قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال جل
[ ٤ / ٤١٧ ]
ذكره؛ إخبارًا عن شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
[ ٤ / ٤١٨ ]
وروي عن ابن عباس؛ أن النبيﷺ- "احتجم وأعطى الحجام [أجره] ".
الإجارة: جائزة عند عامة أهل العلم.
وهي بيع منافع الأعيان، جوز مع كون المنافع معدومة للحاجة الداعية إليه، ثم كل عين ظاهرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجري الإباحة في منفعتها: جاز إجارتها؛ كالدور والأراضي والعبيد والدواب ونحوها.
ويجوز استئجار الحر وأم الولد والمدبر.
أما ما لا يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه؛ كالأطعمة: لا يجوز إجارتها، وهل يجوز استئجار الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
والثاني: يجوز؛ لأنه يريد أن يتجمل بها، وأن يضرب على طبعها.
والأول أصح؛ لأن الدراهم والدنانير لا تراد للجمال.
وكذلك: هل يجوز استئجار الأشجار؛ لتجفيف الثياب والاستظلال بها؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن الأشجار لا تراد لهذا الأمر؛ فكان بذل العوض فيه تبذيرًا وسفهًا.
وكذلك: الوجهان في استئجار الببغاء للاستئناس بوصته.
ويجوز استئجار الحلى للبس واستئجار الرياحين والمسك للشم، وتضمن منفعتها بالغصب.
ويجوز استئجار الجوارح للصيد، "الفهد" و"البازي" واستئجار الهرة لأخذ الفأر، ويجوز استئجار الولد للخدمة، ويكره استئجار أحد الأبوين، [و] هل يصح؟ إن ألزم ذمته: صح، وإن استأجر عينه: فوجهان؛ بناءً على المسلم إذا أجر نفسه من كافر.
وهل يجوز استئجار الكلب المعلم للاصطياد والحراسة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الانتفاع به يباح؛ كالفهد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن اقتناءه حرام إلا للحاجة، وما أبيح للحاجة: لا يجوز أخذ العوض عليه؛ كالميتة: تُباح عند الضرورة، ولا يجوز بيعها.
ويجوز استئجار الشبكة للاصطياد.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
ويجوز إجارة المشاع في نصف دار، ونصف عبد، سواء أجر من شريكه أو من غيره، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز من غير شريكه، وجوزه صاحباه.
والإجارة تنعقد بلفظ "الإجارة" و"الكراء"؛ تقول: أكريت منك هذه الدار بكذا، أو أجرت منك هذه الدار بكذا، وإن قال: أجرت منك منفعة هذه الدار: يجوز.
وقيل: لا يجوز حتى يقول: أجرتك هذه الدار.
وإن كان في الذمة، فقال: أكريت ذمتك بكذا: جاز، وإن لم يتلفظ بواحد من اللفظين.
ولو قال بلفظ التمليك والبيع- نُظر: إن قال: بعت منك هذه الدار: لا يصح؛ لأنه لتمليك العين، وإن قال: بعت منك، أو ملكتك منفعة هذه الدار شهرًا بكذا: ففيه وجهان:
قال ابن سريج: يصح؛ لأن الإجارة صنف من البيوع.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
والثاني- وهو الأصح-: لا يصح؛ لأنه موضوع لتمليك العين؛ فلا يستعمل في تمليك المنفعة؛ كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة، والنكاح بلفظ البيع.
ولا تصح الإجارة إلا على منفعة معلومة المقدار، ويعلم مقدار المنفعة: إما ببيان المدة أو العمل:
فبيان المدة: أن تقول: اكتريت هذه الدار لأسكنها سنة، أو هذه الدابة لأركبها يومًا، واستأجرت هذا الثوب لألبسه شهرًا.
وبيان العمل أن يقول: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب، أو لتبني هذا الجدار ونحو ذلك: فيجوز.
ولو جعل العمل في ذمته، فقال: ألزمت ذمتك؛ ليحصل لي خياطة ثوب أو بناء جدار كذا: جاز.
ولو قدر العمل والمدة جميعًا، فقال: استأجرتك اليوم؛ لتخيط لي هذا الثوب: هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه ربما تم أحدهما قبل الآخر.
والثاني: يجوز، ويستحق المسمى بأسرعهما انقضاء.
ويشترط بيان الأجرة: إما بالمشاهدة أو ببيان الوصف، والمقدار، فالمشاهدة: أن يقول: استأجرتك؛ لتعمل لي كذا بهذا الدينار، أو بهذا الثوب.
والوصف والمقدار أن يقول: استأجرتك بدينار، أو بمائة من حنطة يصفها: فيجوز.
ولو استأجر بكف من دراهم نشاهدها غير معلوم الوزن، أو بشيء جزافًا، هل يجوز،
[ ٤ / ٤٢٨ ]
أم لا؟ نُظر: إن كان العقد على منفعة في الذمة: ففيه قولان؛ كالسلم، وإن كان على منفعة معينة: ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو كان في الذمة.
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا؛ كبيع العين: يجوز أن يكون العوض فيه جزافًا، فلو لم يبين الأجرة، بل قال: اعمل لي كذا، لا أعطيك شيئًا، وأرضيك، أو استأجره بمسمى فاسد من خمر أو خنزير: لا يصح، والعامل يستحق أجر مثل عمله، ولو جعل أجرته من شيء يجعله بعمله: لا يجوز؛ مثل: أن يقول: انسج هذا الثوب، ولك نصفه، أو اجن هذه الثمرة، ولك ثلثها أو اسلخ هذه الشاة، ولك جلدها، أو رد آبقي، ولك نصفه، أو اطحن هذه الحنطة على أن لك ثلث الدقيق: لا يجوز؛ لأنه يعمل له ولنفسه، وعليه الأجرة، وإن قال: استأجرتك بربع هذه الحنطة على أن تطحن لي ثلاثة أرباعها: جاز ثم يقاسمه قبل الطحن، فيفرز الربع؛ ليطحن الباقي، أما إذا كان بينهما حنطة: استأجر أحدهما صاحبه بدرهم؛ ليطحنها، أو كان بينهما ثوب استأجره ليقصر نصيبه بدرهم، أو كان بينهما دابة استأجرها صاحبه ليتعهد نصيبه بكذا؛ كما لو استأجر أحدهما من الآخر جوالقا؛ ليجعل فيه الحنطة المشتركة: جاز.
ولو جعل الأجرة منفعة عين: يجوز؛ مثل: إن أجر دارًا بمنفعة دار أخرى، أو بمنفعة عبد أو أجر دارًا بمنفعة دارين: يجوز، لأنه لا ربا في المنافع؛ فإنه لو أجر حليًا من ذهب بالذهب: يجوز، ولا يشترط القبض في المجلس.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز إجارة المنافع بالمنافع عند اتفاق الجنس.
ولو دفع ثوبًا إلى خياط، فقال: إن خطت اليوم، فلك درهم، وإن خطت الغد، فلك نصف درهم.
قال الشيخ﵀-: في أي يوم خاط، فله أجر المثل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إن خاط اليوم، فله درهم، وإن خاط غدًا، فأجر المثل.
وقال أبو يوسف ومحمد: له أجر المثل في أي يوم خاط، وإذا أجر شيئًا بأجر
[ ٤ / ٤٢٩ ]
معلوم: فإن شرط تعجيل الأجر: يتعجل، وإن شرط التأجيل: يتأجل، وإن أطلق: يجب تعجيلها؛ كالثمن في البيع؛ فيملك الأجرة بنفس العقد، ويستحق تسليم [الكل إليه بتسليم العين إلى المستأجر.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يملك الأجرة بنفس العقد، بل يملك شيئًا فشيئًا، ويستحق التسليم] شيئًا فشيئًا؛ كما أن المستأجر يستوفي المنفعة شيئًا فشيئًا.
فنقول: عوض في معاوضة تتعجل بشرط التعجيل. فتتعجل عند الإطلاق؛ كالثمن في البيع، فإن قيل: المستأجر لا يملك المنفعة إلا شيئًا فشيئًا؛ كذلك الآجر: لا يملك الأجرة، قلنا: لا، بل يملك المستأجر المنفعة بنفس العقد، وإن كانت معدومة، فنجعلها كالموجودة في الحكم؛ كما جعلناها موجودة في جواز العقد عليها.
والدليل على أنه يملك الأجرة بنفس العقد: أن الاعتياض عنها: يجوز، ويصح ضمانها، والمكاتب: لو بقي عليه عشرة دراهم من النجوم، فأجر داره من سيده بعشرة: يعتق.
ولو استأجر عينًا أو اكترى دابة بعينها لحمل أو ركوب: جاز، وإن كان يشاهدها، وإن كانت غائبة: فعلى قولي شراء الغائب.
فإن جوزنا: فإن كانت دارًا أو أرضًا: يجب أن يبين موضعها، وسعتها، أو دابة: يذكر جنسها ونوعها أنها: بعير، أو حمار، أو بغل، من ذكر أو أنثى.
ولا يجب تسليم الأجرة في المجلس.
ولو تلفت الدابة تنفسخ بنفس العقد.
ولو تعيبت، أو وجد بها عيبًا قديمًا: للمكتري فسخ العقد، ولا يجوز الإبدال؛ كالمبيع المتعيب، إذا تلف، وإذا كانت الإجارة في الذمة؛ بأن قال: ألزمت ذمتك، وحملي، أو حمل متاعي على دابتك إلى موضع كذا: فهو كالسلم؛ لا يشترط رؤية الدابة، بل يصفها.
ويجوز بلفظ "السلم" فيقول: أسلمت إليك هذه الدراهم، أو هذا الثوب في ظهر يحمل متاعي، أو يحملني إلى موضع كذا.
ولا يجوز تأجيل الأجرة، بل يجب تسليم الأجرة في المجلس بأي لفظ عقد.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
لو عين الدابة، فقال: ألزمت ذمتك حملي على هذه الدابة: لا يصح؛ لأن السلم في العين لا يجوز ولو تلفت الدابة أو تعيبت بعد التسليم، أو وجد بها عيبًا قديمًا: لا ينفسخ العقد، ولا يفسخ، وعلى المكتري الإبدال.
وقيل: إن قال بلفظ "الكراء" فقال: اكتريت منك دابة تحملني عليها إلى موضع كذا، أو بلفظ "الإجارة" هل يجب تسليم الأجرة في المجلس؟ فيه وجهان؛ بناءً على أن المراعي في العقود اللفظ أو المعنى؟ إذا راعينا المعنى: يجب، وإن راعينا اللفظ لا يجب.
فصلٌ في بيان المدة والعمل
إذا أجر دارًا أو عبدًا للانتفاع بها: يجب أن يبين المدة بالأيام أو بالشهور، أو بالسنين، فلو قال: أجرتك شهرًا، أو قال: سنة: فعلى وجهين:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه لم يبين أي شهر، أو أي سنة، حتى يقول: شهر أو سنة من الآن؛ كما لو قال: بعتك عبدًا، ولم يعين: لا يجوز.
والثاني: يصح، ويكون ابتداؤه من يوم العقد، فإن أجر شهرًا: يكون ثلاثين يومًا بالأيام، وإن أجر شهرين، فيكمل الشهر الأول بالشهر الثالث ثلاثين يومًا؛ لأنه ينكسر، والشهر الثاني يكون بالهلال، وإن كان ناقصًا.
ولو أجر سنة تكون اثني عشر شهرًا: يكمل الشهر الأول بالثالث عشر ثلاثين يومًا، وأحد عشر شهرًا يكون بالأهلة.
وكذلك: لو أجر اثنا عشر شهرًا، ويحمل مطلق ذكر السنة على الهلالية: فإن قال: سنة؛ بالعدد: تكون ثلثمائة وستين يومًا.
ولو قال: أجرتك هذه السنة: ينصرف إلى ما بقي من السنة، ولو قال: شهرًا من هذه السنة: فإن لم يكن بقي من السنة إلا شهر: صح وإن بقي أكثر: لم يصح للجهالة.
ولو قال: إلى نصف هذا الشهر: فينتهي إذا غربت الشمس من اليوم الخامس عشر.
ولو قال: اكتريت نصف هذا الشهر؛ فيكون نصف باقي الشهر.
ولو قال: أجرتك هذه السنة كل شهر بكذا: يجوز، وإن فاوت بين الشهور في مقدار الأجرة.
وكذلك: لوق ال: هذا الشهر كل يوم بكذا.
[ ٤ / ٤٣١ ]
ولو قال: أجرتك هذه الدار كل شهر بدينار: فالمذهب: أنه لا يصح؛ لأنه لم يبين المدة.
وقال في "الإملاء": يصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم، وما زاد مجهول، لا يصح.
وكذلك: لو قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بكذا: لم يصح؛ لأنه لم يضف إلى جميع السنة.
وقال ابن سريج: يصح في شهر واحد؛ كما لو قال: أجرتك هذا شهرًا بدينار، وما زاد فبحسابه: صح في شهر واحد، وقد ذكر الشافعي﵁-: أنه لو اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة بعشرة، وما زاد فبحسابه؛ أنه يصح في شهر، وفرق بينهما من حيث إن هناك أفرد الشهر الأول بالعقد، وأفرد الأقفزة بالعشرة عما سواها؛ فصح العقد فيها، وفيما نحن فيه: لم يفرد الشهر عما بعده؛ فلم يصح في شيء منه.
ولا يصح إجارة الزمان المستقبل؛ مثل: إن قال: أجرتك هذه الدار سنة ابتداؤها من الغد أو الشهر الثاني، أو هذه الدابة إلى موضع كذا؛ لتخرج غدًا.
وعند أبي حنيفة: يصح ذلك لنا: أنه تأخر مقتضى العقد عنه، كما لو اشترى دارًا أو عبدًا بشرط ألا يسلم إلا بعد شهر: لا يجوز.
فإن كان العقد في الذمة بأن قال: ألزمت ذمتك حملي على دابتك غدًا إلى موضع كذا بكذا، أو غسل ثوبي غدًا، أو قال: بعد شهر: فهذا يجوز، كما لو أسلم في شيء مؤجلًا: يجوز، فإن أطلق: يكون حالًا، وكذلك: لو أجر داره شهر رمضان من إنسان، ثم قبل مضي رمضان أجرها شوالًا من غيره: لا يجوز، وإن أجرها ممن هي في إجارته: فيه قولان:
أصحهما: يجوز؛ لأن إجارته متصلة ليس لغيره يد حائلة، كما لو أجر منه شهرين بعقد واحد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يأخذ الشهر الثاني قبل مضي الأول؛ فتكون إجارة المستقبل، وكذلك؛ لو أجر داره من زيد شهر رمضان، وزيد أجرها من عمرو، ثم الأول أجرها من عمرو شوالًا قبل مضي رمضان: فعلى قولين.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
ولو أجرها من زيد: لا يجوز؛ لأنها ليست في إجارته.
وهل يجوز أن يؤاجر الشيء أكثر من سنة؟ نص- ههنا- على أن له أن يؤاجر [داره و] عبده ثلاثين سنة.
وقال في موضع لا يجوز أكثر من سنة، وقال في موضع آخر: له أن يؤاجرها ما شاء؛ خرج من هذا: أنه هل يجوز أكثر من سنة؟ فيه قولان.
أصحهما: يجوز، بدليل قصة شعيب مع موسى، ﵉؛ قال: ﴿عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وكالآجل في الديون: يجوز ما شاء؛ ولأن المنافع كالأعيان في أنها تضمن بالعقد الصحيح والفاسد، ثم الجمع بين أعيان كثيرة في العقد: يجوز؛ كذلك المنافع.
والثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأنه عقد على معدوم جوز لمسيس الحاجة إليه، والحاجة تزول سنة واحدة.
فإن قلنا: يجوز أكثر من سنة، فكم يجوز؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: ثلاثون سنة، ولا يجوز أكثر؛ لأنها نصف عمر الإنسان في الغالب.
ومنهم من قال: يجوز ما شاء.
وحيث قال: ثلاثون سنة: لم يُرد به التحديد، بل أراد لامبالغة في التكثير.
ومنهم من قال: يجوز قدر بقاء ذلك الشيء غالبًا؛ فإن كان ثوبًا: فسنة، وإن كانت دابة: فعشر سنين، وإن كان عبدًا: فثلاثين سنة، وإن كان عقارًا: فما شاء، وإن لم نجوز أكثر من سنة: فلا يشترط بيان حصة كل شهر من الأجرة، فإن جوزنا: فأجر أكثر من سنة، هل يشترط أن يبين حصته كل سنة من الأجر؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يشترط [كما لو أجر سنة: لم يجب] بيان حصة كل شهر، وكما لو اشترى ثلاثة أعبد صفقة واحدة: لا يجب بيان حصة كل عبد.
والثاني: يشترط؛ لأن المنافع تتفاوت بالأوقات، وربما تتلف العين في خلال المدة؛ فيتنازعان في قدرها: يلزمه، فإن قلنا: لا يجب البيان: توزع الأجرة على لاسنين على أجور أمثالها.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
ولو بين حصة كل شهر، وفاوت بين الشهور، فإذا انفسخ العقد في بعضها: يجب المسمى لما مضى.
وبيان العمل إذا استأجره ليخيط له ثوبًا: يجب أن يبين الثوب وما يريد منه من قميص أو سراويل أو قباء، ويبين طوله وعرضه، وإذا استأجره ليبني له حائطًا: يجب أن يبين موضعه ويبين طوله وعرضه وسمكه، وأن يبينه من لبن أو طين أو آجر.
وإن استأجره لحفر بئر أو نهر: يجب أن يبين موضعه وعرضه وطوله وعمقه.
وإذا استأجره لضرب لبن: يجب أن يبين العدد والطول والعرض والسمك.
وإذا استأجره ليرعى له مدة: يجب أن يبين جنس الحيوان وعدده.
ويجوز أن يعقد على جنس معين، وعلى جنس في الذمة.
وإن استأجره على أن يعلمه شيئًا من القرآن: يجب أن يبين موضعه، فإن قال: عشر آيات، ولم يبين: لم يجز، وهل يجب أن يبين أن يعلمه بحرف ابن كثير، أو أبي عمرو، أو غيرهما من القراء؟ فيه وجهان.
وإذا استأجر وراقًا ليكتب له مصحفًا أو شيئًا يحل كتابته: يجوز.
ويجب أن يبين كم يكتب في كل صفحة من الخطوط، ولا يجب بيان الحروف.
وجملة هذا الفصل: أن الإجارة على ضربين:
إجارة عقار، وغير عقار:
أما العقار: فلا يصح إجارته إلا أن يكون معينًا؛ لأنه لا يجوز ابتياع العقار في الذمة؛ كذلك استئجاره.
وتقدير منافعها: يكون ببيان المدة، فيقول: أجرتك هذه الأرض سنة أو سنتين بكذا، ولا يمكن تقدير العمل فيه.
أما غير العقار من العبيد والدواب: فيجوز إجارتها معينًا، وفي الذمة، فإن كان معينًا يمكن تقدير المنفعة فيه بالمدة والعمل: فالمدة: أن يقول: استأجرتك لتعمل لي كذا شهرًا، والعمل: أن يقول: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب، أو اكتريت هذه الدابة لأركب إلى موضع كذا.
وإن كان في الذمة: تصير المنافع معلومة؛ بتقدير العمل؛ وكل منفعة هي مجهولة في
[ ٤ / ٤٣٤ ]
نفسها؛ مثل: سكنى الدار، وسقي الأرض والرضاع: يكون تقديرها بالمدة؛ لأن السكنى وما يروى به الأرض من السقي، ويشبع منه الصبي من اللبن: لا يمكن ضبطه.
فإذا اكترى دابة للاستقاء: يجب أن يذكر جنس الدابة أنها بعير أو ثور أو بغل.
ويجب أن يعرف عين البئر، ويبين الدواب؛ لأن الدواب تختلف في الصغر والكبر، ويجب بيان المدة، فيقول: تستقي اليوم في هذا البئر بهذا الدلو، ويبين العمل، فيقول: تستقي خمسين دلوًا بهذا الدلو.
ويجب تعيين الدلو ويكون آلات الاستقاء على المكتري، ولو ألزم ذمته، فقال: ألزمت ذمتك الاستقاء من هذا البئر اليوم، أو يبين العمل، فيقول؛ استقى خمسين دلوًا بهذا الدلو من هذا البئر: فيجوز، ولا يجب بيان الدابة.
وإذا اكترى للحراسة: يجب أن يبين جنس الدابة، ويبين الأرض؛ لأن الأراضي تختلف بالصلابة والرخاوة، ويبين المدة أو العمل.
فالعمل: أن يقول: أجرت هذه الأرض، والمدة: أن تقول: أجرت هذه الأرض يومًا أو شهرًا، والآلات على المكتري وإن ألزم ذمته، فقال: ألزمت ذمتك لحراسة أرض كذا: جاز؛ كما ذكرنا في الاستقاء.
وإذا اكترى للدياس: لا يصح، حتى يعرف الجنس الذي يداس.
ثم إن كان على زرع: لا يحتاج إلى ذكر الحيوان؛ لأنه لا غرض في تعيينه، إنما المقصود يحصل بالدياسة، وإن كان على مدة: لا يصح، حتى يبين جنس الحيوان؛ لأن العمل يختلف باختلافه.
فصلٌ في تعذر الانتفاع بالعين المستأجرة
إذا استأجر دازًا فانهدمت، أو عبدًا فمات، أو عينًا فهلكت- نظر: إن هلكت قبل القبض، أو بعدما قبض هلكت في الحال: ينفسخ العقد، ولا شيء على المستأجر، وإن هلكت بعدما قبضها وانقضت المدة: فقد استقرت الأجرة عليه، وإن هلكت بعد القبض في خلال المدة: ينفسخ العقد في المدة الباقية، وسقط عنه بقدر ما يقابلها من الأجرة، ولا تنفسخ المدة الماضية، وهل له فسخ العقد فيها؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه حصل تسليم منافعها، وهلكت.
[ ٤ / ٤٣٥ ]
والثاني: له الفسخ فيها؛ لأنه لم يسلم له جميع المعقود عليه.
فإن قلنا: له الفسخ فيها، وفسخ: يسقط عنه جميع المسمى، وعليه أجر مثل ما مضى من المسمى، ويوزع على المنفعة لا على الزمان، حتى لو استأجر ستة أشهر، ولم يمض من الزمان إلا شهران، ويقابلها نصف الأجرة: عليه نصف المسمى، وإن مضت أربعة أشهر ولا يقابلها إلا ثلث الأجرة: عليه ثلث المسمى.
ولو لم تنهدم الدار، ولكن انهدم جدارٌ، أو انكسرت منها دعامة، أو اعوجت، أو انقطع ماء البئر، أو تغير بحيث يمنع الشرب، أو الوضوء، أو مرض العبد، أو اعتلت يده، أو حدث به ما ينقص منفعته بعد القبض، أو قبله: لا ينفسخ العقد، وللمستأجر أن يفسخ العقد في المدة الباقية، وهل له الفسخ في المدة الماضية؟ فيه وجهان:
وإن لم يفسخ: فعليه كمال المسمى.
وإن اكترى دارًا، فانهدم بعضها، ورضى المكتري سكناها، ولم يفسخ العقد- فهل يلزمه جميع الأجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يستوف جميع ما استحق من المنفعة؛ كما لو اكترى دارًا سنة، فسكنها بعض السنة، ثم غصبت.
والثاني: يلزمه جميع الأجرة، لأنه استوفى جميع المعقود عليه ناقصًا بالعيب؛ كما لو اشترى عبدًا، فسقطت يده في يد البائع، ورضي به المشتري: يلزمه جميع الثمن.
ولو هدم المستأجر الدار، أو قتل الدابة، أو أتلف العين: فهو كما لو هدمها أو قتلها الآخر، أو انهدمت وماتت الدابة بنفسها في أنه ينفسخ العقد في المدة الباقية، ولا يتقرر عليه الأجرة، بل عليه قيمة العين؛ بخلاف ما لو أهلك المشتري المبيع قبل القبض: يجعل قابضًا، وعليه تمام الثمن؛ لأن البيع ورد على العين، وقد أتلفها، والإجارة وردت على المنفعة، وهي معدومة لا تصير موجودة بالإتلاف.
وقال ابن أبي هريرة: إذا أتلفه المستأجر: يستقر عليه جميع المسمى؛ كما لو قتل المبيع.
والأول المذهب، حتى لو عيب المستأجر العين، أو كانت طاحونة فقطع المستأجر النقير، أو كان عبدًا فجرحه، أو دارًا فكسر منه دعامة: يثبت له الخيار في فسخ العقد؛ كما لو تعيب بنفسه.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
أما إذا كانت الإجارة في الذمة: فلا ينفسخ العقد بتلف الدابة، ولا يثبت حق الفسخ بتعيبها، وعلى المكتري الإبدال، كما لو وجد بالمسلم فيه عيبًا رده واستبدله.
ولو اكترى دابة فهربت، أو عبدًا فغصب أو أبق- نُظر: إن كانت الإجارة في الذمة: فعلى المكري الإبدال، وإن لم يفعل: يستأجر عليه.
وإن كانت الإجارة على العين، فيثبت للمكتري حق الفسخ؛ سواء هربت أو غصبت بعد القبض أو قبله؛ بخلاف ما لو أبق المبيع بعد القبض: لم يثبت للمشتري فسخ البيع؛ لأن تسليم المعقود عليه في البيع قد حصل، وفي الإجارة: لم يحصل؛ لأن المنفعة معدومة، وإن هرب، أو غصب من يد المستأجر في خلال المدة: انفسخ في المدة الباقية، وهل ينفسخ في الماضية؟ فعلى وجهين:
الأصح: لا يفسخ، وعليه من المسمى بقدر ما مضى من المدة، فلو لم يفسخ العقد- نُظر: إن كان قد استأجر مدة معلومة، ولم تعد إلى يده حتى انقضت المدة: انفسخ العقد، وسقط عنه المسمى.
وإن عاد قبل انقضاء المدة: ينتفع به بقية المدة، وسقط عنه بقدر ما كان غائبًا عنه، وإن كان قد استأجر لعمل معلوم، ولم يفسخ: فإذا عاد: استعمله.
ولو أجر عبدًا، ثم أعتقه الآجر: يعتق، ولا تبطل الإجارة.
وهل للعبد أن يرجع على المولى بأجر مثل المدة الباقية؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يرجع؛ لأنه استحق منفعته بالعقد قبل العتق.
فإن قلنا: يرجع بالأجرة: كانت نفقته على نفسه لا على السيد؛ لأنه يملك منفعة نفسه بعد العتق؛ كما لو أجر نفسه بعد العتق.
وإن قلنا: لا يرجع: ففي نفقته وجهان:
أحدهما: على المولى؛ لأنه كالباقي على ملكه؛ بدليل أن منفعته له.
والثاني: في بيت المال؛ لأنه لا يمكن إيجابها على المولى لزوال ملكه، ولا على العبد؛ لأن منفعته لغيره.
وكذلك: لو أجر أم ولده شهرًا، فمات السيد في خلال الشهر: تعتق أم الولد، والإجارة لا تبطل.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وقيل في أم الولد: تبطل الإجارة بموت السيد؛ لأنه أنهى ملكه؛ كما لو أوصى له بمنفعة عبده حين حياته، فأجره الموصى له، ثم مات: تنفسخ الإجارة: قال الشيخ: وكذلك: لو أجر المعلق عتقه بالصفة، فوجدت الصفة في خلال المدة: يعتق، وهل تبطل الإجارة: فكأم الولد.
قال- رحمة الله عليه-: إنما تصح إجارته، إذا كان لا يتحقق وجود الصفة قبل انقضاء الأجل: فإن تحقق وجود الصفة في خلال المدة: وجب ألا يجوز، كما لا يجوز إجارة الصبي مدة يتحقق بلوغه في خلالها.
ولو أجر دارًا أو عينًا، ثم باعها، أو وهبها-[نُظر: إن باعها] من المستأجر: يصح؛ لأنه لا حائل دونه؛ كما لو باع المغصوب من الغاصب، والمرهون من المرتهن، وهل ينفسخ عقد الإجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ؛ كما لو اشترى زوجته: ينفسخ النكاح.
والاثني- وهو الأصح-: لا ينفسخ؛ بخلاف النكاح؛ لأن ثمن ملك الرقبة يغلب على ملك الرقبة [وملك الرقبة] يغلب على ملك المنفعة؛ بدليل أن من زوج أمته وقبض الصداق: لا يجب عليه تسليم الأمة.
وفي الإجارة: ملك المنفعة يغلب؛ بدليل أن الأجير إذا قبض الأجرة: يجب تسليم العين.
فإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة: فلو تلفت العين، أو انهدمت الدار بعد القبض: تنفسخ الإجارة، ويسترد من الأجرة بقدر ما يقابل المدة الباقية، والبيع بحاله.
ولو وجد بالدار أو بالعين عيبًا، وردها بحكم البيع: فله أن يمسكها، وينتفع بها بقية مدة الإجارة، وإن قلنا: تنفسخ الإجارة: يسترد أجرة المدة الباقية، وإذا فسخ البيع بعيب: لم يكن له إمساكه بقية المدة؛ لأن الإجارة قد ارتفعت بالبيع.
أما إذا باع أو وهب العين المستأجرة من غير المستأجر: هل يصح البيع والهبة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح، لأن منفعتهما مستحقة للغير، ويد المستأجر تحول دونه؛ كبيع
[ ٤ / ٤٣٨ ]
الغصوب من غير الغاصب، والمرهون من غير المرتهن: لا يصح.
والثاني- وهو الأصح، نص عليه في كتاب "الصلح": يصح البيع؛ كما لو باع من المستأجر، وكما لو زوج أمة، ثم باعها: يصح البيع، ولا تنفسخ الإجارة، كما لا ينفسخ النكاح، بل يترك في يد المستأجر إلى انقضاء مدته، كما لو باع أرضًا مشغولة بزرع للبائع: يصح، ويبقى الزرع إلى الحصاد، فإذا صححنا البيع: فللمشتري الخيار إن كان جاهلًا بكونها في إجارة الغير.
وإن كان عالمًا: لا خيار له، أو كان جاهلًا وأجاز العقد: فلا أجرة له لتلك المدة، وجعل كأن البائع استثناها لنفسه.
ولو وجد المستأجر به عيبًا، وفسخ عقد الإجارة: فمنفعة بقية المدة لمن تكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: للبائع؛ لأنا أبقينا منفعة تلك المدة على حكم ملكه.
والثاني: يكون للمشتري؛ لأن استثناء تلك المنفعة للمستأجر، وقد رده المستأجر كما لو اشترى جارية مزوجة، فطلقها زوجها: تون منفعة البضع للمشتري.
نظيره: لو أوصى لإنسان بخدمة عبده، ولآخر برقبته، ومات، فرد الموصى له بالخدمة الوصية: فالخدمة لمن تكون؟ فيه وجهان.
أحدهما: للوارث.
والثاني: للموصى له بالرقبة.
ولو استأجر دارًا، وأراد المستأجر أن يؤاجرها من غيره بعد ما قبض: يجوز؛ سواء أجر بأكثر مما استأجر أو بأقل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: إن أجره بأكثر مما استأجر: لا يطيبل هـ الربح إلاأن يكون قد عمر فيها عمارة، حتى يقع الربح في مقابلة العمارة، وبالاتفاق: لو اشترى شيئًا، فباعه بأكثر مما اشترى طاب له الربح؛ [لأنه] يملك العين؛ فله أن يربح عليها، كذلك في الإجارة: يملك المنفعة؛ فجاز أن يربح عليها.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
ولو أن المستأجر أجرها قبل القبض: هل يجوز؟ فعلى وجهين؛ بناءً على إجارة المبيع قبل القبض.
فإذا أراد المستأجر أن يؤاجرها من الآخر بعد القبض، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ كما لو اشترى شيئًا، ثم باعه من بائعه: يجوز.
نظيره: لو أوصى لإنسان برقبة عبده، وللآخر بخدمته، ثم الموصى له بالخدمة أجره من الموصى له بالرقبة: هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان.
ولو استأجر حرًا للعملن فبعد ما سلم الأجير نفسه إليه: له أن يؤاجره من غيره، وقال الشيخ القفال- رحمة الله عليه-: لا يجوز؛ لأن الحر لا تحتوي عليه اليد.
ولو أجر الأب ولده الصغير، أو القيم أجر الطفل على النظر، وأجر ما له مدة لا يبلغ فيه؛ مثل: إن كان عشر سنين، فأجره أقل من خنمس سنين: جاز؛ لأن الغالب أنه لا يبلغ فيه، فإذا بلغ بالاحتلام قبل تمام المدة؟ هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنفسخ؛ لأنا تبينا أنه عقده على مدة لم يكن له عليه ولاية.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه عقد حين عقد كان وليًا؛ كما لو أجر عبده مدة، ثم عتق: لا ينفسخ.
وإن قلنا: لا ينفسخ: فهل له أن يفسخ العقد على نفسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كالعبد إذا عتق.
والثاني: له ذلك؛ بخلاف العبد؛ فإن السيد عقد لنفسه؛ لأن منافعه كانت ملكًا له؛ كالرقبة، فإذا أعتقه كأنه أزال ملكه عن الرقبة دون المنفعة، والولي لم يعقد لنفسه، بل عقد على الصبي؛ فيكون على النظر، وليس من لانظر استدامته بعد البلوغ.
أما إذا أجره مدة يبلغ في خلالها بأن كان ابن عشر، فأجره ست سنين: لا تصح الإجارة.
وقيل: لا تصح فيما زاد على البلوغ، وفيما دونه قولان.
والأول أصح أنه لا يصح؛ كما لو أجر الراهن الرهن مدة يتحقق حلول الدين قبل انقضائها: لا يصح.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
ولو استأجر امرأة لإرضاع ولده: جاز، وإن كان فيه إتلاف اللبن.
[ ٤ / ٤٤١ ]
ولا يجوز إهلاك العين بعقد الإجارة، ولكن جوزناها هنا لأجل الضرورة؛ لأن الغالب أن المولود إنما يتربى بلبن يصل إلى جوفه من الثدي، ولا يمكن شراؤه؛ فجوزت الإجارة للحضانة وللإرضاع.
ولا يصح حتى يعرف الصبي الذي يعقد على إرضاعه، ويعرف موضع الإرضاع، وعلى المرضعة من الأكل والشرب ما يدرأ به اللبن، ولمستأجر مطالبتها؛ لأنه من مقتضى
[ ٤ / ٤٤٣ ]
التمكن من الرضاع، وفي تركه إضرار بالصبي، وإن استأجر للحضانة والإرضاع جميعًا: جاز.
والحضانة: هي تعهد الصبي وحفظه وإصلاحه بغسل رأسه ونجاسته وثيابه، وتدهينه وتكحيله وتنويمه وما يحتاج إليه، ثم المعقود عليه ماذا؟ اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: المعقود عليه اللبن، والحضانة تبع؛ لأن اللبن أشد مقصودًا للولد؛ فعلى هذا: إذا انقطع اللبن: ينفسخ العقد فيه.
ومنهم من قال: المعقود عليه الحضانة، واللبن تبع؛ لأن الإجارة ترد على المنفعة، فعلى هذا، إذا انقطع اللبن: ينفسخ العقد فيه.
وهل ينفسخ في الحضانة؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
ولو استأجر امرأة للحضانة: لا يدخل فيه الرضاع.
فلو استأجر للإرضاع: فإن قال: بلا حضانة: فلا تلزم الحضانة، وإن طلق: فهل تلزم الحضانة؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٤٤٤ ]
الأصح: لا تلزم؛ لأنه لم يشرطها، وهما منفعتان مقصودتان؛ تنفرد إحداهما عن الأخرى؛ فلا تتبع إحداهما الأخرى.
والثاني: تلزم؛ للعادة الجارية به.
وإذا استأجر للإرضاع: فلا يتأتى إلا بفعل من جهتها من الاعتشار والتمكين من الارتضاع.
واختلفوا في أن العقد يتناول اللبن، وفعلها تبع أم يتناول فعلها؛ واللبن تبع؟
منهم من قال: يتناول اللبن؛ لأنه المقصود؛ ألا ترى أنه لو انتقص اللبن: ثبت للمستأجر الخيار، ثم يدخل الفعل تبعًا؛ لأنه سبب وصول المقصود إليه.
ومنهم من قال- وهو الأصح: العقد يتناول فعلها، واللبن تبع، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ جعل الأجرة على فعل الإرضاع دون اللبن؛ ولأن اللبن عين، وتدخل الأعيان في عقد الإجارة تبعًا لا مقصودة؟ كما يكتري البئر ليستقي ماءها، ويكتري دارًا ليسكنها وفيها بئر ماء: يجوز أن يستقي ماءها.
ولو استأجر امرأة على كفالة الولد؛ لتتعهده، وتربيه، وينفق الأب ويكسوه: جاز، إذا بين المدة.
وإذا استأجرها؛ لتكون النفقة وما يحتاج الصبي إليه عليها: فإن لم يبين ما تنفق عليه: لا يجوز، وإن بين ما تنفق عليه كل وقت جنسًا ووصفه بصفات السلم: فهذا جمع بين الإجازة والسلم إلى آجال مختلفة، وفي جوازه قولان:
فإن قلنا: لا يجوز، فإذا تعهدته وأنفقت عليه: يجب على المستأجر أجر مثلها، وقيمة ما أنفقت عليه من الطعام وغيره.
ولو استأجر للإرضاع، فلم يلتقم الصبي ثديها: ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ العقد.
والثاني: لا ينفسخ، ويأتي بولد آخر ترضعه، وكذلك: لو مات الصبي: ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ العقد؛ كما لو ماتت المرضعة.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن العقد يتناول عملها، وهو باق، فيأتي بولد آخر ترضعه؛ كما لو اكترى دابة ليحمل عليها متاعًا، فهلك المتاع: لا ينفسخ العقد: فإن لم يوجد ولد آخر،
[ ٤ / ٤٤٥ ]
وتشاحا: يفسخ العقد وجملة هذا الباب: أن العقد، إذا عقد على شيء بعينه، فهلك: إن هلك المستوفى: فلا يضر، ووارثه يقوم مقامه.
وإن هلك المستوفى منه؛ كالعبد يموت، والدار تنهدم: ينفسخ العقد.
وإن هلك المستوفى به؛ كالصبي يموت: فإن استأجر لخياطة ثوب بعينه، فهلك الثوبك هل يبطل؟ فيه قولان.
أما إذا ألزم ذمته حمل متاع إلى موضع، فهلك المتاع: ينفسخ العقد.
ولا يجوز استئجار المرأة المزوجة للإرضاع ولا لغيره بغير إذن الزوج؛ لأنه ليس لها أن تشغل نفسها عن إيفاء حق الزوج، وإذا لزم ذمتها الإرضاع: جاز؛ لأنه يمكنها أن يحصل بغيرها.
ولو أجرت نفسها بإذن الزوج: جاز، وإن أجرت نفسها لعمل، ولا زوج لها، ثم نكحت في مدة الإجارة: صح النكاح، ولا تنفسخ الإجارة، ولا يثبت حق الفسخ؛ لأن الزوج: لا يجوز له منعها من العمل، ثم إن كانت أجرت نفسها للإرضاع، وإصابة الزوج تضر باللبن: يمنع من الإصابة، ولا تستحق على الزوج النفقة في هذه المدة.
ولو زوج السيد أمته، ثم أجرها: جاز، ولم يكن للزوج منعها عن المستأجر؛ لأن يد المستأجر في الانتفاع يد السيد، وحق المستأجر ألزم؛ بدليل أنه يجب على السيد تسليمها إلى المستأجر بعد أخذ الأجرة، ولا يجب تسليمها إلى الزوج بعد قبض الصداق.
ولو استأجر وراقًا؛ ليكتب له كتابًا: يجب أن يبين أن الحبر ممن يكون، وكذلك: لو استأجر صباغًا: يبين أن الصبغ ممن يكون، أو خياطًا: يبين أن الخيط ممكن يكون، فإذا شرط الحبر أو الصبغ أو الخيط على الأجير: يجب أن يبين قدره، وإذا بين قدره: من أصحابنا من قال: يكون ذلك جمعًا بين الشراء والكراء؛ لأنه يستأجره للعمل، ويشتري منه الحبر والصبغ والخيط؛ فتكون على قولين.
ومنهم من قال: يجوز قولًا واحدًا، وبه قال صاحب "التلخيص"؛ قال: قلت في الوراق تخريجًا؛ لأن المقصود عمله، وهو الكتابة وفعل الصباغة، والحبر والصبغ تابعان فيه، كاللبن في إرضاع الولد.
ومن قال بالأول قال: جوز الإرضاع لأجل الضرورة؛ لأن الولد يتربى بلبن يصل إليه من الثدي، ولا يمكن إفراده بالبيع.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
أما الحِبْرُ والصبغ: يمكن إفرادهما بالبيع: فلا ضرورة إلى جعلهما تبعًا.
نظيره: أن لو كان اللبن محلوبًا، فاستأجرها على تربيته بذلك اللبن وبطعام آخر من عندها؛ فيكون على قولين.
فصلٌ
وعقد الإجارة عقد لازم؛ لا يجوز لأحد المتعاقدين فسخه بعذر يظهر له؛ سواء استأجر عينه أو ألزم ذمته، إلا أن تتلف العين، فينفسخ، أو يجد بالعين عيبًا ينقص المنفعة؛ فيثبت للمستأجر الفسخ.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
ولو اكترى دابة ليحج عليها، فمرض وعجز عن الخروج، أو اكترى حمامًا، فتعذر عليه ما يوقده: لا فسخ له؛ لأن المعقود عليه باق، وإنما يتعذر الانتفاع بمعنى في غيره.
وأبو حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز الفسخ بعذر يظهر للعامل؛ مثل: إن استأجر دار في الغربة، ثم بدا له أن يرجع إلى وطنه، أو حانوتًا ليحترف بحرفة، فبدا له ألا يفعل، أو دابة ليسافر عليها، فبدا له ألا يخرج، أو الآجر ركبته الديون: فله أن يفسخ العقد.
وبالاتفاق: لو أجر داره، وأهله بالغربة، فعادوا، أو لم يكن متأهلًا، فتأهل، أو اكترى جملًا، فمرض الجمال: لم يكن له الفسخ؛ فنقيس عليه.
أما إذا استأجر رجلًا ليقطع يده بسبب الأكلة، أو يقلع سنه للوجع أو لاستيفاء القصاص: جاز، فإذا سكن الوجع أو عفا عن القصاص: انفسخ العقد.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
وقيل: هذا جعالة؛ لأنه ربما يبدو له ألا يقطع؛ خوفًا من الزيادة، أو يعفو عن القصاص.
وإذا استأجر رجلًا ليحفر له بئرًا: يجب أن يبين العرض والعمق، فإن لقيته صلابة- نظر: إن كان يعمل عليها المعول: يجب عليه أن يحفر، وإن شق عليه أن يعمل عليها المعول، أو تبع الماء فلم يمكن الحفر: ينفسخ العقد، وله من المسمى بقدر ما عمل.
وإن استأجر امرأة لتقم المسجد مدة، فحاضت: انفسخ العقد، إن استأجر عينها، وإن ألزم ذمتها: لم ينفسخ؛ لأنه يمكنها أن تأمر غيرها أن تقم، أو تقم بعدم اتطهر، وإذا اكترى عينًا، فمات أحد المتكاريين: لا ينفسخ العقد، فإن مات المكتري: قام وارثه مقامه في استيفاء المنفعة بقية المدة؛ لأن المكتري يرث المنفعة المستحقة [لمورثه]؛ كما يرث العين المملوكة له، وإن مات المكري يترك في يد المكتري حتى تنقضي مدة الإجارة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: أيهما مات ينفسخ العقد.
فنقول: عقد معاوضة؛ فلا ينفسخ بموت العاقد مع بقاء المعقود عليه؛ كالبيع.
ولو استأجر أجيرًا، فمات الأجير: ينفسخ العقد؛ لفوات المعقود عليه؛ كما لو استأجر دابة، فماتت.
ولو أوصى لإنسان بمنفعة داره ما عاش، فمات الموصي، وقبل الموصى له الوصية، وأجرها: جاز، فإذا مات الموصى له في خلال المدة: تنفسخ الإجارة؛ لأنه انتهى حق الموصى له، ولو أجر داره من وارثه، ثم مات الآجر، هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان، كما لو باع الآجر الدار من المستأجر، هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان.
ولو أجر دارًا موقوفة- نُظر: إن كانت موقوفة على جماعة غير متعينين، أو على مسجد، أو رباط: فأمره إلى الواقف ما دام حيًا، وإلى قيم ينصبه بعده، فإذا لم ينصب قيمًا: فإلى الحاكم، فإذا أجرها هو أو قيمة أو الحاكم مدة، ثم مات الآجر، أو المستأجر في خلال المدة: لا تبطل الإجارة، وتترك في يد المستأجر إلى أن تنقضي مدته.
فإن وقف على متعينين بأن وقف على أولاده، ثم على أولاد أولاده: فإن قلنا: الملك في الوقف للواقف، أو زال إلى الله تعالى: فأمره بعد الواقف إلى الحاكم.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
وإذا أجره: لا يبطل بموته، وإذا مات البطن الأول في خلال المدة: فأجرة المدة الباقية للبطن الثاني، فإن كان قد أجره البطن الأول: يرجع البطن الثاني في تركته، وإن قلنا: الملك للموقوف عليه: فأجرة البطن الأول، ثم مات في خلال المدة، هل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان، بناءً على أن البطن الثاني تتلقى الملك من الواقف أم من البطن الأول؟ فيه وجهان:
إن قلنا: من الواقف: ينفسخ؛ لأن ملك الأول قد انتهى، وتبينا أنه أجر حق غيره، وإن قلنا: من البطن الأول: لا ينفسخ؛ كما لو أجر داره؛ ثم مات: لا تنفسخ الإجارة، وأجرة المدة الباقية: تكون للبطن الثاني؛ بخلاف ما لو أجر دار نفسه مدة، فمات: تكون جميع الأجرة باقية على ملك الميت ينفذ منه ديونه ووصاياه؛ لأنه أجر ملكه المطلق، وينتقل إلى وارثه ما كان ملكًا له، والذي كان يملكه رقبة مسلوبة المنفعة.
فصلٌ
إذا استأجر عينًا؛ لينتفع بها: تكون العين أمانة في يد المستأجرح لأنه استحق الانتفاع بها، ولا يمكن إلا بحبسها؛ فلا يضمنها إلا بالتعدي، وهو في استيفاء ملك المنفعة بالخيار، إن شاء استوفى بنفسه، وإن شاء استوفى بغيره، ويجب أن يستوفيها بالمعروف، فلو شرط عليه ألا يستوفيه إلا بنفسه: لا يصح العقد؛ كما لو باع من رجل شيئًا بشرط ألا يبيعه: لا يصح.
ولو اكترى دابة ليركبها، فإن أركبها من هو في مثل نفسه: لا يضمن، وإن أركبها من هو أثقل منه: ضمن، وإن لم يخرج عن الحد وقرار الضمان: يكون على الثاني إن كان عالمًا، وإن كان جاهلًا: فعلى الأول، وإن أركبها من هو في مثله غير أنه أعنف في ضرب الدابة: فلا ضمان، ما لم يخرج عن العادة في الضرب؛ بخلاف ما لو كان أثقل منه؛ لأن الوزن محصور، والضرب غير محصور؛ فإن خرج الثاني عن العادة في الضرب: ضمن الثاني، ولا يكون الأول طريقًا فيه؛ لأنه لم يتعد.
وكذلك: لو استأجر ثوبًا ليلبسه، فألبسه من هو في مثل حاله: لم يضمن، وإن ألبسه قصابًا، أو عصارًا: ضمن.
ولو اكترى دارًا ليسكنها، فأسكنها من هو في مثله: لم يضمن، وإن أسكنها حدادًا أو [قصارًا]: يضرب بالمطرقة.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
وعند أبي حنيفة- رحمه الله تعالى: إذا أركب الدابة من هو مثله، أو ألبس الثوب: ضمن، ووافق في الدار.
ولو اكترى دارًا للسكنى: جاز أن يضع فيها متاعه، ولا يجوز أن يربط فيها الدواب، ولا أن يطرح في أصل حيطانها التراب والرماد؛ لأنه غير متعارف في السكنى.
وهل يجوز أن يطرح فيها ما يسرع إليه الفساد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأن طرح المطعومات متعارف في سكنى الدار، ويسرع إليه الفساد.
ولو استأجر ثوبًا ليلبسه، فنام فيه بالليل: ضمن، ولو قال فيه بالنهار: لم يضمن؛ لأن العادة جرت أن الناس يقيلون في الثياب، ولو اتزر به: ضمن، ولو ارتدى: لم يضمن، لأن الاتزار أضر بالثوب من اللبس.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها مائة من من حديد، فحمل عليهامائة من من التبن أو القطن: ضمن؛ لأن القطن يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ الحديد، ولو اكترى ليحمل عليها مائة من من القطن، فحمل مائة من من الحديد: ضمن؛ لأن الحديد يجتمع على موضع واحد من ظهر الدابة؛ [فيدقته].
وكذلك: لو اكترى ليحمل عليها مائة من من الحنطة، فحمل مائة من من الشعير، أو على عكسه: ضمن؛ لأن الشعير أخف؛ فيأخذ من ظهر الدابة أكثر.
أما إذا اكترى ليحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة من الشعير: لم يضمن؛ لأنهما في الخفة سواء والشعير أخف وعلى عكسه: لو اكترى أن يحمل عليها عشرة أقفزة من الشعير، فحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة: ضمن؛ لأن الحنطة أكثر.
ولو اكترى للركوب فحمل، أو للحمل فركب: يضمن؛ لأنه إذا اكترى للركوب فحمل: فالراب يعين الدابة بحركته، والحمل لا يعينها، وإذا اكترى للحمل فركب: فالحمل يتفرق على جنبي الدابة، والراكب يلزم مكانًا واحدًا، ففي كل واحد ضرر ليس في الآخر؛ فيضمن في الحالين.
ولو اكترى ليركبها بسرج، فركبها عريانًا، أو ليركب عريانًا فركب بسرج: ضمن؛ لأن ركوبه عريانًا أضر بالدابة، وفي ركوبه بالسرج حمل زيادة متاع عليها.
[ ٤ / ٤٥١ ]
ولو اكترى ليركب بالإكاف فركب بالسرج: لم يضمن؛ لأنه أخف على الدابة.
ولو اكترى ليركب بالسرج، فركب بالإكاف: ضمن.
أما إذا اكترى ليحمل عليها بالإكاف، فحمل بالسرج: ضمن؛ لأن الحمل بالسرج أشق على الدابة.
ولو اكترى ليحمل بالسرج فحمل بالإكاف: لم يضمن، فإن كان في شيء منه زيادة ثقل، أو ضرر: ضمن.
ولو اكترى دابة للركوب من مكة إلى مر الظهران، فذهب من جانب آخر قدر مر الظهران: إن كان الطريق الثاني مثل طريق مر الظهران من السهولة والأمن: جاز، ولم يضمن، وإن كان أضر أو أخوف: ضمن، وعليه المسمى، لأن الزمان مستحق له.
ولو اكترى ليركبها إلى مر الظهران، فجاوزها إلى عسفان: يجب عليه المسمى بالذهاب إلى مر الظهران، وأجر المثل من مر الظهران إلى عسفان، وصار ضامنًا للدابة بإخراجها إلى عسفان.
فإن هلكت: عليه قيمتها أكثر ما كانت من حين جاوزت مر الظهران إلى أن ماتت.
هذا إذا سلم الدابة إلى المكتري، ولم يكن صاحبها معها: فإن كان صاحبها معها: فسكوته لا يسقط الضمان.
ثم ننظر: إن هلكت الدابة بعد نزول الراكب لرواح أو غيره، وتسليم الدابة إلى صاحبها: يجب ضمانها؛ لأنها في يد صاحبها؛ كرجل ساق جملًا، وعليه صاحبه نائم: لا يضمنه، وإن تلفت والمكتري عليها: يضمن، وكم يضمن؟ نظر:
إن كان أتلفها لا بسبب السير؛ بأن وقعت في بئر أو نحوه: ضمن الكل، وإن كانت بتوالي السير: فقد تلفت بسيره وجنايته؛ فيجب عليه الضمان، وكم يلزمه؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه نصف الضمان؛ لأنها تلفت من مضمون وغير مضمون.
والثاني: توزع القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الإجارة: يسقط، وما قابل الزيادة: يجب.
هذا إذا اكتراها للذهاب، فإن اكتراها للذهاب والرجوع: فلا يجب كراء المثل
[ ٤ / ٤٥٢ ]
للمجاوزة إلى عسفان؛ لأن الزمان مستحق له؛ ولكنه ضامن للدابة لإخراجها إلى مالكها.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة إلى بلد، فحمل عليها أحد عشر قفيزًا: يجب عليه أجر المسمى للأقفزة العشرة، وأجر المثل للزيادة، وعليه ضمان الدابة إذا هلكت، وكم يلزمه؟ نُظر:
إن كان قد سلم الدابة إلى المكتري، ولم يكن صاحبها معها: فعليه جميع قيمة الدابة، وإن كان صاحبها معها: كم يجب عليه من الضمان؟ فيه قولان.
أحدهما: يجب نصفه؛ لأن التلف حصل من محظور ومباح.
والثاني: يوزع؛ فعليه جزء من أحد عشر جزءًا من الضمان.
وأصل هذا: الجلاد إذا ضرب في حد القذف إحدى وثمانين جلدة، ومات المجلود: كم يجب على الجلاد من الضمان؟ فيه قولان:
أحدهما: نصفه.
والثاني: جزء من أحد وثمانين جزءًا.
وهذا بخلاف ما لو لم يكن صاحب الدابة معها، حيث قلنا: يجب عليه جميع قيمة الدابة؛ لأن اليد- هناك- للمستأجر؛ فيلزمه ضمان اليد، وهو ضمان الغصب.
وإذا كان المالك معها: فاليد للمالك؛ فيكون ضمان المكتري ضمان الجناية؛ فيكون بقدر الجناية.
هذا إذا كان الكيال هو المكتري، وكان المكري جاهلًا بالزيادة بسوق الدابة، وإن كان المكتري زائدًا، وحملها المكري [عالمًا] بالزيادة بغير أمره، سواء كان على الأرض فحملها، أو كان المكتري وضعها على ظهر الدابة، أو الدابة واقفة، فسيرها المكري عالمًا، أو كان الكيال هو المكري، فكال زائدًا، عمدًا أو خطأ، وحملها: لا يجب على المكتري أجر مثل الزيادة، ولا ضمان الدابة، وتلك الزيادة مضمونة على المكري؛ فللمكتري أن يكلفه ردها إلى البلد الأول، ويغرمه قيمتها باعتبار بلد النقد إلى أن يردها إلى موضعها.
ولو أن رجلين اكتريا دابة، فركباها، فارتدفا معهما ثالثًا من غير إذن، فهلكت الدابة: ففيما يجب على المرتدف ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب عليه نصف القيمة؛ لأنها هلكت من مضمون وغير مضمون.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
والثاني: عليه الثلث؛ لأن الرجال لا يوزنون؛ فيوزع الضمان على عدد رءوسهم.
والثالث: يوزع على أوزانهم؛ فيجب عليه حصته بالوزن.
ولو غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر: لا يجبر الآجر على انتزاعها من يد الغاصب؛ بل إذا كان العقد على موصوف في الذمة: يطالب الآجر بإقامة غيرها مقامها، وإن كان على العين: فللمستأجر أن يفسخ العقد، ويجب على الغاصب كراء المثل للمالك لا للمستأجر، وإن كان للمستأجر؛ لأن من استهلك المنفعة: يجب عليه العوض لمالك العين؛ كمن وطئ أمة مزوجة بالشبهة: يجب على الواطئ المهر للسيد لا للزوج الذي هو مالك منفعة البضع، ويجب على المستأجر من المسمى بقدر ما انتفع بها، ويسقط بقدر ما كان في يد الغاصب، وإذا غصبت الدار المكراة أو العين المستأجرة: فالخصومة للمكري؛ لأنه مالك العين، وهل للمستأجر أن يخاصم لأجل المنفعة؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس بمالك العين؛ كما لو غصب الرهن أو الوديعة لم يكن للمرتهن ولا للمودع أن يخاصم الغاصب.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يقول: هذه المنفعة لي، وأنت تستوفيها ظلمًا.
ولو استأجر دارًا إجارة صحيحة، ثم أجرها من غيره إجارة فاسدة: يجب على الأول المسمى للمالك، وعلى الثاني أجر المثل للأول؛ بخلاف الغاصب: يجب عليه أجر المثل للمالك؛ لأن في الإجارة الفاسدة: وجد التسليط من جهة المستأجر على استيفاء المنفعة التي هي حقه.
ولو أجر عينًا، ثم أقر الآجر [به] لآخر، هل يقبل؟ فيه قولان؛ بناءً على ما لو رهن شيئًا، ثم أقر به لآخر، هل يقبل به؟ فيه قولان؛ سواء كانت العين في يد المستأجر، أو غصبها غاصب، فأقر بها للغاصب أو لغيره.
فمن أصحابنا من قال: إن أقر قبل أن غصب: لا يُقبل؛ لأن المنافع تحدث على ملك المستأجر في يده، وإن أقر بعد ما غصب: يُقبل [لأن] ما حدث في يد الغاصب من المنفعة: يحدث للمالك.
وإذا استأجر دارًا أو عينًا مدة: فإن لم يسلمها الآجر إليه حتى مضت المدة:
[ ٤ / ٤٥٤ ]
انفسخت الإجارة، وإن سلمها إليه، فأمسكها المستأجر تلك المدة، ولم ينتفع بها: تستقر الأجرة، وعليه ردها، حتى لو انتفع بها بعد مضي المدة: يجب عليه مع المسمى أجر المثل لما انتفع بها.
ولو اكترى دابة؛ ليخرج إلى بلد، فقبضها، وأمسكها قدر إمكان المسير إلى ذلك البلد: لم يكن له الخروج عليها، سواء كان له عذر في المقام أو لم يكن، وعليه المسمى.
ولو أخذ الدابة، فصار الطريق مخوفًا: لم يكن له إخراجها، فلو أخرجها: كان ضامنًا، ولم يكن له فسخ العقد، ولو حبسها: يستقر عليه الأجرة، وله أن يستعملها في البلد.
ولو استأجر حرًا مدة لعمل معلوم، فسلم الحر نفسه إليه، فلم يستعمله حتى مضت المدة، أو مضى قدر إمكان ذلك العمل: تستقر عليه الأجرة.
وقال الشيخ القفال: لا تستقر؛ لأن الحر لا تحتوي عليه اليد؛ كما قال: لا يجوز للمستأجر أن يؤاجره، ولو ألزم ذمة الحر عملًا، فسلم نفسه قدر إمكان العمل: هل تستقر عليه الأجرة؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: لا تستقر، ولم يستعمله المستأجر: رفعه إلى الحاكم حتى يجبره على استعماله؛ ولو استأجر دابة شهرًا من أول رمضان، فأمسكها الآجر يومين أو ثلاثة: فللمستأجر الخيار؛ لأنه فوت عليه منفعة يومين، وليس للآجر أن يقول: استعملها ما بقي من رمضان ويومين من أول شوال؛ لأن القدر يرتفع بمضي رمضان.
ولو اكترى شيئًا فاسدًا، وقبضه، وأمسكه: يجب عليه أجر المثل؛ سواء كان أقل من المسمى أو أكثر؛ سواء انتفع به، أو لم ينتفع؛ لأن القبض في الإجارة الصحيحة تقرير المسمى؛ ففي الفاسد: يجب أجر المثل؛ كالقبض في البيع الصحيح لما قرر الثمن المسمى: ففي الفاسد، إذا هلك عنده: وجب قيمة المثل.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: إن لم يستعمل: لا شيء عليه، وإن استعمل: عليه أقل الأمرين من المسمى أو أجر المثل.
ولو أجر الحر نفسه إجارة فاسدة، وسلم نفسه: يجب أجر المثل، والتمكين من القبض يكون قبضًا في الصحيح، ولا يكون قبضًا في الفاسد؛ فإنه إذا باع أو أجر شيئًا عقدًا صحيحًا، فجاء به، ووضعه بين يدي المشتري والمستأجر بلا حائل: كان قبضًا، حتى
[ ٤ / ٤٥٥ ]
يستقر عليه العوض، إذا مضى زمان إمكان الاستيفاء، وفي الفاسد: لا يكون قبضًا؛ لأن التسليم في الصحيح واجب، وأجري عليه حكم القبض.
فصلٌ
إذا أجر شيئًا: يجب على الآجر ما يحتاج إليه للتمكين من الانتفاع من تسليم مفتاح الدار وزمام الجمل والبرة التي في أنفه ولجام الفرس، فإن تلف شيء منه في يد المكتري: لا يجب عليه ضمان؛ كما لا يجب ضمان العين المستأجرة، وعلى المكري بدله.
ولو أجر داره، فانكسرت فيها دعامة، أو انهدمت، أو خرب ميزاب، أو انغلق باب، فإصلاحه على المكري، ونعني بقولنا: إنه على المكري: أنه إن بادر المكري إلى إصلاحه: فلا خيار للمكتري، وإن لم يصلحه: فلا يجبر عليه؛ لكن يثبت للمكتري حق الفسخ؛ وكذلك: تطيين السطح وكسح الثلج، فإن فعله المكري؛ وإلا يثبت للمكتري الفسخ، إن ظهر من تركه ذلك.
أما نصب باب جديد، أو إحداث ميزاب: فليس على المكري إلاأن يخل بالانتفاع، فيكون كعيب بالدار، يثبت للمكتري الخيار، وعلى المكري أن يسلم الدار فارغة الحش؛ فإن كان الحش ممتلئًا، أو أجر حمامًا، والموضع الذي تجري فيه الغسالة منسد- يثبت للمستأجر الخيار، ولو امتلأ أو انسد في خلال المدة: فهل على الآجر تنقيته؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليه؛ فإن لم يفعل: فللمكتري الخيار.
والثاني: يكون على المستأجر إن أراد الانتفاع؛ لأنه قد حصل بفعله؛ كتنظيف الدار من القمامة، وكذلك: نقل رماد الحمام الذي اجتمع في خلال المدة.
أما بعد مضي المدة: لا يجب على المستأجر تنقية البالوعة، ولا نقل الرماد، ويجب نقل القمامة؛ لأنها ليست من ضرورة الإجارة، وهل يجب على المستأجر رد العين بعد مضي المدة، واستيفاء المنفعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ بل عليه التخلية بعد الطلب، والمؤنة على الآجر؛ كما لا يجب على المودع مؤنة رد الوديعة.
والثاني: يجب عليه مؤنة الرد؛ لأنه أخذه لمنفعة نفسه؛ كالعارية: يجب على المستعير مؤنة ردها.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
ولو أمسكها بعد المدة: إن كان بعذر: لم يضمن، وإن كان بغير عذر، إن قلنا: لا رد عليه قبل الطلب: لا يضمن؛ وإلا فيضمن.
ولو استأجر رجلًا لضرب اللبن: فليس عليه غير الضرب، وليس عليه إقامته حتى يجف.
وكذلك: لو استأجره لطبخ اللبن: ليس عليه إخراجه من الأتون بعد الطبخ.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: له ذلك. وكذلك: لو استأجر لحفر قبر ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه. وعنده: يجب عليه ذلك.
وكذلك: لو استأجر لحفر قبر: ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه.
وعنده: يجب عليه ذلك.
باب كراء الإبل
إذا اكترى دابة بعينها: يجب أن يبين أنه يكتريها ليركبها، أو ليحمل عليها:
فإذا اكترى للركوب- نُظر: إذا أراد أن يركب في غير شيء: لا يحتاج إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المكري على قتب، أو زاملة، أو ما شاء.
وإن كان يركب على شيء: يجب أن يبين أنه يركبها بسرج، أو إكاف، أو فوق زاملة، أو في محمل، أو عمارية.
ويجب أن يرى المكري الراكب، وإن كان غائبًا يعرف وزنه، ويرى الإكاف، والزاملة، والعمارية، والمحمل، إن كانت حاضرة، وإن كانت غائبة: فيذكر وزنها، ويصفها، ويصف الوطاء الذي تحته.
وإن شرط المظلة، فيراه، أو يذكر وزنه؛ لأن من الناس من لا يتخذ المظلة، ومن
[ ٤ / ٤٥٧ ]
أصحابنا من قال: لا يجوز أن يعقد على المحمل والعمارية بالوصف، إلا بالمشاهدة؛ لأنها تختلف بالضيق والسعة، والثقل والخفة؛ بخلاف السرج، والقتب.
وقال أبو إسحاق: إن كانت من المحامل الخراسانية: تشترط مشاهدتها؛ لأنها يقال: لا تضبط بالصفة.
أما البغدادية: فإنها خفاف، ويجوز العقد عليها بالوصف، فإن كانت محاملهم معروفة على وزن وتقطيع واحد لا تختلف: فيجوز ذكرها مطلقًا.
ويمتحن الزاملة باليد، إن كانت حاضرة، فيكتفي به؛ لأنه يعرف ثقلها وخفتها باليد؛ كما يعرف الراكب بالنظر إليه، إذا كان حاضرًا، ولا يشترط امتحانه باليد ولا وزنه.
وإن اكترى للحملن فيشترط رؤية ما يحمله مع الحبال، والأوعية، وإن كان الحمل غائبًا: يجب أن يذكر جنسه؛ أنه حديد، أو قطن؛ لأنه يختلف على الدابة، ويذكر وزنه، أو كيله إن كان مكيلًا، والوزن أولى؛ لأنه أحصر وأبعد من الغرر.
وإن كان شيئًا حاضرًا في وعاء: يمتحنه باليد، فإن كان محملًا، أو زاملة، أو ظرفًا لمتاع، بغير رؤية ولا وصف: لا يصح العقد، إلا أن يكون مما لا يختلف؛ مثل غرائر متماثلة، فيكتفي بمجرد الذكر، وإن أراه الحمل، وقال: معه معاليق مثل السفرة والإداوة والقربة والقدور والقمقمة: فإن رآها، أو ذكر وزنها: جاز، وإن لم يرها، ولم يصف: ففيه قولان:
أصحهما: لا يصح لأنها مجهولة.
والثاني: يصح؛ للعادة في ذلك؛ فيكون تبعًا للراكب والحمل، ويحمل على [الوسط].
والأصح هو الأول: أنه لا يصح؛ حتى تكون معلومة.
وقيل: القول الثاني ليس قولًا للشافعي﵁- إنما هو مذهب مالك- رحمة الله عليه-.
ونعني بالسفرة: سرة خالية عن الزاد، وإداوة فارغة منا لماء، فإن كان فيها زاد
[ ٤ / ٤٥٨ ]
اكترى لحمل متاع، فلو سلم إليه دابة عريانة، فركبها أو حمل عليها بلا إكاف ولا سرج: ضمن؛ لأنه يدق ظهر الدابة، إلا أن يكتري إلى مسافة قريبة، وإن كان في الذمة: فالإكاف والسرج والبرذعة التي تحته كلها تكون على المكري؛ لأنها للتمكن من الانتفاع.
أما ما يحتاج إليه للتوطئة وإصلاح المركوب: فعلى المكتري، وذلك مثل المحمل والوطاء والمظلة والحبل الذي يشد به المحمل على الحمل، والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر، والغطاء وأجرة الدليل والسائق على المكري، إن كانت الإجارة في الذمة؛ لأنه يحتاج إلى تحصيله في ذلك الموضع.
وهذا من مؤن التحصيل.
وإن كانت على دابة بعينها: فعلى المكتري؛ لأن الذي على المكري تسليم الدابة، وقد فعل.
وإذا اكترى دابة بعينها للركوب أو للحمل إلى بلد، وسلمت الدابة إليه: لا يجب على المكري الخروج معه، ولا إعانته في الحمل والإركاب والإنزال.
وإذا هلكت الدابة: ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيبًا بأن كانت تعثر في مشيها أو لا تبصر بالليل [أو] نحوه: فهو بالخيار: بين أن يمسكها مع ذلك العيب، أو يردها ويفسخ العقد، وليس له إبدالها بغيرها، وإن وجدها خشنة المشيك لم يكن له ردها؛ لأنه لا يعد عيبًا، وإذا أفلس المكري: يقدم حق المكتري على سائر الغرماء، وإن كانت الإجارة في الذمة؛ بأن قال: ألزمت ذمتك حملي على دابتك أو حمل متاعي إلى بلد كذا، أو قال: استأجرتك؛ لتحملني أو تحمل متاعي على دابتك إلى موضع كذا: جاز، ويكون كالسلم: يجب تسليم الأجرة في المجلس؛ فإن عين الدابة، وقال: لتحملني على هذه الدابة: لا يصح؛ لأن السلم في العين: لا يصح، وهل يجب أن يبين جنس الدابة أنه بعير أو فرس أو حمار؟ نظر: إن كان أراد الركوب: يجب أن يبين؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الدواب، وهل يحتاج إلى بيان النوع لاختلاف الأنواع في السير؟ فيه وجهان.
وإن أراد الحمل: لا يجب بيانه؛ لأن المقصود من الحمل حصول المتاع في ذلك الموضع؛ فعلى أي وجه حصلها: جاز.
وإذا سلم الدابة إليه، فهلكت عنده: لا ينفسخ العقد، ولو وجد بها عيبًا، وردها: لم يكن له فسخ العقد، ويجب على المكري الإبدال.
ولو أفلس المكري بعد تسليم الدابة إلى المكتري: فهو مقدم على سائر الغرماء،
[ ٤ / ٤٥٩ ]
وإن كان قبل تسليمها- نُظر: إن كانت الأجرة قائمة في يد المكري: فللمكتري فسخ العقد، واسترداد الأجرة، وإن كانت تالفة: فلا فسخ له، ولكنه يحاص الغرماء؛ فما يخصه من ماله: يكتري له به دابة.
ولو أراد المكتري أن يبذل منفعة الدابة بشيء آخر: يقبضه من المكري؛ فإن كان العقد في الذمة: لا يجوز؛ لأن بيع المسلم فيه قبل القبض: لا يجوز، وإن كان العقد على العين: قال الشيخ: فهو كما لو أجر العين من الأجير، وفيه وجهان:
الأصح: أنه يجوز بعدما قبضها؛ كما لو اشترى شيئًا، وقبضه، ثم باعه من بائعه: يجوز.
وإذا سلم الدابة التي في الذمة إلى المكتري: فعلى المُكري أن يخرج معه يسوق وماء، فلابد من رؤيته، أو ذكر وزنه.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها ما شاء: لم يجز للجهالة، ولأن الدابة لا تحمل كل ما يحمل.
ولو قال: مائة من مما شئت: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لاختلاف الأشياء في الضرر.
والثاني: يجوز، فيكون رضًا منه بأضر الأشياء؛ فإن جوزنا فيكون مع الوعاء مائة من، ولو قال: مائة من من الحنطة: فيكون مائة من دون الوعاء.
وإذا اكترى ليحمل عليها مائة من مع الزاد، ففني الزاد: يجوز إبداله، وإن كان فقد بعضه: فهل له إكماله؟ فيه قولان:
أصحهما: له ذلك؛ كما لو نفد الكل، وكما لو انكسر المحمل أو المظلة، أو هلك بعض متاعه أو باعه: يجوز له إبداله.
والثاني: ليس له إكماله؛ لأن العادة لم تجر به.
وقال أبو إسحاق: إن كان بين يديه منزل يعز فيه الطعام: فله أن يبدل قولًا واحدًا، وإن كان قد شرط أنه يكمل ما انتقص: فله الإكمال قولًا واحدًا.
وإذا اكترى دابة للركوب: فعلى المُكري كل ما يحتاج إليه للتمكن للركوب؛ مثل: البُرة [التي] في أنف الجمل والخطام ولجام الفرس.
وإذا اكترى عين دابة للركوب: فالسرج والإكاف على المكتري؛ وكذلك الوعاء. إذا
[ ٤ / ٤٦٠ ]
الدابة، ويتعهدها: فإن كان المكتري مريضًا، أو شيخًا كبيرًا، أو سمينًا، أو امرأة: ينيخ له البعير، وينزله ويركبه، فإن كان قويًا يمكنه ركوب البعير قائمًا: لا يلزمه أن ينيخ له البعير، فإن كان قويًا، فمرض وضعف: يجب أن ينيخ له، وإن كان ضعيفًا، فقوي- لا يجب، فإن ينظر احتاج إلى إعانة: أعانه.
وإن اكترى ما في الذمة للحمل: فعلى المكري شد المحمل على البعير، وحله وحطه ورفعه، وأما شد أحد المحملين بالآخر: ففيه وجهان:
أحدهما: على المكري؛ لأنه من الحمولة.
والثاني: على المكتري؛ لأنه بمنزلة تأليف المحمل، وضم أجزائه بعضها إلى بعض، وإذا نزل لقضاء حاجة أو لأداء فريضة، أو ما لابد مما لا يمكن فعله على الدابة: عليه أن ينتظره من غير استعجال، ولا يطول المنازل، بل على الوسط، ولا يلزمه قصر الصلاة، ولا ينتظره للناقلة ولا للأكل والشرب؛ لأنه يمكن فعلها على الدابة.
وإذا اختلفا في الرحل: رحل لا مكبوبًا ولا مستلقيًا، والمكبوب: أن يكون مؤخر الرحل أعلى؛ فهو أيسر على الدابة وأشق على الراكب، والمستلقى عكسه.
وإذا اكترى دابة إلى بلد: يجب أن يبين مسير كل يوم بالفراسخ، ثم يسيران على الشرط؛ فإن شرطا لكل يوم عشرة فراسخ، فسار في كل يوم أكثر أو أقل: فلا تجبر الزيادة بالنقصان، ويسيران بعده على الشرط، وإن لم يبينا- نظر: إن كانت منازل ذلك الطريق معلومة: صح العقد، وينزلان عليها، فأيهما أراد المجاوزة عنها أو النزول دونها: فلآخر ألا يرضى، وإن كانت منازلها مختلفة: لا يصح حتى يبينا، وإن لم يكن فيها منازل: يجب أن يبينا بالفراسخ، ثم إذا أراد أحدهما المجاوزة عنها، أو النزول دونها؛ لخوف أو لخصب: لم يكن له ذلك، إلا أن يوافقه صاحبه.
ولو اختلفا في السير؛ فقال المكري: نسير بالليل؛ فإنه أخف على الجمال؛ فلا يصيبها الحر، وقال المكتري بل نسير بالنهار؛ فإنه آمن: لا ينظر إلى قول واحد منهما، بل يسيران على عادة الناس في مسير ذلك الطريق من ليل أو نهار، وإن كانت العادة في ذلك الطريق النزول للرواح: ففيه وجهان:
أحدهما: يكون النزول على العادة؛ لأن المتعارف؛ كالمشروط.
والثاني: لا يلزم؛ لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق؛ فلا يلزمه تركه في بعضه.
[ ٤ / ٤٦١ ]
وإن كان موضع النزول معلومًا، فقال المكتري: ننزل في وسط البلد؛ لأنه آمن، وقال المكري: بل في الصحراء؛ لأنه أقرب إلى المرعى: لا ينظر إلى قول واحد منهما؛ لكن ينزلان في الموضع المعتاد.
ولو اكترى دابة من بغداد إلى البصرة: فإذا بلغ عمران البصرة: له أن يسترد الدابة، وإن لم يصل إلى داره.
ولو اكترى دابة إلى مكة: لم يجز أن يحج عليها؛ لأن ذلك زيادة على المعقود عليه، وإن اكترى للحج عليها: فله أن يركبها إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم إلى المزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة للطواف، وهل يجوز أن يركبها من مكة عائدًا إلى منى للمبيت والرمي: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد حل بالطواف من الحج.
والثاني: يجوز؛ لأن العود إلى منى للمبيت والرمي من تمام الحج.
ولو اكترى دابة من البلد إلى قرية سماها: فإذا أتى القرية: لا يجوز له ردها إلى البلد، بل يسلم إلى وكيل المكري، إن كان له بها وكيل، فإن لم يكن: فإلى حاكم القرية، فإن لم يكن ثم حاكم: فإلى أمين، وإن لم يجد: ردها إلى البلد.
ولا يجوز أن يركبها في الطريق؛ فإن ركب: ضمن، إلا أن تكون الدابة جموحًا لا تنقاد إلا بالركوب: فلا يضمن. وقال صاحب "التقريب": يجوز له ردها إلى البلد، إلا أن ينهاه عن ردها.
وإن شرط عليه الرد- فعلى قول صاحب "التقريب": هو قضية العقد، وعلى قول غيره: يفسد العقد، غير أنه لو رد: لم يضمن لوجود الإذن، إلا أن يركب في الرد؛ فيضمن إلا أن تكون جموحًا.
ولو اكترى إلى قرية، فسقط السوط من يده في الطريق، ومضى قدر غلوة، ثم رجع راكبًا لأخذ السوط، فإذا بقي من القرية قدر تلك الغلوة ذهابًا ورجوعًا: عليه أن ينزل؛ لأن مدته قد انقضت.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
وذكر صاحب "التلخيص": أنه يجوز اكتراء الدابة مضمونًا في الذمة، ومعينًا، إلا في كراء العقب: لا يجوز إلا مضمونًا. قاله المزني في "الكبير" تخريجًا.
وجملته: أنه إذا أكرى دابة من رجل إلى موضع؛ ليركب المكري زمانًا والمكتري زمانًا: لا يجوز؛ لأنه يتأخر حق المكتري؛ فتكون إجارة للزمان المستقبل.
ولو أكرى دابة من رجلين يتعاقبان فيه، أو أكرى من واحد على أن يركب زمانًا، ويمشي زمانًا: اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه كراء إلى آجال متفرقة؛ فيكون إجارة للزمان المستقبل.
ومنهم من ذهب إلى ما قال المزني: أنه إنما يجوز مضمونًا في الذمة، فأما أن يكتري جملًا بعينه في الذمة عقبًا: لا يجوز؛ لأنه إذا كان في الذمة: يصير كأنه ملك نصف منافعه مشاعًا في تلك المسافة، ثم يقاسم المكري.
وإذا اكترى اثنان على هذا: ملكا الكل، ثم يقتسمان، أما في العين، فلا؛ لأن كل مدة يقبضها يتعقبها ما يقطعها؛ فيصير ما بعدها كإجارة الزمان المستقبل.
والمذهب: أنه يجوز، وهو قول عامة أصحابنا؛ سواء كان معينًا أو في الذمة.
وذكره الشافعي﵁- في "الأم"؛ لأن الاستحقاق مقارن للعقد، وإنما تتأخر القسمة.
وأما إذا اكتراه واحد: فقد ملك الركوب في نصف المسافة؛ وكذلك: الاثنان يكتريان، ثم يقتسمان أو المالك مع المكتري: يتعاقبان، ولا عبرة بما يتخلل كما لو استأجر ثوبًا؛ ليلبسه شهرًا: فإنه يلبسه بالنهار على العادة، وينزع بالليل.
ومن أصحابنا من قال: إذا اكتراه اثنان في جميع المدة: يجوز؛ لأنه لا يكون كراء مدة قابلة، [لأن الكراء موصول].
وإذا اكترى واحد، عقبه: لا يجوز؛ لأن الكراء غير موصول؛ وهذا- أيضًا- لا يصح؛ لأن كراء المشاع يجوز، ويقاسم المالك كما يقاسم الشريك؛ فإن جوزنا- فينظر:
[ ٤ / ٤٦٣ ]
إن كان ذلك في طريق، فيه عادة في الركوب والنزول؛ بأن كان يركب أحدهما يومًا، ثم ينزل، ويركب الآخر، أو يركب أحدهما ميلًا؛ ثم ينزل: فيحمل إطلاق العقد على العادة، ولا ينظر إلى اختلافهما في أنهما كيف يركبان، وإن لم يكن فيه عادة: لم يصح حتى يبين مقدار ما يركب كل واحد منهما، وإن اختلف في البادئ بالركوب: يقرع بينهما.
وإذا استأجر رجلًا ليعمل مدة: يكون زمان الطهارة والصلوات بفرائضها وسننها- مستثنى من العمل، ولا ينقص من الأجر شيء، وإن كان ذلك من عمل النهار: يترك بالليل للاستراحة، وإن كان من عمل الليل؛ كالحراسة ونحوها: تُرك بالنهار، وإن استأجره للقيام على ضيعة، لينظرها: قام عليها ليلًا ونهارًا على ما وسعه.
وإن استأجر عبدًا؛ للخدمة: ذكر وقت الخدمة من الليل والنهار؛ فإن لم يذكر: جاز، ولزمه على ما جرت به العادة من نخدمة العبيد لساداتهم؛ كما ذكرنا في ذكر العقد: يحمل على العادة.
فصلٌ
إذا أجر عبدًا، أو أكرى دابة: تكون نفقة العبد وعلف الدابة على المكري؛ فإذا اكترى جملًا، فهرب الجمال- لا يخلو: إما إن ذهب بالجمل، أو ترك الجمل: فإن ذهب بالجمل- نظر: إن كانت الإجارة في الذمة: يكتري عليه الحاكم من ماله جملًا يركبه المستأجر، وإن كان قد اكترى عين الجمل: فللمكتري فسخ العقد؛ كما ذكرنا في هرب الدابة.
وإن هرب، وترك الجمل: فإن تبرع المكتري بالإنفاق عليه؛ وإلا رفع الأمر إلى الحاكم حتى ينفق عليه من مال المكري، إن وجد له مالًا، وإن لم يجد: يستدين عليه من إنسان أو من بيت المال، أو من المكتري، ثم إن ائتمن المكتري: سلم إليه حتى ينفق عليه، وإن لم يأتمنه: دفع إلى أمين ينفق عليه، وإن أدى اجتهاده إلى أن يبيع جزءًا من الجمل: باع منه بقدر الحاجة، ولا يبنى على قولي بيع المؤاجر؛ لأنه موضع ضرورة، ويبقى في يد المستأجر إلى انقضاء مدته، ومع وجود مال آخر للجمال: لا يبيع لحق المستأجر.
وإن أنفق المكتري من مال نفسه؛ ليرجع- نُظر: إن فعل بأمر الحاكم: هل يرجع؟ فيه قولان:
[ ٤ / ٤٦٤ ]
أحدهما: يرجع؛ لأنه أنفق بأمر الحاكم؛ كما لو استقرض الحاكم من المكتري مالًا، ثم دفعه إليه؛ لينفق عليه.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه متهم في حق نفسه.
وإذا ادعى أنه أنفق قدر ما يحتاج: يُقبل قوله في استحقاق حق له على غيره، فإذا جوزنا، واختلفا في قدر ما أنفق: فالقول قوله.
وإن كان ما يدعيه قصدًا؛ كما لو أمر غيره بالإنفاق، فادعى قدرًا: قُبل قوله، إن كان ما يقوله قصدًا.
وإن أنفق بغير أمر الحاكم، وهناك حاكم: لم يرجع، وهو متبرع.
وإن لم يكن هناك حاكم- نظر: إن أشهد: رجع؛ هذا هو المذهب؛ لأنه موضع ضرورة، وإن لم يُشهد: فلا يرجع إن أمكنه الإشهاد، وإن لم يمكنه الإشهاد: ففيه وجهان.
ولو أجر عبدًا أو أكرى دابة من إنسان بأجرة معلومة، وأذن له أن ينفق الأجرة عليه، أو أكرى دارًا، وأذن للمكتري أن يصرف الأجرة إلى عمارتها: يجوز، ثم لو اختلفا؛ فقال المستأجر: أنفقت، وقال الآجر: لم تنفق: ففيه قولان:
أحدهما: القولان قول الآجر؛ لأن الأصل عدم الإنفاق.
والثاني: القول قول المستأجر؛ لأنه المباشر؛ فهو أعلم بفعله.
ولو أكرى دابة بعلفها، أو عبدًا بنفقته: لا يصح؛ لأنه مجهول.
ولو اكترى دابة من مرو إلى نيسابور بعشرة دنانير مطلقًا: يجب عليه من نقد مرو، سواء كان حالًا أو مؤجلًا.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: من نقد نيسابور.
أما إذا اكترى كراء فاسدًا، فاستهلك منفعتها عشرة أيام بمرو، وعشرة أيام بنيسابور: يجب عليه أجر مثل عشرة أيام بنقد مرو، وأجر مثل عشرة بنقد نيسابور: كما في الغصب؛ لأن في الإجارة الفاسدة: يجب الضمان بالاستهلاك؛ فينظر إلى موضع الاستهلاك، وفي الإجارة الصحيحة: يجب بالعقد؛ فيجب نقد بلد العقد، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
باب تضمين الأجراء
من استأجر شيئًا؛ لينتفع به: فهو أمانة في يده لا يضمن إلا بالتعدي.
أما إذا استأجر رجلًا؛ ليعمل له عملًا في عين: فالمال في يد الأجير، هل يكون مضمونًا عليه؟ نُظر:
إن لم ينفرد الأجير باليد؛ بأن قعد المستأجر عنده، حتى عمل أو حمل الأجير إلى بيته ليخبز له في تنور، أو ليختن غلامه، أو يحجمه أو يبزغ دابته، أو يقصر، أو يخيط له ثوبًا، أو ليرعى غنمه في ملكه، أو ليتعلم عنده القرآن، أو حرفة عنده: فلا يكون مضمونًا عليه؛ وكذلك: لو حمل تلميذًا إلى حانوته ليتلمذ له في بيع أو غيره: فلا تكون يده يد ضمان.
وإن انفرد الأجير باليد؛ بأن سلم المال إليه؛ ليعمل فيه عمله نُظر: إن كان الأجير مشتركًا، وهو الذي يعمل له ولغيره؛ كالقصار الذي يقصر لكل أحد، والملاح الذي يحمل لكل أحد: قال الشافعي﵁-: فيه واحد من قولين: اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: يكون مضمونًا عليه، وهو قول مالك وابي يوسف موحمد- رحمة الله عليهم-: لأنه أخذه لحظ نفسه؛ وهو تفريغ ذمته عن العمل؛ كالمستعير والمستأجر.
والثاني- وهو الأصح، واختاره المزني- رحمة الله عليه-: لا يكون مضمونًا عليه؛ لأنه أخذه لمنفعته ومنفعة المالك؛ فلا يلزمه الضمان؛ كالمضارب.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الضمان قولًا واحدًا، قال الربيع: كان الشافعي﵁- يرى أن الأجراء لا يضمنون غير أنه كره أن يبوح به؛ مخافة صناع السوء، وكان يرى أن القاضي يقضي بعلم نفسه غير أنه كره أن يبوح به مخافة قضاة السوء.
قول الشافعي﵁-: "فيه واحد من قولين" أراد به: الرد على أبي حنيفة؛ فإنه يقول: إذا تلف في يده بآفة سماوية أو سرق: لا ضمان عليه، وإن تلف بفعل مأذون فيه؛ بأن دق دق مثله، فتحرق: يضمن، فقال: لا يجوز فيه إلا واحد من قولين.
أما ما قلت- وهو: أنه لا يضمن، أو ما قال أبو يوسف: أنه يضمن بكل حال: فإما
[ ٤ / ٤٦٦ ]
أن يفصل بين أن يكون التلف بآفة سماوية أو بفعل مأذون فيه فلا.
وإن كان الأجير منفردًا، وهو الذي يعمل له، ولا يعمل لغيره؛ بأن يستأجره مدة معلومة لقصارة، أو رعي: فلا يمكنه قبول ذلك العمل لغيره في تلك المدة: فهل يلزمه الضمان؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان؛ كالأجير المشترك، وهو ظاهر النص.
ومنهم من قال: لا يضمن قولًا واحدًا.
والفرق بين المنفرد والمشترك: أن المنفرد ملك المستأجر منافعه في تلك المدة على الاختصاص؛ فصار يده يد المستأجر؛ كالوكيل؛ بخلاف المشترك والمنفرد: يستحق الأجرة بتسليم النفس، ومضي إمكان الفعل، وإن لم يعمل، والمشترك: لا يستحق إلا بالعمل، فإن قلنا: يضمن: فأي ضمان يلزهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أكثر ما كانت قيمته من يوم [قبض إلى أن] هلك؛ كالمغصوب.
والثاني: باعتبار يوم التلف.
وإن قلنا: لا يجب الضمان: فإن تعدى: يجب الضمان مثل: إن استأجر أجيرًا؛ ليخبز له في تنور، فخبز في وقت لا يخبز فيه لشدة حموه، أو ترك فيه فوق العادة، فاحترق: يجب الضمان.
ولو عمل عملًا، فتلف، واختلفا، فقال الأجير: لم أخرج عن العادة، وقال المستأجر: بل تعديت: يسأل عدلان من أهل [تلك] الصناعة: فإن قالا: لم يخرج عن العادة: لم يضمن، وإلا ضمن؛ فإن لم يوجد من يرجع إليه: فالقول قول الأجير مع يمينه؛ لأن الأصل براءته عن الضمان.
ولو اكترى دابة، فضربها، أو لجمها باللجام، فهلكت: لا ضمان عليه، إن لم يخرج عن العادة، وإن خرج- ضمن، وكذلك: الرائض إذا ضرب الدابة.
وضرب الرواض يكون أشد من ضرب المكاري: فإن خرج عن عادة الرواض في الضرب: ضمن، وإن لم يخرج: لا يضمن على قولنا: إن الأجير لا يضمن.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
وكذلك: الراعي في ضرب الغنم، إن لم يخرج عن عادة الرعاة: لا يضمن؛ بخلاف المعلم: يباح له ضرب الصبي.
وكذلك: الزوج يباح له ضرب زوجته للتأديب، فإذا هلكت من ضربه: ضمن، وإن لم يخرج عن العادة؛ لأن الآدمي يؤدب بالكلام والقول العنيف، وإذا صار إلى الضرب: كان بشرط السلامة، والدابة تأديبها يكون بالضرب، فإذا لم يخرج ضمانه عن العادة: لم يضمن.
ولا فرق بين أن يكون الصبي حرًا أو عبدًا في وجوب ضمانه إلا أن الحر يجب ضمانه.
وإن ضربه بإذن الولي والعبد إذا ضربه بإذن المولى: لا يجب ضمانه؛ لأن ضمان العبد لمولاه.
ومن قتل عبد الغير بإذن مولاه: لا يضمنه، والرعاة الذين يخرجون الدواب إلى الصحراء؛ ليرعوها ويردوها بالليل بشيء تعطيهم أربابها: فالدواب في أيديهم كالمال في يد الأجير المشترك؛ لأن الفاسد في أصل الضمان كالصحيح.
واختلف أصحابنا فيما يأخذ الحمامي ممن يدخل الحمام:
فمنهم من قال: هو ثمن الماء وأجرة الحمام والسطل وحفظ الثياب؛ فعلى هذا: لا يضمن الداخل السطل، إذا هلك؛ لأنه مستأجر، وهل يضمن الحمامي الثياب؟ فعلى قولين؛ لأنه أجير مشترك.
ومنهم من قال: هو ثمن الماء، والحمامي متطوع بحفظ الثياب معير للسطل؛ فعلى هذا: لا يضمن الحمامي الثوب إذا هلك، وعلى الداخل ضمان السطل إذا هلك؛ لأنه مستعير.
وإذا تلف المال في يد الأجير بعد التعدي: يلزمه الضمان، وأي قيمة تلزمه؟
وإن قلنا: يده يد أمانة: فعليه قيمته أكثر ما كانت من وقت التعدي إلى وقت الهلاك، وإن قلنا: يده يد ضمان: فأكثر ما كانت [من حين قبض إلى أن هلك].
وإذا عمل الأجير عمله، ثم تلفت العين: فإن كان العمل في ملك صاحبها، أو بحضرته: تجب له الأجرة، وإن كان في يد الأجير؛ بأن دفع ثوبًا إلى قصار فقصره، ثم
[ ٤ / ٤٦٨ ]
هلك في يده: يبنى على أن القصارة عين أم أثر؟ إن قلنا: عين: سقطت أجرته، ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه، وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه: يجب عليه قيمة ثوب غير مقصور.
وإن قلنا: إن القصارة أثر: لا تسقط أجرته؛ لأنه لما فرغ من العمل: صار مسلمًا إلى المستأجر.
ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه.
وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه- يجب عليه قيمة ثوب مقصور، وهل يجوز للقصار حبس الثوب بعد لاقصارة لاستيفاء الأجرة أم لا؟
إن قلنا: فعله عين: يجوز كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن.
وإن قلنا: أثر لا يجوز؛ كما لو استأجر أجيرًا يحمل له متاعًا إلى موضع، فحمله: لم يكن له حبس المتاع على الأجرة.
ولو دفع ثوبًا إلى صباغ، فصبغه بصبغ من جهة صاحب الثوب: فهو كالقصارة، وإن كان الصبغ من جهة الصباغ: فله حبسه بعد الصبغ؛ لاستيفاء الأجرة، لأن الصبغ عين مال، وإن هلك بعدما صبغ: تسقط قيمة الصبغ، وهل تسقط أجرة العمل؟ فكالقصارة.
ولو دفع ثوبًا إلى قصار؛ ليقصر مجانًا، أو ليخيط: فلا يستحق الأجرة.
ولو هلك في يده: لا ضمان عليه.
ولو قال: أرضيك: يستحق أجر المثل.
ولو قال: اغسله، أو خطه، ولم يذكر له أجرة، فغسله: هل يستحق الأجرة؟ فيه أربعة أوجه.
أصحها- وهو المذهب-: لا يستحق؛ لأنه لم يذكر له عوضًا؛ كما لو بذل طعامه لمن أكله.
والثاني- وهو قول المزني: يستحق الأجرة؛ لأنه استهلك عمله.
والثالث- وهو قول أبي إسحاق: إن قال صاحب الثوب: اغسله أو خطه: لزمه الأجرة، وإن بدأ العامل، فقال: أعطني لأغسل أو لأخيط: لم يلزمه.
والرابع- وهو قول ابن سريج: إن لم يكن العامل معروفًا بذلك الأمر: لا يستحق
[ ٤ / ٤٦٩ ]
الأجرة، وإن كان معروفًا بذلك الأمر، وأخذ الأجرة عليه: يستحق، وكذلك: لو قعد بين يدي حلاق، فحلق شعره.
قال الشيخ﵀-: إن قلنا: يستحق الأجرة: فهل يلزمه الضمان إن هلك في يده؟ فكالأجير المشترك، وإن قلنا: لا يستحق: فلا يلزمه الضمان.
ولو نزل رجل سفينة ملاح من غير إذنه، فحمله فيها إلى بلد: لزمه الأجرة؛ لأنه استهلك منفعة موضعه من غير إذنه؛ كما لو سكن دار الغير، وإن نزل بإذنه، ولم يذكر الأجرة: فعلى الأوجه الأربعة.
ولو دفع ثوبًا إلى قصار، فجحده، ثم جاء به مقصورًا: هل يستحق الأجرة؟ نُظر: إن كان قصره، ثم جحد: يستحق، وإن جحد، ثم قصر: فيه وجهان:
أحدهما: يستحق؛ كالأول.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: لا يستحق؛ لأنه عمل لنفسه؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام على نفسه: هل يستحق الأجرة؟ فيه قولان.
ولو ادعى الأجير رد العين: إن قلنا: يده يد ضمان: لا يُقبل قوله، وإن قلنا: يده يد أمانة: هل يُقبل قوله؟ فيه وجهان؛ كالوكيل بالجعل؛ فإن قلنا: يُقبل- يُقبل قوله مع يمينه في ألا يلزمه ضمان العين، أما في استحقاق الأجرة: فلا يُقبل قوله.
فصل في الاختلاف
وإذا اختلف المتكاريان: إما في الأجرة، فقال الآجر: أجرتك بعشرة، وقال المستأجر: بل بخمسة، أو في المدة، فقال الآجر: أجرتك شهرًا، فقال: بل شهرين، أو قال: أكريتك إلى فرسخ، فقال: بل [إلى] فرسخين: يتحالفان، فإذا تحالفا: انفسخ العقد بينهما، ثم إن كان قبل استيفاء المنفعة: لا شيء لأحدهما على الآخر، وإن كان بعد الانتفاع: فعلى المكتري أجر مثل مدة الانتفاع.
وكذلك: لو قال المكري: أكريتك هذا البيت الواحد من الدار، وقال المكتري: بل جميع الدار: تخالفا، وعلى المكتري أجر مثل ما سكن.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
وإن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة، فقال الآجر: تعديت؛ فعليك الضمان، وقال المستأجر: ما تعديت: فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التعدي.
ولو دفع ثوبًا إلى خياط، فقال له: إن كان يكفيني للقميص- فاقطعه، فقطعه؛ فلم يكفه: لزمه الضمان؛ لأنه أذن له بشرط، ولم يوجد.
وإن قال: هل يكفيني للقميص، فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه: لم يضمن؛ لأنه قطع بإذن مطلق، ولو دفع ثوبًا إلى خياط ليقطعه، فقطعه قباء، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، فقال: لا، بل أمرتني أن أقطعه قباء: فحكى الشافعي﵁- في "اختلاف العراقيين"- قول ابن أبي ليلى: أن القول قول الخياط مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على الإذن في القطع.
وحكى قول أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: أن القول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن في القطع: كان القول قوله؛ كذلك في صفة القطع.
ثم قال: وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول.
وقال في "الإملاء": يتحالفان، وذكر فيما لو دفع ثوبًا إلى صباغ ليصبغه، فصبغه أخضر، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، وقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أخضر: يتخالفان.
ووجهه: أن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه: فالخياط يدعي الأجرة، وصاحب الثوب ينكرها، وصاحب الثوب يدعي أرش النقصان، والخياط ينكره.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال.
ومنهم من قال: هي على قول واحد؛ أنهما يتحالفان، والقولان الآخران حكاية مذهب الغير، وقد زيفهما بقوله: "كلاهما مدخول".
واختار المزني: أن القول قول رب الثوب؛ كما لو استأجره على حمل متاع، فقال: قد حملت، وأنكر رب المال أو قال: الدافع: دفعته إليك وديعة، فقال: بل رهنًا: كان القول قول الدافع:
فإن قلنا: القول قول الخياط: فإذا حلف: لا يلزمه ضمان القطع، وهل يستحق الأجرة؟ فيه وجهان:
[ ٤ / ٤٧١ ]
أحدهما -وهو قول ابن أبي هريرة: يستحق؛ لأنه حلف على أنه كان مأذونًا في القطع.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق: لا يستحق؛ لأنه في الغرم كان مدعى عليه؛ فقبل قوله، وفي الأجرة: مدع؛ فالقول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنه منكر.
فإن قلنا: يستحق الأجرة: فيجب المسمى أم أجر المثل؟ وجهان:
أحدهما: المسمى؛ لأنه حلف على الإذن.
والثاني: أجر المثل؛ لأنا لو جعلنا له ما يدعيه: لم نأمن من أن يدعي أضعاف أجر مثله.
وإن قلنا: القول قول رب الثوب: فإذا حلف: لا يلزمه الأجرة؛ لأن الخياط فعل ما لم يكن له فعله.
ويجب على الخياط أرش نقصان القطع، وماذا يلزمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا؛ لأنا حكمنا أنه لم يأذن له في القطع.
الثاني: يلزمه نقصان قطع دخل بسبب القباء.
وأما القطع الذي يحتاج إليه في القميص: فلا يضمنه؛ لأن رب الثوب أذن فيه.
وإن قلنا: يتحالفان: فإذا تحالفا: لا شيء لأحدهما على الآخر، فرب الثوب يستفيد بيمينه سقوط الأجرة عنه، والخياط يستفيد بيمينه سقوط الغرم عنه.
فإذا أراد الخياط نزع الخيط: هل له ذلك؟
إن قلنا: يستحق الأجرة: فليس له ذلك؛ لأنه أخذ العوض في مقابلته.
وإن قلنا: لا يستحق: فله ذلك: كالصبغ.
فإذا قلنا له ذلك، فقال رب الثوب: أنا أشد خيطانه حتى تدخل الدروز عند نزعك: لم يكن له ذلك إلا برضا الخياط؛ لأنه يتصرف في ملك الخياط.
قال﵁: إذا قلنا: القول قول رب الثوب، فحلف، وقلنا: لا يضمن الخياط إلا نقصانًا دخل بسبب القباء: يجب على رب الثوب الأجرة للقطع الذي لم يوجب ضمانه، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
باب المزارعة
روي عن ابن عمر﵄- قال: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأسًا، حتى
[ ٤ / ٤٧٣ ]
أخبرنا رافع بن خديج أن النبيﷺ- "نهى عنها؛ فتركناها؛ لقول رافع".
[ ٤ / ٤٧٥ ]
وعن جابر: "أن النبيﷺ- نهى عن المخابرة".
والمخابرة: اكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من المكتري والمزارعة: اكتراء العامل ببعض ما يخرج من الأرض، ويكون البذر من رب الأرض.
أو يكتري رجلًا ليزرع أرضه بذر له يعطيه على أن يكون للعامل حق معلوم منه كلاهما فاسدان.
والنهي مشهور في المخابرة، فقيست المزارعة عليها؛ بخلاف المساقاة؛ جوزناها لورود الحديث بها، ولأن عقد الإجارة على النخيل: لا يتصور، فجوزت المساقاة ضرورة لمساس الحاجة إليها، وعقد الإجارة على الأرض ممكن؛ فلم تجز المزارعة.
وذهب إلى إبطال المزارعة ابن عمر، وابن عباس وأبو هريرة؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة﵃- وأحل جماعة من الصحابة المزارعة؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ كالمساقاة، وإذا عقد المزارعة؛ فما يحصل: يكون لمالك البذر، وللعامل عليه أجر مثل عمله، وإن كان الآلات والفدان من جهة العامل: فيستحق أجر مثلها، وإن كان من كل
[ ٤ / ٤٧٦ ]
واحد نصف البذر: فما يحصل يكون بينهما، ثم إن كان الأرض من واحد، والآلات والعمل من الآخر: فلمالك الأرض نصف أجرة مثل الأرض على العامل، وللعامل نصف أجر مثل عمله، والآلات على مالك الأرض، فإن استويا تقاصا، وإن كان لأحدهما فضل: رجع بالفضل.
ولو كان البذر والأرض من واحد، والعمل والآلة من الآخر، فأقرض صاحب البذر نصف البذر من الآخر، وأجر منه نصف أرضه بنصف عمله، ونصف آلته: يجوز، وما يحصل يكون بينهما، ولا شيء لأحدهما على الآخر إلا المستقرض: عليه رد ما استقرض من البذر.
ويجوز اكتراء الأرض للزراعة بالذهب والفضة والعروض، وبكل ما ينبت من الأرض، إذا كان معينًا أو موصوفًا.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: لا يجوز بما ينبت من الأرض، كالمخابرة.
قلنا: المخابرة: اكتراء الأرض بماي نبت منها بعد العقد؛ إما بجنس موصوف أو معين من الحبوب؛ فلا بأس به؛ كما يجوز بأحد النقدين.
ولا يجوز اكتراء الأرض للزراعة إلا أن يكون لها ماء معتاد لا ينقطع شتاء ولا صيفًا من نهر صغير أو كبير أو بئر، أو عين.
ويدخل ذلك في مطلق عقد الإجارة للزراعة؛ بخلاف ما لو باع الأرض: لا يدخل في البيع بشربها؛ وكذلك: أراضي الجبال التي تشرب من ماء المطر، قل أو كثر أو من نداوة الأرض بالثلج وغيره: يجوز إجارتها للزراعة؛ لأنها قلما تختلف.
فإن اكترى أرضًا للزراعة سنة، ولها ماء معتاد، فزرع أحد الغلتين، ثم انقطع الماء- نُظر: إن أمكن سقيها من موضع آخر، وضمنه المكتري: فلا فسخ للمكتري، وإن لم يمكن، أو لم يفعله المكري: نص على أن للمكتري فسخ العقد:
وقال في الدار المستأجرة: إذا انهدمت: إن العقد ينفسخ.
ومن أصحابنا من قال: فيهما قولان:
[ ٤ / ٤٨٠ ]
أحدهما: ينفسخ العقد فيهما؛ لفوات المنفعة المقصودة، وهي السكنى والزراعة؛ كما لو مات العبد المستأجر: ينفسخ العقد.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن الأرض باقية، والانتفاع بها ممكن من وجه آخر، إلا أنه يعطل بعض منافعها؛ فيثبت له الفسخ؛ كما لو تعيب العبد المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: هي على حالين حيث قال: "ينفسخ العقد" أراد به: إذا صارت الدار تلا لا يمكن الانتفاع به، فإن أمكن الانتفاع به بوجه: لا ينفسخ.
وحيث قال في انقطاع الماء: "له الفسخ"، ولم يحكم بالانفساخ؛ لأن الانتفاع بالأرض ممكن بغير وجه الزراعة بأن ينزلها، أو يمسك فيها دوابه ونحو ذلك، فإن لم يمكن بأن غرقها ماء، أو كبسها رمل: فينفسخ فإن قلنا: ينفسخ: فالمذهب: أنه لا ينفسخ في المدة الماضية، وعليه من المسمى بقدر ما يقابلها.
فإن قلنا: لا ينفسخ: فله الفسخ في المدة الباقية، والصحيح: أن لا فسخ له في المدة الماضية، وعليه بقدر ما مضى من المسمى، وإن أجاز العقد: فعليه جميع المسمى.
وقيل: يلزمه ما يخص الأرض المنقطع ماؤه، فلو أجاز، ثم بدا له أن يفسخ- نظر: إن كان الانقطاع بحيث لا يرجى عود الماء: فلا فسخ له؛ لأنه عيب واحد، وقد رضي به.
وإن كان يرجى عود الماء: فله الفسخ، إذا لم يعد؛ لأنه يقدر كل يوم عود الماء، فإن لم يعد: يتجدد له ضرر، فإن عاد: فلا فسخ له.
وإن اكترى أرضًا على جبل لا ماء لها إلا أن يصيبها نطف من السماء، أو سيل إن جاء- نُظر: إن اكتراه للزراعة: لا يصح؛ لأنه أكرى منفعة لا يمكن تسليمها، وإن اكتراها لينزلها أو يحفظ فيها دوابه: صح، وإن اكتراها مطلقًا- نُظر: إن قال: أكريتك أرضًا بيضاء لا ماء لها: جاز؛ لأنه إذا ذكر ذلك: علم أن المستأجر لا يكتريها للزراعة، إنما يكتريها لينتفع بها من وجه آخر، ثم المكتري: إن شاء تركها، وإن شاء حفظ فيها دوابه، وإن حمل ماء من موضع فزرعها: جاز.
ولا يجوز البناء والغراس، وإن لم يقل: أرضًا بيضاء لا ماء لها: هل يصح أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الأرض تكتري في العادة للزراعة؛ فصار كما لو شرط ذلك في العقد.
[ ٤ / ٤٨١ ]
والثاني- قاله أبو إسحاق: إن كانت الأرض عالية لا يطمع في سوق الماء إليها: صح العقد؛ لأنه يعلم أنه لا يكتريها للزراعة، وإن كانت مستقلة يطمع في سوق الماء إليها: لم يصح؛ لأنه يكتريها، لتوهم الزراعة مع تعذرها.
ولو اكترى أرضًا بجنب واد أو النيل يعلو عليها الماء كل سنة، ثم ينحسر فيكفي ذلك الماء لزراعة تلك السنة- نُظر: إن اكتراها بعد انحسار الماء: جاز، وإن اكتراها قبل أن يعلوها الماء: لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل يعلوها الماء أم لا؟ إلا المد بالبصرة؛ فإنه يختلف؛ فيجوز إجارة تلك الأراضي قبل المد؛ وكذلك أراضي الجبل التي تشرب بالمطر والثلج، وإن كان بعدما علاها الماء، ولم ينحسر، ويرجى انحساره وقت الزراعة: يجوز إجارتها، إن كان الماء صافيًا يرى وجه الأرض.
وإن كان كدرًا لا يرى وجه الأرض: قيل: فيه قولان؛ كشراء الغائب.
وقيل: يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الماء الذي عليها من مصلحة الزراعة، وإن كانت الأرض بجنب نهر: إن زاد الماء غرقت: فلا يجوز إجارتها في وقت زيادة الماء، وبعد النقصان: يجوز، وإن كان الماء قائمًا عليها: فإن كان لا يُرجى انحسار الماء: لا يجوز إجارتها، وكذلك: إن كان قد ينحسر، ولا ينحسر؛ لأن العجز يقين، والقدرة موهومة.
ولو اكترى أرضًا كراء صحيحًا، فغرقها سيل أو ما نبع منها- نظر: إن كان لا يرجى انحساره مدة الإجارة: ينفسخ العقد في المدة الباقية؛ كما لو انهدمت الدار، وإن كان يرجى انحساره فالمكتري بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يجيز؛ كما ذكرنا فيما لو غصبت العين المستأجرة: فإن أجاز سقط عنه من الأجرة بقدر ما كان الماء قائمًا عليها، وإن أجاز، ثم بدا له أن يفسخ: فإن كان بعد انحسار الماء: لم يكن له ذلك، وإن كان قبله: فله ذلك؛ لأنه يتضرر به كل ساعة؛ كما لو اشترى عبدًا، فأبق قبل القبض، وأجاز، ثم بدا له أن يفسخ قبل عوده: له ذلك.
ولو غرق الماء نصف الأرض بعد مضي نصف المدة: انفسخ العقد فيما غرقه الماء.
والمذهب: أنه لا ينفسخ في الباقي، وهل له الفسخ في النصف الباقي فيما بقي من المدة؟
فإن أجاز، وكانت المدة لا تتفاوت في الأجرة: فعليه ثلاثة أرباع المسمى النصف لما مضى من المدة، والربع للباقي، وإن فسخ: فعليه نصف المسمى لما مضى من المدة.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
ولو زرع الأرض، فمر بها سيل أفسد زرعه، ولم يغرق الأرض: لا يثبت للمكتري فسخ العقد؛ لأن الهلاك ورد على مال العاقد، لا على المعقود عليه، وكما لو أصاب الزرع صاعقة، فأحرقته، أو برد فأفسده، أو أكله الجراد، أو استأجر حانوتًا لبيع البر، فاحترق البر: لا خيار له في فسخ العقد.
فصلٌ
إذا اكترى أرضًا مدة للزراعة- لا يخلو؛ إما أن يعين الزرع أو لم يعين: فإن عين، فقال: لنزرع فيها الحنطة: فله أن يزرع فيها زرعًا ضرره مثل ضرر الحنطة أو أقل، ولا يجوز أن يزرع فيها ما ضرره أكثر، ويجوز أن يزرع فيها الشعير، ولا يجوز أن يزرع فيها الذرة؛ لأن ضررها أكثر؛ فإن عروقها تبقى في الأرض، وتذهب بقوة الأرض.
ولو استأجر؛ ليزرع الشعير: لم يكن له أن يزرع الحنطة ولا الذرة.
ولو اكترى ليزرع الذرة: يجوز أن يزرع الحنطة والشعير؛ لأن ضررهما أقل.
وإن زرع شيئًا ضرره أكثر: يجوز للآخر قلعه، وإن تعطل منفعة المكتري، وعليه تمام المسمى؛ لأنه هو الذي أبطل حقه، فلو لم يعلم الآجر، أو علم ولم يقلع حتى حصد المكتري الزرع: ماذا يجب عليه؟
نقل المزني: أن رب الأرض بالخيار: إن شاء أخذ المسمى مع أرش النقصان الذي يزيد على زراعة المشروط، وإن شاء ترك المسمى، وأخذ كراء المثل: اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال- وإليه ذهب المزني، -رحمة الله- وأبو إسحاق-: في المسألة قولان، وإن نقل المزني الخيار؛ بدليل أنه اختار الأول منهما، وهو أول وجهي الخيار:
أحد القولين: يأخذ المسمى وأرش النقصان؛ لأنه استوفى المنفعة التي استحقها مع زيادة؛ كما لو اكترى حمارًا ليحمل عليه عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزًا: يجب عليه المسمى وكراء المثل للزيادة، وكما لو اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه.
والقول الثاني: يأخذ كراء المثل للجميع؛ [لأنه] تعدى بالعدول عن المعقود عليه إلى غيره؛ كما لو اكترى أرضًا بعينها، فزرع أرضًا أخرى.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان من وجه آخر:
أحدهما: يتخير؛ كما نص.
والثاني: يأخذ كراء المثل للجميع.
ومنهم من قال: المسألة على قول واحد: أنه يتخير بين أن يأخذ المسمى وأرش النقصان وبين أن يأخذ كراء المثل للجميع؛ بخلاف ما لو اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر، أو يركبها إلى موضع، فجاوزه؛ حيث قلنا: يأخذ المسمى وكراء المثل للزيادة؛ لأن الزيادة هناك متميزة عن الأصل، وههنا: غير متميزة.
وجملته: أن كل موضع وجد التعدي في جنس ما اكترى: فإنه يضمن المسمى وأرش النقصان؛ مثل: إن اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أكثر، أو اكترى علو بيت ليصب عليه ماءه، فصب أكثر فانتقض، أو اكترى إلى موضع، فجاوزه، وإن عدل إلى غير الجنس: ففيه هذه الطرق؛ كما في هذه المسألة، وكذلك: لو اكترى دارًا؛ ليسكنها، فأسكنها الحدادين، أو اكترى دابة، ليحمل عليها قطنًا، فحمل الحديد، أو ليخرج إلى بلد، فخرج إلى بلد ىخر طريقة أوعر.
ولو اكترى أرضًا؛ ليزرع فيها الحنطة، ولا يزرع غيرها: ففيه أوجه:
أحدها: لا يصح العقد؛ لأنه شرط خلاف قضية العقد؛ كما لو عين حنطة، وقال: ازرع هذه دون غيرها: لا يصح.
وقيل: يصح، ويلغو الشرط.
وقيل: يصح، ويلزم الشرط: فلا يجوز أن يزرع غير الحنطة.
ولو اكترى أرضًا ليزرع فيها زرعًا معينًا مدة يستحصد الزرع فيها، فانقضت المدة والزرع لم يبلغ أوان الحصاد- نُظر: إن تأخر لآفة سماوية من حر أو برد، أو أكله الجراد، فنبتت ثانيًا: لا يُجبر على قلعه، ويترك إلى أوان الحصاد بأجر المثل.
ولو أعار المالك الأرض منه مجانًا: جاز، وإن تأخر بتفريط من جهته بأن أخر الزراعة إلى وقت لا يدرك، أو أبدله بما يكون إدراكه أبعد، أو أكله الجراد، فزرع ثانيًا: للمالك إجباره على قلعه، وعلى الزارع تسوية الأرض؛ كالغاصب.
أما إذا أجره مدة؛ ليزرع فيها زرعًا لا يستحصد في تلك المدة- نُظر: إن شرط
[ ٤ / ٤٨٤ ]
التبقية إلى الحصاد بعد مضي المدة: فالإجارة فاسدة؛ لجهالة المدة، ولمالك الأرض منعه من الزراعة غير أنه إذا بادر وزرع: لم يكن للمالك قلعه؛ لأنه زرع بإذنه، بل يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل لجميع المدة.
ولو شرط قلعه عند مضي المدة: صحت الإجارة بالمسمى، ويؤمر بقلعه عند انتهاء المدة، فإن تراضيا على تركه بإجارة أو إعارة: جاز، وإن أطلق العقد، ولم يشرط قلعًا ولا تركًا عند انتهاء المدة: تصح الإجارة بالمسمى، وهل يجبر على قلعه بعد مضي المدة؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: يُجبر؛ لأنه عقد إلى مدة، [و] قد انقضت، إلا أن يتراضيا على تركه بإجارة أو إعارة.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه دخل فيه على علم؛ فكأنه رضي بتركه بعد المدة؛ فعلى هذا: هل له أجر المثل للزيادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه لم يرض بزرعها مجانًا.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه لما أجر مدة لا يستحصد فيها الزرع: فكأنه أعار منه الزيادة على المدة.
ولو اكترى أرضًا مدة للزراعة مطلقًا: يجوز، وله أن يزرع أضر أنواع الزروع؛ كما لو قال: ازرع ما شئت، ولكن يجب أن يزرع زرعًا يدرك في تلك المدة، ثم إن تأخر لتفريط من جهته: يقلع بعد مضي المدة، وإن تأخر لا لتفريط من جهته: يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل؛ كما ذكرنا في الزرع المعين، وهل لصاحب الأرض منعه من زراعة ما لا يدرك في تلك المدة؟ فيه وجهان.
فإن زرع زرعًا لا يدرك في تلك المدة: لم يكن له قلعه قبل مضي المدة؛ لأن المدة مستحقة له، أما بعد مضي المدة: فله قلعه؛ لأنه مفرط بزرع ما لا يدرك، بخلاف ما لو سمى زرعًا لا يدرك في تلك المدة: لم يقلع في وجه؛ لأنه رضي بزرعه.
ولو اكترى أرضًا ليغرس فيها، أو ليبني مدة: يجوز، ثم إن شرط القلع بعد مضي المدة: يؤمر بقلعه مجانًا؛ لأن قضية العقد أن تسلم العين إلى الآجر فارغة، وإن لم يشرط
[ ٤ / ٤٨٥ ]
القلع: فلا يقلع بعد مضي المدة مجانًا، لكن يتخير مالك الأرض بين أحد الأشياء الثلاثة:
إن شاء أقرها بالأجرة، وإن شاء تملكها بالقيمة، وإن شاء قلعها وضمن أرش النقصان.
وإن كان على الأشجار ثمرة: يغرم نقصانها.
وعند أبي حنيفة والمزني- رحمة الله عليهما- يقلع مجانًا، وإذا اختار الآخر أحد هذه الأشياء: أجير المستأجر عليه، وإن اكتراه بشرط التبقية بعد المدة: لا يصح العقد؛ للجهالة، وعلى المكتري كراء المثل في المدة، وبعد المدة: يتخير بين الأشياء الثلاثة.
وقيل: يصح العقد؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه؛ فلا يبطل بالشرط.
ولو اكترى أرضًا للغراس كراء فاسدًا، وغرس: فهو كالصحيح في أنه لا يقلع مجانًا، ويتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
فلو قلع المكتري الغراس، هل عليه تسوية الأرض؟ - نُظر:
إن اكترى بشرط القلع: لا يجب؛ لأن المالك رضي بالحفر، لما شرط القلع، وإن لم يشرط: فإن قلع المكتري بعد المدة: عليه تسوية الأرض؛ لأنه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه، ولا له عليها يد، وإن قلع في خلال المدة: فوجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه قلع من غير إذن مالك الأرض؛ كما بعد المدة.
والثاني: لا يجب؛ لأن له يدًا على الأرض في خلال المدة؛ بخلاف ما بعد المدة.
ولو اكترى أرضًا؛ ليزرع ما يشاء مدة: يصح؛ وله أن يزرع ما شاء، قل ضرره أو كثر، ولكن لا يجوز أن يغرس، ولا أن يبني.
ولو اكتراه؛ ليصنع ما يشاء: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، وله أن يزرع ويغرس ويبني.
والثاني: لا يصح؛ لكثرة الجهالة.
ولو اكترى للغراس أو البناء: له أن يزرع؛ لأن ضرره أقل.
ولو اكترى للغراس هل له أن يبني، أو للبناء هل له أن يغرس؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن كل واحد للتأبيد.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأن ضررهما مختلف: ضرر الغراس في باطن الأرض، وضرر البناء على ظاهرها.
ولو قال: ازرعها، أو اغرسها ما شئت: نص على أن الكراء جائز.
قال المزني﵀-: لا يجوز؛ لأنه لم يبين، كم يغرس وكم يزرع؟
قلنا: صورة مسألة الشافعي﵁- أن يقول: ازرع إن شئت، واغرس إن شئت، فوض إليه زرع جميعها، أو غرس جميعها؛ فيصح.
ثم إذا غرس، فبعد مضي المدة: يتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
أما إذا قال: ازرع واغرس: فيه وجهان:
أحدهما: يصح، ويغرس النصف، ويزرع النصف.
والثاني- وهو الأصح: لا يصح؛ لأنه لم يبين، كم يغرس؟ وكم يزرع؟ حتى قال الشيخ القفال: لو صرح، فقال: ازرع النصف، واغرس النصف: لا يصح أيضًا؛ لأنه لم يبين أي النصفين يغرس؛ كما لو قال: بعتك هذين العبدين: أحدهما بألف، والآخر: بخمسمائة ولم يبين: لا يصح.
ولو اكترى أرضًا، فزرعها: يجب على المكتري الكراء، أو عشر الزرع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب على المكتري الكراء، أما العشر فعلى الآجر.
قلنا: العشر حق الزرع، لقوله ﷾: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وزكاة المال: تكون على مالك المال، لا على غيره، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم