قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
وشهادة الرجل على نفسه تكون إقرارًا.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
وقال النبيﷺ- لأنيس الأسلمي: "اغد، يا أنيس، على امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها".
ففي الكتاب والسنة دليل على قبول إقرار الإنسان على نفسه، ثم من كان مكلفًا مطلقًا: يصح إقراره على الإطلاق، وغير المكلف: لا يُقبل إقراره على الإطلاق، وهو الصبي والمجنون، فأما المكلف المحجور عليه: يُقبل إقراره في بعض الأشياء؛ كالمحجور عليه بالسفه: يقبل إقراره في العقوبات والنكاح والطلاق، ولا يُقبل في المال، والعبد يُقبل إقراره في العقوبات والطلاق، ويُقبل في الأموال متعلقًا بذمته، حتى يعتق، وإن أقر بدين جناية، وصدقه المولى: يتعلق برقبته، يباع فيه، وهذه الفصول مذكورة في مواضعها.
ويصح الإقرار مجملًا ومفصلًا.
فإن قال: لفلان علي شيء- يرجع في التفسير إليه؛ فإن فسره بأقل ما يتمول من دانق أو فلس أو تمرة، حيث يكون لها قيمة: يُقبل منه، فإن ادعى المُقر له أنه أراد غير هذا، أو أكثر من هذا: لا يسمع حتى يبين قدره وجنسه؛ فإن بين قدرًا وقال: إنه أراد بإقراره كذا، ولي عليه كذا: فالقول قول المقر مع يمينه، ثم إن كان يدعي جنس ما فسره؛ فإن فسره المقر بدرهم، فقال: لي عليه عشرة دراهم، وأراد هو بإقراره: عشرة: يحلف أنه ما أراد إلا درهمًا، ولا يلزمه أكثر منه، يجمع بينهما؛ فإن نكل: حلف المُقر له على استحقاق ما يدعيه، ولا يحلف على أنه أراد باللفظ هذا؛ لأنه لا يطلع على ما في ضميره؛ بخلاف ما لو مات المقر. قام وارثه مقامه في التفسير، فإذا فسره بأقل ما يتمول، وادعى المُقر له أكثر: حلف الوارث أن مورثه ما أراد أكثر من هذا؛ لأنه خليفة المورث، وقد يطلع من مورثه على ما لا يطلع عليه غيره.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
قال الشيخ- رحمة الله عليه-: وهذا بخلاف ما لو أوصى لإنسان بشيء غير معلوم، وبينه الوارث، فادعى الموصى له أكثر من ذلك-: يحلف الوارث أني لا أعلم أنك تستحق أكثر من هذا، ولا يحلف على ما أراده المورث؛ لأن الإقرار إخبار عن كائن معلوم؛ فجاز أن يطلع عليه الوارث، والوصية إنشاء أمر على الجهالة؛ فكان بيانه إلى الوارث.
وإن كان المقر له يدعي غير جنس ما فسره به مثل: إن فسر بدرهم، وهو يدعي دينارًا، أو ثوبًا- نُظر: إن كان يصدقه في تفسير الدرهم: فالدرهم يلزمه، وهو يدعي الدينار، أو الثوب: يحلف المدعى عليه على نفيه، وإن قال: ليس لي عليك درهم؛ بل عليك دينار: يرتد الدرهم برده، ثم يُنظر: إن صدقه أنه أراد بالشيء الدرهم: حلف على نفي الدينار، وإن قال: أردت بالشيء الدينار: يحلف يمينًا واحدة أنه لا يلزمه الدينار، وأنه ما أراد بالشيء الدينار، وإن امتنع المُقر من تفسيره: يحبس حتى يفسر؛ كما لو فسره، وامتنع من الأداء: يحبس حتى يؤدي.
وقيل: امتناعه من التفسير إنكار لما يدعيه المقر له؛ فيعرض عليه اليمين: فإن لم يفسر- فهو نكول؛ يحلف المقر له؛ ويأخذ ما يدعيه.
وإن فسره بما لا يتمول- نُظر: إن كان من جنس ما يتمول من زبيبة أو حبات حنطة، أو تمرة، حيث لا يكون لها قيمة، أو قمع باذنجانة: فالمذهب: أنه يُقبل؛ لأنه حرام أخذه واجب رده، وإن لم يكن من جنس ما يتمول من كلب صيد أو جلد ميتة غير مدبوغ أو خمر أو خنزير، أو سرقين: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يُقبل؛ لأن ظاهر إقراره للمال، وهذه الأشياء ليست بمال.
والثاني: يُقبل؛ لأن اسم الشيء يقع على هذه الأشياء.
والثالث- وهو الأصح-: إن فسره بما يجوز اقتناؤه من كلب صيد أو جلد ميتة أو سرقين: يُقبل؛ لأنه يجب رده، وإن فسره بخمر، أو خنزير، أو كلب غير مُعلَّم، أو جلد كلب: لا يُقبل؛ لأنه لا يجب تسليمه، ولو فسره بوديعة: يُقبل؛ لأن عليه ردها إذا طولب بها، ولو فسره بعبادة أو رد سلام: لا يُقبل، وإن قال: لفلان علي حق، ثم فسره به: يقبل.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
ولو قال: لفلان عندي شيء، ثم فسره بحبة حنطة، أو قمع باذنجانة: يُقبل، ولو فسره بكلب أو خنزير أو خمر: يقبل؛ لأنه مما عنده، وقد نص الشافعي﵁- على أنه لو قال: غصبت من فلان شيئًا، ثم فسره بخمر وخنزير: يُسمع، ولو قال: على مال، ثم فسره بجلد ميتة، أو كلب معلم: لا يقبل؛ لأنه ليس بمال.
ولو ادعى رجل على رجل أنه أقر له بشيء، ولم يبين: لا تُسمع الدعوى مجهولة إلا في الوصية؛ إذا ادعى أن فلانًا أوصى له بشيء، ولم يبين: تسمع، وإذا شهد عليه الشهود كذلك: يُسمع.
وإذا ادعى مالًا معلومًا، فشهد شاهدان على إقراره أن عليه شيئًا، أو قالا: نعلم أن عليه مالًا، ولا نعلم قدره: هل يسمع؟ فيه وجهان.
أحدهما: يُسمع، ويُرجع في التفسير إلى المشهود عليه؛ كما في الإقرار.
والثاني: لا يُسمع؛ لأن البينة سميت بينة؛ لأنها تُبين، فإذا لم تُبين لا تُسمع.
ولو قال: لفلان عليَّ مال، أو قال: مال عظيم أو كبير أو جليل [أو] خطير أو نفيس، أو قال: صغير أو حقير، ففسره بأقل ما يتمول: يُقبل؛ لأنه عظيم الوزن على من غصبه، ويكفر مستحله، وهو حقير من حيث إن الناس يستحقرونه لقلته.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا قال: مال عظيم: عليه عشرة دراهم.
وعند أبي يوسف: مائتا درهم، وفي الجليل والنفيس والخطير اتفاق: أنه لو فسره بأقل ما يتمول: يقبل؛ فنقيس عليه.
ولو قال: لفلان عليَّ درهم: يلزمه، درهم بوزن الإسلام ستَّة دوانيق، ولو قال: درهم عظيم أو كبير: لا يلزمه أكثر من ذلك.
وقد قال الشافعي﵁-: أصل ما أبنى عليه الإقرار: أني لا ألزم إلا اليقين، وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة.
ولو قال: لفلان علي دراهم-: فأقل ما يلزمه ثلاثة دراهم؛ لأنه لا يحتمل أقل من ذلك، ولو قال: دراهم كثيرة أو عظيمة: لا يلزمه أكثر من ذلك.
ولو قال: لفلان علي أكثر من مال فلان، ثم فسره بأقل ما يتمول: يُقبل، وإن كان لفلان مال كثير، لأنه يريد به: أن ماله علي حلال، ومال فلان حرام، أو: هذا دين لا يردُ
[ ٤ / ٢٣٨ ]
عليه الهلاك، وذلك عينٌ، يرد عليها الهلاك.
ولو قال: لفلان عليَّ من الدراهم أكثر مما في يد فلان من الدراهم، فإن كان في يد فلان عشرة دراهم: يلزمه عشرة دراهم وزيادة شيء، وإن لم يكن في يد فلان شيء: يلزمه أقل ما يقع عليه اسم المال من الدراهم.
ولو قال: لفلان عليَّ من الدراهم أكثر مما في يد فلان من الدراهم: فإن كنا في يد فلان عشرة دراهم يلزمه عشرة دراهم وزيادة شيء، وإن لم يكن في يد فلان شيء: يلزمه أقل ما يقع عليه اسم المال من الدراهم.
ولو قال لفلان عليَّ أكثر مما في يد فلان من الدراهم لا يلزمه من جنس الدراهم؛ بل يلزمه بذلك العدد من أي جنس شاء، وزيادة بأقل مما يتمول، فإن لم يكن في يده شيء: يلزمه أقل ما يقع عليه اسم المال، ولو قال: لهذا علي أكثر مما لفلان عليَّ: نُظر: إن ثبت لفلان عليه شيء بإقراره أو ببينة: فعليه ذلك القدر وزيادة شيء، وإن لم يثبت لفلان عليه شيء.
وإن شهد الشهود، ولم يقض القاضي: يجب عليه أقل ما يتمول.
ولو قال: لفلان علي ما بين درهم وعشرة، أو ما بين درهم إلى عشرة: يلزمه ثمانية؛ حكاه ابن الحداد نصًا؛ وكذلك: لو قال ما بين عشرة وعشرين: يجب تسعة.
ولو قال: من درهم إلى عشرة: ففيه أوجه:
أصحهما: يلزمه عشرة، ويدخل الطرفان فيه، وكذلك: في الإبراء أو الضمان؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد.
والثاني: يلزمه تسعة يدخل فيه الطرف الأول، وهو قول أبي حنيفة- رحمة الله عليه-.
والثالث: لا يدخل فيه الطرفان؛ فيلزمه ثمانية؛ وبه قال زُفَر؛ كقوله: بين درهم وعشرة.
ولو قال: لفلان علي ألف: يرجع في البيان إليه؛ فبأي جنس فسره من المال: يُقبل، وإن فسره بأجناس مختلفة: يقبل؛ لأن اللفظ يحتمل الجميع.
وكذلك: لو قال: لفلان عليَّ ألف درهم؛ بتنوين الألف: يلزمه أن يفسر الألف بما شاء، قيمته درهم، أي: الألف قيمتها درهم، ولو قال: لفلان علي ألف درهم: فالألف
[ ٤ / ٢٣٩ ]
مجملة؛ فسرها بما شاء من ألف جوزة أو حبَّة، ويلزمه معها درهم؛ لأن الدرهم مفسر؛ وكذلك: لو قال: ألف وثوب، أو ألف وعبد: لا يتفسر الألف بما عُطف عليه.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إن كان المعطوف من ذوات الأمثال: يتفسر به الألف؛ كقوله: [ألف درهم] ودرهم: يكون الكل دراهم، وإن قال: ألف وثوب: لا يتفسر به؛ فنقيس عليه.
ولو قال: له عليَّ نصف ودرهم: فالنصف مجمل؛ يفسره بما شاء، والدرهم مفسر.
ولو قال: عشرة دراهم ونصف، أو درهم ونصف: فالمذهب: أن الكل دراهم.
ولو قال: خمسة وعشرون درهمًا: فالمذهب: أن الكل دراهم؛ لأن الدراهم- ههنا- لا تلزمه به زيادة شيء؛ بل هو تفسير لبعض ما سبق؛ فكان تفسيرًا للكل؛ كما لو قال: خمسة عشر درهما: يكون الكل دراهم.
وقال الإصطخري: الخمسة مجملة، والعشرون مفسرة للعطف؛ كقوله: ألف ودرهم؛ بخلاف قوله: خمسة عشر درهمًا؛ لأنهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، وعقبا بتفسير، ولا عطف فيه، وكذلك: لو قال: ألف وثلاثة أثواب، أو ألف وخمسون درهمًا، أو عشرة ونصف درهم: فالمذهب: أن الكل ثياب ودراهم.
وعند الإصطخري: الألف والعشرة مجملة، والأول المذهب.
وهذا بخلاف ما لو قال: ألف إلا خمسين درهمًا: تكون الألف مجملة، والاستثناء مفسر بالدراهم؛ لأنه في الإثبات عطف جملة على جملة، ثم عقبهما بالتفسير؛ فكان راجعًا إلى الكل، والاستثناء ليس بعطف، فلم يرجع تفسيره إلى الكل؛ بل رجع إلى مجرد الاستثناء.
فصلٌ في الاستثناء
يصح الاستثناء في الإقرار، ويلزم ما يبقى بعد الاستثناء؛ فإذا قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا خمسة، أو "غير" أو "سوى" خمسة: لا يلزمه إلا خمسة؛ فالاستثناء مع
[ ٤ / ٢٤٠ ]
المستثنى منه أحد اسمي الباقي، فإذا كان لرجل عليه خمسة، فتارة يقول له: عليَّ خمسة، وتارة يقول: عشرة إلا خمسة.
ولو قال: لفلان علي درهم غير دانق: يلزمه خمسة دوانيق، سواء نصب "غير" ورفع أو خفض، ومقتضى النحو: أن ينصب في الاستثناء، فإن رفع يلزمه درهم؛ فيكون معناه: عليَّ درهم لا دانق؛ وبه أفتى بعض أصحابنا، والصحيح: لا يفصَّل في الحُكم؛ لأن ظاهره للاستثناء، وإن أخطأ في الإعراب.
ويشترط أن يكون الاستثناء موصولًا بالإقرار، فإن أقر ثم سكت طويلًا، أو احتفل بشيء آخر، ثم استثنى: لا يصح الاستثناء، ويلزمه ما أقر به.
والاستثناء من الإثبات نفيٌ، ومن النفي إثبات؛ لأنه: لو لم يكن مخالفًا للمستثنى منه: ما كان استثناء.
وإذا قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية: يلزمه تسعة؛ كأنه قال: عشرة تلزُمني إلا تسعة لا تلزمني؛ فيبقى درهم، ثم قالك إلا ثمانية تلزمني؛ فيكون مع الدراهم التي نفى: تسعًا.
ولو بدأ بالنفي- نُظر: إن قال: ليس لفلان عليَّ شيءٌ إلا خمسة دراهم: يلزمه خمسة؛ كأنه يخبر عن فراغ ذمته إلا عن خمسة.
ولو قال: ليس لفلان عليَّ عشرة إلا خمسة: لا يلزمه شيء؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي، والباقي نفيٌ.
ولا يصح الاستثناء إذا لم يُبق من المستثنى منه شيئًا، فلو قال: لفلان عليَّ عشرة إلا عشرة: لا يصح، ويلزمه العشرة.
ولو قال: عشرةٌ إلا خمسة إلا عشرة، أو: عشرة إلا خمسة إلا خمسة: لا يصح الاستثناء الثاني، ويلزمه خمسة.
ولو قال: عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: عليه عشرة، والاستثناءان باطلان؛ لأن الأول: لما لم يصح، فالثاني يترتب عليه في البطلان.
[ ٤ / ٢٤١ ]
والثاني: عليه ثلاثةٌ، ويصح الاستثناء؛ لأن استثناء العشرة من العشرة إنما لا يصح إذا وقف عليها، فأما إذا رد شيئًا من الأصل يصح.
والثالث: عليه سبعة؛ لأن الاستثناء الأول لغوٌ، والثاني يقع عن الأصل؛ فكأنه قال: عشرة إلا ثلاثة، ولو قال: عشرة إلا عشرة إلا خمسة، فعلى هذا الوجه الأول: يلزمُهُ عشرة، وعلى الوجهين الآخرين: يلزمه خمسة.
ولو قال: عشرة إلا خمسة، وإلا أربعة، فهما استثناءان؛ عُطف أحدهما على الآخر؛ فيصحان؛ كأنه قال: عشرةٌ إلا تسعة؛ فيلزمه درهم.
ولو قال: عشرة إلا خمسة وإلا خمسة: ففيه وجهان:
أحدهما: عليه عشرة، وبطل الاستثناءان؛ كأنه قال: عشرة إلا عشرة.
والثاني- وهو الأصح-: عليه خمسة، وصح الأول دون الثاني.
ولو ذكر في الاستثناء أو في المستثنى منه عددًا، وعطف البعض على البعض بـ "الواو"، فهل يُجمع؟ فيه وجهان؛ مثل: إن قال: لفلان عليَّ درهم ودرهم ودرهم إلا درهمًا.
أحدهما: يجمع؛ فيصير كأنه قال: ثلاثة دراهم إلا درهمًا؛ فيلزمه درهمان.
والثاني- وهو المذهب-: لا يجمع؛ فيلزمه ثلاث دراهم؛ كأنه استثنى واحدًا من واحد.
ولو قال: لفلان عليَّ ثلاثة دراهم إلا اثنين وواحدًا؛ فإن قلنا: يجمع: يلزمه الثلاث؛ كأنه استثنى الثلاث من الثلاث؛ فلا يصح.
وإن قلنا: لا يجمع؛ فيصح استثناء الاثنين، ولا يصح استثناء الواحد، فيلزمه درهم.
ولو قال: هذا القميص لفلان إلا كُمَّيه: كان إقرارًا بالقميص، دون الكُمَّين.
ويصح الاستثناء من غير الجنس، فلو قال: عليَّ ألف درهم إلا ثوبًا: يجب أن يبين ثوبًا إن حُطت قيمته عن الألف: يبقى من الألف شيءٌ، وإن قل.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: لا يصح الاستثناء من غير الجنس إلا في المكيل والموزون.
وعند أبي يوسف ومحمد: لا يصح أصلًا.
ويصح استثناء المُجمل من المجمل، والمجمل من المفسر، والمفسر من المجمل؛ كما يصح استثناء المفسر من المفسر.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
فالمجمل من المجمل: أن يقول: لفلان عليَّ ألف إلا شيئًا: يجب أن يفسر الألف، ثم يفسر الشيء بتفسير لا يستغرق الألف المفسرة؛ فإن فسر بتفسير يستغرق الألف: كان لغوًا، وهل له أن يفسره ثانيًا أم يلزمه الألف؟ فيه وجهان:
أصحهما: له أن يفسر ثانيًا.
والثاني: لغا الاستثناء، وعليه جميع الألف.
وكذلك: لو قال: لفلان عليَّ شيء [إلا شيئًا]: يجب أن يفسرهما كما ذكرنا.
واستثناء المجمل من المفسر: أن يقول: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا شيئًا: يجب أن يفسر الشيء بتفسير لو حُط عن العشرة يبقى لفلان منها شيء.
واستثناء المفسر من المُجمل: أن يقول: لفلان عليَّ شيء إلا عشرة دراهم: يجب أن يفسر الشيء بتفسير لو حُط عنه العشرة يبقى شيء، وإن قل.
ولو قال: لفلان عليَّ ألف إلا درهمًا: لا يتفسر الألف بالدرهم، بل يتفسر الألف بما شاء [بحيث] لو حُط عنه الدرهم يبقى شيء.
ولو قال: هؤلاء العبيدُ لفلان إلا واحدًا: فالتعيين إليه، فلو مات العبيد كلهم إلا واحدًا، فقال المُقر: هذا هو المستثنى: قُبل قوله.
ولو قال: هذه الدار لفلان إلا هذا البيت: صح، ولم يدخل البيت في الإقرار؛ وكذلك: لو قال: هذه الدار لفلان، وهذا البيت لي: يُقبل؛ لأنه غخراج بعض ما دخل في الإقرار بلفظ متصل به؛ كما لو استثنى.
فصلٌ فيما يُحمل عليه الإقرار
إذا قال: لفلان عليَّ كذا: فهو كما لو قال: شيء، ولو قال: كذا كذا: فهو كقوله: شيء شيء، فإذا فسره بأقل ما يتمول: يُقبل، ويحمل في العادة على التكرار.
ولو قال: كذا وكذا: فهو كقوله: شيء وشيء، وشيء وشيء: يجب أن يفسر بشيئين، كل واحد أقل ما يتمول، ويجوز أن يكونا مختلفين.
ولو قال: كذا درهمًا، أو: كذا كذا درهمًا: يجب عليه درهم، سواء نصب أو خفض أو رفع.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
ولو قال: كذا وكذا درهمًا: نقل المُزني على قولين:
أحدهما: يلزمه درهمان.
قال: وقال في موضع آخر: قيل [له] أعطه درهمًا أو أكثر. وفي بعض النسخ: درهمًا وأكثر، فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من جعل على قولين:
أصحهما: يلزمه درهمان؛ لأنه أقر بجملتين مبهمتين، ثم فسرهما بالدرهم، فالظاهر: أنه تفسير لكل واحدة منهما.
والثاني: لا يلزمه إلا درهم؛ لأنه لا يجوز أن يكون الدرهم تفسيرًا لهما؛ فيكون قد أراد بكل واحد منهما نصف درهم، وما زاد على ذلك شك؛ فلا يلزم، أو معناه: وكذا يبلغ درهمًا، وقيل: يلزمه درهم وشيء.
وذهب أبو إسحاق وجماعة: على أن المسألة على اختلاف حالين؛ حيث قال: يلزمه درهمان، صورته: أن يقول: كذا وكذا درهمًا بالنصب؛ فيكون تفسيرًا لكل واحدة من الجملتين، وحيث قال: يلزمه درهم، صورته: أن يقول: كذا وكذا درهم بالرفع؛ كأنه أخبر أن كذا الذي أقر به؛ درهم.
ولو قال: كذا وكذا وكذا درهم: فعلى القول الأول: يلزمه ثلاثة دراهم، وعلى الثاني: درهم واحد.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا قال: كذا كذا درهمًا: عليه أحد عشر درهمًا؛ لأنه أول اسمين جُعلا اسمًا واحدًا، ونُصب ما بعدهما تفسيرًا.
وإذا قال: كذا وكذا درهمًا: قال: يلزمه أحد وعشرون درهمًا؛ لأنه أول اسمين عُطف أحدهما على الآخر، ونُصب ما بعدهما تفسيرًا.
قلنا: مبنى الإقرار على أن يؤخذ باليقين، ويُطرح الشك؛ إذ الأصل براءة ذمة المقر، واليقين: ما قلنا؛ كما لو قال: كذا درهم بالخفض: لا يلزمه إلا درهم، ولا يقال: يلزمه مائة؛ لأنه أول اسم خفض ما بعده تفسيرًا.
فصلٌ
إذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم، ثم قال: هي نقص، أي: دراهم ناقصة؛ مثل: دراهم طبرية الشام؛ يكون كل درهم أربعة دوانيق- نُظر: إن كان في بلد وزنه وزن الإسلام؛
[ ٤ / ٢٤٤ ]
فإن ذكره مفصولًا: لا يقبل، وعليه وزن البلد؛ لأن الدرهم اسم للتام، فإذا فسره بالناقص: لا يقبل؛ كما إذا أقر بعشرة، ثم قال: أردت: "إلا خمسة": لا يقبل، وإن ذكره موصولًا.
قال ابن خيران: فيه قولان؛ بناءً على تبعيض الإقرار.
والصحيح: أنه يقبل؛ كما في الاستثناء؛ فكأنه استثنى من كل درهم دانقين.
وإن كان في بلد وزنه ناقص: فإن ذكره موصولًا يقبل، وإن فصله فعلى وجهين:
أحدهما: لا يقبل، ويحمل مطلق إقراره على وزن الإسلام؛ كما أن نُصُب الزكاة لا تختلف بالبلاد.
والثاني: يقبل، ويحمل على مطلق إقراره على نقد البلد؛ كما في المعاملات.
وإن كان ببلد وزنه أكثر من وزن الإسلام؛ مثل غزنة: فمطلق إقراره ينصرف إلى وزن الإسلام، أم إلى نقد البلد؟ فيه وجهان: فإن قلنا: ينصرف إلى نقد البلد، فقال: عنيت وزن الإسلام: لا يقبل مفصولًا، وهل يقبل موصولًا؟ فعلى الطريقين؛ الأصح: أنه يقبل؛ كالاستثناء، وإن قال: له عليَّ درهم: فهو كما لو قال: درهم، وإذا فسره بناقص: لا يقبلُ، ولو قال: درهم كبيرٌ، فإن كان ببلدٍ وزنه وزن مكة: يلزمه وزن مكة؛ وكذلك: ببلد طبريَّة مكة.
[قال] الشيخ﵀-: وإن كان بغزنة، فنقد البلد.
ولو قال: درهم صغير: فإن كان بطبرية: يلزمه نقد البلد، وإن كان ببلد وزنه وزن مكة: عليه وزن مكة.
قال﵁-: وكذلك إن كان بغزنة.
ولو قال: له عليَّ ألف درهم، ثم قال: هي زيوف: فإن أراد رداءة الجوهر من نحاس أو نحوه مما لا فضة فيه: لم يقبل فيه مفصولًا، فإن وصله: فعلى قولي تبعيض الإقرار، فإذا أراد دراهم مغشوشة: فهو كما لو قال: نقصٌ؛ فإن كان نقد البلد كذلك: يقبل موصولًا، وإن فضل: فعلى الاختلاف، وإن لم يكن نقد البلد مغشوشًا: لا يُقبل مفصولًا، وإن وصل فوجهان:
[ ٤ / ٢٤٥ ]
الأصح: يُقبل.
ولو قال: له عليَّ ألف درهم، ثم قال: من سكَّة كذا نص على أنه يُقبل، سواء كان من أدنى الدراهم، أو من أوسطها، جائزة كانت في تلك البلد، أو لم تكن؛ كما لو قال: عليَّ ثوبٌ: فسره بأي ثوب شاء، وإن كان لا يلبسه أهل ذلك البلد.
وقال المزني: يجب بسكة البلد؛ كما لو باع شيئًا بدراهم: ينصرف إلى نقد البلد؛ كما لو قال: هي نقص، ونقد البلد وازنة لا يصدق: قلنا في السكة: لا يرفع شيئًا فما أقر به في النقص- يرفع بعض ما أقر به؛ فلم يقبل، وفي البيع: حملنا على نقد البلد؛ تنزيهًا له عن الجهالة، وتيسيرًا لأمر المعاملة على الناس، والإقرار: إخبار عما سبق وجوبه؛ فكان المرجع فيه إلى إرادته.
ولو قال: [له] عليَّ مائة درهم عددًا: يلزمه مائة درهم صحاح، وزنها مائة.
ولا يشترط أن يكون كل درهم ستة دوانيق؛ وكذا في البيع، ولا يؤخذ مائة عددًا، وهي في الوزن ناقصة؛ لأن قوله: "مائة درهم"- يقتضي الوزن، وقوله: "عددًا"- يقتضي زيادة، وهي أن تكون صحاحًا عددًا، هذا إذا كان نقد البلد وازنة، فإن كان دراهم البلد ناقصًا أو كان عددًا؛ كالعلويِّ بمكة: يلزمه نقد البلد؛ هذا هو المذهب.
ولو قال: مائة عدد من الدراهم: يقتضي العدد لا الوازنة.
فصلٌ
إذا أقر بحق، ثم وصل به ما يغير مقتضى اللفظ- لا يخلو: إما إن كان يرفع أصله أو لا يرفعه: فإن كان يرفعه- نُظر: إن كان مستحيلًا في النظم؛ مثل: أن يقول: لفلان عليَّ ألف لا، أو: ألف لا يلزمني دفعها: لا يسقط به إقراره، وعليه الألف؛ فكذلك: لو قال: لفلان عليَّ ألف إلا ألفًا تامة إلا الألف، وإن كان لا يستحيل في النظم؛ مثل: إن قال: لفلان عليَّ ألف من ثمن خمر أو خنزير- نُظر: إن فصل قوله: "من ثمن خمر أو خنزير" عن قوله: عليَّ ألف: لا يقبلُ، وعليه الألف، وإن قاله موصولًا: ففيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المُزني-: لا يُبعَّض الإقرار، ولا يلزمه شيء؛ لأن الكُلَّ كلام واحد لا ينفصل بعضه عن بعض، وللمقر له تحليف المُقرِّ: أنه كان من ثمن نخمر.
والقول الثاني: يبعَّض الإقرار؛ لأنه أقر بالألف، ثم وصل به ما يرفعه؛ فلا يُقبل؛ كما
[ ٤ / ٢٤٦ ]
لو قال: [عليّ] ألف إلا ألفًا؛ وبه قال أبو حنيفة.
فإن قال: كان ذلك من ثمن خمر ظننته لازمًا، فأقررت: فله تحليف المقر له؛ وكذلك: لو قال: عليَّ ألفٌ بسبب بيع فاسد؛ مثل بيع بأجل مجهول: فعلى قولين.
وإن قدم ذكر الخمر، وقال: لفلان من ثمن الخمر عليَّ ألفٌ لا يلزمه شيء قولًا واحدًا.
وكذلك: لو قال: لفلان عليَّ ألف قضيتها، أو: أبرأني، أو: من ثمن مبيع هلك قبل القبض: ففيه قولان:
فإن قلنا: لا يبعَّض: لا يلزمه شيء.
وإن قلنا: يبعض: يلزمه، ويحلف المقر له أنه لم يقبض، ولم يبرأ.
وقيل: إذا قال: عليَّ ألف قضيتها: لا يقبل قولًا واحدًا؛ كما لو قال: ألف لا.
ولو قال: تكفَّلت ببدن فلان بشرط الخيار، أو ضمنت لفلان ألفًا بشرط الخيار: هل يلزمه الكفالة والضمان؟ فعلى هذين القولين:
أحدهما: لا يلزم؛ لأن الكفالة والضمان بشرط الخيار لا تصح.
والثاني: يلزم، والقول قول المقر له: أنه لم يكن بشرط الخيار، وإن وصل به مالًا يرفع أصله؛ مثل إن قال: لفلان عليَّ ألف درهم مؤجلًا إلى وقت كذا: هل يقبل قوله في الأجل؟ نُظر: إن قاله مفصولًا: لا يُقبل، وإن قال موصولًا: ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: على قولين؛ كما لو قال: من ثمن خمر.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: يُقبل قولًا واحدًا؛ لأن التأجيل لا يُسقط الحق؛ بل يؤخره.
وإذا قال: من ثمن خمر؛ يريد إسقاط ما أقر به: فلا يقبل.
وعند أبي حنيفة: لا يُقبل قوله في الأصل.
ولو قال: لفلان عليَّ ألف من ثمن عبد لم أقبضه: هل يُقبل قوله: أنه من ثمن عبد لم يقبضه؟
قيل: هو على قولي تبعيض الإقرار.
والمذهب: أنه يقبلُ قولًا واحدًا؛ خلافًا لأبي حنيفة، حتى لو قال: لفلان عليَّ ألف من ثمن عبد، ثم قال بعده مفصولًا: لم أقبض العبد: يقبل قوله.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
أما إذا قال: لفلان عليَّ ألف، وسكت، ثم بعده قال: هي من ثمن عبد: لا يقبل، وعليه الألف، ولو قدم ذكر الشراء، فقال: اشتريت من فلان عبدًا بألف، إن سلم سلمت: يُقبل قولًا واحدًا.
ولو قال الرجل: بعتُك هذا العبد أمس بألف، فلم يقبل، فقال: كنتُ قد قبِلت؛ أو قال لعبده: أعتقتك على ألف، فلم يقبل، فقال: قد قبلت، أو لامرأته: خالعتُك أمس بألف فلم تقبل، فقالت: قد قبلت: فعلى قولي تبعيض الإقرار.
وإن قلنا: يبعض: فالقول قول المشتري والعبد والمرأة في القبول.
وإن قلنا: لا يبعض: يصدق في الكل.
فصلٌ
إذا قال: لفلان عليَّ درهم، ثم قال بعده، في ذلك المجلس، أو في مجلس آخر: له عليَّ درهم: لا يجب إلا درهم واحد.
ولو أقر له يوم السبت بعشرة، ثم أقر يوم الأحد بخمسة، أو أقر أولًا بالخمسة، ثم بالعشرة: لا يجب عليه إلا عشرة، ويدخل الأقل في الأكثر.
وكذلك: لو كتب صكًا لإنسان عليه بألف، وأشهد عليه، ثم كتب صكًا آخر بمثله، واشهد عليه آخرين: فهي ألف واحدة.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا كتب صكين: عليه ألفان، وفي الإقرار: قال: إذا اختلف المجلس يتكرر.
فنقول: إقراران اتفق لفظهما؛ فيكونان بمال واحد؛ كما لو اتحد المجلس، أما إذا اختلف الجنسُ والوصفُ أو السبب: فيلزمه كلاهما؛ مثل: إن قال: لفلان عليَّ ألفٌ من ثمن عبد، ثم قال: له عليَّ ألف من ثمن دار، أو قال: له عليَّ ألفٌ صحاحٌ، ثم قال: له عليَّ ألف مكسرة، أو قال: استوفيت من فلان يوم السبت عشرة، ثم قال: استوفيت يوم الأحد خمسة: يلزمه كلاهما؛ وكذلك: لو أقر يوم السبت: أنه طلق أمرأته طلقة واحدة، وأقر يوم الأحد: أنه طلقها طلقتين: فهما طلقتان.
أما إذا أضاف الطلاق إلى الوقت، وقال: طلقتها يوم السبت طلقة، ثم قال: طلقتها يوم الأحد طلقتين: فهي ثلاث طلقات.
فصلٌ
إذا قال: لفلان عليَّ درهم: لا يلزمه إلا درهم، وإن تكرر عشرًا.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
ولو قال: درهم ودرهم ودرهم: يجب عليه درهمان، ثم إن أراد بالثالث استثناءً وإقرارًا: يلزمه ثلاث دراهم، وإن أراد تكرار الثاني: لا يلزمه إلا درهمان، وإن أراد بالثالث تكرار الأول: لا يقبل، وعليه ثلاث دراهم؛ فإن أطلق: فيحمل على التكرار، حتى لا يلزمه إلا درهمان؟ أم: يحمل على الاستئناف؛ فيلزمه ثلاث دراهم قولًا واحدًا بخلاف الطلاق؛ لأن الطلاق يدخله التأكيد، فيقال: طلقت طلاقًا فحمل التكرار فيه على التأكيد، والإقرار لا يدخله التأكيد؛ فحمل على العدد.
ولو قال: درهم ثم درهم: يلزمه درهمان؛ كقوله: درهم ودرهم، ولو قال: درهم فدرهم- نص على أنه يلزمه دراهم، ونص في الطلاق: أنه إذا قال: أنت طالق فطالقٌ: يقع طلقتان، قال ابن خيران: فيهما قولان:
منهم من فرق بينهم على ظاهر النص، فقال في الطلاق: يقع طلقتان؛ لأن الطلاق لا يدخله التفصيل، والدراهم يدخلها التفصيل، فيجوز أن يريد به: فدرهم خيرٌ منه، ولو قال: درهم ودرهم، بل درهم: يجب ثلاث دراهم للمغايرة بين الألفاظ.
ولو قال: له عليَّ درهم قبل درهم، أو قبله درهم، أو بعده درهم: يلزمه درهمان؛ لأن "قبل"، و"بعد" تستعملان في التقديم في الوجهين.
ولو قال: درهم قبله درهم، وبعده درهم: يلزمه ثلاث دراهم.
ولو قال: درهم فوق درهم، أو فوقه درهم، أو تحت درهم، أو تحته درهم: لا يجب غلا درهم؛ لأنه يريد فوق درهم في الجودة، أو تحته في الرداءة، ويريد الإخبار عن واجب؛ فيلزمه درهمان.
ولو قال: درهم مع درهم، أو معه درهم، أو على درهم: لا يلزمه إلا درهم؛ لأنه يريد مع درهم، أو على درهم لي.
وقيل: في جميع هذه الألفاظ قولان:
أحدهما: عليه درهمان.
والثاني: درهم واحد.
والمذهب: الأول.
ولو قال: درهم مع دينار، أو معه دينار: لا يلزمه إلا درهم؛ لأنه يريد: مع دينار لي.
ولو قال: لفلان عليَّ درهم بل درهمٌ، أو درهمٌ لا بل درهم، لكن درهم: لا يلزمه إلا درهم.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ولو قال: درهم بل درهمان، أو قال: درهمان لا بل درهم: يلزمه درهمان: فلو قال: درهم لا بل درهمان، أو درهم لا بل قفيز حنطة: يلزمه كلاهما؛ لأن قوله: "بل دينار" رجوع عن الإقرار بالدرهم وإقرار بالدينار والحنطة؛ فلا يصح رجوعه، ويلزمه ما أقر به؛ بخلاف قوله: "درهم لا بل درهمان"؛ لا يلزمه ثلاثة؛ لأنه ليس برجوع عن الدرهم الأول، بل الدرهم الأول داخل في الدرهمين، وقصده إلحاق الزيادة به.
ولو قال: عليَّ درهم فقفيز حنطة: فالمنصوص- وهو المذهب-: لا يجب إلا درهم معناه: قفيز حنطة خيرٌ منه.
وقيل: يلزمه كلاهما؛ كما ذكرنا في قوله: درهم فدرهم.
ولو قال: عليَّ درهم في دينار: لا يلزمه إلا درهم؛ لأنه يريد: في دينار لي، إلا أن يريد: درهم ودينار: يلزمه كلاهما.
ولو قال: درهم في عشرة، فإن أراد الحساب: يلزمه عشرة؛ لأن ضرب الواحد في عشرة: عشرة، وإن أراد الظَّرف، أو أطلق: لا يلزمه إلا درهم.
ولو قال: له عليَّ دينار، وعشرة دراهم: لا يلزمه كلاهما، ويبين أيهما شاء.
ولو قال: لفلان عليَّ عشرة أولًا: لا يلزمه شيء؛ بخلاف ما لو قال: "عشرة بدلًا" يلزمه العشرة؛ لأن الأول: شك، والأصل فراغ ذمته، والثاني: رجوع بعد الإقرار؛ فلا يقبل.
ولو قال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، أو قال: من هذا العبد ألف درهم: سُئل؛ فإن قال: عنيت به أنه مرهون عنده بألف، أو جنى عليه هذا العبد جناية، أرشُها ألف، تعلق برقبته: يقبل، ويُباع في الجناية، إن لم يفده السيد.
وإن قال: أردت أنه أقرضني ألفًا من ثمنه: يقبل، ويكون الألف في ذمة المُقر، وإن قال: أردت أنه أوصى له بألف من ثمنه: قُبل، وبيع ودُفع إليه ألف من ثمنه، فإن أراد أن يدفع إليه ألفًا من ماله: لم يجُز؛ لأن حقه تعيَّن في ثمنه بالوصية.
ولو قال: أردت أنه أدى في ثمنه ألفًا: قيل له: أنت هل أديت شيئًا؟ فإن قال: لا: فالعبد كله للمُقر له، وإن قال: أنا أديت- أيضًا- ألفًا: فالعبد بينهما نصفان، وإن قال: أنا أديت ألفين: سُئل عن كيفية الشراء؟ فإن قال: اشتريناه صفقة واحدة بثلاثة آلاف: فالعبد بينهما أثلاثًا: ثلثاه للمقر، وثلثه للمُقر له؛ سواء كانت قيمته ثلاثة آلاف أو أقل.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كان قيمته ألفين-: فالعبد بينهما نصفان، ولا يُقبل قوله: أنه أدى ألفين في ثمنه.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
ولو قال: أنا أديت ألفًا في ثلثيه، وهو أدى في ثلثه، أو في ربعه: يُقبل؛ لأنه يحتمل أنهما اشترياه في صفقتين.
ولو قال: أردت أنه وهب لي ألفًا؛ حتى اشتريته، وقال المُقر له: بل كان قرضًا: فالقول قول المُقرِّ له مع يمينه.
ولو قال: دفع إلي ألفًا حتى أشتري له العبد؛ فإن صدَّقه المُقر له فالعبد له، وإن كذبه فالعبد للمُقر، وعليه ما أخذ من المُقرِّ له.
ولو قال: له درهم في هذا الدينار: فهو كما لو قال: ألفٌ في هذا العبد، ولو قال: هذه الدار لفلان هبة عارية، أو هبة سُكنى: فهو إقرار بالعارية؛ له أن يرجع متى شاء.
فصلٌ
إذا قال: لفلان عندي، أو معي كذا: فهو للأمانة؛ حتى لو ادعى بعده أنها كانت وديعة تلفت في يدي، أو رددتها: يقبل قوله مع يمينه.
ولو قال: لفلان عليَّ، أو قبلي ألف: فهو دينٌ؛ فلو ادعى بعده أنها كانت وديعة تلفت في يدي، أو رددتها: لا يقبل، ولو قال موصولًا: لفلان عليَّ ألف درهم وديعة: يُقبل؛ فإن أتى بها لا يلزمه شيء آخر؛ ولقوله "عليَّ" معنيان:
أحدهما: على التخلية بينها وبين المالك متى طلب.
والثاني: لعله تعدى فيها؛ فصار ضامنًا؛ فلو لم يأت بها، وادعى تلفًا، أو ردًا: هل يقبل؟ فيه وجهان، بناءً على المعنيين: إن قلنا بالأول: يقبل؛ وهو الأصح، وإن قلنا بالثاني: لا يقبل.
ولو قال: لفلان عليّ ألف، ثم أتى بألف، وقال: أردت هذه الألف، وكانت وديعة عندي، وقال المُقر له: هذه كانت وديعة عندك، ولي عليك ألف أخرى، وأنت أردت بإقرارك ملك الألف: ففيه وجهان:
[الأول]: القول قول المُقر مع يمينه؛ لأن الوديعة يجب عليه التخلية بينها وبين المالك إذا طولب.
والثاني: القول قول المُقر له؛ لأن "عليَّ" إخبار عن حق واجب عليه؛ فلا يقبل تفسيره بالوديعة.
فإن قال: عليَّ ألف في ذمتي، ثم أتى بألف، وقال: أردت هذه، وكانت وديعة، وقال
[ ٤ / ٢٥١ ]
المُقر له: بل هي دين في ذمتك: فالقول قول المُقر له مع يمينه؛ لأن العين لا تثبت في الذمة.
ولو قال: لفلان عندي ألف درهم مضاربة دينًا أو وديعة دينًا- يكون مضمونًا عليه لا يقبل قوله في الرد والتلف، فإن قال: أردت أنه أودعني أو ضاربني تلك الألف بشرط أن تكون مضمونة عليَّ: لا يُقبل قوله، ولو وصله باللفظ، وقال: لفلان عندي ألف درهم وديعة دينًا، دفع إلى بشرط الضمان: هل يقبل؟ فعلى قولي تبعيض الإقرار.
ولو قال: لفلان عندي ألف درهم عارية: كانت مضمونة؛ لأن إعارة الدراهم فاسدة، وفاسد العارية وصحيحها سواءٌ في الضمان.
ولو قال: دفع إليَّ ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال: تلف في يدي: يُقبل.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أخذت من فلان ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال صاحبه: بل غصبته: فالقول قول المُقر له؛ وبه قال الشيخ القفال؛ لأن الأخذ ربما لا يكون برضًا، بخلاف الدفع.
ولو وصل باللفظ، وقال: أخذت من فلان ألفًا وديعة؛ عند أبي حنيفة: لا يقبل.
[و] على قول الشيخ القفال: يكون على قولي تبعيض الإقرار.
ولو قال: هذا الثوب كانت وديعة لي عند فلان، فردَّه عليَّ، أو قال: كنت أعرته منه، فرده عليَّ، وقال فلان: بل هو لي: فالقول قول المأخوذ منه مع يمينه؛ لأن المُقر يقر له باليد، ويدَّعي لنفسه العارية والوديعة؛ فلا يقبل قوله، وهو قول أبي يوسف.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- في الوديعة: هو لفلان، وفي العارية: القول قول المقر.
ولو قال: لفلان في ميراث أبي، أو من ميراث أبي ألف درهم: فهو إقرار على الأب بالألف، يُقضى من تركته، ولو أضاف إلى نفسه، فقال: لفلان في ميراثي من أبي، أو من ميراثي من أبي ألف درهم، لا يكون إقرارًا، بل يكون وعد هبة لا يتم إلا بشرائطها، إلا أنه يريد إقرارًا بخلاف ما لو أضاف إلى الميراث، ولم يضف إلى نفسه: كان إقرارًا؛ لأنه أضاف إلى التركة، ولا يحتمل الهبة من التركة، ولا يبقى بعد انتقال التركة عن الميت إلا الدين أو الحق الواجب؛ فحمل عليه.
وإذا أضاف إلى نفسه، فقد يكون في ماله الواجب والتبرع، وكذلك، لو قال: لفلان في هذا المال ألف، أو: في هذا الدار بيتٌ، أو: من هذا الدار نصفها: فلا يكون إقرارًا إلا
[ ٤ / ٢٥٢ ]
أن يريد إقرارًا؛ لأن ماله لا يصير لغيره بإقراره، حتى لو قال: داري لفلان: لا يكون إقرارًا.
ولو قال: مسكني هذا لفلان: لا يكون إقرارًا؛ لأنه أضاف إلى نفسه السُّكنى، وقد يسكن ملك الغير، هذا إذا لم يدخل في كلامه "عليَّ"، وإن دخل في كلامه "عليَّ" فقال: عليَّ ألف درهم من مالي، أو في هذا المال، أو في دراهمي، أو في هذه الدراهم أو في ميراثي من أبي، أو في ميراث أبي، أو في هذا الكيس: يلزمه؛ لأن "عليَّ" للإلزام، ذكره "صاحب التلخيص" في كتابه؛ لأنه لو اقتصر على قوله: "عليّ ألف درهم" لزمه، فإذا أضاف بعده إلى نوع من أنواع ماله: كان تأكيدًا، وهذا إذا أضاف إلى الكيس، وكان في الكيس ألف درهم فأكثر؛ فإن كان في الكيس أقل من ألف درهم: قال الشيخ أبو زيد: لا يلزمه غير ما في الكيس.
وقال الشيخ القفال: يلزمه الألف؛ لأنه أقر بها، فبالإضافة على الكيس: لا يسقط؛ ألا ترى أنه لو لم يكن في الكيس شيء: لزمه الألف.
ولو قال: له عليَّ ألف درهم التي في هذا الكيس، فخرِّج فيه وجهان:
أحدهما: لزمه الألف، وإن لم يكن فيه شيء.
والثاني: لا يلزمه إلا أن يكون فيه شيء؛ فلزمه ذلك القدر.
قال الشيخ أبو عليٍّ: وهذا بناءً على ما لو حلف، ليشربن الماء [في] هذا الكوز، ولم يكن فيه ماءٌ، هل يحنث؟ فيه قولان، ثم استثنى صاحب "التلخيص" من هذا الأصل مسألة، وهي: أنه إذا قال: له عليَّ ألف درهم في هذه السلعة- وسئل المُقر له، فلم يوجب الألف، ورجع على قائله فيما أراد: قال أصحابنا: وهذا الاستثناء لا يصح، بل إذا قال بلفظ "علي"- يلزمه الألف؛ لأن قوله "عليّ" إقرار؛ فلا يتغير بالإضافة إلى السلعة، والشافعي﵁- إنما رجع إليه فيما إذا قال: لفلان في هذه السلعة ألف درهم، ولم ينقل ما ذكرنا.
فصلٌ
الإقرار بالظرف لا يكون إقرارًا بالمظروف؛ وكذلك: الإقرار بالمظروف لا يكون إقرارًا بالظرف.
إذا قال: لفلان عندي ثوبٌ في منديل، أو تمرٌ في جراب: فهو إقرارٌ بالثوب والتمر؛ لا يكون إقرارًا بالمنديل والجراب.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
ولو قال: لفلان عندي جرابٌ فيه تمرٌ، أو كوزٌ فيه لبن: فهو إقرار بالجراب والكوز، ولا يكون إقرارًا باللبن والتمر.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إن كان ذلك مما يجوز في الظرف غالبًا كالتمر في الجراب، واللبن في الإناء: يكون إقرارًا بهما، وكذلك: لو قال: سيفٌ في غمد: يكون إقرارًا بالسيف دون الغمد.
ولو قال: غمدٌ فيه سيف: يكون إقراره بالغمد وحده، وكذلك لو قال: لفلان عندي عبدٌ في بدنه قميص، أو على رأسه عمامةٌ، أو عليه منطقة، أو في رجله خُفٌّ، أو دابة عليها سرج، أو زمام: يكون إقرارًا بالعبد والدابة، ولا يكون إقرارًا بالقميص والعمامة والمنطقة والخُف ولا بسرج الدابة والزمان، وعكسه: لو قال: قميص في بدن عبد: فهو إقرار بالقميص دون العبد.
وقال "صاحب التلخيص": إذا قال: عبدٌ عليه قميص أو ثوب وخف: يلزمه كلاهما؛ بخلاف ما لو قال: فرسٌ عليه سرج: لا يكون إقرارًا بالسرج وفرق بأن الفرس ليس له يد، بل هو وما عليه للمقر، فإذا أقر بالفرس، بقي يده على السرج، والعبد له يد على ما عليه، فإذا صار لغيره كان ما عليه معه، وعامة أصحابنا على أنه لا فرق بينهما.
ولو قال: فص في خاتم فهو إقرار بالفص؟ في الخاتم وجهان:
الأصح: لا يكون إقرارًا به.
وكذلك: لو قال: نعلٌ في رجل دابة، أو سخلةٌ في بطن نعجة، أو عروة على قمقمة أو ثمرة على شجرة: يكون إقرارًا بالنعل والسخلة والعروة والثمرة فحسب.
ولو قال: دابة في رجلها نعل، أو نعجة في بطنها سخلة، أو قمقمة عليها عروة، أو شجرة عليها ثمرة: هل يكون إقرارًا بالنعل والسخلة والعروة والثمر؟ فيه وجهان.
ولو أقر لإنسان بشجرة مطلقًا: فالثمرة التي عليها لا تدخل في الإقرار.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يكون إقرارًا بهما.
أما إذا أقر بخاتم مطلقًا: يكون إقرارًا به مع الفص؛ لأن اسم الخاتم ينطلق على جميعه، ولو قال: لفلان عندي ثوب مطرَّز: يكون إقرارًا بالثوب مع الطرز؛ لأنه جزء منه.
وقيل: إن كان الطراز مركبًا على الثوب بعد النسج: هل يكون إقرارًا بالطراز؟ فيه وجهان.
ولو قال: لفلان في يدي دار مفروشة: لزمه الدار دون الفرش.
فصلٌ
إذا قال: غصبت الدار من زيد، لا بل من عمرو، سواء قاله مفصولًا أو موصولًا، أو قال: غصبتها من زيد، فزيد غصبها من عمرو: يسلم الدار إلى زيد، وهل يغرَّم المقر قيمتها لعمرو؟ فيه قولان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة،- رحمة الله عليه-: يغرم؛ لأنه أوقع الحيلولة بينها وبين عمرو بإقراره لزيد.
والثاني- وهو الأصح-: لا يغرم؛ لأن إقراره الثاني صادف ملك الغير؛ فلا يلزمه به شيء؛ كما لو قال: الدار التي في يد زيد هي لعمرو؛ لا يجب عليه شيء لعمرو.
ولو قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، وقال: هذا العبد الذي تركه أبي لزيد، لا بل لعمرو، ولم يقل غصبت: من أصحابنا من قال- وهو الأصح-: إنها كالمسألة الأولى: يسلم إلى زيد، وهل يغرم القيمة لعمرو؟ فيه قولان، ولا فرق بين أن يقبل الرجوع بإقراره أو بغصبه.
ومنهم من قال: ههنا لا يغرَّم شيئًا قولًا واحدًا؛ لأنه لم يقر بالغصب الموجب للضمان.
ولو قال: غصبت هذه الدار من زيد، وملكها لعمرو: فهي لزيد؛ لأن من في يده أقر بها، ولا يقبل قوله: "ملكها لعمرو"؛ لأنه يشهد له بالملك، ولا تُقبل شهادة الغاصب، ولا غُرم عليه لعمرو، وهي في يد زيد بإجارة أو رهن، فغصبها منه، ولو أقر على ما هي عليه.
هذا إذا قدم الغصب، فإن أخَّر، فقال: هذه الدار ملكها لعمرو، وغصبها من زيد: فيه وجهان.
أحدهما: تسلَّم إلى زيد، ولا يغرَّم لعمرو شيئًا قولًا واحدًا؛ لا فرق بين أن يقدم ذكر الملك أو الغصب.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
والثاني: تسلم إلى زيد، وهل يغرم لعمرو؟ فيه قولان: كما لو قال: هي لزيد، لا بل لعمرو.
قال الشيخ: عندي: لا فرق بين أن يقول: غصبتها من زيد، لا بل من عمرو، وبين أن يقول: غصبتها من زيد، وملكها لعمرو؛ أي: أنه هل يغرَّم القيمة لعمرو؟ إنه على قولين؛ كما لو قال: هي لزيد، لا بل لعمرو، والشافعي﵁- لم يفصل بينهما في الغرم، بل قال: شهادته للثاني لا تقبل؛ لأنه غاصب.
ولو قال غصبت هذا من أحد هذين الرجلين: يطالب بالتعيين: فإن قال: لا أعرف- نُظر: إن صدقاه أنه لا يعرف، أو كذباه، وقالا: إنه يعرف: يحلف أنه لا يعرف [و] تنزع من يده، وتوقف حتى يصطلحا، فإن أقر بها لأحدهما: سلم إليه، وهل تُسمع دعوى الآخر عليه بالقيمة أم لا؟
مثل رجل في يده دار، فأقر بها لرجل، ثم جاء آخر يدعيها؛ فإنه يدعي على المقر له، وهل تسمع دعواه على المقر بالقيمة أم لا؟ إن قلنا: لو أقر له بعدما أقر للأول: يغرم قيمتها، وتسمع دعواه عليه، ويحلفه؛ رجاء أن يُقر فيغرم.
وإن قلنا: لا يغرم: لا تسمع دعواه عليه؛ لأنه لا فائدة له فيه.
ولو باع من رجل شيئًا، ثم قال: كنت قد بعته من فلان، أو غصبته منه: لا يقبل قوله في حق من باع منه، وهل يغرم قيمته لمن أقر أنه باع منه؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالمسألة الأولى.
ومنهم من قال: يغرم قولًا واحدًا، وهو المذهب؛ لأنه فوَّت عليه حقه بفعله وتصرفه؛ حيث دفعه إلى الآخر، وفي المسألة الأولى: لم يتصرف، بل أخبر عن سببه بقوله، ولا أثر لقوله في ملك الغير.
ولو جاء رجل بعدما باعه، وادعى تلك العين، يدَّعي على المشتري، هل له أن يدعي القيمة على البائع؟
إن قلنا: لو أقر يغرَّم القيمة: له أن يدعي عليه؛ وهو المذهب.
وإن قلنا: لا يغرَّم فلا.
هذا إذا باع العين، ثم جاء آخر يدَّعيها: لا تسمع دعواه على من انتزعت من يده بالبينة ثم.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وإن أخذت منه بنكوله ورد اليمين: هل تسمع دعوى الثاني عليه بالقيمة؟ إن قلنا: النكول ورد اليمين كالبينة: لا تسمع.
وإن قلنا: كالإقرار: فهو كما لو أقر للأول، هل تسمع دعوى الثاني عليه؟ فعلى قولين.
فصلٌ
إذا قال؛ وهبت هذه الدار من فلان، ولكن ما أقبضته، وقال المقر له: بل أقبضتني: فالقول قول المقر مع يمينه أنه لم يقبض.
ولو قال: وهبت منه، وملكها: لم يكن إقرارًا بالقبض؛ لاحتمال أنه ظن أنه ملك بالهبة، وكذلك: لو قال: وهبته منه، وخرجت إليه: لم يكن إقرارًا بالقبض، أما إذا قال: وهبت له، وأقبضته، أو سلمت إليه، أو حازها: كان إقرارًا بالقبض، فلو أنكر بعد ذلك أن يكون قبضها: لم يُقبل منه، ولم يكن له تحليف المقر له؛ لأنه لا يكذب، فإن بيَّن لإقراره وجهًا محتملًا؛ بأن قال: كنت أقبضته باللسان، وظننته إقباضًا، أو ورد عليَّ كتابٌ من وكيلي أنه أقبضه، فبان أن الكتاب كان مزورًا- حينئذ: تسمع دعواه، والقول قول المقر له أنه أقبضه؛ فبان صحيحًا، وكذلك: حكم الرهن.
ولو أقر أنه باع من فلان دارًا، أو وهب، وسلم، ثم قال: كنت قد بعته أو وهبته ظانًا أن البيع صحيح، فأقررت، ثم علمت فساد البيع أو الهبة: لا يُقبل قوله، وله تحليف المقر له، فإن نكل حلف المقر، وحُكم ببطلان البيع والهبة.
ولو قامت بينة على الهبة والإقباض، ثم ادعى أنه لم يقبض، وبيَّن له وجهًا- نُظر: إن شهدت البينة على نفس الهبة والقبض: لم يكن له تحليف المشهود له؛ لأن فيه تكذيب الشهود، وإن شهدت على إقراره: فله تحليفه كما ذكرنا، ولو قال: تملكت هذه الدار من فلان: فهو إقرار لفلان بها، فإن أنكر فلان التمليك: فالقول قوله مع يمينه، وإن قال: تملكت على يدي فلان: لا يكون إقرارًا له بها؛ لأنه يشعر عن كونه وكيلًا ببيعه.
ولو قال: هذه لزيد، وهي رهن لعمرو عندي: فهو إقرار لزيد؛ فإن أنكر زيد الرهن: فالقول قوله مع يمينه.
ولو ادعى على إنسان شيئًا، فقال المدعى عليه: لا أُقر ولا أنكر: فهو إنكار، فيعرض عليه اليمين، فإن لم يحلف: حلف صاحبه، واستحق دعواه.
ولو قال: أنا مقر، أو: أنا أقر ولا أنكر: لم يكن هذا إقرارًا؛ لأنه يقر ببطلان ما يدعيه.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
ولو قال: أنا مقر بما يدعيه، و: لا أنكر ما يدعيه: فهو إقرار، ولو قال: أنا لا أنكر أن يكون محقًا: لم يكن إقرارًا؛ لأنه يريد: أنا لا أنكر أن يكون محقًا في اعتقاده؛ فإن قال: لا أنكر أن يكون محقًا في دعواه: كان إقرارًا.
ولو قال المدعي: لي عليك ألف، فقال: "بلى"، أو: "نعم"، أو: "أجل"، أو: "صدق" أو: "لعمري"- يكون إقرارًا؛ لأن هذه الألفاظ وُضعت للتصديق.
ولو قال: "لعل"، أو: "عسى": لم يكن إقرارًا؛ لأنها وضعت للشك؛ كما لو قال: "أظن" أو: "أحسب"، أو: "أقدر": لم يكن إقرارًا؛ لأنها خرجت، ولو قال: له عليَّ في علمي: كان إقرارًا؛ لأن ما عليه في علمه لا يحتمل إلا الوجوب.
ولو قال: أليس لي عليك ألف؟ فإن قال: بلى: فهو إقرار، وإن قال: نعم: فهو إنكار؛ لأن جواب النفي بالاستفهام يكون بـ "بلى"؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ولو قال: هل لي عليك ألف؟ فقال: نعم: يكون إقرارًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤].
ولو قال: قبضت الألف التي لي عليك، فقال: نعم: كان إقرارًا، ولو قال: اشتر عبدي هذا، أو: اعطني عبدي هذا، قال: نعم: كان إقرارًا بالعبد للقائل.
ولو قال: اقعد حتى تأخذن أو قال: اعطني غدًا؛ أو: ابعث من يأخذه، أو: أجلني يومًا، أو أمهلني حتى أضرب الدراهم، أو حتى يرجع غلامي، أو لا أجد اليوم، ولا يوم التقاضي: فكل ذلك إقرار عند أبي حنيفة؛ وهو محتمل- عندنا- كقوله: نعم.
ولو قال: لي عليك ألف، فقال: خُذ، أو: زنه، أو: اتزنه، أو: استوفه: لا يكون إقرارًا؛ لأنه قد يقوله استهزاء ومبالغة في الإنكار.
وقال أبو عبد الله الزبيري: إذا قال: خُذه، أو: زنه، أو: اتزنه: كان إقرارًا؛ لأن الكناية راجعة إلى ما تقدم من الدعوى.
ولو ادعى عليه ألفًا، فقال: هي صحاح: لا يكون إقرارًا؛ لأن الصفة ترجع إلى ما يدعيه، ولا يقتضي الوجوب.
قال أبو عبد الله الزبيري: يكون إقرارًا.
ولو قال: لفلان عليَّ ألف، إن شاء الله، أو شاء زيد: لا يكون إقرارًا. لأن ما علق بمشيئة الله تعالى: لا سبيل إليها، ومشيئة زيد لا أثر لها في وجوب الحق عليه.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وكذلك لو قال: عليَّ ألف إذا قدم فلان، أو: إذا جاء رأس الشهر: لا يكون إقرارًا؛ لأن قدوم فلان ومجيء الشهر: لا أثر له في إيجاب المال؛ كما إذا قال: لك عليَّ ألف، إذا حال المطر.
أما إذا قال: له عليَّ ألف إلى رأس الشهر: لزمه؛ كما لو قال: ألف مؤجل.
ولو قال: إن شهد لك شاهدان، أو فلان وفلان بدينار، فهما صادقان، فإن شهدا، لم يكن ذلك إقرارًا، لأن تعليق الإقرار لا يجوز؛ كما لو قال: إن شهد عليَّ فلان صدقته، و: ورثته المال، فإن شهدا، وهما عدلان- حينئذ: ثبت المال بشهادتهما، ولو شهد عليه رجل بمال، فقال: هو عدل: لا يكون إقرارًا إلا أن يقول: هو عدل فيما شهد عليَّ، وكذلك لو قال: هو صادق: لا يكون إقرارًا حتى يقول: هو صادق فيما شهد عليَّ.
ولو قال: كان لفلان عليَّ ألف: فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه؛ لأنه إذا قال: هو صادق: كان إقرارًا أقر به، والأصل بقاؤه.
والثاني: لا يلزم؛ لأنه لم يقر بلزومه في الوقت، والأصل فراغ ذمته.
فصلٌ
إذا كان لزيد على عمرو دين في الظاهر؛ بأن باعه شيئًا، أو أقرضه، أو أجر منه دارًا، فأقر زيد بأن ذلك الدين الذي على فلان هو لفلان: صح إقراره في الحكم؛ كما يصح الإقرار بالعين.
هذا إذا لم يعلم حقيقة أنه للمقر، فإن علم حقيقة أنها للمقر: فلا يصح، ولا يزول ملكه بالكذب.
وكذلك: لو أقر بشيء لآخر، وعلم أنه فيه كاذب: لا يقبل؟ مثل: إن أعتق عبده، ثم أقر له في ذلك المجلس هو أو غيره بمال: لم يصح؛ لأنه- الآن- بالعتق صار ممن يملك، ولم يوجد بينهما معاملة، ولذلك قلنا: لو شهد شاهدان أن فلانًا أقر لفلان بدار، والمُقر كان مالكًا لها يوم الإقرار: لم يصح؛ لأن ما كان ملكًا له، فإقراره به لغيره كذب، وإذا احتمل صدقه: يُقبل؛ فههنا: إذا أقر بثمن الدار أو بالأجرة أو القرض لإنسان: جاز؛ لاحتمال أن زيدًا كان وكيلًا من جهة المُقر له في البيع والإجارة والإقراض.
واستثنى صاحب "التلخيص" ثلاث مسائل؛ لا يجوز فيها الإقرار بالدين.
إحداها: أن تقر المرأة بصداقها على زوجها أنه لغيرها.
الثانية: أن يُقر الزوج ببدل الخُلع في ذمة المرأة لغيره.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
الثالثة: إذا جنى رجُل على رجل، فأقر المجني عليه بأرش الجناية لغيره: لا يصح.
لأن الصداق بدل البضع [و] لا يتصور أن يكون لغيره، وكذلك: أرش الجناية لا يكون لغير المجني عليه إلا أن تكون الجناية على عبد، أو على مال آخر؛ فأقر به للغير: جاز، لاحتمال أن يكون ذلك العبدُ أو المالُ للمقر له يوم الجناية.
قال الشيخ﵀-: الصداق، وبدل الخلع، وأرش الجناية: يتصور أن يصير للغير بالحوالة، فيصح الإقرار بها، وصورة مسألة صاحب "التلخيص": أن يقر بها للغير حال ثبوته، فلا يتصور إن ثبت ذلك للغير.
فصلٌ
إذا أقر لحمل امرأة بشيء: نُظر: إن عزاه إلى سبب صحيح بأن قال: ثبت له بإرث من أبيه، أو بوصية أوصى له فلان الميت: صح.
ثم إن خرج الحمل حيًا: يكون له إن كان ذكرًا.
وإن كان أنثى: فإن عزاه إلى وصية: يكون لها، وإن عزاه إلى إرث: فلها النصف.
وإن خرج ذكرين يكون بينهما، وإن خرج ذكرًا وأنثى: فإن عزاه إلى إرث: يكون بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإن عزاه إلى وصيته: يكون بينهما سواء.
وإن خرج الحمل ميتًا: فلا حق له فيه، فإن كان قد عزاه إلى وصية: فالوصية باطلة.
وإن خرج حيًا إنما يُعطى لأقل من ستة أشهر من يوم الإقرار، فإن خرج لأكثر من أربع سنين: فالإقرار باطل، فإن خرج لستة أشهر فأكثر، ولدون أربع سنين- نظر: إن كان لها زوج يطؤها: فلا يعطى: لاحتمال حدوثه بعد الإقرار، فإن لم يكن لها زوج يطؤها- فقولان:
أصحهما: يصح؛ لأن الظاهر وجوده، بدليل أن النسب يلحق بالزوج إلى أربع سنين.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يدري وجوده يوم الإقرار؛ بخلاف النسب، فإنه يثبت بالإمكان، والإقرار لا يثبت بالإمكان، وإن أقر للحمل مطلقًا بمال، ففيه قولان:
أحدهما- وبه قال محمد بن الحسن-: لا يصح، لأن مطلق الإقرار محمول على وجوبه بسبب معاملة أو جناية، [و] لا يتصور ذلك في حق الجنين، بخلاف ما لو أقر لصبي في المهد مطلقًا بمال: يقبل؛ لأنه يتصور وجوبه بسبب معاملة كانت بينه وبين قيِّمه.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
والثاني: يصح، وبه قال أبو يوسف، ويحمل على أنه ثبت له بسبب إرث أو وصية؛ كما لو أقر لصبي في المهد.
فلو قال: لهذا الحمل عليَّ ألف درهم، عاملني أو أقرضني، هل يلزمه أن يبني على الإقرار مطلقًا؟
إن قلنا: لو أقر مطلقًا لا يلزمه: فههنا أولى ألا يلزم، وإن قلنا: لو أقر مطلقًا لا يلزمه: فإذا قيد بالمعاملة- لا يبطل، لأنه يريد إسقاطه بمستحيل؛ كما لو قال: له عليَّ ألف لا يلزمني؛ وكذلك لو قال: لهذا الرضيع عليَّ ألف عاملني: يلزمه ويلغو قوله: "عاملني"؛ وعلى هذا: لو أقر لمسجد بمال: فإن عزاه إلى سبب صحيح من غلة وقف عليه: صح.
وإن أطلق- فعلى وجهين: بناءً على القولين في الحمل:
فإن قلنا: إقراره للحمل مطلقًا صحيحٌ، فإن خرج ذكرًا أو أنثى- فهو بينهما، وإذا خرج الجنين ميتًا- بطل إقراره؛ لأنه لا حُكم له؛ بدليل أنه لا يدفع إليه ما وقف له من الميراث، ثم يسأل المقر، فإن فسره إقراره بأنه ورث من أبيه: صُرف إلى وارث الأب، وإن عزاه إلى وصية: كان لورثة الموصي؛ كما لو صرح به في الإقرار، وإن مات المقر قبل التفسير: بطل؛ كما لو أقر بحق لرجل، فرد إقراره، ولو أقر بحمل شاة أو حمل جارية الرجل: نص على أنه لا يصح، وهذا يخرَّج على تفصيل الإقرار له؛ فإن فسره، وقال: أوصى لي بحمل هذه الجارية- صح، إذا ولدت لأقل من ستة أشهر، وإن أطلق، وقال: حمل هذه الشاة، أو حمل هذه الجارية لفلان: فيخرَّج على قولين: فإذا أقر بالحمل لرجل، وبالأم لآخر: إن قلنا: الإقرار بالحمل جائز: صح الإقرار لهما، وإن قلنا: لا يجوز: كانت الشاة والحمل للثاني؛ لأن الحمل يتبع الأصل.
ولو قال أولًا: هذه الشاة لفلان، والحملُ لفلان- قلنا: لا تصح الوصية بالحمل، وكانت الشاة والحمل للأول؛ لأن الإقرار بالشاة يستتبع الحمل.
ولو قال: لعبد فلان عليَّ ألفٌ: فهو إقرار لسيده، ولو قال: لدابة فلان عليَّ ألف: فليس بإقرار؛ لأنه لا يتصور المعاملة مع الدابة، فإن قال: له عليَّ ألف بسبب هذه الدابة: يلزمه، ويحملُ على أنه جنى عليها أو اكتراها؛ يلزمه الأرش والكراء.
فصلٌ
إذا أقر لإنسان بدين في صحته، ثم أقر الآخر في مرض موته: فهما سواءٌ؛ كما لو
[ ٤ / ٢٦١ ]
ثبت الدينان بالبينة؛ لأن حالة المرض ليست حالة حجر في الإقرار؛ بدليل أنه لو أقر لواحد بجميع ماله في المرض: يُقبل.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: يُقدم دين حال الصحة على دين المرض.
إذا ثبت بالإقرار، فنقول: الإقرار بالدين استويا في اللزوم، ولم يتعلق أحدهما بعين مال، فيستويان في القضاء؛ كالإقرار في الصحة أو في المرض، وقد أقر بدين في حياته، ثم مات، فأقر وارثه بدين آخر- هل يقدم دين الحياة؟ فيه وجهان:
أصحهما: سواء؛ كما لو بينا بالبينة.
ولو أقر لوارثه بدين في مرض موته، أو بعين- هل يصح أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه- ومالك-: لا يصح؛ لأنه متهم؛ كما لو أوصى لوارثه بشيء: لا يصح.
والثاني: لا يصح؛ لأن حالة المرض ليست حالة الحجر في الإقرار؛ بدليل أنه لو أقر لأجنبي بجميع ماله: يصح، فإن قلنا: لا يصح: فالاعتبار في كونه وارثًا بحالة الإقرار أم بحالة الموت؟ فيه قولان:
قال في الجديد- وبه قال أبو حنيفة: الاعتبار بحالة الموت؛ كما في الوصية، كما لو أقر لأخيه بشيء، وهو وارثه، ثم حدث له ابن، فصار الأخ محجوبًا، أو أقر لزوجة، ثم فارقها- صح إقراره؛ كما لو أوصى له بشيء، ثم صار محجوبًا، ولو كان محجوبًا يوم الإقرار، فصار وارثًا بأن مات ابنه، فصار الأخ وارثًا، أو أوصى لأجنبية، ثم نكحها: بطل الإقرار.
وقال في القديم- وبه قال مالك- رحمة الله عليه-: الاعتبار بحالة الإقرار: فإن لم يكن وارثًا يوم الإقرار، فصار وارثًا يوم الموت: لم يبطل الإقرار، وإن كان وارثًا يوم الإقرار، فصار محجوبًا: لم يصح الإقرار، بخلاف الوصية، لأنها عطية بعد الموت، فيعتبر عدم التهمة حالة الاعتبار.
ولو ملك رجل أخاه، ثم أقر في مرض موته أنه قد كان أعتقه في صحته: كان العتق نافذًا، وهل يرثه أم لا؟ إن قلنا: الإقرار للوارث: يصح ويرثه، وإن قلنا: لا يصح الإقرار للوارث: لا يرثه؛ لأن توريثه يوجب إبطال الإقرار بحريته، وإذا بطلت الحرية- سقط، فأثبتنا الحرية، وأسقطنا الإرث.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
فصلٌ
إذا أقر بحرية عبد الغير، أو شهد على حريته، فردَّت شهادته: لا يحكم بحريته، فإذا اشتراه المُقر: يحكم بصحة الشراء، ويعتق عليه بحكم إقراره، وإنما حكمنا بصحة الشراء؛ تنزيلًا للعقد على قول من جعل الشرع القول قوله، ثم هو تبع من جهة البائع، حتى يثبت له الخيار، ولو باع بثمن معين، فوجد بالثمن عيبًا، فرده: يسترد العبد، بخلاف ما لو باع عبدًا بعرض، فأعتقه المشتري، ثم رد العرض بعيب: يسترد قيمة العبد، ولا يسترد العبد، لأنهما اتفقا على حرية العبد هناك، وههنا: لم يتفقا عليه حتى لو قال البائع في تلك المسألة للمشتري: أعتقته، فأنكر المشتري: فالقول قول المشتري، [و] يحلف على أنه لم يعتقه، ويرد العبد، ويعتق على البائع، أما من جهة المشتريك يكن شراء أم فداء؟ نُظر: إن ادعى على البائع أنك أعتقته- ففيه وجهان:
أحدهما: أنه شراءٌ؛ كما في جانب البائع.
والثاني: هو فداء؛ لأنه مقر بحريته، وشراء الحر لا يجوز؛ فكأنه يبذل مالًا لتخليصه عن الرق.
فإن قلنا: هو شراء: ثبت له الخيار، وإن وجد به عيبًا: أخذ الأرش.
وإن قلنا: فداءٌ: فلا خيار له، ولا أرش، وعلى الوجهين: لا رد له، وولاؤه موقوف، فلو مات، وله مال: فماله لوارثه، إن كان له وارث مناسب، وإن لم يكن له وارث يوقف ماله، فإن صدَّقه البائع: رد الثمن والمال له، وإن لم يصدقه: فهل للمشتري أن يأخذ من ماله الأقل أم الثمن أم التركة؟ فيه وجهان:
أصحهما- وهو اختيار المزني، وقول ابن سُريج، وأبي إسحاق: له ذلك؛ لأنه كان كاذبًا، فجميع ماله- وإن كان صادقًا-: فالمال للبائع بحكم الميراث، وهو مستحق الثمن على البائع، وقد ظفر بماله؛ فله أخذ حقه منه.
والثاني: لا يأخذ؛ لأنه لا يدري أنه يأخذه من جهة البائع أو من جهة الملك.
قال الشيخ: ويمكن بناؤه على أنه شراء أم فداء لا يأخذه؟ لأنه مقطوع ببذل الثمن.
وإن قلنا: شراءٌ يأخذه، فأما إذا كان المُقر قد قال: إنه حُر الأصل، أو: أعتقه فلان، ثم اشتريته أنت: فهو فداءٌ من جهة المشتري وجهًا واحدًا؛ فلا خيار له، ولا أرش، إذا وجد به عيبًا.
وإذا اكتسب العبد مالًا، ومات: فلا وارث له؛ فماله لبيت المال، وليس للمشتري
[ ٤ / ٢٦٣ ]
أن يأخذ منه شيئًا؛ لأنه إذا كان صادقًا: فإنما يستحق الثمن على البائع، وبزعمه: أن هذا المال ليس للبائع، وإن مات العبد في يد البائع: لا ثمن له على المشتري؛ لأنه لا يقر بالعتق؛ فيكون كتلف المبيع قبل القبض: يجب الثمن على المشتري؛ لأنه عتق على المشتري بالإنفاق، وكان عتقه قبضًا.
ولو أقر بحرية عبد الغير، ثم استأجره: لا يحل له أن ينتفع به، وللآخر مطالبته بالأجرة، وإن كانت جارية، فنكحها المقر: لا يحل له وطؤها وللسيد المزوج مطالبته بالصداق.
ولو كان في يد رجل عبدٌ، فقال من في يده: هذا العبد لفلان، وقال العبد: بل أنا لفلان آخر: لا يُقبل قول العبد، وهو لمن أقر له من في يده.
ولو ادعى العبد أنه حر، وأنكر السيد: فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن أصل الناس على الحرية، فإذا حلف العبد: ليس للسيد أن يرجع على بائعه بالثمن إلا أن يقيم العبد بينة على حريته ليرجع.
ولو ادعى العبد على المولى أنك أعتقتني، وأنكر المولى: فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأن العبد أقر بالرق، والأصل بقاء الرق.
ولو قال من في يده العبد: هذا لفلان، وأنكر فلان أن يكون له: فيه وجهان.
أحدهما: يحكم بحريته؛ لأنه لا يدعيه أحد؛ فيكون العبد في يد نفسه؛ فيعتق.
والثاني: لا يحكم؛ لأن الرق حقيقة لا تزول إلا باليقين؛ فعلى هذا: يُترك في يده أم ينتزع من يده ويحفظ الحاكم؟ فيه وجهان؛ كما لو قال: هذه الدار لفلان، وأنكر فلان: هل تترك في يده أمي أخذه الحاكم؛ فيحفظه إلى أن يظهر مالكه؟ فيه وجهان.
فصلٌ
إذا ادعى على رجل، فقال: بعتُك هذه الجارية، فأدِّ الثمن، وقال المدعى عليه: بل زوجتنيها- نُظر: إن لم يكن قد استولدها من في يده- تحالفا يحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ثم بعدما حلفا: ترد الجارية إلى من كانت في يده، ولا مهر لها على من يدعي النكاح، دخل بها أو لم يدخل؛ لأنه لا يدعيه، وبأي جهة تعود الجارية إلى من كانت في يده؟ فيه وجهان:
أحدهما: بجهة الإفلاس؛ لأنه تعذر عليه استيفاء الثمن؛ فصار كما لو أفلس المشتري الثمن يفسخ البائع، ويسترد المبيع؛ فعلى هذا: يحل له وطؤها.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
والثاني: ترد إليه بجهة أن له الثمن على من يدعي نكاحها، وتعذر استيفاؤه منه، والجارية له بزعمه، فقد ظفر بغير جنس حقه من ماله؛ فعلى هذا: لا يحل له وطؤها له، ويستوفى حقه من ثمنها، فإن كان الثمن من حقه اتبع من يدعي عليه، وإن كان أكثر: فالفضل للمدعى عليه.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر: رد اليمين على صاحبه؛ فيحلف ويحكم له ببيانه [فإن] حلف البائع أنه ما زوجها، ولم يحلف المشتري؛ أنه ما اشتراها: حلف البائع لقد اشتراها، ويلزمه اليمين، ولو حلف المشتري ما اشتراها، ولم يحلف البائع ما زوجها: حلف المشتري لقد تزوجها، وحكم له بالنكاح؛ فإن كان من في يده الجارية قد استولدها: فالجارية بزعم المدعي- صارت أم ولد للمستولد: لا يجوز له أخذها، وهل له أن يأخذ من المستولد أقل الأمرين: إما الثمن أو المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يأخذ؛ لأنه إن باعها منه فيستحق الثمن، وإن زوجها يستحق المهر.
والثاني: لا يأخذ؛ لأن المشتري حلف ألا يمين له عليه، والمدعي يُقر أنه لا يستحق المهر؛ ولأن جهة الاستحقاق، إن ثبتت فتختلف، وعلى الوجهين: يقر للجارية في يد المستولد، ويحكم بحرية الولد، لأن بزعم المدعي أنها أم ولد، والولد حر، ويحل في الباطن لمن في يده وطؤها، وهل يحل له وطؤها في الظاهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحل له؛ كما في الباطن.
والثاني: لا يحل؛ لأنه لا يدري أنه يطأ منكوحة أو مملوكة؛ كما لو اشترى زوجته بشرط الخيار: لا يحل له وطؤها في زمان الخيار؛ لأنه لا يدري أنه يطأ منكوحة أو مملوكة، وعلى من تجبُ نفقتها؟ إن قلنا: يحل له وطؤها: فعليه نفقتها، وإن قلنا: لا يحل- فقولان:
أصحهما: يكون في كسبها؛ لأنا حكمنا بأنها أم ولد لمن في يده؛ فلا يمكن إيجابها على البائع.
والثاني: يكون على البائع؛ لأنها كانت عليه؛ فلا يسقط عنه بزعمه، ويجري التوارث بين الولد والوالد.
أما الجارية: إذا ماتت قبل موت المستولد: ماتت قنَّة، فإن تركت مالًا من كسبها، فللبائع أن يأخذ الثمن منه؛ لأن- بزعم المستولد-: أنها كانت مملوكة للبائع، وجميع ما تركت له، وبزعم البائع: أنه للمستولد، وهو يستحق عليه الثمن، فيأخذ الثمن، والفضل يكون موقوفًا؛ لأنه لا يدعيه أحد.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
وإن مات المستولد أولًا: يحكم بحريتها، ويكون كسبها لها، فلو ماتت بعده- فمالها لورثته من جهة النسب، والولاء موقوف، فإن لم يكن لها وارث: فالميراث موقوف، فليس للبائع أن يأخذ شيئًا من تركتها؛ لأنها عتقت بموت المستولد، فما جمعت من المال بعده لا يقضي به دُيون المستولد، وحق البائع كان في ذمة المستولد؛ كما إذا أعتق عبدًا، ثم مات المُعتق، وعليه دينٌ، ثم مات المُعتق بعده: لا يقضي من ماله ديون معتقه، فلو أن البائع صدَّق من في يد الجارية لا يريد بتصديقه أمومة الولد، ولا حرية الولد، غير أن اكتسابها يكون للبائع ما دام المستولد حيًا، فإذا مات عتقت وكسبها بعده لها؛ وكذلك: لو أقام المدعي بينة على التزويج: لا تردُّ أمومة الولد؛ لأن بينته تكذبه، ولو أكذب نفسه بعد موت المستولد: لا يكون من كسبها شيء.
ولو صدق المستولد البائع: يجب عليه الثمن، وله ولاؤها.
ولو مات المستولد، ثم صدَّق وارثه البائع: فالجارية حرة بموته، وولده منها حر وارث، وتصديق الوارث إقرار على الموروث بالثمن فيقضي من تركته.
فصلٌ
إقرار العجمي بلسانه صحيح كإقرار العربي بلسانه، وكذلك: أهل كل لسان يقر بلسانه، ولو أقر أعجمي بالعربية، أو عربي بالعجمية: يقبل إقراره، إن فهم ما يقول.
وإن ادعى بعده: أني لم أعرف معناه قُبِل قوله مع يمينه، إن كان ممن يجوز ألا يعرفه.
فإذا شهد الشهود على إقرار رجل بحق: لا يشترط أن يقولوا: كان يوم الإقرار صحيح العقل، غير مُكره ولا محجور عليه.
وما يكتب في الصكوك أنه أقر طائعًا غير مُكره احتياطًا؛ كما لا يشترط أن يقولوا: كان حرًا، فلو ادعى المُقر أني كنت يوم الإقرار صغيرًا: قُبل قوله مع يمينه؛ لأن الإنسان لا يخلو عن الصغر، وإن قال: كنت مجنونًا: فإن عُرف به جنون سابق: قُبل قوله مع يمينه، وإن لم يعرف: لا يقبل، وإن قال: كنت مكرهًا؛ فإن كان ثم أمارة الإكراه: بأن كان محبوسًا أو عليه موكل: قُبل قوله مع يمينه، وإن لم يكن فلا يقبل، والله أعلم.
باب إقرار الوارث
إذا ادعى الحر العاقل البالغ بنسب صغير مجهول النسب: يُلحق به؛ لأن النسب يثبت بالبينة، فيثبت بالإقرار.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
وإن ادعى بنسب بالغ، فإن صدَّقه المقر له يثبت نسبه منه، وإن كذبه- لا يثبت، إلا أن يقيم المدعي على ذلك بينة، وإن لم يكن له بينة: فللمدعي تحليفه؛ لأنه لما سُمعت فيه البينة: ثبت فيه التحليف، فإن حلف سقط، وإن نكل حلف المدعي، ويثبت النسب، فإن كان المقر به معروف النسب من غيره، أو كان في سن: لا يتصور أن يكون ولدًا للمدعي: لا تسمع دعوى المدعي، وإن ادعى نسب صغير أو مجنون مجهول النسب، وحكمتا بثبوته، فبلغ وأفاق، فأنكر: هل يُقبل إنكاره؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يقبل؛ لأنا حكمنا بثبوت نسبه، فلا يرتفع بإنكاره؛ كما لو قامت بينة على نسبه.
والثاني: يُقبل؛ لأنا حكمنا له حين لم يكن له قول، والآن: صار من أهل أن يكون له قول، ولو ادعى نسبه في هذه الحالة، فأنكر: لم يكن يثبت.
ولو ادعى نسب ميت- نظر: إن كان الميت صغيرًا أو مجنونًا: حكم بثبوت نسبه، وله ميراث، وإن كان الميت بالغًا- ففيه وجهان:
أصحهما: لا يثبت إلا ببينة؛ لأنه لو كان حيًا لم يكن يثبت نسبه بمجرد دعواه لا بتصديقه، وتصديقه معدوم.
والثاني: يثبت؛ لأنه عجز بالموت عن التصديق، فصار كالصبي والمجنون، ولو أقر بنسب بالغ عاقل، ثم رجع عن الإقرار، وصدَّقه المقر به- فيه وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يسقط النسب؛ كما لو أقر له بمال، ثم رجع وصدَّقه المقر له في الرجوع.
والثاني- وهو قول الشيخ أبي حامد-: لا يسقط؛ لأن النسب إذا ثبت لا يسقط بالاتفاق على نفيه؛ كالنسب الثابت بالفراش.
ولو ادعى نسب عبد الغير، أو نسب معتقه- نظر: إن أقام عليه بينة: ثبت نسبه، سواء صدقه العبد أو كذبه، فهو رقيق لمولاه.
وإن لم يُقم بينة- نظر: إن كان العبد صغيرًا: لا يحكم به؛ لما فيه من إبطال حق السيد من الإرث بالولاء، وإن كان بالغًا: فإن أنكر العبد: لم يثبت، وإن أقر: فعلى وجهين، هذا إذا ألحق النسب بنفسه، فإن ألحق بغيره؛ بأن قال: هذا أخي ابن أبي، أو ابن أمي: فلا يقبل إلا بعد موت الملحق به، ولا يثبت إلا بإقرار من يجوز جميع تركة الملحق به إرثًا بعد أن يكون المُقر به مجهول النسب، ويصدقه إن كان بالغًا؛ كما قلنا في الإلحاق بنفسه.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
فلو مات رجل عن ابن واحد، فأقر بنسب ابن آخر للميت: ثبت؛ لأنه لا يجوز التركة، ولو مات عن بنين وبنات: فلا يثبت إلا بإقرار جميعهم.
وهل يشترط إقرار الزوج والزوجة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ لأنه من الورثة.
والثاني: لا يشترط؛ لأن الزوجية تنقطع بالموت.
وكذلك: في إثبات الزوجية- هل يشترط إقرار جميع الورثة؟ فيه وجهان.
وإن كان الابن قاتلًا أو عبدًا أو كافرًا، والآن مسلم، لا يقبل إقراره بالنسب؛ لأنه لا يُقبل إقراره عليه بالمال؛ فلا يقبل بالنسب كالأجنبي.
ولو مات مُسلم عن اثنين: أحدهما مسلم، والآخر كافر، فأقر المسلم بأخ ثالث لهما: ثبت، وإن أنكر الكافر؛ لأن المسلم يجوز جميع تركة الميت.
وإن أسلم الكافر بعده: لا يعتبر إقراره؛ لأنه لم يكن وارثًا يوم الموت، ولو كان الميت كافرًا، وله ابنان: كافرٌ ومسلم، فأقر الكافر بابن آخر: ثبت، وإن أنكر المسلم، سواء كان المقر به مسلمًا أو كافرًا، غير أنه إن كان المقر به مخالفًا للميت في الدين: لا يرثه مع ثبوت النسب؛ وكذلك: لو مات عن اثنين: حر وعبد، فأقر الحر بنسب ابن آخر: يثبت، وإن أنكر العبد، وإن أقر أن هذا عمي: فهو إلحاق النسب بالجد، فإن كان أبوه مات قبل جده، وحاز هذا المقر جميع تركة الجد: يثبت النسب بإقراره، وإن كان الجد قد مات قبل الأب: يشترط أن يكون المقر حائزًا جميع تركة من حاز تركة الجد، حتى لو كان لجده ابنان، وماتا يشترط أن يكون هو حائزًا جميع تركتهما، ولو مات عن بنت هي معتقة أبيها، فأقرت بابن للميت: يُقبل، وإن لم تكن معتقة للأب: لا يُقبل؛ لأنها لا تحوز جميع تركة الأب، فإن أقر السلطان معها: إن قلنا: السلطان كالوارث: يثبت؛ وإلا فلا؛ وكذلك: لو مات، ولا وارث له، فأقر السلطان بابن له: إن قلنا: السلطان كالوارث: يثبت هذا إذا لم يقل على سبيل القضاء، فإن قال: على سبيل القضاء، فإن قلنا: القاضي لا يقضي بعلم نفسه: لا يثبت، وإن قلنا: يقضي بعلم نفسه: يثبت، وإن أنكر جميع الورثة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: يشترط في ثبوت النسب عدد الشهادة، ولا يشترط إقرار جميع الورثة حتى قال: لو مات عن ابن واحد، فأقر: لا يثبت، ولو مات عن جماعة من الأولاد، فأقر منهم ابنان، أو ابن وبنتان، فإن أنكر الباقون، فالدليل على ثبوته بقول
[ ٤ / ٢٦٨ ]
الواحد، إذا كان وارثًا: ما روي عن عائشة﵂- قالت: كان عُتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي، وقال عبد بن زمعة: أخي، فتساوقا إلى رسول اللهﷺ- فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول اللهﷺ-: "هو لك يا عبد بن زمعة؛ الولد للفراش، وللعاهر الحجر؛ فدل على ثبوته بقول الواحد، وإنما يثبت نسب المقر به، إذا
[ ٤ / ٢٦٩ ]
لم يكن الأب قد نفاه، فإن كان الأب قد نفاه: لا يثبت نسبه بإقرار وارثه من بعده؛ لأنه يلحق به نسبًا حكم ببطلانه، وإذا مات رجل عن ابنين: أحدهما: عاقل، والآخر مجنون، أو أحدهما بالغ، والآخر صغير، فأقر العاقل بابن آخر: لا يثبت حتى يفيق المجنون، ويبلغ الصبي؛ فيقر به؛ حينئذ: يثبت، فإن مات الصبي والمجنون قبل البلوغ- نظر: إن لم يكن له وارث سوى هذا الابن المقر: يثبت نسبه من غير استئناف إقرار، وإن كان له وارث سواه: فلا يثبت إلا بإقرارهم جميعًا.
ولو مات عن ابنين بالغين، فأقر أحدهما بابن آخر للميت، وأنكر الآخر، ثم مات المُنكر، ولم يكن له وارث سوى هذا الأخ:
[ ٤ / ٢٧١ ]
قال الشيخ﵀-: إن كان له وارث آخر، فأقر به: هل يثبت نسبه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأنه صار جميع الميراث له.
والثاني: لا يثبت؛ لأن الجاحد أبطل حُكم النسب بالجحود، كما لو نفى الأب نسبه باللعان، أو جحد نسبًا، فنفاه عن نفسه: لم يجز لوارثه استلحاقه.
ولو مات عن ابن، فأقر لرجلين أنهما أخواي، وصدق كل واحد صاحبه: يثبت نسبهما، فلو أنهما تكاذبا، وأنكر كل واحد نسب الآخر: هل يثبت نسبهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: يثبت؛ لوجود الإقرار لهما ممن يجوز التركة.
والثاني: لا يثبت؛ لأنه في الحقيقة إقرار أحد الابنين.
وإن صدق أحدهما صاحبه، وكذب الآخر: يثبت نسب المصدق دون المكذب.
ولو مات عن ابن، فأقر بنسب ابن آخر، وأنكر المقر له نسب المقر: لا يقبل قوله في رد نسب المقر، وهل يثبت نسب المقر له؟ فيه وجهان:
أصحهما: يثبت؛ لأنه أقر به من جاز التركة.
والثاني: لا يثبت؛ لأن- بزعمه- أن المقر ليس بوارث؛ فلا يصح إقراره، ولو مات عن ابن، فأقر بنسب مجهول، ثم هما أقرا بنسب ثالث، وأنكر الثالث نسب المجهول الأول، فنسب الثالث ثابت، وهل يسقط نسب المجهول الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يسقط؛ لأن الثالث ثبت نسبه بإقرارهما؛ فلا يجوز أن يسقط نسب الأصل بالفرع.
والثاني- وهو الأصح-: يسقط؛ لأن الثالث يثبت نسبه، فاعتبر إقراره في ثبوت نسب الثاني، ولو أقر الابن الوارث بنسب أحد التوءمين: يثبت نسبهما؛ لأن التوءمين لا يتفرقان في النسب، فإن أقر بهما، وكذب أحدهما الآخر: لم يؤثر التكذيب في نفي نسبهما.
هذا كله كلام في النسب.
أما الميراث: فهل يثبت للمقر به؟ نظر: إن كان المقر به لا يحجب المقر عن الميراث: يرث معه؛ كالابن يقر بابن آخر للميت، أو ميت يشاركه في الميراث، وإن كان يحجبه: فلا يرث: مثل: إن مات رجل عن أخ أو عم أو معتق، فأقر بابن للميت: يثبت النسب، ولا يثبت الميراث؛ لأنا لو ورثناه: صار المقر محجوبًا، وإقرار المحجوب
[ ٤ / ٢٧٢ ]
بالنسب لا يقبل بإثبات الميراث له؛ فيجر إلى سقوطه وسقوط نسبه؛ فأثبتنا النسب، وأسقطنا الميراث.
وقال ابن سريج: يرث المقر به، ويحجب المقر؛ لأن حجبه لو كان يسقط إقراره: لكان لا يقبل إقرار الابن، بابن آخر، وإذا قبل لكان لا يشاركه في الميراث؛ لأن المقر يصير محجوبًا عن بعض الميراث؛ فلا يكون الإقرار ممن يحوز جميع التركة.
والأول المذهب؛ لأن الابن إذا أقر بابن آخر، وصدقه المقر به: كان إقرارًا ممن يأخذ جميع الميراث.
ولو أقر أخ الميت بابنة للميت ترث معه؛ فلها النصف، والباقي للأخ؛ لأن إقرار الوارث بمن يزاحمه، ولا يحجبه: لا يمنع الميراث.
ولو مات عن بنت هي معتقة الأب، فأقرت بولد للميت: يثبت النسب، وهل يرث المقر به؟ نظر: إن كان المقر به أنثى: يرث، فالثلثان بينهما والباقي لمعتقه، وإن كان المقر به ذكرًا: هل يرث؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرث؛ فيقسمان التركة؛ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن توريثه لا يسقطها عن عصوبة الولاء بالكلية؛ كما لو مات عن ابنة ومعتق، فأقر بابن للميت: لم يرث؛ لأنه يحجب المعتق.
ولو ادعى على رجل بأني ابن أخيك الميت، وأقام عليه بينة: ثبت النسب والميراث، وصار الأخ محجوبًا، وإن لم يقم بينة، وأنكر المدعى عليه، ولم يحلف، وحلف المدعي: ثبت نسبه، وهل يرث؟
إن قلنا: النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار: لم يرث، وإن قلنا: بمنزلة البينة من المدعي: ورث، وصار الأخ محجوبًا، وعلى هذا: لو مات رجل عن أخ، وله عبدان أعتقهما الأخ، ثم جاءت امرأة، وادعت أنها زوجة الميت، وهي حامل منه، فأنكر الأخ، فشهد المعتقان للزوجة: تثبت الزوجية ونسب الولد من الميت، ولا ميراث للولد، وكان ابنًا، لأنا لو ورثناه صار الأخ محجوبًا، وإذا صار محجوبًا- لم يصح إعتاقه للعبدين، ولم تصح شهادتهما، فإذا بطلت شهادتهما: لم تثبت الزوجية والنسب؛ فأثبتنا النسب، وأسقطنا الميراث، وإن كان الولد بنتًا: هل ترث؟ نُظر: إن كان الأخ معسرًا يوم الإعتاق: لم ترث؛ لأنها لو ورثت لم ينفك عتق الأخ إلا في الفضل عن فرض البنت، وبقي الباقي رقيقًا، ففيه إبطال شهادتهما، وإن كان الأخ موسرًا يوم الإعتاق، إن قلنا: السراية تقع بنفس الإعتاق: ترث البنت؛ لأن توريثها: لا يمنع من تكميل العتق، وإن قلنا: تقع السراية بأداء القيمة: لم ترث المرأة، ولا البنت؛ لأنه يمنع تكميل العتق حالة الشهادة.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
قال الشيخ: إذا كان للميت أخ وزوجة، فأقرا بابن للميت: ثبت النسب، ولا ميراث للابن، ويكون للزوجة الربع، وإن كان عندها أن الابن يحجبها إلى الثمن؛ كما أنه يورث الأخ، وإن كان عنده محجوبًا بالابن، وكما جعلنا الابن كالمعدوم في ميراث الأخ، كذلك: في حق الزوجة حتى لو ماتت امرأة عن زوج وأم وأخت: فالمسألة عائلة من ستة إلى ثمانية؛ فلو أقروا بابن للميت: ثبت نسبه، ولا ميراث له؛ لأنا لو ورثناه صارت الأخت محجوبة، وتقسم التركة بينهم على العول؛ كما تقسم عند عدم الابن، وإن كان الابن لو ورث لم تكن تعول المسألة.
ولو مات عن زوجة وأخ، فأقرت الزوجة بابن للميت، فأنكر الأخ: لم يثبت النسب والزوجة ماذا تأخذ؟ نُظر: إن كانت التركة في الأخ: فلا يأخذ إلا الثمن؛ لأنها منكرة للزيادة، وإن كانت في يدها: فالأخ لا يأخذ إلا ثلاثة أرباعها، ثم الزيادة على الثمن: هل يترك في يدها؟ فيه وجهان، قد ذكرنا أنه إذا مات عن ابنين، أقر أحدهما بابن ثالث، وأنكر الآخر: لا يثبت النسب، وكذلك: لا يثبت الميراث له؛ فيأخذ نصف ما في يد المقر؛ لأنه يقر أنهما في الميراث سواء، وجعل كأن المنكر وما في يده لم يكن.
وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذ ثلث ما في يد المقر بتفاوت ما بين فرضية الإقرار والإنكار.
وعندنا: لا ميراث له؛ لأنه توريث بالنسب، والنسب غير ثابت، فيستحيل ثبوت الميراث.
ولو ادعى رجل نسب عبد في يده، وقال: هذا ابني- نظر: إن كان صغيرًا، وكان مجهول النسب: ثبت نسبه، ويحكم بعتقه، وهل يكون عليه ولاؤه؟ فيه وجهان:
وإن كان كبيرًا- نظر: إن كان أكبر سنًا منه: فلا حكم لقوله، ولا يعتق به؛ وكذلك: لو قال لمن هو أصغر سنًا منه: هذا أبي: لا يعتق.
ولو قال: هذا ابني، وكان في سن يتصور أن يكون مثله ولدًا له، وأقر به للعبد: ثبت النسب والحرية، فإن كذبه العبد: لا يثبت النسب، وهل يحكم بعتقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا نحكم بعتقه؛ كما لو قال لمن هو أكبر سنًا منه؛ لأن الحرية تترتب على النسب، فإذا لم يثبت النسب: لا تثبت الحرية.
والثاني: نحكم بعتقه، لأن ثبوت النسب- ههنا- محتمل.
وكذلك: لو كان العبد معروف النسب من غيره، فقال السيد: هذا ابني: لا يثبت النسب، وفي العتق وجهان.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
فصلٌ
رجل له جارية، ولها ولد، فقال: هذا ولدي من هذه الجارية استولدتها في ملكي: يثبت النسب للولد، ولا ولاء عليه، وتكون الجارية أم ولده؛ تعتق بموته، سواء وجد هذا الإقرار في الصحة، أوف ي المرض.
ولو قال: هذا ولدي من هذه الجارية، ولم يزد عليه: ثبت نسب الولد، وهل تكون الجارية أم ولد له؟ لا؛ لأن الظاهر أنه استولدها في الملك.
والثاني: لا تكون أم ولد له، لاحتمال أنه استولدها بملك النكاح، ثم اشتراها، ولو قال: هذا ولدي من هذه الجارية ولدته في ملكي، هل تكون أم ولد له؟ قيل: فيه قولان؛ كالأول، وقيل: ههنا: تصير أم ولد له؛ لأنه أضاف الولادة في الملك، ولا تصير به أم ولد، فإن قلنا: تصير أم ولد له، فلا ولاء على الولد، وإلا فيثبت، وعلى هذا: لو قال لجاريته: هذه أم ولدي أو التي أولدتها في ملكي: لا يجوز له بيعها، وقال: أولدتها بالنكاح: جاز له بيعها، ولو قال: أم ولدي، ولم يزد عليه، هل يجوز له بيعها؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز، ويُحمل على الاستيلاد بملك اليمين، وإذا كان لرجل أمتان؛ لكل واحدة ولد، فقال المولى: أحد هذين ولدي: يؤمر بالتعيين؛ وذلك إذا لم يكونا مزوجين، فإن كانتا فراشًا: فإن أقر بوطئهما جميعًا: فالولدان يلحقان به، وإن كانت إحداهما فراشًا: فلا يتعين إقراره في ولد المستفرشة، بل يقال له: عين، فإن عين في الأخرى، فهما ملحقان به، وإن كانتا مزوجتين: فلا يقبل قوله، والولدان ملحقان بالزوجين، فإن كانت إحداهما مزوجة: لا يتعين إقراره في غير المزوجة، بل يؤمر بالتعيين، فإن عين في ولد المزوجة: لم يقبل، وإن عين في ولد الأخرى: ثبت نسبه منه، فإذا لم يكونا مزوجتين، ولم يكونا فراشًا، وأمرناه بالتعيين، فإذا عين في أحدهما: ثبت نسبه، وهل تصير أمته أم ولد له؟ نُظر: إن قال: استولدتها بملك اليمين: صارت أم ولد له، ولا ولاء على الولد، لأنه خُلق حرًا، وإن قال: استولدتها بملك النكاح: لم تصر أم ولد له، والولد عتق عليه بالملك، وعليه الولاء، وإن قال: بوطء شبهة: فهل تصير أم ولد له؟ فيه قولان.
وإن أطلق: يحمل على الاستيلاد بملك اليمين؛ لأنه الظاهر من أمر المملوكة، فحيث حكمنا بتصييرها أم ولد له: فلا ولاء على الولد، وإلا فيثبت.
وإن قال: استولدتها بالزنا: لا يقبل هذا التصيير، وهو كالإطلاق، فإن وصل باللفظ: فلا يثبت النسب، ولا أمومة الولد، ثم إذا عين في ولد إحداهما: فللأخرى أن تدعي عليه، والقول قول السيد مع يمينه، فإن نكل حلفت هي، وحكم بحرية ولدها، وهل تصير أم ولد؟ فعلى التفصيل الذي ذكرنا وإن مات السيد قبل التعيين: قام وارثه مقامه في
[ ٤ / ٢٧٥ ]
التعيين، فإن عين في إحداهما: فهو كتعيين المورث، وللأخرى أن تدعي عليه، وإن لم يكن له وارث، أو قال الوارث: لا أعلم: أرى الولدان القائف؛ فأيهما لحقه: كان حرًا، وثبت النسب منه، ويرث، وهل تصير الأم أم ولد له؟ حكمه حكم ما لو أطلق السيد، إن لم يكن السيد بين النسب.
وإن لم يكن قائف: أقرع بينهما؛ فمن خرجت قرعته: حكم بحريته، وفي تصييرها أم ولدها قولا الإطلاق، ولا يحكم بثبوت نسب من خرجت قرعته، ولا ميراث له؛ لأنه لا مدخل للقرعة في النسب والميراث، ولا يوقفان؛ حتى يبلغا فينسبا، بخلاف ما لو تنازع رجلان في ولد، ولم يوجد قائف؛ حتى يبلغ الولد، فينسب إلى أحدهما؛ لأن- ههنا- ربما ينسب كل واحد منهما إليه؛ وحينئذ: لا يكون أحدهما أولى به من الآخر، وهل يوقف من تركته ميراث ابن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوقف؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه لا يعينها، ومات قبل البيان، فيوقف لهما ميراث زوجة.
والثاني: لا يُوقف؛ لأن النسب لم يتحقق ههنا، وهناك: الزوجة كانت حقيقة.
ولو كانت لرجل أمة، لها ثلاثة أولاد، فقال: أحد هؤلاء ولدي: يؤمر بالتعيين؛ فإن عين في الأصغر: ثبت نسبه وحريته وميراثه، وفي ثبوت الولاء عليه وثبوت أمومة الولد للأم: ما ذكرنا من التفصيل، والولد الأكبر والأوسط رقيقان، فإن عين في الأوسط: ثبت نسبه وحريته وميراثه، والابن الأكبر رقيق، أما الأصغر نص أنه يعتق بموته، لأنه ولده، والولاء يخرج على التفصيل الذي ذكرنا، فإن قال: استولدتها بالأوسط بملك النكاح: فالأصغر رقيق لا يعتق بالموت كالأم، وعلى الأوسط، الولاء، وإن استولدها بملك اليمين- نظر: إن ادعى الاستبراء عقيب وضع الأوسط: فالأصغر رقيق غير ثابت النسب منه، غير أنه ولد أم يعتق بموته كالأم، وإن لم يدَّع الاستبراء: فوجهان:
أصحهما: أن الأصغر ملحق به؛ كالأوسط: يرثان منه.
والثاني: هو أنه ولد أم والولد غير ثابت النسب يعتق بموته؛ لأن الاستبراء حصل بالأوسط.
وإن استولدها بالأوسط بوطء الشبهة: إن قلنا: الأم لا تصير أم ولد له: فالأصغر رقيق؛ يحل بيعه.
وإن قلنا: تصير أم ولد: فهو ولد أم الولد يعتق بموته، وإن أطلق- فيحمل على الاستيلاد بملك اليمين، أم بملك النكاح؟ فعلى القولين.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
وإن عين في الولد الأكبر: ثبت نسبه وحريته وميراثه، وفي حرية الأوسط والأصغر: ما ذكرنا من التفصيل.
ولو مات السيد قبل التعيين: قام وارثه مقامه، وإن لم يكن له وارث: يرى القائف بنيه، فأيهم ألحقه به- ثبت نسبه وميراثه في حكم الآخرين- على ما سبق من التفصيل؛ فإن لم يكن قائف أو لم يُعرف: يُقرع بينهم، فمن خرجت قرعته: حُكم بحريته، والأم هل تكون أم ولد له؟ فعلى القولين:
المنصوص: أنها أم ولده، ولا يثبت النسب ولا الميراث، وهل يوقف الميراث؟ فيه وجهان.
قال الشيخ﵀-: وإذا خرجت القرعة للأكبر: فحُكم الأصغرين حُكم الأم في الحرية.
واختار المزني: أنه يوقف الميراث، فإن كان له ابن معروف: يدفع إليه رُبع الميراث، ويدفع الربع إلى الأصغر؛ لأنه ولد بكل حال، ويوقف للأكبر، والأمر على ما ذكر إذا حملنا الاستيلاد على ملك اليمين، ووقفنا الميراث.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: عتق الأصغر كله؛ لأنه حر بكل حال، وعتق من الأوسط ثلثاه؛ لأنه حر في الحالتين، رقيق في حالة أخرى إذا عين فيه أو في الأكبر، رقيق إذا عين في الأصغر، وعتق من الأكبر ثلثه؛ لأنه حر في حالة، وهي: إذا عين فيه، رقيق في حالتين، وهو: إذا عين في الأوسط، أو في الأصغر، قال: ويعتق من الأم بعد موته ثلثاها؛ لأنه عتق من أولادها الثلثان، والله أعلم.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم