أول نذر نذره، ثم يقضي يومًا [عن الآخر]، [قال الشيخ﵀-: ويحتمل ألا يلزمه بالنذر، الثاني [شيء]؛ لأن الوقت مستحق صومه عن النذر الأول].
فصل فيما لو نذر صومًا مطلقًا
إذا نذر رجل صومًا مطلقًا- يجب عليه أن يصوم يومًا تامًا؛ لأنه لا صوم أقل من يوم، ولو قال: "لله علي أن أصوم أيامًا" فأقل ما يلزمه ثلاثة أيام، ولو قال: "دهرًا" يخرج عنه
[ ٨ / ١٦٣ ]
لصوم يوم، ولو نذر أن يتصدق، فتصدق بقليل، وإن كانت حبة- يخرج عن نذره؛ لأن ذلك [القدر] يجب شرعًا عند اختلاط المال، وإن نذر صلاة: فإن بين عددًا- يلزمه ما التزم به، وإن لم يبين، ففيما يلزمه قولان:
أحدهما: يحمل مطلق النذر على أقل ما أوجبه الشرع من جنسه؛ فيجب/ عليه ركعتان؛ لأن [أقل] ما يلزم بالشرع من الصلاة ركعتان، وهو صلاة الصبح، ويجب أن يصليها قائمًا، إلا أن يعجز فيصلي قاعدًا.
والثاني: يحمل مطلق النذر على أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى من جنسه، فأقل ما يلزمه ركعة واحدة، ويجوز أن يصليها قاعدًا مع القدرة على القيام.
ولو نذر اعتكافًا- يخرج منه بأقل ما يقع عليه الاسم، ولو ساعة، ويستحب أن يتم يومًا، ولو نذر إعتاق رقبة: فعلى القول الأول: يجب علي إعتاق رقبة [مؤمنة] تجزئ في الكفارة، وعلى الثاني: إذا أعتق رقبة كافرة زمنة- يخرج عن نذره، أما إذا قيد، فقال: "لله علي إعتاق رقبة مؤمنة سليمة" لا يخرج عنه بإعتاق الكافرة والمعيبة؛ كما لو نذر أن يتصدق بألف- لا يخرج عنه بأقل منها، ولو نذر إعتاق كافرة أو معيبة- لا يلزمه إلا ذلك، فلو أعتق مسلمة سليمة- فهو كما لو نذر أن يتصدق بحنطة رديئة، فتصدق بجيدة- كان أفضل، أما إذا عين فقال: "لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر أو الزمن" لا يقوم غيره مقامه، وإن كان خيرًا منه؛ لأنه إذا نذر إعتاق عبد بعينه- فلا يقوم غيره مقامه؛ كما لو نذر أن يتصدق بديرنا عينه- لا يقوم غيره مقامه، وإن كان خيرًا منه.
وقيل: إذا نذر إعتاق كافرة أو معيبة، فأعتق مؤمنة سليمة- لا يخرج عن نذره، قال الشيخ﵀-: والأول أصح؛ لأن ذكر الكفر والعيب- لا للتقرب، بل لنفي وجوب ما هو أفضل، فإذا عدل إلى الأفضل- جاز؛ كذكر الرداءة في الحنطة، ولو نذر أن يصلي قائمًا- لا يخرج عنه بالصلاة قاعدًا، ولو نذر أن يصلي قاعدًا، فصلى قائمًا- خرج عن نذره؛ لأنه أتى بالأفضل، وكذلك لو نذر أن يصلي ركعتين فصلى أربعًا [بتسليمه واحدة- جاز؛ قال الشيخ﵀-: ولو نذر أن يصلي أربعًا يصلي بتشهدين، فلو صلى] بتشهد واحد- خرج عن نذره.
ولو نذر طول القراءة في الصلاة، وأن يقرأ سورة كذا في صلاة الصبح، وأن يصلي الظهر في الجماعة- يجب؛ لأن جنسه واجب في الشرع، وهو القراءة في الصلاة، والجماعة
[ ٨ / ١٦٤ ]
في الجمعة، ولون ذر صلاة في وقت عينه غير الأوقات المنهية عن الصلاة فيها- يتعين؛ حتى لا يجوز قبلها/، ولا يجوز التأخير عنه، فلو لم يصل فيه- يجب أن يقضيه كفرائض الأوقات، ولو نذر أن يصلي في الضحوة- صلى في ضحوة أي يوم شاء، فلو صلى في غير الضحوة- لا يخرج عن نذره، فإن عين ضحوة، ففات- قضى في أي وقت كان ضحوة أو غيرها، وذهب بعضنا: إلى أن كل فعل لا يجب من جنسه شرعًا؛ مثل: عيادة المريض واتباع الجنازة والتسليم على الغير- لا يجب بالنذر، وقالوا: لو نذر الصوم في السفر أو إتمام الصلاة- لا يلزم؛ لأنه يتضمن رد الرخصة، وقالوا: لو نذر في الحج أن يحرم من بلد كذا- يلزم، والزمان لا يلزم؛ مثل: إن نذر أن يحرم في شوال- فله أن يحرم بعده؛ قال الشيخ﵀-: والصحيح- عندي- وهو اختيار شيخي﵀- أن كل ما فيه قربة- يلزم بالنذر من عيادة المريض وتشييع الجنازة والتسليم على الغير، والصوم في السفر وإتمام الصلاة؛ إن جعلنا الإتمام أفضل، والإحرام في شوال وغيرها من أنواع القرب، ولا يختص بما يجب جنسه في الشرع؛ فإن الاعتكاف يلزم بالنذر بالإجماع، وجنسه غير واجب في الشرع، والله أعلم.
[ ٨ / ١٦٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين